كانت تبكي وتبكي وتبكي. لا تعرف ماذا عليها أن تفعل، تخاف من السعادة، أيقنت أن قدرها حزين فقط ولا يحق لها شيء. تتذكر مشاكسته لها وغزله بعينيها، تتذكر وجهه، ضحكته، كل شيء. تمنت لو تكون كفتاة طبيعية تعيش حياتها مع من تحب، حتى هو الذي نبض قلبها له لا يفرق عنهم شيئًا. تخاف منه كما تخاف الجميع، تريد الأمان فقط! دخل عليها والدها ليجدها تبكي ليخبرها بسخرية: "يعني تتطلقي وبنت عمك تتجوز، أنتِ شؤم في حياتنا زي أمك."
نظرت له بكره: "عمري في حياتي ما كرهت قدك أنتَ." أشرف: "قليلة الحيا ومتفرعنة زي أمك، اعملي حسابك هتتجوزي عادل بكرة، عدتك خلصت خلاص." دهب: "لا، مش هتجوز حد أنا، سيبني بقى في حالي." أشرف بحدة: "هسيبك في حالك لما تتجوزي عادل بكرة." وتركها وغادر. بكت بشدة مجددًا فحياتها ليست حياة. أتت في بالها أن تستعين بوالدتها، ولكنها تكرهها أيضًا، أخبرها والدها بذلك. ترددت كثيرًا ثم ضغطت بعض الأزرار ليأتيها صوت رجولي: "السلام عليكم."
توترت كثيرًا لتجيب بتلعثم: "وعليكم السلام... مش ده رقم ما... أحمم مدام سالي؟ أجابها بصوته القوي: "أيوه، أقولها مين؟ همست له بضعف: "قولها بنتك." ليجيب بدهشة: "دهب... أنتِ دهب؟ يا ماما دهب على الفون يا ماما! نزلت دموعها بصمت، أهو أخاها؟ ذلك كان معها، لماذا هي ليست معهم أيضًا؟ لماذا تركتها وذهبت؟ ثوانٍ وأتى صوت والدتها الدافئ المغلف بدموع: "دهب، بنتي، أنتِ دهب؟ دهب: "ساعديني." سالي بدموع:
"وحشتيني يا بنتي، أساعدك، مالك يا قلبي، فيكِ إيه؟ منه لله أبوكِ." دهب باشمئزاز فهى تكره والدتها أيضًا: "بلاش شغل الأمهات ده، وإنك بتحبيني، يا ريت تعملي بالأمومة اللي فيكِ وتهربيني من البيت هنا." سالي بدموع: "والله يا بنتي بحبك، ده أنتِ فرحتي يا دهب، والله أبوكِ اللي خدك مني." دهب: "أنا ما يهمنيش كل ده، أنا عايزة أمشي من هنا، هتساعديني ولا لأ؟ سالي: "من بكرة الصبح إخواتك هيبقوا عندك ياخدوكِ ونبقى نتكلم بعدين." دهب:
"سلام." قفلت الخط في وجهها. راق قلبها لصوت والدتها، ابتسمت بسخرية، هل صدقت تلك الدموع المزيفة؟ طوال تلك السنوات لم ترَ والدتها، كيف لأم أن تترك رضيعتها وتذهب؟ وما ذنبها هي أن تولد بين قلوب محجرة؟ ابتسمت بوجع وهو يطالبها بفرصة ثانية ليثبت لها حبها. أضاء رنين هاتفها باسمه باستمرار، لا يكف عن الاتصال بها، ردت أخيرًا عليه. دهب: "أفندم، عايز إيه؟ عمر: "إيه ده إيه النبرة دي؟ في حد يكلم حبيبه كده؟ دهب:
"لا، أنتَ مش حبيبي، عايز إيه يا عمر؟ عمر: "بتحبيني وبتموتي فيا كمان." دهب: "أنتَ بتوهم نفسك يا عمر." عمر: "لو كان ده وهم فأنا حابب أعيشه يا دودي." دهب بسخرية: "بلاش هيوجع قلبك." عمر بهمس: "دهب... أنا آسف لكل حاجة عملتها، عارف إني غبي وضيعتك من إيدي، بس والله هتغير عشانك، بس بلاش تبعديني عنك." انهمرت دموعها على وجنتيها، لقد تأخر الوقت لذلك الحديث، أغلقت الخط وانهمرت في دموعها وآلامها وأحزانها حتى غطت في سباتٍ عميق.
_في الصباح الباكر كانت الحرب مندلعة في دار حسن. أشرف بحدة: "أنتوا اتجننتوا؟ جايين تتهجموا علينا وعايزين بنتي؟ تطلع له رجل باستحقار: "أختنا وعايزينها." أشرف: "ما لكوش إخوات هنا، اطلعوا بره." تكلم أكبرهم مراد: "تحب نمشيها بمحبة ولا من غيره؟ أشرف: "وأنتَ مين أنتَ عشان تتكلم؟ مراد ببرود: "ما لكش فيه بقى، دلوقتي ناديها عشان عايزين نمشي، مقروفين نقعد في بيت واحد زيك." حسن بحدة:
"ما تقلش أدبك يا واد أنتَ، مش أنتَ ابن مصطفى الحسيني؟ مراد بثقة: "أيوه أنا، ودلوقتي عايزين دهب." نزلت تتهادى بخطواتها بحزن، نظرت للخمسة رجال أمامها باستغراب ولكن عيناها تفيض حنانًا لهم وحزنًا أيضًا. نظروا لها واندهشوا من كم أنها تُشبه والدتها كثيرًا في جمالها ورقتها. نظر لها أشرف بغضب: "اطلعي فوق يا بت أنتِ لحد ما ييجي عادل تتجوزيه." زكريا بسخرية: "عادل؟ قصدك الراجل التخين شوية ده؟ لا روح خد عزاه بقى اعمل الواجب."
حسن: "أنتَ ابن عزت ابني؟ زكريا: "ما تقولش ابنك بس ما يشرفنيش لا أنا ولا أبويا إنك تبقى أبوه." مراد ببرود: "يلا انزلي عشان نمشي." مشت بخطوات مهزوزة تجاه والدها حتى أن وقفت أمامه، باغتها بصفعة قوية لتجد الخمسة رجال يمسكون الأسلحة مصدرين له ليصرخ حسن فيهم أن يتوقفوا بينما نظرت لهم بصدمة مهما كان هو والدها. خاف أشرف قليلًا، تمنى لو أن أخاه هنا ولكن ابتلع ريقه قليلًا ثم نظر لهم بخوف وتوتر. مراد بحدة:
"مش هيرفلنا جفن وإحنا بنقتلك لو مديت إيدك تاني عليها." ثم أمسك يدها ليتجاهل تلك الرعشة التي أصابتهم معًا ليخرجوا إلى خارج الدار لتجد عشرة سيارات حرس، اندهشت قليلًا: مَن هم؟ دهب بهمس: "أنا مخطوفة ولا إيه؟ ضحك في داخله على تلك التي تشبه والدتها... ركبوا السيارات وتحركوا بها. أضاف زكريا الذي يكبرها بستة أعوام: "أنا يا ستي أخوكي الكبير من عمك عزت." أضاف عدي الأكبر منهما: "وأنا الكبير عنكم." ثم أضاف "سليم"
الأصغر منها بعامين: "أنا سليم الأصغر منك يا قمَرة." وكذلك عزيز من زوج والدتهم: "أنا يعتبر مش أخوكي بس أخوكي غصب عنك." ضحكت بخفة عليه وقد أحست بانعقاد الأمر لها، لا تفهم شيئًا. نظرت له، ذلك المراد، لعله يتحدث ولكن كان صارمًا جامدًا باردًا، نظرت له بفضول تحاول فهم شخصيته... ههه غبية. مراد ببرود: "ماما سالي هتفهمك كل حاجة لما نروح لها."
أومأت بصمت حزين، شردت في حياتها التي تشبه الجحيم، سخرت من نفسها فوالدتها مع إخواتها وتركتها وذهبت لعشيقها كما قالوا لها، تركتها تتعذب وسط هؤلاء القلوب القاسية بينما هي وأبناؤها الآخرون يعيشون معها. سقطت دمعة منها حارقة لم يراها أحد، ماذا إذا عرف أنها سافرت وبعدت عنه وعن الجميع؟ _صاح بحنق وغضب شديد: "يعني إييييه مشيييت؟ حسن: "اهدى يا ولدي، أخواتها جم خدوها بالقوة، والراجل مصطفى الحسيني راجل شراني قوي." تابع بصياح:
"أنا ما لي أنا بكل ده؟ فيييين مراتي؟ أشرف بغضب: "لو ما كنتش طلقتها ما كنتش هتمشي وأمها تاخدها مننا." نظر لهم بعدم رضى، كيف لهؤلاء يكونون أهلها؟ هرول للخارج يواصل البحث عليها. _نظرت لتلك السيدة وقلبها يخفق بشدة، رغم كبر سنها تظل جميلة، نعم إنها تشبهها كثيرًا، غص البكاء حلقها تود لو تنفجر باكية في حضنها التي حُرمت منه، رأت أشقاءها يجرون ناحيتها يحتضونها ويضحكون، أشاحت بنظرها بعيدًا عنهم، تحسدهم حقًا...
إنه شعور صعب عليها، اغرورقت عيناها بالدموع، تمنت أنها كانت بجانبها أيضًا. تقدمت منها تلك السيدة الجميلة: "دهب... بنتي." دهب بجمود: "شكرًا على مساعدتك لي، عن إذنك." أمسكت يديها بلهفة: "رايحة فين؟ استني." نفضت يدها بعنف تنظر لها بوجع وألم، حركت شفتاها بثقل: "همشي." سالي بدموع: "لا يا بنتي والنبي ما تحرمينيش منك." دهب بسخرية: "إيه جو عاطفة الأمومة اللي نُقحت عليكِ مرة واحدة؟ مراد بغضب: "ما تتكلمي عدل يا بت أنتِ." دهب:
"معلش أصل أنا مش محترمة، أمي كانت مشغولة بتربيتك." دهب بعناد: "إيه هي زي اللبانة في بوقك بنتي بنتي؟ أنا ما بأعترفش بده." تحدث مصطفى بغموض: "دهب... تعالي بس جوه الوقت اتأخر، واللي عايزاه هاعملهولك يا حبيبتي." نظرت له بدهشة سرعان ما تحولت إلى ضحكات كثيرة وكثيرة غلفتها الدموع لتسقط مغشيًا عليها ويسقط قلبه خوفًا عليها، ذلك الجبل تحرك من موضعه أيُعقل ولهى؟!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!