الفصل 27 | من 52 فصل

رواية عشقت كفيفه الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم رنا هادي

المشاهدات
18
كلمة
4,710
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 52%
حجم الخط: 18

أنت من جعلتني أشعر أني أمتلك حظا لأول مرة. حملت الصينية الممتلئة بالطعام للتوجه بها نحو غرفتهما في الأعلى، لتضعها فوق الطاولة الوحيدة بالغرفة. وما إن خرج زوجها من الحمام سألته: =هتاكل هنا ولا تحت يا مالك؟

ليرفع مالك رأسه لها حيث كان يجفف شعره بإحدى المناشف. وما إن رأته تولين وهو بتلك الوسامة، حيث كان يرتدي ترينينج رياضي باللون الأسود الذي يعكس بياض بشرته، بالإضافة إلى قطرات الماء التي تتساقط من شعره، لتظل محلها تتأمله للحظات. لتفيق من تأملها على صوت ضحكته وهو يقول بمرح: =إنتِ بتسألينى يا تولين بعد ما طلعتى الأكل خلاص، كل ده يا ستي عشان أحكيلك. لتجيبه تولين ببراءة قائلة بلهفة: =لا مقصدش، قصدى عشان متتعبش.. لا قصدي إنه.

لتشعر بالخجل أنه أدرك مخططها، فهي صعدت بالطعام حتى يكون الحديث بارتياحية عن الأسفل. ليقترب هو منها قائلاً بمرح: =خلاص يا فراولتي، هحكيلك. تعالي ناكل بس وهحكيلك. ليسحب لها مالك الكرسي لتجلس عليه، بينما هو جلس أمامها ليبدأ في تناول الطعام.

جلست تولين بتأهب تنظر إليه بأعين متسعة مترقبة، بينما تراقبه يضع أول قطعة من المعكرونة بفمه. أطلق تنهيدة تلذذ فور أن ذاق المكرونة، فقد كانت ألذ مكرونة بشاميل قد أكلها بحياته. رفع نظره إليها ليراها على حالتها من الترقب تلك، ليقرر مشاغبتها قليلاً. همس بينما يتصنع ابتلاع الطعام بصعوبة، راسماً الاشمئزاز فوق وجهه: =إيه ده يا تولين؟ همست بصوت مرتجف بينما تهز رأسها وعينيها تنتقل من وجهه إلى طبقه الممتلئ بالطعام: =إيه؟

أجابها ولا يزال الاشمئزاز مرتسماً فوق وجهه: =استنى ما أدوق الفراخ المشوية يمكن يكون فيها الأمل شوية. قطع قطعة من الفراخ واضعاً إياها بفمه، برغم جمال مذاقه إلا أنه هتف بغضب مصطنع: =إيه ده يا تولين، فحم الفراخ عاملة زي الفحم. همست بصوت مرتجف بينما امتلأت عينيها بالدموع، فقد صنعت هذا الطعام له خصيصاً من أجل إسعاده، لكن لقد خربت الأمر تماماً: =أنا.. أنا.

لكنه لعن بصوت مرتفع، بينما ينتفض واقفاً جاذباً إياها من فوق مقعدها عندما رآها على وشك الانفجار بالبكاء. احتضنها بين ذراعيه مقبلاً رأسها بحنان، لاعناً نفسه على فعلته الحمقاء تلك، لكنه كان يرغب بالمزاح معها فقط: =بهزر معاكي والله يا تيتو. الأكل جميل وتحفة. ليكمل عندما هزت رأسها المندس بصدره رافضة تصديقه: =والله العظيم كنت بهزر. المكرونة روعة وعمري ما أكلت في حياتي مكرونة في حلاوتها. همست بتردد بينما

ترفع رأسها من فوق صدره: =بجد؟ أومأ برأسه قائلاً بحنان: =بجد. تنفست بقوة مزيلة دموعها بيدها، قبل أن تتجه نحو الطاولة قائلة بهدوء غريب يعاكس حالتها السابقة: =تمام، يلا ناكل. وقف مالك يتطلع إليها بشك، فاستسلامها بتلك السهولة دون ملامته على خداعه لها لم يريحه. راقبها بينما تعود إلى مقعدها مرة أخرى بهدوء، شارعة في تناول طعامها بتلذذ: =تصدقي فعلاً عندك حق. المكرونة تحفة. جلس على عقبيه أمام مقعدها محيطاً وجهها بيده مديراً

إياه نحوه بلطف: =زعلانه؟ ابتسمت قائلة بمرح: =هزعل من إيه يا حبيبي، إنت كنت بتهزر عادي. لتكمل بينما تمرر يدها بحنان فوق وجنته: =يلا كل قبل ما المكرونة تبرد، أنا عارفة إنك بتحبها سخنة. أمسك بيدها التي فوق خده طابعاً عليها قبلة عميقة فوقها، قبل أن ينهض مغمغماً بمرح: =وإنتي بقي عرفتي كل الأكل اللي بحبه ده إزاي؟ أجابته بخجل بينما تتناول طعامها بهدوء:

=من ملك. قعدت معاها النهارده وعرفت منها كل الأكل اللي بتحبه. المكرونة بشاميل، والفراخ والكفتة المشوية والحمام المحشي، وورق العنب. لتكمل بحماس بينما تضع قطعة من الطعام بفمها: =إن شاء الله المرة الجاية هعملك الحمام المحشي وورق العنب.

كان يراقب تحدثها بهذا الحماس، شاعراً بقلبه يكاد يقفز من صدره من شدة دقاته، فاهتمامها هذا مس مكان بقلبه لم يصل إليه أحداً من قبل. مد يده عبر الطاولة متناولاً يدها بين يده، ضاغطاً عليها بحنان هامساً بصوت أجش ممتلئ بالعاطفة: =شكراً جداً يا تولين. ضغطت على يده هي الأخرى وقلبها يرقص من الفرح داخلها، فبرغم عدم نطقه بحبه لها إلا أنها تراه دائماً في عينيه ونظراته لها وفي كل شيء يفعله من أجلها.

بعد انتهائهم من الطعام ساعدها بلملمة الأطباق، وبعد انتهائهم جلست بجانبه فوق الفراش تنظر إليه بترقب. ليبتسم هو على شكلها الطفولي، يعتدل بجلسته ليكون أمامها قائلاً بهدوء مرح: =مستعجلة تعرفي إنتِ أوي مش كده؟ لتجيبه بلهفة قائلة: =أوي. نفسي أعرف، أنا أصلاً معرفش حاجة عنك خالص ونفسي أعرف أوي. ليردف مالك بهدوء قائلاً: =طب يا ستي قولي عايزة تعرفي إيه وأنا هجاوبك. لتجيبه تولين بدون تفكير وسرعة:

=كل حاجة من الأول خالص، وبالذات لكنتكم عشان حلوة أوي بصراحة. أنهت حديثها بنبرة خجلة وهي تنظر إلى عينيه الزرقاء التي تأثرها. ليجيبها هو بضحك معلقاً على حديثها الأخير: =عاجبك لكنتَنا بتاعة العربي؟ ليحمحم بعدها بجدية قائلاً: =أوكِ. بصي يا فراولتي، أنا وأخواتي ملك وسارة مصريين عادي، بس مولودين في ألمانيا ومعانا الجنسية الألمانية وعايشين هناك معظم حياتنا، ده لو مكنش كلها على الأغلب. ليصمت للحظات يحاول تذكر شيء:

=بس بابا وماما الله يرحمهم رجعوا مصر وأنا وسارة كنا في ثانوي ومكنش ينفع ننزل مصر عشان الدراسة. لتسأله تولين باندهاش: =وكنتم عايشين لوحدكم انتوا التلاتة بس؟ ليتنهد مالك تنهيدة طويلة يجيبها: =لا، كان عمي وخالتي جنبنا للأسف. لتسأله تولين باستفسار وهي تلاحظ عبوس وجهه عندما أردف بحديثه الأخير: =ليه للأسف؟ وليه التنهيدة دي؟ هو فيه حاجة؟ مالك بتهرب: =لا عادي، بس كانت مسؤولية عليا وكنت خايف إني مكنش قدها.

لتبتسم له تولين ابتسامة عاشقة تمسك بيده تضغط عليها بحركة مشجعة: =إنت دايماً قد المسؤولية يا مالك. قول لي بقى إيه سر لكنتكم وإنكم جمال أوي. ليضحك مالك على حديثها الطفولي قائلاً من بين ضحكاته: =والله إنتِ اللي جميلة. بصي يا فراولتي، بابا ألماني وماما هي المصرية وأنا شبه ماما الله يرحمها، بس بيني وبينك هي أحلى مني بكتير. فيه جملة كتير أوي بسمعها إنه الأصل أحسن من التقليد وهو كدا. هبقى أوريكي صورتها بعدين.

تولين بفضول وطفولية وهي تقترب بجلستها منه: =طب مامتك عارفة إني زنانه، بس ملك دايماً تقول ابن داليا ونفسي أسمع عنها. ليتنهد مالك بطول، يضع يده فوق موضع قلبه ليتنهد بطول قائلاً بشرود:

=أمي، دا كانت أعظم حاجة في حياتي، مش كانت هي فعلاً أمي. أحلى حاجة كنت متعلق بيها جداً، كانت صاحبتي وكل أسراري وأسرارها مع بعض. كنت بعتبرها بنتي أكتر من أمي، وكنت رافض فكرة إنهم ينزلوا مصر عشان منتفرقش. المختصر يعني، كنت متعلق بماما أكتر وهي كانت متعلقة بيا أكتر من سارة وملك، وعشان كده ملك بتقولي يا ابن داليا.

كانت نبرته حزينة، يحاول صبغها بالبرود لعدم إظهار حزنه لها، لكنها ميزتها. لتقترب منه تجلس بجانبه بدلاً مما كانت تجلس أمامه. تسندت برأسها فوق صدره عاقدة ذراعيها حول خصره متشبثة بظهر قميص ترينجه من الخلف، بينما تستنشق بعمق رائحته التي تعشقها قائلة برقة وحنان: =إن شاء الله أول بنت تجيبها سميها داليا. نظر إليها مالك بشغف وامتنان قائلاً: =إن شاء الله يا تولين. تعرفي نفسي يكون عندي بنات كتير أوي.

لتشعر تولين بألم بقلبها عندما قال حديثه الأخير، حيث أنه لم يذكر غير أنه يريد أطفال ولم يذكر أن يكونوا منه. لتحاول رسم ابتسامة خرجت منها ضعيفة مرتعشة. ليرفع هو رأسها ينظر إليها بنظرات لم تفهمها. لينحني برأسه متناولاً شفتيها في قبلة رقيقة وبذات الوقت عميقة. انصدمت تولين فى بادئ الأمر، لكن ما لبثت لحظات إلا وتجاوبت معه بخجل. عندما لاحظ مالك تجاوبها الخجول تعمق أكثر بقبلته.

استمر الحال بينهم كما هو لوقت لا بأس به، لتشعر تولين بانقطاع أنفاسها. لتفصل تولين قبلتهم تلك هامسة بأنفاس ثقيلة لاهثة متلعثمة: =مالك... لا... تعالي... أوريك حاجة في البلكونة. زمجر باعتراض بينما يخفض رأسه متناولاً شفتيها يقبلها بلهفة وشغف ومازال تحت تأثير قبلتهما: =شش... مش عاوز. فصلت تولين قبلتهم تلك بصعوبة ابتعدت عنه بينما تهتف بلهث خجول: =لا مينفعش. زفر مالك بضيق بينما يفرد يده على جانبيه باستسلام.

سحبت تولين يده تتجه به نحو الشرفة وابتسامة خبيثة فوق وجهها، لتجعله يقف بالشرفة قائلة بهدوء وهي تحاول منع ابتسامتها: =هدخل أجيبها بس خليك هنا ماتطلعش. ثم التفت سريعاً مغلقة باب الشرفة الزجاجي بالمفتاح من الداخل. شاهدت ما بك بينما يستوعب أخيراً ما فعلته، فقد قامت بحجزه داخل الشرفة. هتف من خلف الباب الزجاجي: =افتحي يا تولين. هزت كتفيها بالرفض هاتفة بصوت مرتفع حتى يصل إليه: =لا خاليك عندك عشان تبقي تهزر معايا براحتك.

هتف بحدة بينما يضرب الباب بقبضته: =قولت لك افتحي يا تولين تخليني أتجنن عليكي. هتفت مجيبة عليه وهي تبتسم ببرود: =اتجنن براحتك وريني هتعمل إيه. سمعت زمجرته الغاضبة التي وصلت إليها عبر الباب الذي احتجزها، ووصلت إليها كزمجرة شرسة. فماذا إذا ستكون تلك الزمجرة المرعبة إذا كان الباب لا يفصل بينهم.

اتجهت نحو الفراش ببطء جالسة فوقه مربعة القدمين أسفلها، تراقبه وهو يدور في الشرفة كأسد محتجز في قفصه. تناولت صحن المقرمشات الموضوع فوق الطاولة ثم بدأت تتناوله وهي تشاهده باستمتاع كما لو كانت تشاهد فيلماً مسلياً.

لكن تشتدت يدها بعصبية عندما رأته يمسك بأحد المقاعد ويرفعها بالهواء ويهوي بها فوق الباب الزجاجي محاولاً كسره، لكن فشلت محاولاته العديدة فقد كان الزجاج غير قابل للكسر، مما جعل تولين تنفجر بالضحك. ألقى بالمقعد بغضب بينما يتنفس بحدة وعينيه المسلطة عليها تنبثق بالشراسة.

جلس باستسلام أخيراً فوق الأريكة التي بالشرفة وعينيه مسلطة عليها مراقباً إياها وعينيه تعصفان بالغضب وهي تتناول المقرمشات باستمتاع وبرود. مرر إبهامه فوق خط رقبته بالعرض كإشارة لها بأنه سوف يقتلها. هزت كتفيها ببرود كإجابة على حركته تلك مخرجة لسانها له باستفزاز.

مرت ساعة وهم على وضعهم هذا حتى نهضت تولين وذهبت إلى الحمام، وعند عودتها رأته قد استلقى فوق الأريكة نائماً يضم ذراعيه فوق صدره دلالة على شعوره بالبرد. شعرت بقلبها يخفق بشدة مؤلمة عندما شاهدته نائماً بهذا الوضع. فتحت الباب سريعاً متجهة نحوه انحنت فوقه تهز كتفه برفق هامسة باسمه، لكنها صرخت فازعة عندما قبض على يدها جاذاً إياها فوق ثم استدار جاعلاً إياها تستلقي أسفله. هتفت بغضب طفولي:

=بتضحك عليا وأنا اللي فاكرة إنك نايم وصعبت عليا. والله ما تستاهل إن... ابتلع باقي جملته في فمه حيث أخذت شفتيه تلتهم شفتيها بنهم وقسوة. تأوهت متألمة عندما بدأ بقضم شفتيها بقوة وعنف مؤلم. أفرجه عنها أخيراً حتى تستطيع التقاط أنفاسها. همس بصوت أجش بالقرب من شفتيها مما جعل رجفة حادة تسري بسائر جسدها عندما شعرت بأنفاسه الدافئة تمر فوق وجهها. أخذت تنظر إليه بعينين متسعة بينما صدرها يعلو وينخفض بشدة

وهي تكافح لالتقاط أنفاسها: =ده جزء من عقابك، على الجنان اللي عملتيه فيا. ليكمل عندما رآها تهم بالرفض: =ما هو لا ده لأما أكسرلك دماغك تختاري إيه. ضربته في كتفه بخفة هاتفه بينما تضحك: =مالك إنت اتجننت.... همهم بينما ينحنى حاملاً إياها بين ذراعيه قائلاً بمرح وهو يدلف بها إلى الداخل: =مش إنتِ اللي قولتي اتجنن براحتك واديني بتجنن.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...