في مستشفى المنشاوى، كان يسير بين طرقات المشفى يسأل عنها من شخص لآخر عن مكتبها، إلى أن وصل إليها. وقبل أن يطرق الباب، تنهد وهو يمسك بمقبض الباب، ثم طرق. وبعدها جاء صوتها الرقيق من الداخل يحث الطارق على الدخول. دلف مالك إلى الداخل وهو يراها تقوم بلملمة الأوراق من فوق المكتب، وهو يقول بهدوء: -عاوز أكلم معاكي.
بينما كانت تولين ترتب أوراق ملف إحدى مرضاها، وهي تشير له بالجلوس دون أن ترفع رأسها إليه. لكنها تفاجأت بصوته، فرفعت رأسها إليه وهي تتمنى أن يكون عكس ما تتوقعه، لكن لا محال، هو أمامها الآن. استطاعت بصعوبة التحكم بارتباكها، وأظهرت ابتسامة مرتعشة وهي تقول بصوت مرتبك: -أهلاً بيك.. اتفضل. مالك، بعد أن جلس، وهو يقول بهدوء وثقة:
-أنا عاوز أتكلم معاكي. أنا عارف إنه طلب غريب، بس ارتحت لكلامك المرة اللي فاتت وحابب إننا نكون أصدقاء. تملك تولين الارتباك، ولم تعلم بما تجيب. فهي في العادة ترتبك عند رؤيته من بعد، فكيف تتحدث معه وهو أمامها؟ لكنها تمالكت نفسها بصعوبة، وحاولت أن تخرج صوتها بعد أن كانت تشعر أنها قد نسيت كيفية النطق. قالت بصوت هادئ مرتبك: -مش غريبة شوية؟ حضرتك متعرفنيش وبتطلب نكون أصدقاء! قاطعها مالك وهو يقول بثقة وتعجرف:
-حبيت كلامك ليا في آخر مرة كنت فيها هنا، وريحني جداً، فحبيت إننا نكون أصدقاء. نظرت إليه تولين مطولاً، لا تعرف بما تجيب. فدقات قلبها تطرق كالطبول، تقسم أنه يكاد أن يسمعها. لا تعرف أتحزن أنه لا يراها سوى صديقة له، أم تسعد بأنه لاحظ وجودها وسوف تستطيع التقرب منه؟
لكنها قررت أن تصبح صديقته، فيمكن أن تجعله يحبها كما تحبه هي. لا تريد أن يحبها كما تحبه هي، فهي لا تحبه، بل تعدت تلك المرحلة منذ زمن. هي تتمنى لو القليل من الحب الذي تحبه به منه، ليجعلها كملكة. تحدثت بصوت مرتبك: -وأنا معنديش مانع إننا نكون أصدقاء. تهللت أسارير مالك وهو يقول بمرح: -يبقى نتعرف.. أنا مالك الصياد، 28 سنة، بشتغل محاسب، من إسكندرية وتحديداً محطة الرمل. ابتسمت تولين برقة وهي تقول لنفسها: -نتعرف؟
وأنا عارفة عنك كل حاجة. إيه اللي بتحبه وإيه اللي بتكرهه، شغلك، سنك، إخواتك، عيلتك.. إلا أنها قالت برقة: -وأنا تولين، 25 سنة، وبشتغل دكتورة، من إسكندرية وتحديداً كفر عبده. مالك بتساؤل: -فيه سؤال كنت عاوز أسأله ليكي من زمان. تولين برقة: -اتفضل، إحنا مش بقينا أصحاب؟ مالك بتفكير: -إزاي عرفتي إني مضايق في آخر مرة كنت فيها هنا؟ منكرش إني استغربت كلامك جداً، بس حقيقي ريحني جداً. تولين بهدوء: -كان باين عليك إنك شايل هم.
مالك باستغراب: -للدرجة دي؟ تولين بتوضيح: -شغلتي ودراستي علمتني إزاي أقرأ تفاصيل اللي قدامي من تعبير وشه، إذا كان موجوع، تعبان، مهموم، وغيره.. عشان أقدر أتعامل معاه. مالك بابتسامة: -بس حقيقي كلامك كان جميل. تولين بابتسامة رقيقة: -المهم إنك كويس. وأخذا يتحدثون طويلاً في مواضيع مختلفة، إلى أن نهض مالك وهو ينظر إلى ساعته، وهو يقول بتعجب: -يا الوقت أخدنا ومحسناش بيه. أتمنى أكون معطلتكيش في حاجة. تولين بابتسامة رقيقة:
-لأ أبداً، أنا اتبسطت جداً بالكلام مع حضرتك. مالك بعبوس مصطنع: -في حد يقول لصاحبه حضرتك؟ اسمي مالك من غير ألقاب، يعني أنا أقول تولين، وإنتي تقوليلي يا أستاذ مالك. ضحكت تولين: -خلاص اتفقنا يا لوكا. مالك بمرح: -أنا هيبتي ضاعت خالص.. احم، يلا سلام. تولين بابتسامة: -سلام. وقبل أن يفتح الباب، التفت إليها مرة أخرى وهو يقول بهدوء: -أكيد هشوفك تاني في الحفلة، وكمان عشان أعرفك على إخواتي. تولين بابتسامة سعيدة لأنها سوف تتعرف
على إخوته التي تكون أسرته: -أكيد هكون موجودة مع أمير. مالك بإيماءة: -وأنا هبلغه بصدقتنا. تولين بهدوء: -مظنش هيقول حاجة، بس أنا كمان هبلغه. -باي. وخرج مالك، تاركاً قلب تولين يطرق كالطبول. وضعت تولين يدها على قلبها في محاولة منها لخفض دقاته وارتباكها، وهي تدعو الله أن يريح قلبها. ***
كان يجلس شارداً، ينظر إلى اللاشيء، غير منتبه لما يدور حوله. ليراه صديق له، فيعاتبه. ليظل ينظر إليه باستغراب للحظات، قبل أن يصيح عليه فجأة بصوت عالٍ: -مروان! ليفزع مروان من صياح صديقه له بتلك الطريقة، ليردف بغضب وعصبية: -في إيه يا زفت؟ ليجيبه صديقه بحنق: -إنت اللي في إيه؟ مش عوايدك تقعد مالك كدا.. إيه؟ في مزة جديدة؟
أنهى حديثه بنبرة متحمسة وهو ينظر إلى مروان بانتباه. بينما الآخر، ظهرت صورتها في مخيلته، لكنه شعر بالغضب عندما أطلق صديقه لقب "مزة". لأ، هي ليست كذلك، هي أبرأ من أي فتاة قابلها، وهو صاحب العلاقات الكثيرة. لكنه لم يرَ في برائتها، خجلها، جمالها.. أفاق من تفكيره على نداء صديقه له باسمه، ليجيبه ببساطة وهو يضيق ما بين حاجبيه بعصبية: -في إيه يا حازم؟ إنت مش وراك حاجة غيري؟ ليردف حازم بحنق:
-لأ، ما أنا لازم أعرف إيه اللي شقلب حالك كدا؟ إنت بقالك كام يوم مش بتظهر معانا ومختفي عن الشلة. ليتنهد بتعب وهو ينظر إلى اللاشيء ويسند ظهره على كرسيه، ليردف بعد صمت استمر للحظات: -مفيش، كبر دماغك إنت. ليزفر حازم بضجر وهو ينهض من مجلسه: -طب والله شكل الموضوع فيه مزة، ومنفضالك. ليبتسم بسخرية وهو يغمض عينيه. كيف لفتاة لم يراها إلا مرة واحدة تتعلق بذهنه بتلك الطريقة؟
قد قابل وتعرف على العديد من الفتيات، فلم هي الوحيدة التي ما زال يتذكرها؟ وهو لم يقم معها بأي شيء غير أنه ساعدها. "هل هذا ما يسمى بالإعجاب؟ " جاء هذا السؤال بذهنه، ليفتح عينيه بفزع، وهو يحرك رأسه بالنفي. فهذا مستحيل، هي بريئة ونقية، وهو هو، ماذا؟ هل يعترف بأنه شاب متسكع، كل يوم مع فتاة مختلفة؟ لكن الآن، لماذا يشعر بتلك الغصة في قلبه؟ لماذا لا يستطيع أن يذهب للتسكع والسهر مع رفقته مثل كل يوم؟
لماذا تأتي وتشغل تفكيره كل يوم منذ أن رآها؟ بعد مرور أسبوعين... عاد فيهم مصطفى إلى الإسكندرية مرة أخرى، لكن بدون علم أحد، يجمع المعلومات عن أحداث الـ 3 سنوات الماضية لسارة. بينما مريم، وصل إليها معلومات كاملة عن مصطفى، وأنه يقيم في أحد الدول الأوروبية، وأنه قام بالانفصال عن شركات والده، مستقل بذاته، وفتح شركته الخاصة التي أصبحت ضمن الشركات العالمية في الأسواق. لكنها لم تعلم أنه قد عاد إلى الإسكندرية.
بينما تولين، ما زالت كما هي، العاشقة الخرساء، تتلوى بنار العشق في صمت، لا أحد يشعر بها سوى أخيها، الذي يشاركها وجعها في حبها من طرف واحد، لذلك الذي لا يشعر بها، وهو مالك، مالك قلبها كما تدعوه. بينما أمير، كان كما هو، غارق في عمله ومناقصاته. كان يريد أن يمنع تولين من مصادقة مالك خوفاً على تعلقها به أكثر، لكن اضطر على الموافقة لأجل أخته الصغرى فقط.
بالنسبة لعدي، كانت أيامه تشبه لتولين، فهو أيضاً العاشق الأخرس، يغوص في وحدته وذكرياته، يراقبها من بعيد ولا يعطي لنفسه فرصة الاقتراب أو الحديث معها. لم يقابل أمير خلال الأسبوعين، وكأنه يخشى أن ينفذ تهديده له، فهو يعلم أن صديقه لا يهدد لكي يبث الخوف بداخله، لكنه يهدد من أجل التنفيذ. ومالك، كما هو في روتين حياته، هي عبارة عن العمل واهتمامه بأشقائه البنات، لا شيء آخر.
أما بالنسبة لجميلتنا الصغيرة، كانت وما زالت تحاول تجاوز ماضيها مع مصطفى. تشعر منذ فترة بشيء غريب يحدث أو سوف يحدث، بالإضافة أن كلمات أمير ما زالت تدور في رأسه. فبعد مصطفى، والذي اجتنبته من حبها الأول من خيبة وفقدان ورحيل، لا تستطيع تجربة مرة أخرى. فهي لم تستطع إلى الآن نسيان أو تجاوز مصطفى وحبها له، وقلبها لا يستطيع أن يخذل مرة أخرى. *** كانت الأيام تمضي بثقلٍ مُخيف، كأنها تحمل على عاتقيها الأرض.
كانت سارة تجلس في غرفتها، تشعر منذ أن أخبرها أخوها عن أمر تلك الحفلة وقلبها لم يهدأ، تشعر بشيء سيئ سوف يحدث. لكنها قررت تجاهل ذلك الإحساس وتذهب إلى الحفل، حتى لا يحزن مالك، لأنها إن لم تحضر، هو أيضاً لن يذهب إلى الحفلة، وكذلك ملك، التي سعدت بكونها ذاهبة إلى الحفل لأنها تعشق الحفلات والخروج والتجمعات.
لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن. تذكرت ذكرى أليمة على قلبها، وهي تتنفس من رائحة العطر الذي كان قد أهداها إياه مصطفى في إحدى أعياد ميلادها. فلاش باك
كان يتجول في الشوارع، لا يعلم أين هو الآن. هو يختار بينها وبين جثتها، اختيار لا يريد حتى التفكير به. ظل هكذا لمدة من الزمان، ثم حسم قراره وقرر ألا يكون أنانياً. اتصل بها وطلب منها النزول لكي تقابله. كان يحدثها بنبرة مخيفة للغاية. حاولت التسلل ونزلت لتقابله. كان ولأول مرة يقف خارج السيارة. تعجبت سارة من مجيئه: -جاي دلوقتي ليه؟ لو ماما شافتنا هتزعل. مصطفى بهدوء مخيف: -جاي أقولك إني مسافر. سارة بتعجب من حديثه:
-مسافر مرة واحدة كده؟ طب هتيجي أمتي؟ مصطفى بنفس النبرة: -مش عارف، بس ممكن سنة، اتنين، تلاته، أو أكتر. سارة بصدمة: -أكتر إزاي يعني؟ وأنا هتسافر وتسيبني؟ مصطفى يريد أن يصرخ ويقول لها أنه لا يستحمل بعدها، ولكن لا يستطيع. فإذا اختارها ستكون مماتها، وإذا ابتعد سيكون مماته هو. ليجيب عكس ما بداخله: -ورايا شغل وحاجات أهم من اللي إنتِ بتقولي.
سارة بصدمة، وهي تقترب منه تريد أن ترى عينيه، تريده أن يخبرها أنه يمزح، أنه يكذب ليس إلا. -مصطفى، إنت كويس؟ إنت بتقول إيه؟ مصطفى بضعف يحاول أن يخفيها: -بقول زي ما إنتِ سمعتي، أنا ماشي، سلام. وذهب بالسيارة وتركها خلفه تقف والدموع تنهمر من عينها. تجمدت كالألة. قال إنه (مسافر) ولا تعلم متى سيعود. أكان هذا حقيقياً؟ هل هو تخلى عنها؟ هل سينقض كل الوعود؟ إجابات لا تعرف معناها. وما زالت تقف ترى سيارته وقلبها ينهار.
وهو لأول مرة منذ سنوات، الدموع تعرف طريق عيونه. كان يبكي كالطفل الصغير، يريد أن يذهب إليها ويحتضنها ويخبرها أنه لا يستطيع التخلي عنها، ولكن القدر حكم على قصتهما بالفشل والفراق. والصورة تنقسم الآن، ويظهر حالتهم التي تكون عبارة عن بكاء شديد بسبب تلك المرأة الغبية التي تدعى أمه. باك
-أنا مظلمتكش يا مصطفى، إنت اللي خنت ثقتي مرتين، مرة لما سافرت، والمرة التانية لما افتكرت إنك رجعتلي، بس كنت جاي عشان توجعني أكتر. الله يسامحك على وجع قلبي اللي أنا فيه بسببك. كانت تحدث نفسها بصوت مسموع، وكأنها تذكر نفسها بكونه هو من ظلمها، وأنه قد تخلى عنها.
ومسحت دمعة واحدة سالت من عينها على ما حل بها من حزن ووحدة وألم وفراق. فبعد أن كانت تلك الفتاة التي لا تكف عن المزاح أو الحديث والتحرك من مكان إلى آخر، أصبحت أكثر هدوء، قليلة الكلام، لا تحب الاختلاط بالناس كما في السابق. تكتفي بأخواتها الاثنين وصديقتها الوحيدة، لا تكترث بشيء في تلك الحياة بعد ما حدث لها على يد من أحبته من قسوة وبعد وخذلان وعدم اهتمام بالظروف والمسؤولية. ***
يستيقظ من نومه بعد مرور وقت طويل على رنين هاتفه، وهو يتأفف بضجر على هذا المزعج. فقد ظل الليل بأكمله يبحث عنها ولم يغفو إلا عند بزوغ النهار. ليجيب على هاتفه الذي لا يعلم كم من الوقت استمر بالرنين: -مين معايا؟ جاء الرد من الطرف وهو يقول بحماس: -إنت في مصر؟ ليجيبه بهدوء وهو يعتدل في نومته: -أكيد يا آسر، شركتي فاتحة فرع جديد في إسكندرية. آسر بفرحة وهو يتحدث بحماس: -كنت متأكد إنك هترجع. وحشتني يا صاحبي. ليجيبه
بابتسامة متألمة تزين ثغره: -وإنت أكتر. شوية كده وهجيلك، بس مش عاوز حد يعرف. آسر بجدية وهو يومئ برأسه كأنه يراه: -أكيد، متخافش. ليردف بجدية وهو ينهض من الفراش: -طب هقفل أنا عشان أجهز.
وأغلق الخط وبدأ بتجهيز أشياءه، وذهب إلى الشرفة يتذكر ما حدث في الماضي. لقد اشتاق إليها كثيراً، ولا يعلم عنها أي شيء. حاول كثيراً معرفة أي شيء يخصها، ولم يخبره أحد عقاباً. لم ينسها قط، ظلت في تفكيره طوال تلك الأعوام. كانت هي الدافع الوحيد لكي يستقل بذاته بعيداً عن أهله. فاليوم، لن يتنازل عنها، وقرر عدم البعد ثانياً.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!