الفصل 26 | من 52 فصل

رواية عشقت كفيفه الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم رنا هادي

المشاهدات
15
كلمة
2,802
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 50%
حجم الخط: 18

وصل كلا من أمير وسارة إلى تلك القرية السياحية التي انبهر أمير بروعتها وجمال تصميمها المعاصر. بجانب كونها من أكبر القرى السياحية في مصر، إلا أنه لم يزرها قط. لكنه رسم ابتسامة ساخرة عندما رأى تمثالاً لاسم القرية "وسام" في مكان يبدو وكأنه خاص بالتصوير بسبب تجمع الناس حوله هكذا، بجانب تلك الأزهار والأشجار النادرة. أخرجه من شروده همس سارة باسمه التي كانت تجلس بجانبه في المقعد الخلفي. ليلتفت أمير إليها مجيباً إياها بهدوء:

= نعم يا سارة!

لتجيبه بتوتر تحاول أن تبدو هادئة قدر الإمكان، لكنها بالفعل تشعر بالتوتر والارتباك. ليس خوفاً من المكان أو الذكرى، فهي قد قررت أن تقضي مع أمير تلك الشهور القادمة وأن لا تهتم بالماضي. لكن ما يوترها هو كونها بذلك المكان الواسع. تتذكر عندما حضرت إلى هنا من قبل برفقة مصطفى في السابق عندما كانت تبصر، ورغم أن المكان في ذلك الوقت ما زال جديداً إلا أنه كان مزدحماً وكان مصطفى يفعل ما يشاء بالقرية لأنها له، وبالتالي هي لأنها كانت خطيبته في ذلك الوقت. لكن الآن هي لا تبصر ولا تعرف أمير جيداً، هي بالأصل لا تعرف طباعه فهو شخصية متقلبة لأبعد الحدود.

تفيق من شرودها وأفكارها عندما همس أمير باسمها قائلاً بنبرة هادئة: = سارة.. في إيه؟ انتِ كويسة؟! لتتنفس بقوة وتزفر الهواء بتعب قائلة بضعف: = لا مفيش بس تعبت شوية، هو فاضل كتير؟! ليتحدث أمير بلهفة بعد أن أغلق الزجاج الذي يفصلهم عن السائق ويعتدل بجلسته: = حاسة بأيه؟ في حاجة وجعاكي؟ تحبي نطلع على مستشفى...... لتقاطعه سارة قائلة برقة وابتسامة بسيطة وهي تسحب يديه التي كانت تحيط بوجنتيها:

= مفيش حاجة صدقني أنا كويسة هو بس إرهاق. ليومئ لها أمير برأسه، وعندما تذكر أنها لا تراه تحدث وهو يسحبها ليحيط كتفيها ويجعلها مستلقية فوق صدره: = طب تعالى، ارتاحي كدا شوية واحنا شوية ونوصل. لتتجمد هي أنفاسها ما إن لامست رأسها صدره الصلب. ليميل يهمس بأذنها بخفوت: = اهدى يا سارة أنا جوزك.

تلك الكلمة المكونة من أربعة أحرف لم تزدها إلا توتراً وارتباكاً، لكنها حاولت أن تشغل بالها بأي شيء آخر. لتمُر الدقائق إلى أن توقفت السيارة أمام مدخل القرية الأساسي الذي يوجه إلى الاستقبال. ليترجل هو أولاً بعدها يساعد سارة بالنزول من السيارة. لتتمسك سارة بمرفقه بقوة، ليربت هو على كفها بهدوء. ليدلف كلا منهما ويبدأ أمير بالإجراءات اللازمة. ***

كانت مشغولة بإعادة ترتيب الغرفة بعد أن جاءت الغرفة التي كانت قد اختارتها من قبل ليصبح المكان فوضوياً حيث أفرغت الغرفة من متعلقاتها هي ومالك. لتأتي تلك المجنونة تدلف كالصاروخ تهتف باسمها: = تولين! أين أنتِ يا فتاة؟ لتقف محلها عندما رأت تولين بين كومة من الملابس تعيد ترتيبها إلى الخزانة، لتقول بتهرب: = طب يا تولين شكلك مش فاضية، أجيلك وقت تاني يا قلبي، باي. لتردف الأخرى قائلة بلهفة:

= لا ملك بليز تعالي ساعديني عشان أخلص قبل ما مالك يرجع، انتِ معندكيش جامعة النهاردة مش هعطلك. لتلتفت ملك إليها وهي ترسم فوق ملامحها الجدية والتفكير، لتردف بغطرسة مصطنعة: = أنا عارفة إنك مش هتعرفي تعملي حاجة من غيري، أفسحي المجال يا بنتي. لتلقي عليها تولين إحدى الحقائب الخاصة التي كانت أمامها بها قائلة بغضب: = دا انتِ باردة. لتجيبها ملك بخوف مصطنع وهي تتجه لترتب التسريحة: = الله خلاص يا رمضان بهزر، إيه مش بتهزر؟

لتحرك تولين رأسها بالنفي على يأسها من تلك المجنونة، ليستمر الصمت للحظات تقطعه ملك قائلة بفضول: = قوللي بقى مالك عامل معاكي إيه؟! لتتنهد تولين بتعب وهي ترتب حقائبها داخل الخزانة: = الحمد لله بقى أحسن من أول يومين جواز بس... لتحرك رأسها بالنفي، لا تريد أن تفكر بسلبية، فيكفيها أنه يعاملها بحنان واحترام رغم عدم وجود الحب والشغف من جهة هو. لتردف ملك قائلة بهدوء وجدية عكس ما كانت عليه: = بس إيه يا تولين... لتردف تولين

بنبرة قريبة للبكاء وضعف: = بس هو بعيد، بعمل زي ما قولتي وبحاول أقرب بس هو بيبعد. مالك مش خايف من بداية العلاقات زي ما بتقولي، مالك مش عاوزني أنا، أنا... أنا خايفة يسيبني ويطلقني بعد 6 شهور زي ما اتفقوا. لتقترب منها ملك محتضنة إياها قائلة بنبرة رقيقة حنونة وهي تربت فوق ظهرها:

= شيلي الأفكار دي من دماغك خالص، صدقيني هو زي ما قولتلِك. ده غير إن الأيام اللي فاتت كنتي انتِ بتروحي عند جدك وهو مشغول عشان البطولة يعني مفيش وقت تتجمعوا فيه مع بعض. لتبعدها قليلاً قائلة بمرح حتى تخفف عن تولين: = وبعدين يا ستي دا انتِ المفروض تهيصي، دا انتِ طالعة الغردقة معاه يعني المفروض تظبطيه. لتنهي حديثها بغمزة لها وهي تبتسم ابتسامة خبيثة مضحكة. لتضربها تولين بخفة وقد تورّدت وجنتاها من الخجل. لتردف ملك قائلة:

= أيوه كدا اضحكي خلي الشمس تضحك. تولين وهي تمسح دموعها بكفيها: = نفسي أفهم إزاي بتبقي جد وفجأة تقلبي كدا. ملك بغرور مصطنع وهي ترفع رأسها للأعلى: = دي قدرات لا يعلمها غيري. = مجنونة. همست بها تولين وهي تغلق الخزانة بعد أن انتهت من توضيبها. لم تسمعها ملك عندما همست الأخرى بكلمتها لتردف قائلة: = هو مالك هيتأخر؟ لتردف تولين قائلة بهدوء: = مش عارفة بس هو هيتصل بيا أول ما يقرب يوصل. لتردف ملك بضيق مصطنع قائلة بحنق:

= مش عارفة أنا رجالة إيه اللي بتتصل قبل ما تيجي بيتها..... = وانتِ فاكرة الناس كلها زي حالاتك بتطب زي القاضي المستعجل؟ تجمدت بمكانها وكأن دلواً من الماء المثلج سُكب فوقها. تبتسم ابتسامة بلهاء تشير إلى الخلف وهي تنظر إلى تولين متحدثة بكلام غير مفهوم: = ه..ههو ابن.. دالي.. داليا.

بينما تولين كانت تحاول أن تكتم ضحكاتها على شكل ملك وهي مذعورة بتلك الطريقة المضحكة. لتحاول ملك استجماع شجاعتها الضائعة قائلة بقوة غير حقيقية وهي تلتفت لتصبح بمواجهة مالك: = أيوه بقى المفروض تيجي من غير استئذان، دا بيتك ولا هو بس عشان ست تولين تستعد، ما انت طول عمرك بتطب علينا.

ليقترب مالك من تولين ليقف بجانبها محيطاً كتفيها بذراعه اليسار يقربها منه. لتضع هي رأسها فوق صدره بحركة لا إرادية منها تتشبث بملابسه من الخلف. ليردف مالك قائلاً مغيظاً إياها: = هي مراتي وحبيبتي انتِ مالك... لتقاطعه ملك قائلة بخبث وهي تغمز له بمرح: = قول بقى إنك عاوز تسمع صوتها كل شوية، ماشي يا عم الله يسهلك. ليردف مالك بهدوء ونبرة مستفزة: = أيوه، انتِ أصلاً غيرانة عشان محدش معبرك. لتردف ملك بضيق مصطنع وهي تقف أمام

الباب في استعداد للخروج: = راعي مشاعري شوية، هو مفيش غيرك انت وأختك ودلوقتي مراتك، ارحموا نفسكم شوية هو هناك وهنا. لم يهتم بما قالته بل أردف قائلاً ببرود وهو يقبل رأس تولين: = متنسيش تاخدي الباب وراكي. لتضيق ملك عينيها وهي تنظر إليه قائلة بتوعد كاذب: = ماشي يا ابن داليا.. وما إن جاءت لتخرج من الغرفة إلا أنها عادت قائلة بنبرة جدية غير ما كانت عليه، فهي كما قالت تولين تتحول من دقيقة إلى أخرى:

= آه صح، خالتو حاولت تكلمك كتير بس انت كنت غير متاح وقالت إنها عايزك ضروري، ابقى كلمها عشان مش ناقصة زن ومتنساش فرق التوقيت. ليجيبها مالك بتأكيد: = هكلمها حاضر كويس إنك فكرتيني. ملك بفضول: = هو في إيه صح؟ مالك ببرود: = ميخصكيش. ملك ببكاء مصطنع وهي تمثل الملامح الحزينة فوق وجهها قائلة: = هو أنا مرات أبوك يا مالك، في إيه يا حبيبي؟ أكيد مراتك هي اللي غيرتك عليا كدا، أنا قولت سيبها وجوزك بنت عمتك........

قاطعه مالك بقوة قائلاً بصوت عالٍ وقد جن من تلك المجنونة: = برا، ولما تعرفي عيلتك ابقي كلمي. لتغلق الباب خلفها بقوة. ليردف مالك وهو يحرك رأسه بالنفي: = مجنونة. لترفع تولين رأسها عن صدره تسأله بنبرتها الرقيقة: = متصلتش ليه عشان أجهز الأكل؟ مالك وهو يخرج هاتفه من جيب بنطاله: = أول ما جيت اتصل بيكي فصل شحن، بس شطورة خلصتي بدري، أنا فكرت مش هتلحقي. لتبتسم تولين له قائلة بحماس:

= عيب عليك، دا أنا خلصت الدولاب ورجعت ورجعت شنطك في الصندوق الجديد، بس كانوا تقال أوي بصراحة فحطيت واحد والتاني مقدرتش. ليوجهها مالك ناحية الفراش يجلسها فوقه قائلاً بلهفة حنونة: = وليه شلتيها يا تولين، وبعدين كنت عاوز أفرزهم عشان الحاجات اللي ملهاش لازمة. لتجيبه تولين برقة: = مفهاش حاجة يعني، بس هو ينفع أسأل سؤال؟ ليجيبها مالك وهو يخلع الجاكيت الذي يرتديه قائلاً بجدية: = اسألي. لتردف بارتباك قائلة:

= هو انت عندك عمه وخالة... أنا مقصدش حاجة والله بس هو أصل.... أنا قصدي في الفرح مكنش فيه غير صحابكم فبسأل. ليبتسم مالك بخفة على ارتباكها يقترب ليجلس بجانبها قائلاً بهدوء: = مش بالظبط، أنا عندي خالة واحدة وعم واحد بس، لكن معنديش لا عمه ولا خالة. هي بس ملك كانت بتستظرف مش أكتر، وبالنسبة لما قالت هنا ولا هناك عشان إحنا كنا عايشين في ألمانيا..... لتقاطعه تولين قائلة بصدمة: = يعني انتوا أجانب بجد؟

أيوه ما هو مش معقول انتوا التلاتة تبقوا شقر..... لتقاطعها صوت ضحكة مالك الرنانة لتشعر بالسعادة وهي تسمع صوت ضحكته. آخر مرة رآته بها يضحك كانت عندما كانا يشتريان فستان زفافها وكانت عندما اشتبكت مع العاملة هناك حيث كانت الأخيرة تلقي له بنظرات غير بريئة. أخرجها من تفكيرها عندما سمعته قائلاً: = مين اللي قالك كدا وضحك عليكي؟ ملك دي إزاي أجنبية بس... لتقاطعه معترضة: = طب ولكنتكم؟ ليردف مالك بجدية وهو ينهض من مكانه:

= لو تحبي هحكيلك قصة حياتي كلها، بس دلوقتي ادخل آخد شاور تكوني جهزتي لينا الأكل عشان ميت من الجوع. لتنهض قائلة بلهفة: = بعد الشر عليك ادخل وأنا هحط لبسك على الأكرة بتاعة الباب وهتطلع الأكل يكون جاهز... أجيبلك الأكل هنا لو مش هتقدر تنزل.

ليبتسم مالك وهو يراها تتحرك بخفة، فهو كان لا يريد بمثالية الجسد أو الكمال، فيكفي أن يكون قلبها له ولا يَغُرها أكثر منه جمالاً أو منصباً. وها هو قد حظي بها، لكن الآن معه الاثنين، فتاة حنونة وجميلة. *** عند المقابر التي أصبح كل من يراها يظن أنها قطعة من الجنة بسبب كثرة الورود التي بها. 7 سنوات وهو على عادته، ما إن يأتي لزيارتها يزينها بالورود، إلى أن أصبحت كحديقة من كثرة الورد الذي بها.

لنجده يقف أمام القبر بحزن محفور بقلبه وبيده سلسال به اسم "عهد". عدي بصوت مبحوح ضعيف: = عهد، أنا بموت خلاص بقيت مش قادر حقيقي، أنا آسف بس خلاص. عارفة إني من يوم ما سبتيني وأنا مسبتش بيتنا يوم واحد، بس ده هيكون ظرف مؤقت عشان مش أنساكي. أنا لو فضلت هنا أكتر هخونك، مش هقدر أسيب بيتنا اللي فاضلي منك وفيه حياتنا اللي أنا عايش عليها وبتنفسها زي الهوا؟ طب إزاي؟ قلبي الغبي عاوز يقرب من حد غيرك وأتجوزها!

مش ممكن أبقى لغيرك، مستحيل! مش كفاية سبتيني في الدنيا كمان أسيب ذكراكِ اللي بقالي!! ليصمت عدي لمدة لا بأس بها يحاول أن يخرج صوته ليخرج مرتعشاً:

= كان نفسك نجيب بنت واسميها ملك.. شوفتي قلبي بقى اختار ملك بس مش هتاخد مكانك، أنا خلاص قررت يا عمري انتي يا بعد عمري. كان نفسي تبقي أحسن مهندسة، كنت بحلملك بكده. كان زمانك اتخرجتي يا قلبي. عارفة أنا مرضتش أتزوج ليه أو أقرب من ملك عشان مخلفش.. عشان مجيبش عيال يشاركوا حلمك إنك تكوني أم لولادي. أفضل عايش بس على كلمة "بابا" اللي كان نفسك أولادنا يقولوها. لتختلط دموعه وهو يتحدث بمرارة:

= الأيام وحشة أوي من غيرك، أنا بموت والاسم إني عايش. أنا محتاجلك أوي يا عهد. حلمت بيكي تاخدي عزائي وأنا اللي خدته فيكي. كنت مستنيكي تقفي على قبري وتدعيلى وأديني أنا اللي واقف. كنت عايزك ضهري وسبتيني وكسرتي ضهري أوي ببعدك! ظل عدي بمكانه لمدة طويلة أمام القبر، سنوات كثيرة وهو لا يتوقف عن عادته، يأتي إليها حينما يمتلك الوقت.

لينهض ببطء من مكان جلوسه وهو يعلم أين هي وجهته القادمة، فهو قد قرر الاستسلام. سيضرب احتجاج قلبه بعرض الحائط، سيهرب، لا يريد أن يفكر بفكرة أنه يخون عهده ومن أجل من؟ من أجل طالبة لديه؟ لا والف لا، سيدعس على قلبه بلا رحمة تاركاً كل شيء من خلفه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...