بدأت "ونيسة" بالتعافي بشكل كبير من تلك الجلطة التي أصابت قلبها من شدة الغضب وأسفرت عن انسداد جزئي للأوعية الدموية. كانت ستخسر حياتها وتفقدها عائلتها لولا تمسكها بالحياة وصمودها النفسي في المقام الأول، وبالطبع جهود المستشفى في علاجها والاعتناء بها على أكمل وجه. وها هي قد خرجت من غرفة العناية المركزة لتنتقل لأخرى عادية وتستعد للمغادرة والعودة للمنزل، واستكمال علاجها وسط عائلتها التي يجلس أغلبها حولها بفرح، كلا من "بثينة ومها ويحيي وبلال".
هتف "يحيي" وهو يمسك بيدها بسعادة: -حمد لله على السلامة يا ست الكل. ابتسمت له ومسحت على رأسه برضاء مجيبة: -الله يسلمك يا حبيبي. تحدثت "بثينة" بفرح: -قومي بقى واقفة على رجلك وكيدي عزالك. أضافت "مها" وهي تعدل من غطائها: -والله البيت مظلم من غيرك. تدخل "بلال" ليمازحها: -قومي بقى يا ست الكل، ابنك هفتان ومعدته نشفت من الأكل الجاهز ونفسه في أكلة من إيديكي الحلوين. أنهى حديثه بأن طبع قبلة على يدها بامتنان. فردت "ونيسة":
-هو ده اللي همك يا مفجوع. ضحك الجميع وعمت الفرحة بشفائها. الكل حولها يحتفل ويضحك، لكن واحد فقط اختفى عن المجلس ويشغل عقلها. سألت عنه بقلق: -زيد فين؟ أجاب "بلال" وهو يخرج هاتفه من جيبه: -جاي في الطريق هو وصبا. مجرد نطق اسمها أغضبها، فكيف برؤيتها؟ ظهر هذا التحول على وجهها ولاحظت بثينة هذا، فهتفت لتطمئنها: -خلاص يا ونيسة، قريب أوي ربنا هيبرد نارنا ويطيب خاطرك وتفرحي بيه على نهي.
أمعنت النظر لتفهم معنى بداية جملتها، لكنها كانت في حالة من الحزن لعدم وجوده معهم. كان من المفترض أن يكون أول الحاضرين، لذا هدرت متأثرة: -زيد نساني، نسي أمه. أسرع بلال بالدفاع عنه موضحاً: -لا يا ماما، زيد كان هنا بالليل وكل يوم كان بيجي، بس المصيبة اللي حصلت خلته ما يغمضلوش عين. واستأنف "يحيي" الحديث مدافعاً: -الصراحة، الله يكون في عونه، المخزن اتحرق والمعرض بتاع القاهرة والشغل هنا، كل حاجة فوق دماغه. أصابها الحزن
على ما جرى لابنها وقالت: -يا حبيبي، ربنا يكون في عونه، المسؤولية كبيرة عليه. تغيرت ملامحها وهي تضيف بإنزعاج: -كان قدامها أسود، بنت بشرية. هتفت "مها" بتعجب: -حد يصدق إن كل ده يحصل في أسبوع. حركت "بثينة" يدها بعشوائية وهي تقول: -ولسه، ربنا يستجيب دعائي ويأخدها، يريحنا منها. نظر كلا من يحيى وبلال لبعض بحيرة. يحبون أخيهم، ودعوة عمتهم هذه ستعيده لذكريات سيئة وحالة أسوأ. في سيارة زيد
انطلقت السيارة ويداهما ممسكة ببعض، حالة من الانسجام كانت بينهما. لقد جمعهما النصيب بترتيب غريب لتحيي ما مات منه، لتعيش لحظات من السعادة ظن أن لن يحصل عليها أبداً. لقد كانت قدراً جميلاً أضاف لحياته المظلمة نكهة لذيذة. عيناها لم تتحرك من عليه وهي تميل برأسها على كتفه باستمتاع. كان عوضاً جابراً لكل ما عانته، وكأنه كان حجراً ناقصاً في منتصف البناء وهو أكمله، راضية تماماً بنظراته المتقطعة التي وزعها بينه وبين الطريق. أصلاً، إن ظل جوارها يكفي. مدت يدها لتفتح مسجل السيارة بأغنية رومانسية أوصلتها على هاتفها عبر البلوتوث. بدأت الموسيقى بتدفئة أحاسيسهم وقول ما لم تستطع ألسنتهم قوله.
أنا ما أعيش من دونك.. وأشوف الدنيا بعيونك حبك على قلبي انتصر.. عاشقة أنا أنا لو كنت ما أحبك.. وأغلى الناس ما حسبك أنت أول وآخر مكان.. ياخذني لو دار الزمان واعتبره إلي بر الأمان.. حضنك يصير مني أحس جداً قريب.. ما يوم ولا لحظة تغيب الحب الأول والحبيب.. وانت الأخير أنا ما أعيش من دونك.. وأشوف الدنيا بعيونك أبد ما غبت عن عيني.. وعايش بيني مابيني أنا لو كنت ما أحبك.. وأغلى الناس ما حسبك
ويلي ويلي يا كل الحب.. ويلي ويلي فداك القلب يا أغلى من كل البشر.. يا أحلى من كلمة قمر أموت أحسن إلي وربك.. إذا ناسيك أنا ما أعيش من دونك.. وأشوف الدنيا بعيونك يا ماخذ عقلي من راسي.. أنا أهواك أبد ما غبت عن عيني.. وعايش بيني مابيني كل لحظة إحساسي يزيد.. كل نبضة غيرك ما أريد أموت أحسن إلي وربك.. إذا أنا ما أعيش من دونك.. وأشوف الدنيا بعيونك يا سيد الحب الوحيد.. عاشقة أنا أموت أحسن إلي وربك.. إذا
حبيبي وسيد إحساسي.. يابعد أهلي وناسي ياماخذ عقلي من راسي.. أنا أهواك أموت أحسن إلي وربك.. إذا ناسيك أبد ما غبت عن عيني.. وعايش بيني مابيني أموت أحسن إلي وربك.. إذا ناسيك أنا لو كنت ما أحبك.. وأغلى الناس ما حسبك ويلي ويلي يا كل الحب.. ويلي ويلي فداك القلب من دونك يا حبيبي.. وأشوف الدنيا بعيونك بكامل عقلي مجنونك.. دوم أنا أحبك وهايم بيك أموت أحسن إلي وربك.. إذا ناسيك. في قربك دوم خليني ... أنا أرجوك. تحدث
وهو ينظر في عينها بعمق: -ولا قال نص كلمة من اللي بحسه وأنا معاكي. احتضنت ذراعه وابتسامتها تلمع وتنير وجهها وهتفت بسعادة لا تعرف قدرها: -طيب ما تقول أنت. أدار وجهه ليناظر الطريق أمامه وفمه مرسوم بابتسامة مرحة، ثم قال مشاكساً: -طماعة. فكررت محاولتها وهي تتشبث بذراعه أكثر: -قول بقى كلام حب. اندفعت ضحكة عالية منه رغماً عنه واستمر دون توقف، وهي تزداد تعلقاً وطفولة وكأنها طفلة متعلقة بلعبة في أحد محلات اللعب:
-بالله بالله قول بقى. تصنع الغضب وهو يهدر بزنقة مسطنع: -أقول إيه؟ يعني إنتي مش شايفة بعينك الورطة اللي أنا فيها. تحدثت بعصبية وقلبها يقفز من مكانه متعلقاً بكلمة من فمه: -وفيها إيه لما تقول؟ اعترف. أجاب وهو يرمي لها نظرة جانبية مشبعة بالمرح: -أعترف إنك سحرتيني يعني. رغم سخافة الدعابة التي سمعتها من قبل إلا أنها ضحكت قائلة: -هههه لأ شوف حاجة تانية.
ابتعدت عنه عندما تذكرت أن أسوأ أيامها ستبدأ عند خروج ونيسة وقدوم "نهى" وتعكر مزاجها، لتنظر من النافذة بصمت. فالتفت لها وسأل متعجباً: -إيه زعلتك أوي كدا؟ لم تجبه وظلت تحدق بعيداً ورأسها يضج بالأفكار. مد ذراعه ليعيدها من جديد إلى أحضانه ليراضيها قائلاً: -يرضيكِ إنك موشومة في قلبي وعقلي وبتجري في دمي. أنسى كل شيء فعادت تنظر إليه وتبتسم برضاء، ورفعت حاجبيها معاً وهي تعانده بقول: -لا.. أكتر.
مال بجبهته على جبهتها ومسح طرف أنفه بأنفها، هتف مداعباً: -قولتلك طماعة. عاد ببصره نحو الطريق، أجابت وهي تمسك بيده بحب: -الطمع في حبك واجب. غمز بطرف عينه وابتسامته لا تفارق فمه وهو يقول بهيام: -أنا مش هعرف أغلبك كدا، طيب إيه نلف نرجع؟ وضعت يدها على يده وتحدثت بعشق تام: -بحبك يا زيد حافظ على الحب دا ما تخليش حد يفرق بينا. مط شفاه ونفخ صدره قائلاً بغرور: -ليه إنتي متجوزة أي حد؟
ما تخفيش وجودي وحبي متوقف عليكي إنتي، اعقلي كدا وإثبتي وإحنا مافيش حد هيفرق بينا. مالت على كتفه واطمأنت. زيد أعطاها الدنيا وهي أعطته حياة، أرواحهم متشابهة وقلوبهم المتألمة ارتاحت، والروح إذا التقت بمن يشبهها ترممت وتعافت واكتملت. "في المستشفى" دخلت "صبا" ومعها زيد. رغم شوق ونيسة إلى زيد إلا أن عينها والنظراتها الحانقة لم تفارق وجه صبا ولم تحيد عن جانبها. مدت "صبا" شفاها مغتصبه ابتسامة باردة على شفاها وهي تقول:
-حمد لله على سلامتك يا طنط. لم تجب "ونيسة" واستمرت بإخبارها بشكل ملحوظ أنها غير مرغوب بها. تدخل "زيد" لينقذ صبا من الحرج هاتفا: -صبا كانت قلقانة عليكي جداً يا أمي. أجابت ساخطة وهي ترمي نظرة حانقة: -توفر قلقها على الأحمر والأبيض اللي حطاه في وشها. دا شكل واحدة جاية لحماتها المستشفى. اتسعت عين صبا وهمت بالرد مستنكرة ملاحظتها الشديدة:
-أنا ما حطتش أحمر وأبيض يا طنط، دا جمال رباني. والله أنا كدا اطمنت عليكي نظرك زي الفل وعقلك بخير. هنعوز إيه تاني؟ حمد لله على سلامتك. أمسك "زيد" بمعصمها خفية ليهمس في أذنها: -خفي يا صبا ماما تعبانة وما صدقنا إنها هتروح معانا بلاش مناهدة. جزت على أسنانها وتحدثت بنبرة غاضبة رغم خفوتها: -أمك لسانها طويل. حركها بخفة حتى لا يلاحظ أحد همساتهم الجانبية: -يا بنتي بطلي أسلوبك دا قدامي اتكلمي بأسلوب كويس.
اغتصب ابتسامة رغماً عنها لتقول موجهة حديثها لـ "ونيسة": -ألف لابأس عليكي يا طنط البيت هينور تاني. تحدثت "ونيسة" بانزعاج: -ضلم بيكي كان قدامك قدم شؤم. هتفت متزمرة مع المحافظة على الخفوت بينهم: -شايف أمك أهي خلتني السبب في الجلطة ياريتها كانت جات في لسانها كنا ارتحنا. دفعها "زيد" عند هذه اللحظة إلى جانب الغرفة، صائحاً بحدة: -صبا ما تغلطيش. أجابته وهي تركل الأرض بعصبية: -إنت مش شايف أمك.
رمقها بنظرة محذرة لتتوقف في الحال عن العصبية وتنظر إليه بثبات خشية من تحوله. قال بنبرة حازمة: -حسني ألفاظك. همهمت بسخط وأدارت وجهها لتتمتم سراً: -أحسن ألفاظي والله إنت متربي أحسن من أمك دي أمك عايزة ألفاظ أكتر من كدا بس عشان الرقابة مش هنقول. زعق متعصباً: -بتبرطمي تقولي إيه؟ التفت إليه لتجيبه ببرود: -ولا حاجة بدعيلها. لم يصدقها لكنه مررها لأنه يرى تصرفات والدته معها. حافظ على عبوسه حتى يتمكن من
السيطرة عليها وهتف بجدية: -تعالي ننزل نشوف بلال ويحيى خلصوا إجراءات الخروج مش هسيبك هنا لاحسن أمي حالتها تسوء. هتفت بتذمر وهى تتبعه: -وأنا أقعد مكانها. تجاهل تذمرها رغم سماعه الجيد لما تقول، سألها مدعياً الخشونة: -بتقولي حاجة؟ أجابته بامتعاض: -ولا حاجة بدعيلكم. التف عنها فرفعت يدها للسماء ثم أشارت باتجاه غرفة والدته وعادت تشير إلى عنقها بحركات سريعة عشوائية. أدار وجهه نحوها فهتفت مبررة وهي تحرك يدها:
-مش ممكن الناموس هنا حاجة فظيعة. عاد بوجهه للأمام وابتسم على حركاتها وتبريراتها الطفولية. رغم حرصه على احترامها لوالدته إلا أنه يغرم بها ويتعلق بتصرفاتها المجنونة وتبريراتها الغير منطقية. بالطرق الجانبية
تركها "زيد" ليحضر بعض الأوراق ويجهز لخروج والدته. كانت تقف بملل تعبث في هاتفها وتتحدث مع عائلتها الكبيرة التي جمعتها حولها لتشعر بالدفء في بث قصير فعلته وأطفأته سريعاً لقد حصلت على ألوف المشاهدات في هذه الدقائق المعدودة وأشغلت الجميع بحضورها.
على فجأة ظهر أمامها شبح أفزعها وجعلها تتيبس في مكانها. معروف عن الأشباح أنها مخيفة، لكن في بعض الأحيان بنى آدم يكون أكثر مخافة. ظلت تنظر له وهو يقترب باتجاهها لازال يبتسم ابتسامته الباردة ويمشي كالمومياء بوجه خالٍ من علامات تقدم السن وكأنه مصاص دماء لا يكبر ولا يشيخ. لكن هذه المرة لن تنخدع أبداً فقد رأته في أبشع حال ورأته عارياً من الصدق والحنان الذي يدعيه واشترت منه الأحلام وكل بضاعته مزجة. "رياض" مثال الإنسان القذر الذي ألقنها درساً لن تنساه طيلة حياتها. وقف قبالها
وهتف بابتسامته الخبيثة: -صبا وإتقابلنا تاني؟ مهما هربتي مني الدنيا بينا صغيرة ومسيرك هتحتاجيني تاني. شريط قصير وأحداث متلاحقة جعلتها ترتجف قليلاً. ما مرت به ليس سهلاً، لكنها باتت أيقظ من أن تفتن به وتقع في شباكه. هدر عندما حافظت على صمتها: -أنا عارف إنتي عايشة إزاي وعارف كمان إن مهما زيد عيشك كويس عمره ما هيقدر يحميكي من عيلة بأكملها. كلامه جعلها تهتز، إنه يلعب على وتر حساس وكأنه يدري بأسوأ كوابيسها. استرسل بصوت
كالفحيح ليستحوذ على عقلها: -ما تبقيش غبية زي أمك. وقد على الفور ذهنها ليشتعل بنار الغضب والانتقام. سحقت كلماتها دون سابق إنذار أو تمهل: -أومين أمك. اتسعت عينها بشر وكأنها تحولت لشخص آخر أو أخرجت الوحش الكامن بداخلها لتجزره دون رحمة ودون احترام: -لو فكرت تقرب من حياتي تاني هوريك صبا الواصل هتعمل فيك إيه؟ أنا بت بشري اللي الكل بيعملها ألف حساب أنا مش بس أقدر أخرجك من البلد دي أنا أخرجك من الدنيا كلها.
نبرتها كانت محتده كشريرة خرجت لتو من أسطورة. رآها متمردة وشرسة وخطيرة كأمها. لن ينكر انبهاره بها وصاح بإعجاب: -القطة طلعلها ضوافر وبقت بتخربش بتهدديني؟ كانت تمتلي بالثقة بنفسها وبظهرها القوي "زيد". أجابته دون أن يرف لها جفن: -أنا ما بهددش أنا بنفذ على طول. أشارت بطرف بنانها لبعيد وهى تأمره بحدة: -ودلوقتي مش عايزة أشوفك تاني.
بالفعل تحرك من أمامها وابتسامته الكريهة لازالت مستمرة على وجهه. أجفلت لتهدأ من بعد مروره عليها كالعاصفة وقلبها ينبض بسرعة لم تتخيلها. على فجأة شعرت بيد تمسك بكتفها فدفعتها وانتفضت برهبة، لتجده زيد والذي تعجب من تصرفها وسألها بدهشة: -مالك في إيه؟ سحبت أنفاسها لترتب كل ما حدث وتعيد لنفسها الاطمئنان لتجيب عليه بهدوء: -ما فيش عايزه أروح. أشار بتعجب نحو البوابة وقال: -يلا خلاص هنمشي اطلعى استني في العربية.
تحركت بسرعة ومشي هو إلى جوارها وعاد يسأل ويلح بقلق: -حد ضايقك؟ حد زعلك؟ قولي يا بنتي مالك مش على بعضك ليه؟ تماسكت حتى تبدو طبيعية ولا تخبره عن مقابلة رياض. لن تشغل باله بهذا الحقير ولن تدمر سعادتها بشك جديد. فهي تريد أن تمحي هذا الجزء من حياتها لعله فعلاً يمحا بنسيانها له. أجابت بابتسامة: -ماليش يا حبيبي أنا كويسة هو في أحلى من كدا حماتي خارجة النهاردة وهتنغص عليا عيشتي بذمتك في أحسن من كدا يخليني مش على بعضي.
زمجر وهو يفتح لها باب السيارة الأمامي: -صبا راعي شعوري شوية دي أمي. وقفت أمامه ونظرت بعينه وهتفت دون اهتمام: -يا روح أمك. مدت شفاها وأردفت: -وقلبي أنا. دخلت إلى السيارة وتركه متحيراً من هذا التعبير الذي لا يفسر إن كان استهزاء أم غزل، لكن الأكيد أن صبا خرجت تماماً عن السيطرة.
أتت والدته وظلت صبا تنظر إلى قدومها على الكرسي المتحرك ببرود دون أن تغادر السيارة. مهما حدث لـ "ونيسة" لن يرق قلبها على حالها فهي لم تعطها ما يكفي من الحنان لترده لها هي الآن. سعى زيد ليفتح لها باب سيارته الخلفي لكن "ونيسة" هتفت بتسلط: -لا أنا هقعد قدام.
وضعت زيد بوضع حرج فهو لن يأمر صبا بالتقهقر للخلف وبنفس الوقت لن يعرف أن يرد طلب والدته. نظرت صبا إليها بضيق واستمرت مبارزاتهم بالعين حتى رأت عين "زيد" الحائرة فنزلت من السيارة من تلقاء نفسها لتفتح لها الباب قائلة: -اتفضلي يا طنط. زجرتها "ونيسة" بحنق وردت عليها بقسوة: -طنط أما تنطتك قوليلي يا نينة. طفح الكيل وهي ما عادت تحمل هذا الوضع. رفعت يدها للسماء لتقول بعصبية: -يااارب إنت عارف كل حاجة.
لم يتدخل زيد الذي كان يتمنى أن تكون علاقتهم ببعض أفضل من هذا أو كما كانت والدته تعامل "غالية" زوجته السابقة، خاصة أنه وجد راحته الكاملة مع هذه المجنونة برغم اختلاف الجميع معها.
اتخذ كلٌ موقعه وجلست صبا خلف زيد مباشرة وونيسة بالمقدمة إلى جوار والدها، بينما استقلت مها وبثينة سيارة "حسين" وسلكوا جميعاً طريق العودة إلى القصر. ظلت "صبا" طوال الطريق تنظر من النافذة وتتذكر كيف غدت هذا الطريق بسعادة وهي ذاهبة معه وكيف حرمتها أمه من هذه السعادة وعكرت مزاجها. لاحظت يد "زيد" التي امتدت خلف ظهره محركاً أطرافه ليدعوها لتمسك بها. ابتسمت بخفة على حركته المجاملة هذه ليخبرها دون حديث أنها في قلبه، أينما وضعت يدها بيده ليحتضنها بحرارة. لقد وجد طريقه مهما كانت بسيطة لتخفيف عنها وإظهار حبه وهيامه بها ويدون لها أنها سيدته وحبيبته وملكت.
امتلأ القصر بالزوار من أقرباء العائلتين للاطمئنان على صحة "ونيسة"، وهذا ما زاد الضغط على "صبا" وجعلها حبيسة المطبخ طوال اليوم واختفى ملاذها الوحيد في الانشغال بترميم المخزن وكذلك إدارة العمل لتعويض الخسارة التي لحقت بهم. وبقيت هي تحاول التعليم وبين الحين والآخر تساعدها "مها". رغم صعوبة الأمر عليها إلا أنها استشارت صديقاتها على الجروب لتعليمها بعض فنون المطبخ وما يمكن فعله في المواقف المشابهة، ولحسن حظها أنها عثرت على
أمهات حنونات لإرشادها وأخوات فاضلات في تعليمها بعض الأشياء السهلة والشهية بنفس الوقت. انشغلت "مريم" بقطتها ومع أبناء الزوار الصغار وفصلتهم التوجهات وانشغل كل منهم في حياته لمدة لابأس بها. يبدو أن الطفولة المتأخرة لـ "صبا" دفعت ثمنها كله دفعة واحدة الآن.
تقدمت نحو غرفة "ونيسة" لتقدم لضيوفها مشروباً من البرتقال. الحقيقة أن الجمع النسائي كان ينتظرها، فالكل هنا في صف ونيسة ويعلمون مدى عدواتها معها ويحملها المسئولية الكاملة في مرضها. وضعت الصينية على الطاولة القريبة وهتفت بابتسامة جاهدت أن تبدو مرحبة: -اتفضلوا نورتونا.
النساء كانوا يحدقون إليها بسخط وكأنها عدوتهم. لا تعرف اسماً لأي واحدة منهم ولا درجة قرابتهم لها، وإن حتى حاولت التعرف فهذا الوجوم لن يساعدها لذا صمتت ووقفت ثابتة. لا تصدق أن أحد يكره أحد لهذه الدرجة دون حتى أن يحاكيه، لكنه العادي لعائلة تكره والدتها بأسباب وهمية ودون ثبوت لأياً منها. تحدثت إحدى النساء لها: -شبه أمها الخالق الناطق. أجابت أخرى: -نفس اللؤم والخباثة.
زفرت "صبا" بتشنج وقلبت عينها مستدعية صبرها ومحاولة تقيد لسانها حتى لا تجلدهم واحدة واحدة. عادت المرأة تتحدث بعدما ارتشف من كوب العصير ومعها أخرى بنفس التوقيت: -سكرة زايد. -سكر ناقص. ابتسمت "صبا" بسخرية من مناقضتهم لأنفسهم وأجابت بسخرية: -دا عصير جاهز هههه. رسمت على وجهها ابتسامة سمجة، فلم يرحمها لترد أخرى بتنديد: -ونيسة عمرها ما دخلت حاجة من برا لبيتها ولولادها. حاولت التهذيب في الإجابة حتى لا تنهرهم وتطردهم
دفعة واحدة فقالت ببرود: -ونيسة بقى إن شاء الله لما تقوم مش هنجيب حاجة من برا تاني. تساءلت نفس المرأة بتعجب: -وإنتي هتخلي حماتك تمد إيدها في حاجة يا عيب الشوم. كل دار وليها مدار ولازم تمشي على مدار الدار. فاض بها ولم تعد تتحكم بأجوبتها التي تتزاحم على طرف لسانها فأجابتها بضيق: -اديكِ قولتي كل دار هي كانت داركم ما تدخليش في اللي مالكيش فيه يا طنط. شهقت المرأة، فتدخلت "ونيسة" لتجزرها بحدة:
-احترمي نفسك دول مش ضيوف دول أصحاب بيت. أردفت وهي تنقل أطراف بنانها المشيرة نحوهم: -دي تبقى خالتي ودا بنت خالتي ودي عمتي وبنت عمتي. ودى بنت خالى ودى مرات عمى. تحركت "صبا" نحو ونيسة ومالت على أذنها لتقول بهمس خافت: -عايزة مني حاجة تانية أنا هنزل وأسيبك مع عيلتك. صرت على أسنانها وهي تجيب بضيق: -إنتي عايزة تفضحيني قصاد عيلتي. مالت من جديد لتهمس في أذنها بحنق: -الصراحة كدا لو قعدت أكتر من كدا هفضحكم بصحيح سبيني أنزل.
نظرت لها ونيسة ونهتها بشدة: -أنا قولت ما تمشيش. عضت طرف شفاها بغيظ وحاولت كبح جماح تمردها فهتفت في أذنها: -ماشي بس ابقي افتكري إني قولتلك بلاش. وقفت إلى جوارها واستمعت بملل لأحاديثهم الفارغة حتى عادت أخرى تسألها باهتمام: -ما فيش حاجة جاية في السكة. لم تفهم "صبا" مغزى سؤالها ورد إليها السؤال من جديد: -حاجة إيه؟ ردت المرأة بابتسامة باردة: -عيل يعني.
تعجبت من هذا السؤال الفضولي في هذه الأجواء غير المناسبة، لكن في المقابل كانت ونيسة تحترق لاتريد حدوث هذا. وبرغم من ضيق صبا من السؤال أجابتها: -كله على الله يا طنط. ردت المرأة بدهشة: -ما إحنا عارفين إن كله على الله بس إيه مأخرك بقالك أسبوعين دي الواحدة منا كانت تدخل والعيل يجي في رجليها تسع شهور بالتمام ويكون عيلها في حضنها. لم تستطع إخفاء تعبير السخط وهي تجيب: -والله لو تعرفي تعملي حاجة اعمليها. أجلت المرأة
وأشاحت بوجهها وهي تضحك: -هو أنا اللي بنعمل الله يكسفك. تعجبت من خجلها رغم أنها لم تقصد ما قالته حرفياً فابتسمت على ضحكاتها وجلست إلى جوارها لتقلب الجلسة بأكملها بقول: -والنبى إنتي يا طنط شكلك خبرة إدينا نصايح. ضحك الجميع على دعابتها وانساقت صبا معهم بالضحك لتأخذ معهم حديثاً بأريحية وتبادل النكات والحكايات.
بعد مدة خرجت "صبا" وهي تلفظ أنفاسها بعدما حاولت ضبط نفسها بينهم وعدم الانسياق وراء لسانها السليط الذي أراد ردها بشدة وخصوصاً سخافات ونيسة وعدم تقبلها الواضح في كل نظرة وكلمة. أغلقت الباب من خلفها ووقفت على أعتاب الغرفة وهي ترفع يدها إلى السماء قائلة: -إلهي الأوضة تنفجر بيكم. مر من جوارها "عماد" الذي عبس في وجهها وهو يسأل بحدة: -بتقولي إيه يا بت إنتي؟ اعتدلت سريعاً لترد بارتباك: -ولا حاجة بدعيلكم.
شملها بنظرة محتقرة هو لم ينس أنه زوج عدوه الأول. هتف حازماً: -روحي شوفي شغلك. عادت لحدتها بعدما استشعرت معاملته لها كالخادمة فهتفت مشددة: -نعم يا عمو حضرتك قولت إيه؟ ادعاءها للغباء جعله يزداد في الحنق وعينها الموقدة بذكاء تذكره بعين زيد العدائية فصاح وهو يمسح وجهه: -ياربي مش ممكن الغباء واحد غبية زي زيد. كانت كفيلة كلمته الأخيرة لشن حرب عليه من قبل صبا هي لن ترضى الإهانة وإن كانت موجهة لزيد تزداد عداءً
فهتفت بجدية وصرامة: -زيد دا جوزي وكبير عيلة الواصل الكلمة عليه بحساب. رفع حاجبيه مندهشاً من جرأتها في الوقوف أمامه ومناطحته ليرد: -الله العيال طلعلها صوت، طيب واحدة واحدة لما ننسي ماضيكي. تذكيرها بالماضي لن يردعها ولن تترك له المساحة لإغضابها لابد أن تظهر أنيابها حتى يركض من أمامها ويبحث عن فريسة أخرى. فقالت بثبات: -صحيح ليا ماضي بس دا ماضي الدور والباقي على اللي ليه حاضر ومستقبل.
اشتم رائحة تهديدها فنظر بقسوة في عينها ليستشفي بما تهدده. لم تكترث بهذه القسوة ما دامت يده لن تجرؤ على الامتداد عليها وبما أنها اتخذت طريقه صعباً عليها التحمل، يا إما أن تكون مسماراً أو تكون هي المطرقة بذاتها. سألها محتداً: -إنتي تقصدي إيه يا بت إنتي وإيه الكلام اللي بتقوليه دا. أجابت ملاعبة كما حذرت "عماد" ورائه مصائب لا تعد وقد اختبرته بكلمات مستفزة وأثبت صحة هذا بانفعاله. لاح وجهها بابتسامة وهي ترد عليه:
-بقول يعني بلاش عداوة يمكن تحتاجني. غادرته فوراً دون انتظار إجابة. لقد شتت رأسه وقطعت أفكاره هذه الصغيرة أصبحت خطراً محققاً على هيبته ومكانته تماماً كزوجها فما بال قوته بقوة عاصفة جمعت بين اثنين من نفس الجين لابد أن الزلزال قادم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!