لقد واجهت في حياتي العديد من المشكلات التي لم تحدث، والمخاوف التي بنيتها داخلي ورتبت لها كي لا تحدث وقد حدثت في النهاية. حتى أنني أصبت بحمى التفكير، تلك التي ذكرها ديستوفيسكي: "أفكر في ما حدث، وما سيحدث، وما قد يحدث، أفكر في الأشياء التي لن تحدث وماذا سيحدث لو حدثت فعلاً". فهل عليّ أن أعتذر لأنني حزين، لأنني خائف؟ هل علينا أن نعتذر عندما نشعر بالوحشة ولا نعرف ماذا نفعل، ولأي وجهة نذهب؟ هل علينا أن نعتذر لأننا نتألم؟
هل أصرخ في ذلك الذي يقود السيارة بجانبي؟ غير أبهًا ببكائي ولا نحيبي ولا ارتجافت جسدي من الخوف! يا الله ماذا قد فعلت بحياتي لأبتلى بتلك الآلام التي تنهش بقلبي، يا الله أنا راضية بكل ما تبتلني به، فقط كل ما أريده هو أن تعطيني الصبر وأن أستطيع تحمل ما يحدث معي.
كانت تناجي وتتحدث مع خالقها ودموعها تسيل كالشلالات بلا توقف، وتتمسك بيدها بباب السيارة من شدة سرعتها، بينما الآخر يقود السيارة بغضب وسرعة شديدة، وجهه أحمر من شدة الغضب، يمسك بعجلة القيادة بقوة وكأنه يفرغ بها غضبه من كل شيء يشعر بأنه ساذج وبأنها قد استغفلته، وعقله يصور له أكثر من سيناريو لها وهي تخطط مع مصطفى كيف لهما أن يلتقيا سويًا وهو كالأبله لا يفقه شيئًا، ليزيد سرعة السيارة أكثر، ينطلق بقوة، ليجعل من رأسها تصدم بالكرسي من الخلف لتصدر صرخة متألمة، سرعان ما وضعت يدها فوق فمها تكتم شهقاتها وأنينها خوفًا منه، بينما هو لم يكترث لها ولم يلتفت لها على الأقل، بل واصل القيادة بنفس السرعة.
بعد مرور 3 ساعات وأقل من ذلك. كان أمير يقف بالسيارة أمام البوابة الرئيسية للقصر، ليأمرها بنبرة قاسية: = انجزي انزلي من العربية.
لتتحسس سارة الباب تحاول فتحه، وعندما استغرقت وقتًا طويلاً، أطلق هو سبابًا لاذعًا بعصبية، ينزل من السيارة يتجه إليها، يفتح الباب من جهتها يسحبها منه بقسوة وهو يضغط على ساعديها بقوة، كانت تريد أن تصرخ من شدة الآلام التي بيدها وأيضًا قدمها، فهو من شدة سرعته بالسير كادت أن تسقط أكثر من مرة، لكنه يسحبها بقسوة قبل أن تسقط فوق الأرض.
حمد أمير ربه بداخله أنه لم يكن أحد متواجدًا في القصر، ليصعد بها فورًا إلى غرفته وهو مازال يسحبها خلفه، يترك يدها باحتقار وهو يغلق الباب بقوة خلفهم، من ثم يلتفت أليها قائلًا بجنون: = بتعيطي صح، زعلانه عشان مشينا قبل ما تقولي لحبيب القلب إنك ماشية ولا عشان ملحقتيش تشبعيه منه ها؟ ردي عليا مش كدا؟ للدرجة دي كنتِ مستغفلاني؟ إيه فاكرة إني مش هعرف إن القرية بتاعته وأنكم كنتم عاوزين تتجوزوا فيها؟
مش القرية دي اللي اسمها على اسميكم أنتم وأولادكم مش كدا؟ وأنا المغفل اللي في النص، أنا الشرير اللي جيت وفرقتكم عن بعض مش كدا؟ انطقي. كان يصرخ بجنون وهو يدور في الغرفة ذهابًا وإيابًا أمامها، بينما هي لا تفعل شيئًا سوى البكاء فقط، لتحاول الدفاع عن نفسها قائلة بتلعثم: = أمير... والله العظيم... ما في حاجة من... اللي أنت... بتقولها... دي صح... والله العظيم.
ينظر لها بغضب يريد أن يصرخ، قلبه يؤلمه وبشدة من أجلها، لكن عقله رافض كل شيء، يراها مخادعة كونها لم تخبره عن حقيقة المكان بالنسبة لها. ليبحث عن هاتفه في سترته إلى أن وجده، يقوم بالعبث به قليلاً من ثم يضعه فوق أذنه متحدثًا فورًا ما أن جاءه الرد من الطرف الآخر: = إيمان جهزي السفرية لألمانيا النهاردة، أنا اللي هسافر.
ليغلق الخط فورًا بعد ذلك ولم يستمع لرد إيمان من الجهة الأخرى، بينما سارة ما أن سمعت سفرية لألمانيا بكت بحرقة أكثر، تتقدم خطوة للأمام قائلة بتوسل ودموعها تسيل:
= لا يا أمير بالله عليك بلاش ألمانيا، وحياة أغلى حاجة عندك بلاش أي حتة غير هناك، مش عاوزة حرام عليك ظلمتني والله ما عملت حاجة ولا كلمت حد ولا اتفقت مع زفت ولا أي حاجة، عشان خاطري بلاش ألمانيا، طب وديني عند مالك أخويا وأعمل اللي انت عاوزه بلاش ألمانيا حرام عليكم. صراخها وتوسله يؤلمه بشدة، لكنه لا يريد أن تضحك عليه امرأة أخرى بعد تلك المدعوة بميادة، ليدفعها بقسوة يخرج من الغرفة بسرعة صافعًا الباب خلفه بقوة.
ولم ينتبه إليها وهي تسقط بقسوة على وجهها فوق الدرجة التي ترفع الفراش عن الأرضية، تاركة كل شيء، تسحبها تلك الغيمة السوداء التي لم تقاومها، بل كانت تتمنى أن تأتي وتاخذها، لكن قبل أن تسقط في بحر الظلام همست باسم والدها قائلة بألم ودموع: = بابا. إجعل علاقتك سطحية مع الجميع، التعمق مؤذي. كان يقف كلاهما في الشرفة يرتشفان القهوة، ينظرون إلى المارة، ليتحدث مالك قائلاً بشرود:
= يعني أنت عاوز تقنعني إن مراد وافق إن ديما تيجي معاك من غير اعتراض؟ ليجيبه إلياس قائلاً بجدية وهو يرتشف من فنجان القهوة الذي بيده: = أنا عن نفسي اتفاجأت زيك كدا، بس لما فكرت شوية لقيت إنه وافق عشان معندوش الحق إنه يرفض، ولو رفض مش عنده الحجة المقنعة. ليحرك مالك رأسه بالنفي قائلاً وهو يعقد ما بين حاجبيه قائلاً بشك:
= لا الشخصية اللي زي مراد دي محدش يتوقعها، وكونه إن وافق إن ديما تيجي مصر كدا بالساهل يبقى وراه حاجة أو ناوي يعمل حاجة. ليردف إلياس وهو يمط شفتيه بضيق قائلاً: = مش عارف يا صاحبي، بس اللي عرفته إن فيه حد هنا بينقل أخباركم وحد قريب كمان، بس مين هو؟ دا اللي أنا بحاول أوصله. لينظر له مالك بصدمة يحاول أن يفكر في كل الاتجاهات ويبحث عن شخص من الممكن أن يكون على علاقة بعمه مراد ويعرف قصتهم:
= إزاي دا محدش يعرف عننا حاجة ولا حد يعرف بموضوع مراد ولا حقنا دا؟ لَيَضِق إلياس ما بين حاجبيه قائلاً بتفكير: = اممم طب فكر كدا تكون حكيت لحد وناسي. ليصمت مالك للحظات يحاول أن يتذكر مع من تحدث أو أن يكون أحد يعرف بحقيقتهم، لكن ما لبث إلا وقد جحظت عيناه من أثر المفاجأة قائلاً بخفوت وصدمة: = مفيش حد يعرف إننا ألمانين غير تولين بس، هي كمان متعرفش عن موضوع عمي. ليبتسم إلياس ضحكة صفراء في وجه الآخر قائلاً بسخرية:
= بس عمك يعرفها، و sorry يعني شخصية كـ تولين عمك يقدر يضحك عليها بكام كلمة. ليحرك مالك رأسه بالنفي قائلاً بقوة: = لا إيه اللي انت بتقوله دا؟ لا طبعًا تولين عمرها ما تطلع سر بره، وبعدين هي لما بتعرف أي حاجة بتيجي وتسألني، لأ طبعًا مش تولين لأ. ليضحك إلياس على تعبير وجه صديقه عندما يدافع عن زوجته، ليمازحه قائلاً بمرح: = خلاص يا شقر زعلت كدا ليه؟ لَيَزْمَجِر مالك بغضب مصطنع قائلاً: = ولا بلاش أشقر دي، اسمي مالك.
ليطلق إلياس ضحكة قوية وهو يقول باستفزاز: = خلاص يا لوكا بهزر معاك الله. جاء ليجيبه مالك لكن قاطعه هو دخول تلك المجنونة الصغيرة قائلة بسخرية مصطنعة: = اللي يشوفكم وانتوا بتهزروا دلوقتي مع بعض مش يشوفكم وانتوا بتتخانقوا على البنات زمان.... لَقَاطَعَه مالك قائلاً بحدة مفتعلة وهو ينظر خلفها حتى لا يرى أن كانت تولين تقف وتسمع ما تقول تلك المجنونة: = بت اتلمي بدل ما ألمك، إيه اللي انتِ بتقوليه دا؟
دي كانت أيام وراحت لحالها خلاص. ليكمل إلياس بضيق من بعده وهو ينظر بسخط إلى ملك التي تقف وتضع يدها فوق خصرها وتنظر لهم بخبث: = بت أنا مش طايقك أصلًا من ساعة ما جيتي.... لتقاطعه هي قائلة بصوت عالٍ نسبيًا قائلة: = الله يعني عاوزني أشوفك أنت والبنت عاملين تتهمسوا في الصالة وأسكت ولا إيه؟ دا فعل فاضح في الصالة يا حضرة رجل الأعمال. ليردف إلياس قائلاً بتساؤل منهدهش وهو يرفع إحدى حاجبيه: = انتِ عندك عم أهبل يا بت؟
جاءت لتجيبه لكن قاطعها هو دخول تولين تنادي على مالك، ليخرج لها مالك، لكن قبل أن يخرج أردف قائلاً لكلا الاثنين الآخرين: = أوعى كدا دا أنتم اللي يقف معاكم يجن. ليخرج لتولين التي وقفت في الداخل حتى يخرج لها، وما إن وقف أمامها وجاءت هي لتتحدث قاطعه صوت رنين هاتفه، ليعتذر منها وهو يخرجه من جيبه: = معلش ثواني يا تولين. لتردف قائلة بهدوء: = ولا يهمك حبيبي. لينظر هو على شاشة الهاتف باستغراب يمط شفتيه قائلاً: = دا جدك.
لتردف هي قائلة بلهفة: = طب رد بسرعة ليكون تعبان ولا حاجة. ليومئ لها يستقبل المكالمة قائلاً: = وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا عاصم بيه. ليستمع إلى عاصم وهو يقول من الطرف الآخر بنبرة حزينة: = والله يا بني مش عارف أقولك إزاي اللي حصل؟ ليشعر مالك بالتوتر وقد ازدادت ضربات قلبه ليردف قائلاً بتلقائية: = سارة مالها يا عاصم بيه؟ ليجيبه عاصم من الطرف الآخر قائلاً بحزن: = سارة في مستشفى *** وقعت وجابوها على هنا.
ليزمجر مالك بقسوة قائلاً: = قسمًا بالله لو كان حفيدك عملها حاجة ليشوف مني الويل. ليغلق الخط فورًا دون الاستماع إلى رد عاصم ليجد الجميع ينظر له بتساؤل، ليردف قائلاً وهو يسير باتجاه غرفته في الأعلى ليغير ملابسه بسرعة: = سارة في المستشفى. ليصدر الجميع شهقة مفاجأة، تتبعه تولين التي ركضت خلفه، بينما ملك أمسكت بمرفق إلياس قائلة برجاء: = إلياس تعالى نسبقه على هناك يلا. ليومئ لها برأسه:
= اطلعي هاتي تلفونك والجاكيت بتاعك وهاتي لديما معاكي بسرعة بس. لتنطلق سريعا إلى غرفتها بالأعلى، بينما إلياس يتجه ليغلق الشرفة والأنوار بعجل.
ولم تكمل 5 دقائق إلا ونزل ثلاثتهم مالك، تولين وملك ليخرجا جميعًا وهم يدعون لسارة بأن تكون بخير، تسير معهم ديما وهي لا تفقه شيئًا، لتذهب تولين ومالك بسيارة الأخير، بينما ملك وديما بسيارة إلياس معه، لتخبر ملك ديما بأن سارة بالمشفى وأنهم في طريقهم إليها، لتظهر دموع الأخرى فورًا تدعو لها بلهجتها الألمانية كونها لا تجيد العربية. بينما في سيارة مالك، كان الوضع أكثر توترًا وقلقًا، فكان مالك يقود بأقصى سرعته لتحدثه تولين
قائلة بلطف علها تهدئه: = إن شاء الله خير يا مالك وميكونش فيه حاجة. لم يجيبها لأنه بالفعل كان سيور عليها، فهو كان يشعر منذ يومان بأخته لكنه كان يرجع هذا بكونها بعيدة عنه، لكن إحساسه كان حقيقيًا، أخته تحتاجه وهي الآن بالمشفى وحدها.
صوت واحد بعقله يخبره بأن أمير هو من تسبب بأذية أخته، وأنها لم تسقط كما قال عاصم، لكنه لا يريد أن يحكم قبل أن يعرف الحقيقة، لكنه يقسم بداخله أنه إن كان له يد بأن تكون أخته بالمشفى لن يرحمه وسيعرفه من هو مالك الصياد.
أعرف الآن أن الطاقة التي خلقت فيها الأعذار كانت مهدرة، والصبر الطويل كان في غير محله، والمحبة العمياء دون فائدة، والمشي المستمر إليك لم يفضِ إلى شيء، والكلام الذي حاول أن يزرع رمحه في خاصرة صمتك، كان سهامًا صغيرة وتافهة، وأني أخيرًا تعلمت كيف يحب المرء أحدًا حتى يظن أنه ابتلاء.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!