شعر بخفة في جسده تحمل برقة في الهواء قبل أن يستقر فوق تلك الغيمة الدافئة، يقاوم وبشدة محاولات عقله للعودة إلى الواقع فهو سعيد، حيث هو لا يريد العودة مطلقا. ليستجيب عقله لتوسلاته مستسلما هو الآخر، ليظل في حالة اللاوعي حتى هب منه حين وصل إليه تلك الرائحة النفاذة يعقبها ألم في ذراعه وصوت غير غريب عنه يتحدث بهدوء قائلا: = متقلقيش يا مدام هو مالك كدا بيحب يخصنا عليه كل شوية، واهو حضرتك اديته الحقنة وهيفوق على طول.
ليصل إليه صوت تولين قلق مرتعب جعله يرغب في النهوض وطمئنتها عليه، وهو تحدث ذلك الشخص الذي أنهى حديثه للتو: = أنا مش عارفة إيه اللي حصله، إحنا كنا بنتكلم عادي فجأة لقيته وقع.. أنا خايفة عليه قوي. ليبتسم الآخر لها بهدوء مقدرا حالة القلق التي هي عليها قائلا بصوت مرح: = هو مش إنتِ دكتورة وكشفتِ عليه؟ كان مالك يستمع إلى حديثها بحيرة، يتساءل عما يتحدثون؟
حتى سطع ضوء المعرفة داخل عقله يعلم أنهم يتحدثون عنه عندما سقط ماشيا عليه، ليقرر أنه قد حان وقت النهوض. تهمس شفتيه دون وعي منه باسمها، ما إن وصل إليها همسه الضعيف مناديا لها حتى هربت إليه تجلس بجواره تنحني فوق جبهته تقبلها بلهفة قائلة بصوت مرتعش: = حبيبي.. حمدلله على سلامتك يا قلب تولين.
لم تنتبه إلى تلك التي تقف بجانب نفس الشاب الذي كان يتحدث معها، لتقف على أصابع قدمها حتى تصل إلى طوله لكنها لم تصل، وعندما انتبه هو إليها مال برأسه عليها لتهمس هي بأذنه قائلة بسعادة لأخيها: = بتخبه. ليردف هو قائلا بضحك: = وإنتِ عرفتي تترجمي هي كانت بتقول إيه لما كنت بكلمها. لتردف قائلة براءة وهي تنظر إلى تولين التي تتحدث مع مالك، تحاول أن تتحدث العربية صحيحا لكن يخرج الحديث منها متلعثم:
= لا.. بس إن خايف هي لمالك واضحة. لينظر هو لها باستغراب لم يفهم ماذا قالت ليردف قائلا بجدية: = ديما إنتِ تكلمي أي لغة غير العربي أنا مفهمتش غير. لتردف هي قائلة بعدم فهم: = مش فاهمة. ليحرك رأسه بالنفى يوجه حديثه إلى مالك الذي لم ينتبه إليهما إلى الآن قائلا: = ألف سلامه عليك يا مالك. ليرفع مالك رأسه ينظر من خلف تولين التي كانت تحجب عنه الرؤية، باستغراب ليردف قائلا بصدمة: = إلياس! إيه ده إيه؟ .. اللي جابك؟
لينظر له إلياس بسخط قائلا: = إيه ارجع؟ ليردف مالك مصححا وهو يحاول النهوض لكن تولين منعته هامسة له: = خليك مستريح. نبرته المرتعبة هي ما جعلته يستمع إليه ليردف قائلا: = لا مقصدش يا ابني بس مش المفروض تيجوا بعد بكرة اتفاجأت لما شوفتك. لتقاطعه تلك التي كانت تستمع إليهم ولا تفقه أي شي مما يتحدثون عنه لتردف قائلة لتجلب انتباههم إليها: = هاي مالك. لينتبه مالك إليها ينظر لها ليردف موجها حديثه إلى إلياس الذي يقف ينظر إليه
وابتسامة واثقة تزين ثغره: = إنت عملت إيه بالظبط عشان تيجوا بالسرعة دي. ليجيبه إلياس بثقة وهو يسحب ديما من يدها ويتجه بها ناحية باب الغرفة للخروج: = شد حيلك إنت بس وهبقى أفهمك. ليخرج من الغرفة غالقا الباب خلفه بهدوء، لينظر هو لتولين باستفهام لتجيبه هي بصوت مرتعش ضعيف بعد أن ترجمت نظراته:
= أنا بعد ما عدلتك على الأرض عشان مقدرتش أشيلك، جريت البس الإسدال عشان أنادي على حد من السيكيورتي اللي تحت أو حد من الجيران بس وأنا خارجة من الأوضة الجرس رن لقيتهم الاتنين في وشي، إلياس دا دخل جري شالك ودخلك الأوضة وأنا افتكرت إني كنت جايبة السماعة وحاجتي وكشفت عليك. لتكمل بصوت باكي: = ليه مقولتليش إنك عندك السكر يا مالك. ليجيبها مالك بهدوء وجدية: = أنا كويس الحمد لله. لتجيبه هي بنفي قائلة ببكاء صامت:
= لا إنت تعبان، مالك السكر عالي عندك أوي، تعالى ننزل نروح المستشفى نعمل تحليل. ليسحبها مالك من يدها في عناق حنون دافئ يهمس لها بهدوء قائلا: = طب ليه الدموع بس أنا كويس أهو الحمد لله إنها جت على قد كدا، بلاش دموع عشان مش بحبها. لتردف هي قائلة وهي تزيد من دفن رأسها بصدره وكأنها تريد أن تختبئ بداخله: = أنا آسفة، أنا السبب. ليجيبها مالك بهدوء وهو يمسد فوق خصلات شعرها الحرارية ذات اللون الأشقر: = بتتأسفي ليه بس؟
وبعدين إنتِ مش السبب في حاجة، أنا اللي بقالي كام يوم بنسى آخد الدوا. لتجيبه هي بنبرة مرتعشة: = لا أنا عشان من ساعة ما اتجوزنا وأنا مش بعمل أكل صحي يعني أنا السبب، بس وعد من أول النهاردة هحافظ على نظامك الغذائي. ليردف هو قائلا بمرح مفتعل حتى يجعلها تهدأ قليلا فقد اتضح له الآن أنه قد تزوج بطفلة رقيقة وأقل شيء يؤثر بها، يتساءل كيف تلوم نفسها بكونها هي من تسببت بمرضه وهي لم تكن تعلم بأنه مريض بمرض السكري؟!
يا الله كم هي بريئة ولطيفة! = هتفضلي ماسكة فيا كتير كدا ولا هتسبيني أدخل آخد شور على السريع عشان أطلع للراجل اللي برا. لتبتعد عنه وسرعان ما تورّدت وجنتيها بحيرة الخجل ليضحك هو على خجلها، ينهض بتعب، لتساعده حتى باب الحمام لتتحدث هي قائلة بخجل: = ادخل إنت وأنا هجهزلك اللبس وهعلقه على الأكرة. ليومئ لها بابتسامة ممتنة لكنه التفت إليها ما إن تحركت ناحية حجرة الملابس:
= تولين محدش من إخواتي يعرف إن عندي السكر ولا أي حد يعرف، ياريت يكون بيني وبينك بس. لتومئ له بنفس الابتسامة لكنها ابتسامة عشق بالإضافة إلى وميض عينها الذي يلمع بلمعة الحب، لتردف قائلة بعشق: = سرك هو سري، اللي بيني وبينك محدش تالت هيعرف بيه أيا كان هو إيه. ليبتسم لها بامتنان وشكر ليدلف إلى الحمام الملحق بالغرفة، أما هي تنفست بعمق تضع يدها فوق قلبها الذي ينبض بقوة تحدث نفسها قائلة بصوت مسموع:
= بحبه يا ناس بحبه، ربنا يشفيك يا حبيبي. لتضع يدها على فمها تكتم صوتها عندما وصل إليها سؤاله عن ماذا تقول. *** ألقى بجسده فوق أول أريكة قابلته ما إن خرج من غرفته لمالك ليحدث نفسه وهو يرجع برأسه مستندا على ظهر الأريكة قائلا بشرود محدثا نفسه: = الله يسامحك يا مالك فورت دمي عليك.
لتقاطعه تلك الجميلة التي تلتفت في المكان، قائلة بالألمانية ولكن قبل أن تبدأ بالحديث تراجعت وتحدثت بالإنجليزية حتى تتعود على أن تتحدث بها هنا، فالناس قد أخبرها أن تولين زوجة مالك لا تجيد اللغة الألمانية. = Are you talking my Elias? ليجيبها هو قائلا بجدية وهو يزفر الهواء بسخط: = No. لتتجه إليه سريعا تجلس بجانبه متحدثة بالإنجليزية: = You speak with yourself. ليعتدل هو بجلسته ينظر إليها قائلا بمرح:
= مش عايزة تتعلمي عربي. لتجيبه هي بحماس قائلة بعربية متكسرة: = أيوه إلياس نفسي أتعلم العربي. جاء ليجيبها لكن قاطعته تلك الشهقة المتفاجئة بعد أن سمعوا صوت إغلاق الباب القوي الذي جعل ديما تنتفض فزعة من مكانها. *** كانت تسير هي وابنتها بعجرفة وغرور يصدرون أصواتا وهم يسيرون من أثر كعب حذائهم الرفيع، يدلفون إلى القصر عيونهم تلتف فوق أثاثه والانتيكات الخاصة به بالإضافة إلى التحف وغيرهم.
ينظرون بجشع وطمع وكأنهم لا يملكون شيئا كهذا بل هم طوال حياتهم تربوا بالقصور ومعتادين على حياة الثراء، لكن قلوبهم مليئة بالجشع. لكنهم انتبهوا إلى صوت خطوات قادمة من فوق الدرج ليروه ينزل بكل ثقة وكبرياء رأسه مرفوعة لأعلى بشموخ ليعتدل كلاهما في وقفتهما، ليقف أمامهم ينظر إلى كلاهما بنظرات ساخطة لم يخفيها قائلا بنبرة مستنكرة: = إيه اللي جابك يا كوثر إنتِ وبنتك؟
لتجحظ عيني كوثر من شدة الحرج تحاول أن تجد إجابة مناسبة تجيبه بها من غير أن تظهر له أنها قد تأثرت بحديثه، لكن تأخيرها بالرد جعلت من شكوك عاصم تصبح يقين ليكمل حديثه هو قائلا بقوة: = أقولك أنا إنتِ جاية ليه؟
فاكرة إنك هتخلي بنتك تاخد مكان مرات حفيدي بس ده بعينك يا كوثر، ولو فكرتي بس تقربي من حد من أحفادي أو من أي حد تبعي يبقى إنتِ اللي جانية على نفسك يا كوثر، ولو فاكرة إن بنتك هتقدر تضحك على حفيدي تبقي إنتِ اللي خسرانة عشان أنا اللي هقف قدام وإنتِ أكيد عارفة إن الشهاوي مش بيهدد عشان يهدد بيهدد عشان ينفذ مفهوم. أنهى حديثه بنبرة قوية غاضبة وهو ينظر لها هي وابنتها بنظرات ساخطة لتحاول كوثر الدفاع عن نفسها
لكن بطريقة مختلفة قائلة: = إيه اللي إنت بتقوله ده يا عاصم بيه، دي إهانة وأنا مسمحش بيها، بقى ده بدل ما ترحب بيا أنا وبنتي في قصرك بتتهمنا إننا جايين نخرب على حفيدك بصورة غير مباشرة. قاطعها هو قبل أن تكمل حديثها للنهاية قائلا بسخرية لاذعة ونظرات الاستحقار يوجهها لها قائلا: = لا صعبتي عليا، وعشان كدا عملتلكوا مفاجأة حلوة أوي. ليكمل بصوت مرتفع جادي ينادي قائلا: = مهاب.. مهاب.
ليأتي سريعا بعد لحظات يقف بجانبه يعطيه ظرفا ورقيا، ليكمل عاصم حديثه وهو ينظر بقسوة نحو كوثر الذي يبدو على وجهها التوتر وقد ظهرت حبيبات العرق فوق جبينها: = دي تذكرتين طيران لأمريكا ترجعي إنتِ وبنتك على هناك وكش عاوز أعرف عنكم أي أخبار لا بالحلو أو الوحش. ليكمل وعينيه تلتمع بقسوة قائلا: = ومش عاوز أقولكم لو حسيت بس بلحظة غدر إيه اللي ممكن يحصل.
ليوجه حديثه إلى مهاب الذي يقف بجانبه لكن عينيه ما زالت فوق كوثر وابنتها سهيلة التي تقف ورأسها يكاد أن ينفجر من شدة الغضب: = مهاب إنت فاهم هتعمل إيه بعد كدا، كمل إنت ولما تخلص خالص تعالى على هنا. ليجيبه مهاب بعملية قائلا وهو ينظر بسخرية إلى سهيلة من فوق لأعلى: = تحت أمرك يا عاصم باشا. ليومئ له عاصم قبل أن يغادر المكان صاعدا إلى الأعلى مرة أخرى، بينما مهاب ابتسم في وجه كلا من سهيلة وكوثر ابتسامة صفراء قائلا بسخرية:
= منورين إسكندرية كلها، اتفضلوا. ليسيرون معه في صمت يأخذون سيارة ومعهم سيارتين أخرى من الحراسة واحدة أمامهم وأخرى خلفهم ذاهبين إلى المطار كما أمر عاصم. *** وصل أمير إلى الجناح الذي يجمعهم سويا ليجدها مستيقظة تجلس فوق الفراش تستند بظهرها على ظهره، ليغلق الباب خلفه بغضب جعلها ترتجف بمكانها، ليسير بالغرفة ذهابا وإيابا كالأسد المحبوس في قفصه، ينظر إليها من حين لآخر وكأنه يراقبها.
بينما هي كانت تشعر بالخوف الشديد وعدم الأمان تعلم انه هو لكنها تخشى منه ولا تعلم كيف يفكر أو كيف ينظر إليها لتبدأ الدموع تلمع في مقلتيها، تشعر باقترابه وصوت خطواته القوية لتعلم أنه غاضب، لتطلق صرخة ألم فزعة حين أمسكها من ذراعيها جعلها تنهض على ركبتيها فوق الفراش ليتحدث بغضب غير منتبه لدموعها التي تسيل كالشلال فوق وجنتيها:
= قوليلي قدرتي تضحكي عليا إزاي، عايز أفهم ضحكتي عليا إزاي، إزاي مأخدتش بالي من شغل الحوار بتاعك تتمسكنوا لحد ما تتمكنوا، انطقي إيه حكايتك بالظبط انطقي. أنهى حديثه بنبرة غاضبة مرتفعة وقد أصبح وجهه أحمر من شدة الغضب وعروق رقبته أصبحت ظاهرة، بينما سارة كانت ترتجف بين يديه لا تفهم أي شيء كانت بقمة خوفها ودهشتها مما يقول ولم تقدر عن النطق بأي كلمة أو الدفاع عن نفسها.
أما هو فقد ازداد غضبه ومن شدته ألقاها فوق الفراش بقوة لتصدر أنينا متألما تضع يدها فوق بطنها بألم، أخذ يدور حول نفسه بغضب ليلتقط المزهرية يلقيها بشدة فوق الأرضية بقسوة لتسقط متحطمة مصدرة صوت قوي، يعاقبها صرخة فزع من سارة التي تحاول النهوض بألم من فوق الفراش. ليقترب منها مرة أخرى يسحبها من يدها بقسوة ليجعلها تنهض في مواجهته يردف بفحيح: = كنتِ بتستغفليني ها انطقي؟ كنتِ مستنية ييجي ويكلمك مش كدا؟ انطقي.
لتردف سارة بخوف وصوت متلعثم وهي ما زالت ترتجف وبكاؤها متواصل: = أنا.. أنا معرفش.. إنت بتكلم عن إيه.. والله ما استغفلتك.. معملتش حاجة والله. أمير بغضب وجنون وهو يشدد من إمساك ذراعيها بيده القوية ليردف قائلا: = إنتِ هتستهبلي، ده إنتِ راسمة فيها دور البريئة الغلبانة من ساعة ما عرفتك وإنتِ في الأصل زبالة. ليكمل بعد أن ألقاها بقسوة مرة أخرى ولم يهتم لتألمها الواضح وبكاؤها القوي ولا لصوت شهقاتها المرتفعة، يردف قائلا بقسوة:
= هنزل أصفى الحساب وأجي ألاقي جاهزة عشان هنرجع إسكندرية النهاردة، وأول حاجة هعملها هنروح لدكتور عشان أتأكد عامية ولا بتستهبلي، شكلك إنتِ وأخوكي عصابة وعاملين الفيلم ده كله عشان تاخدوا فلوس زي الكلب ما قال عليكم. لتقاطعه هي بصراخ وبكاء حاد ينفطر له القلوب: = كفاية.. كفاية حرام عليك.. كفاية.
ينظر لها بغضب واستحقار ليتركها ويخرج من الجناح صافعا الباب خلفه بشدة أما هي فقد ازداد بكاؤها، لتتحسس المكان حولها حتى استطاعت النهوض وما إن خطت خطوتين صرخت صرخة متألمة عندما دخلت إحدى قطع المزهرية في قدمها لتستند بيدها فوق الحائط وترفع قدمها المصابة تتحسسها حتى تصل إلى جرح قدمها تتحسس الدماء لتغمض عينها بألم وهي تحاول إخراجها من قدمها، لتطلق صرخة متألمة قوية حين أخرجتها تشعر بالدماء التي تنزف من قدمها لتضغط يدها في
محاولة لإيقاف الدماء وعندما لاحظت مرور الوقت وأنه من الممكن أن يأتي بأي لحظة لتتحامل ألم قدمها وتخطو بحذر وخوف من أن تصاب مرة أخرى كانت تسير بقدم واحدة والأخرى المصابة لم تقدر أن تضعها على الأرض، لتصل أخيرا بعد مدة من الدقائق إلى حجرة الملابس تتحسس الثياب بيدها النظيفة لتبكي بوجع فهي لا تستطيع أن تميز أين ملابسها أو ملابسه وتخشى أن تكون تلك ملابسه فيأتي ويصرخ عليها مرة أخرى، لتتذكر أنها ترتدي ترينج رياضي ومن السهل أن
تخرج به بالإضافة أنهم سيذهبون في السيارة من هنا إلى أن يصلوا إلى الإسكندرية.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!