الفصل 47 | من 52 فصل

رواية عشقت كفيفه الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم رنا هادي

المشاهدات
16
كلمة
4,725
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 90%
حجم الخط: 18

الجميع ينظر إليها بصدمة وسعادة بنفس الوقت، بينما هي تكاد تبكي من شدة سعادتها، وهي تنقل بصرها بينهم ليقف الطبيب أمامها يحجب عنها الرؤية قائلاً بجدية باللغة الألمانية وهو يرفع كفه أمامها بأحد الأرقام: "سارة، كم عدد هذا؟ لتجيبه هي بحماس شديد وابتسامة واسعة تزين ثغرها: "ثلاثة." حيث كان الطبيب يرفع ثلاثة أصابع من يده يسأل عن عددهم، ليتنفس بعمق، قائلاً بهدوء وراحة: "بعد قليل سوف نقوم بعمل بعض الفحوصات الروتينية للاطمئنان."

ليشكره كلا من إلياس وتيم، من ثم يغادر الطبيب. لتندفع ملك التي أخذت تبكي من شدة سعادتها لاستعادة أختها بصرها، قائلة وهي تحتضنها بسعادة: "الحمد لله، الحمد لله، حمد الله على السلامة حبيبتي، مبروك." لتبعدها سارة عن حضنها قائلة بحنان وهي تمسح دموعها: "بلا دموع خلاص، وحشتيني أوي." تنقل بصرها بينهم جميعاً قائلة بصدق وعاطفة وقد انسابت دموعها التي لم تستطع أن تكتمها:

"كلكم وحشتوني أوي.. ملك وديما وسيدرا وإلياس وتيم وحازم ومالك... لم تكمل حديثها وقد انتبهت للتو بأن أخاها ليس موجوداً معها، لتردف قائلة بقلق، فمؤكد أنه صار معه شيء سيء حتى لا يكون معها في مثل هذا اليوم: "هو فين مالك؟ ليجيبها إلياس بابتسامة هادئة: "الأول حمد الله على سلامتك.. هو نزل مصر عشان تولين حامل وكده." ليهتف الجميع بصدمة في نفس اللحظة: "إيه! حامل؟! لكن تيم لم يلبث إلا وضحك بصخب قائلاً من بين ضحكاته:

"والله الواد مالك دا مش سهل.. كان عامل فيها صاحب القلب المتحجر وهو أصلاً... قاطعه إلياس بحدة بسيطة وقد فهم ما كان ينوي صديقه أن يقول: "تيم، تعالى عايزك برا في موضوع." ليكمل وهو ينظر إلى الفتيات: "مع نفسكم انتوا بقى، احنا برا." ليومئ له الجميع مجتمعين حول سارة، جالسين بجانبها فوق الفراش. بينما قد خرج كلا من إلياس وتيم ليذهبا إلى الكافية الخاص بالمشفى، ويبدأ إلياس قائلاً بجدية بدون أي مقدمات:

"مالك عايز ينقل كل حاجة لمصر، مش هيكمل هنا. هو كان أول ما يرجع هيقول لنا، بس هو قال لي لما اتصل بيا عشان يطمن على سارة.. عايز ينقل عشان مراته وكمان عشان سارة لازم يقولوا لأمير الحقيقة مهما كان، ومتنساش إنها لسه على ذمته وكمان حامل." ليردف تيم بعدم صمت استمر للحظات وهو يحاول أن يجعل صوته طبيعياً قدر الإمكان وهو يتخيل أن صديقه سيفارقه مرة أخرى: "يعني هيهاجر تاني؟ هيمشوا كلهم؟ طب واحنا إيه معاه، مش فارق؟

ليرفع إلياس كتفيه قائلاً بعدم معرفة وهو يفرك جبينه قائلاً: "مش عارف.. بقولك أنا عايز آخد رأيك في حاجة والقرار ليك، أنا معاك في الحالتين." تيم وهو ينظر إليه بجدية وقد استشف نبرة صديقه المتوترة: "قول، في إيه؟ "إيه رأيك لو نصفي احنا كمان كل حاجة لينا هنا وننزل نعيش في مصر. وهنا أصلاً لا لينا أهل ولا حد هيسأل فينا غير معارف الشغل وكدا كدا هنعرف نوصل لهم من هناك.. بس الفكرة إن نفضل إحنا التلاتة مع بعض."

لينظر إليه تيم بتفكير، فصديقه معه حق، فهو والداه منفصلان منذ أن كان في السادسة من عمره، ومن تولى تربيته هي جدته، وبعد وفاته عندما كان في السادسة عشر كان يعتمد على نفسه بكل شيء، وطول تلك الفترة منذ أن كان عمره 6 سنوات إلى الآن لم يسأل عليه أحد من والديه. بينما سدرا هي أيضاً وحيدة، فهي قد تربت بإحدى الملاجئ وجاءت فرصتها للوظيفة في إحدى الشركات التي وفرت لها السكن لتطور من نفسها لتصبح إلى ما هي عليه الآن من مكانة بين

سيدات المجتمع وأن تصبح سيدة أعمال مهمة في الوسط المحيط بهم، ولكن رغم ذلك لا يعلم أن أخبارها هل ستوافق أم لا، فهو لن يستطيع أن يجبرها على شيء كهذا. والياس أيضاً ليس لديه أحد، فوالداه قد توفيا وهو منفصل عن عائلته ويعتبر عائلته الحقيقية هم أصدقاؤه، بالإضافة إلى أن حبيبته هي ابنة خالة مالك، ومؤكد ستذهب معه بعد أن انتقلت للعيش معهم هي وأخوها حازم.

ليردف تيم قائلاً بتفكير وهو يعقد حاجبيه: "مش عارف، وبعدين أنا وسيدرا فرحنا الشهر الجاي." ليردف إلياس وهو يتنهد بصخب: "بص، انت اعرض الموضوع على سيدرا وسيبها على الله، كله خير." وصل مروان أمام منزلها، لا لمَ أتى إلى هنا بعد أن رفضته للمرة الثانية، لكنه تنفس بعمق وهو يمد يده ليضغط الجرس، لينتظر لحظات قليلة حتى فتح الباب وظهر والدها، ليردف قائلاً بترحاب: "يا أهلاً يا مروان يا ابني، عامل إيه؟ تعال اتفضل." ليردف

مروان بارتياح وهو يصافحه: "أنا آسف إني جيت من غير معاد، بس كنت عايز أتكلم مع حبيبة بس، عايز أفهم منها هي ليه رافضاني؟ ليحمحم منصور بحرج ولم يعلم بما يجيبه، فهو حقاً لم يفهم لمَ رفضته ابنته، ليردف قائلاً بجدية: "والله يا بني أنا معرفش أقولك إيه، بس دا قرارها، بس ادخل مينفعش نتكلم على الباب كده." ليدلف معه مروان وهو يشعر بالتوتر، ليشير له منصور للجلوس: "أنا هدخل أكلمها."

ليومئ له مروان بتوتر، وبعد دقائق عاد منصور تتبعه حبيبة التي تنظر إلى الأرض، ليردف منصور قائلاً بجدية: "انتوا الاتنين كبار وتقدروا تتكلموا وتتناقشوا مع بعض كناس عاقلة متحضرة." ليومئ له مروان بتأكيد، بينما حبيبة لم تتحرك ولم تبدِ أي رد فعل. وبعدما غادر منصور، نظر إليها مروان مشيراً لها بالجلوس، لتجلس بصمت فوق طرف الأريكة مبتعدة عنه بدرجة كبيرة وهي تشعر بالتوتر الشديد من وجوده كما يحدث معها دائماً، ليردف مروان

بنبرة هادئة قدر الإمكان: "عايز أعرف ليه رفضتيني؟ لتبتلع هي ريقها وقد شعرت بالجفاف فجأة، لا تردف قائلة بكذب وهي لا تعرف بما تجيبه: "مش بفكر في الجواز دلوقتي." علم أنها تكذب من تحرك عينها وتوترها الواضح، ليقترب منها قليلاً ولكن محتفظاً بالمسافة بينهما، معيداً نفس السؤال ولكن بنبرة حنونة هذه المرة: "ليه رفضتيني للمرة التانية يا حبيبة، وأنتِ عارفة إن أنا عايزك، والمرادي بكل إرادتي؟

مست نبرته الحنونة قلبها المتيم بعشقه هو وحده، لتردف قائلة بعتاب وهي تشعر بالتيه، لا تفهم إصراره عليها هكذا، ولا تعلم كيف تفكر بطريقة صحيحة: "مش حاساك يا مروان، حاسه إنك عايزني بس عشان تسد فراغ في حياتك مش أكتر، وأنا استحالة أكون كده أو أتقبل دا." قاطعها هو بنبرة متعبة لاول مرة تسمعها منه وشعور غريب داهمه ما إن سمع نبرتها المعاتبة:

"لا يا حبيبة مش كده، أنتِ عمرك ما كنتِ سد فراغ ولا هتكوني كده.. أنا محتاجك معايا بس مش زي ما أنتِ مفكرة.. أنا عايزك تكوني معايا، أنا مش عارف دا معناه إيه ولا تفسيره إيه.. بس.. بس أنتِ بقيتِ واخدة حيز كبير من تفكيري."

تنظر إلى عينيه وهو يتحدث، ترى مدى صدقه وتخبطه، لاول مرة تراه بهذا التيه، هي أحبت ذلك الشاب الواثق من نفسه دائماً وعشقت هذا الذي يستطيع أن يقاوم أي شيء يواجهه، لكنه تغير، نعم تغير كثيراً، أصبحت لا تفهمه ولا تعرفه، لكنها ما زالت تحبه وتعشقه، ولكن لا تستطيع أن تبني حياتها معه وهو بهذه الأخلاق التي أصبح عليها من سهر وغيره، قد لاحظت تغيره، لكنها تخشى أن توافق عليه ويعود كما كان عليه وحينها لن تستطع أن تبتعد عنه.

لتردف قائلة بارتباك: "إ.. أنت عايز.. إيه يا م.. مروان دلوقتي؟ أنا مش.. عارفة؟ ليجيبها مروان بأمل في أن توافق فيما ستقوله: "عايز فرصة أثبتلك فيها إن نيتي كويسة وإن فعلاً محتاجلك انتِ كحبيبة مش زي ما انتِ شايفة، نعمل خطوبة وطول الفترة بتاعتها انتِ حددي." ليكمل بعدها بتوتر وقلق وصوت يكاد يسمع: "ولو مش ارتحتي يبقى خلاص."

تستمع إليه والدموع قد تلمعت بمقلتيها، ترمش بعينها حتى تمنع انهيارها، تفكر بحديثه ولا تعلم كيف تفكر أو ما القرار التي سوف تتخذه. وعندما طال صمتها فسره هو بطريقة، ليبتلع ريقه بصعوبة وهو ينهض من مكانه ببطء وملامح الحزن والأسف مرتسمة فوق وجهه الوسيم، ليتألم قلبها وهي تراه بتلك الحالة الحزينة المتألمة. وما إن جاء ليغادر، همست باسمه، ليقف محله دون أن يلتفت إليها، لتردف قائلة: "مروان.. ابقى اتفق مع بابا على الخطوبة."

ليلتفت بسرعة ينظر إليها، وما إن جاءت عيناه في عينيها، أخفضت هي رأسها بخجل وتوردت وجنتاها، لتركض إلى الداخل، بينما هو اتسعت ابتسامته عندما استوعب ما قالته، إذا هي وافقت عليه أخيراً، ليعود مرة أخرى حتى يتفق مع منصور والدها، وبعد ذلك يأتي بوالديه حتى يتم خطبتها رسمياً.

عاد صباح اليوم إلى منزل عمه، ولكنه تفاجأ بعدم وجودها بالمنزل، ليسأل عنها ويصدم حين علم أنها قد ذهبت إلى منزل خالها، ليشعر حين بالوحدة والغضب والحزن والفقدان والكثير من المشاعر التي داهمته ولم يستطع أن يفسرها، لكنه افتقدها. تردد كثيراً ليهاتفها أو يراسلها، لكنه كان يتراجع في آخر لحظة. ليفكر كثيراً في حل لهذا الحال الذي أصبح به، ليقرر أخيراً أنه يجب أن يتخذ أمراً جدياً، وما إن وصل إلى قرار نهائي، أخرج هاتفه وعبث به قليلاً، ووضع الهاتف فوق أذنه منتظراً الرد من الطرف الآخر إلى أن جاءه أخيراً:

"إزيك حضرتك يا عمي، أخبارك إيه؟ لياتيه الرد من الطرف الآخر عمه قائلاً بمحبة: "حبيبي أنا بخير الحمد لله.. أنت أخبارك إيه واللي عندك عاملين إيه؟ ليجيبه مصطفى بهدوء: "الحمد لله يا عمي، كلنا بخير.. أنا بس كنت عايز أطلب من حضرتك حاجة." "خير يا ابني." "أنا عارف إنه مش وقته ولا ينفع إن أكلمك في موضوع زي دا على التلفون.. بس من غير لف ولا دوران، أنا عايز أطلب إيد سما."

ليتنحنح عمه بتفاجؤ، فهو لم يتوقع أن يطلب يد ابنته، لكنه أردف قائلاً بهدوء وعقلانية: "أنت عارف يا بني معزتك عندي قد إيه، بس موضوع زي دا مش بيتكلم فيه على التلفون، وبعدين أنا مقدرش أديك كلمة غير لما آخد رأي سما، أنت عارف إن القرار ليها هي، أنا مقدرش أغصبها على حاجة." كان يستمع إليه بتركيز مقتنع بما يقوله، لكنه لا يريدها أن تعلم بأنه يريد الزواج منها: "يبقى أول ما تيجي يا عمي نتكلم في كل التفاصيل." ليكمل

بحرج وهو يحك مؤخرة عنقه: "هو ينفع متقولش لسما.. أصل عايز أفاجئها، دا بعد طبعاً ما حضرتك توافق." "على خير إن شاء الله، وأنا خلاص جاي بعد يومين بإذن السميع العليم." "توصل بالسلامة يا عمي، يا ريت تفكر بالموضوع وأنا هكلم محمود أقوله، وربنا يقدم اللي فيه الخير."

ليجيبه عمه بهدوء، وبعدها يغلق الخط متنهداً، لينظر مصطفى بسعادة إلى الهاتف، فها هو سيجتمع بها، فقد أدرك مؤخراً أن ما يشعر به نحوها هو حب، غيرته عليها من ذلك التي تدعوه بسام، غضبه عندما لم تخبره بأنها سوف تذهب إلى منزل خالها، شعوره بالفقدان عندما لم يجدها أمامه، والحزن عندما لاحظ تغيرها معه.. والآن تجمع كل هذه المشاعر بأنه حب. ستكون معه وسيبدأ حياة جديدة معها، هو وهي يحيطهم حبهم، فهو يعلم أنها تحبه منذ أن كانت صغيرة

عندما كان يأتي ليقضي بعض الأيام عندما كان يعيش بألمانيا، كان يلاحظ حبها الذي كان يظهر بوضوح في عينها، ولكنه لم يكن يهتم بها، فقد كان يراها وقتها بفتاة مراهقة ليس أكثر، والآن الوضع قد تغير، فهو قد طلب يدها من والدها منذ لحظات وستصبح عما قريب ملكه.

"هنروح فين دلوقتي؟ أردف مالك بذلك السؤال وهو يقود السيارة ولا يعرف أين وجهته المحددة. تجلس بجانبه تولين التي لم تستمع إليه من كثرة التفكير، واستعادة ذكرى عندما اعترف بحبه لها، لتشعر وقتها بأن قلبها سيخرج من بين ضلوعها لشدة ضرباته. لتشعر بالتأنيب لكونها كانت ترفض أن تخبره بخبر حملها إذا لم يأتِ إليها، وكانت ستحرم نفسها من رؤية سعادته بهذا الخبر، حيث كادت عيناه تدمع من شدة سعادته. لتعنف نفسها:

"إيه اللي أنا كنت بفكر فيه دا؟ استحالة مالك كان بينساني أو ميجيش، استحالة. هي الهرمونات بدأت وأنا لسه في الشهر الأول؟ "تولين؟ أفاق على ندائه لها وهو ينظر إليها باستغراب، وقد لاحظت أنه توقف بالسيارة: "نعم.. أنت وقفت ليه بالعربية؟ تنظر إليه باستغراب ليردف مالك بجدية وهو ينظر إليها: "أنتِ اللي فيه إيه يا تولين؟ مالك؟ أنتِ كويسة يا حبيبتي؟ لو لسه تعبانة نرجع المستشفى؟

أنهى جملته بنبرة قلقة، لتومئ له وابتسامة بلهاء ظهرت على ثغرها ما إن سمعت لفظ التحبيب منه، قائلة بارتباك: "لا أنا كويسة.. بس لسه مصدومة يعني مش مصدقة إنك فرحت إني حامل وكده يعني." أجابها مالك بحب لم ولن يخجل من إظهاره لها: "أنا لو أعرف إن الموضوع كدا مكنتش سافرت من الأول.. متعرفيش أنا فرحان قد إيه، والأهم من دا إنه هيكون منك." ليكمل بعدها بمرح: "تحبي نروح فين؟ البيت ولا نكمل اليوم خروج؟

اللي انتِ عايزاه، اليوم كله ليكي." لتردف بتوتر وهي تعض شفتيها بخجل ولم تثنِ على حديثه: "ينفع نروح القصر؟ عايز أجيب كام حاجة من هناك وبعدها نروح أي حتة أنت عايزها." لتكمل بحرج وهي تخفض رأسها: "أنا عارفة إنك مش بتحب تروح هناك بس... لم تجد الكلمات المناسبة التي تكمل بها حديثها، ليمد مالك يده يرفع ذقنها لتنظر إليه ويردف قائلاً بهدوء بقدر الإمكان:

"متتكسفيش من حاجة، دي عيلتك ويا حبيبي مفيش حاجة، ولو عايزاني أدخل معاكي هدخل." لترد قائلة بتأكيد: "طبعاً هتدخل معايا، أنا مش هدخل لوحدي."

دلف كلا من مالك وتولين إلى القصر ليقابلا أمير الذي كان ينزل الدرج، ليقف أمير أمامه بتوتر لا يعرف ماذا عليه أن يفعل. ليقترب منه مالك وقد حزن عندما رأى حالته المتعبة المنهكة ويبدو على ملامحه الحزن وجسده الذي أصبح نحيفاً بصورة ملحوظة وتلك النظرة المتأسفة التي ينظر بها إليه، كل هذا جعل مالك يفكر للحظة في أن يخبره عن حقيقة سارة وأنها على قيد الحياة وأنها تحمل ابنه وبعد 6 أشهر وأنه سيصبح أب قريباً.. لكنه تراجع عن كل هذا مفضلاً بأن تخبره هي، وبالأخص أنهم سوف يعودون جميعاً إلى مصر قريباً.

"عامل إيه يا أمير؟ ألف سلامة عليك، تولين قالت لي إنك شلت المرارة." استغرب أمير من طريقة حديثه الهادئة، لكنه بدلاً من أن يصافحه اقترب منه في عناق قوي، ليبادله مالك العناق، بينما تولين تحاول منع دموعها وهي ترى أخاها وزوجها معاً، فهي كانت تخشى من تلك المواجهة، هي تعلم أن مالك شخصية عاقلة، ولكن لم تتصور أن يتصرف بتلك الطريقة المتحضرة لتلك الدرجة مع أمير رغم كل ما فعله.

ليبتعد مالك عن أمير، مرّباً فوق كتفه قائلاً بمرح مصطنع حتى يخفف من حدة الموقف: "خلي بالك، أنا قريب هنقل كل حاجة لمصر وهفتح الشركة بتاعتي، يعني استعد إنك تفلس قريب... ضحك أمير بخفة، بينما تولين عقدت حاجبيها بدهشة واستغراب، مقتربة منهم قائلة بغضب طفولي وهي تقف بجانب أخيها أمام مالك: "انت هترجع مصر تاني ومقولتليش ليه؟ كنت عايز تقول لي إمتى؟ لما تيجي وتستقر ولا مكنتش عايز تقول لي من أصله؟

جاء مالك ليجيبها، لكن سبقه أمير وهو يجيبها باستغراب من نبرتها الغاضبة وهجومها المفاجئ بتلك الطريقة: "في إيه تولين؟ محصلش حاجة لكل دا.. وبعدين مالك بيهزر أكيد." لتحرك رأسها بالنفي وهي تنظر إلى مالك نظرات معاتبة، من ثم تتجه إلى غرفتها سريعاً، لينظر في أثرها باستفهام ولم يفهم ما حدث لكل هذا، لينقل بصره إلى أمير ليردف الأخير باستغراب: "هو حصل إيه لكل دا؟ ليردف مالك بهدوء وصبر:

"عادي، دا أنا لسه حشوف العجب. الـ 9 شهور اللي جاين.. تقوم بالسلامة أهم حاجة." ليعقد أمير حاجبيه قائلاً بشك: "هو اللي أنا فهمته دا صح؟ تولين حامل." ليومئ مالك رأسه بالإيجاب، وابتسامة هادئة تزين ثغره، ليشعر أمير بالسعادة تغمره، ليهنئه بسعادة، ليردف بعدها قائلاً وهو ينظر إلى الساعة التي تزين معصمه قائلاً بتعجل: "بس خلي بالك، هي كان عندها اكتئاب بس طلعت منه، ها.. يلا أنا لازم أمشي عشان أجيب جدي." ليوقفه مالك بقلق:

"ماله عاصم بيه؟ "في المستشفى، اتعرض امبارح لأزمة قلبية." ليقاطعه مالك قائلاً بجدية: "طب استنى، أنا هاجي معاك أطمن عليه." ليوقفه أمير قائلاً بجدية: "لا خليك مع تولين، هي متعرفش حاجة ومهاب هناك معاه مبيت من امبارح، أنا هروح أجيبهم ونيجي، خليك مع تولين." ليومئ مالك برأسه طالباً منه أن يطمئنه على حالة جده، ليتنهد بطول وهو يرى أمير يغادر، وما إن اختفى من مرأى عينيه، التفت لينظر باتجاه الدرج الذي صعدت عليه تولين، هامساً

لنفسه بصبر: "ابدأتنا من أولها، هرمونات وبتاع، الصبر يا ولي الصابرين." ليدلف إلى الغرفة يجدها جالسة فوق الفراش تضع يدها فوق بطنها وشاردة الذهن، ليجلس بجانبها، ولكنها لم تنتبه، ليصيح فجأة قائلاً: "لا، فيه حاجة بتحصل مالك يا تولين؟ مش على بعضك، احكي حبيبتي، ولو فيه أي حاجة مزعلاكي، مقلقاكي، أي حاجة هنتكلم فيها ونلاقي حل." لتنظر إليه بعينين دامعتين، ليردف هو بقلق: "دموع يا تولين؟ للدرجة دي؟

لترتمي بين ذراعيه تبكي، لا يعلم ما السبب الرئيسي لبكائها، لكنه أرجع ذلك إلى هرموناتها، فهي منذ الصباح وهي تتصرف بغرابة، لكن جميع تصرفاتها لا تخلو من البراءة والطفولية، ليشدد من ذراعيه حولها يضمها إليه، لتهمس له بنبرة منخفضة للغاية وهي تدفن رأسها في عنقه. لم ينتبه مالك إلى ما قالته، وعندما لاحظت أنها لم يسمعه، ابتعدت عنه ببطء قائلة بحنان وهي تمسك كفه تضعها فوق بطنها المسطح:

"أنا حامل يا مالك.. حامل منك أنت.. أنا لحد دلوقتي مش مصدقة إن الحلم اللي فضلت أحلم بيه 3 سنين بقى حقيقة."

ابتسامة واسعة ارتسمت فوق وجهه ما إن أمسكت هي بكفه ووضعته فوق بطنها، فهو كان يريد أن يفعل هذا منذ أن علم بكونها حامل، كان في البداية لا يريد أن يظهر لها، ولكن الآن قد علم من الطبيبة عندما ذهب بها إلى المشفى، كان يموت قلقاً عليها وهو يراها تستفرغ كل ما في جوفها وتتأوه بالألم. لكن ما انتبه إليه من حديثه هو عندما قالت "الحلم اللي فضلت أحلم بيه 3 سنين بقى حقيقة"، معنى ذلك أنها تحبه منذ زمن. ليردف قائلاً بدهشة واستغراب:

"3 سنين بتحلمي؟ إزاي؟ وإحنا أصلاً عارفين بعض مكملناش السنة؟ لتردف قائلة بخجل وهي تخفض رأسها تعض شفتيها بتوتر، فقد أفصحت بما كانت تخفيه عنه: "أنا.. أنا أعرفك من قبل كده من زمان." ليردف قائلاً بمرح وابتسامة واسعة: "ده أنا حب قديم بقى وأنا معرفش." لتومئ هي برأسها بخجل، ليضحك على خجلها، يضمها إليه بحنان، وضع كفه فوق بطنها يتحسسه بحنان قائلاً بحماس وهو يستند بذقنه فوق كتفها:

"مش مصدق إن بعد 9 شهور ربنا هيرزقنا بيبي ويفضل مسهرنا طول الليل وأنا أغير عليكي منه، ولو بنت أنتِ اللي تغيري عليا."

لتضحك هي لحماسه، ويبدأ معها بسرد أحلامهما المستقبلية لحياتهم، مخططين لها لتصبح حقيقة يمكن تحقيقها. لكن ما أحزن تولين عندما أخبرها أنه بعد غد سيعود إلى ألمانيا مرة أخرى، لكنه أقنعها بضرورة سفره وأنه سيعود مرة أخرى، وعندما جاء ليرحل، أصرت عليه أن يبيتا في القصر، لكنه رفض رفضاً قاطعاً، لتتقبل رغبته وتذهب معه إلى منزله، رافضة أن تتركه، وقد أخذت اليومين الذين سيظل بهما في مصر إجازة من عملها حتى تكون معه.

ماذا لو انتزعتكِ من ذاكرة الزمن وأخفيتُكِ في حاضري ومستقبلي! هل سيشعر العالم! هل سينتبه؟ ماذا لو أصبحتِ أنتِ أرضي ووطني، هل ستتغير الجغرافيا ويتبدل التاريخ! هل ستثور الأمم وتغضب الدول وتقام الحروب!

لكم أتمناكِ زهرتي الخاصة، دولتي الصغيرة الخالية من الذهب والنفط والمعالم السياحية، بعيدة عن أنظار المسافرين ومطامع الغزاة وناهبي الثروات. أريدكِ صحراء بعيدة وهادئة وسأكون أنا بدوياً، أرعى الغنم وأجمع الحطب، أقتات على الخبز وحليب العنزات، أتغزل فيكِ بأجمل العبارات. وحدنا في البادية، لنا كل معاني الحرية، نتغنّىَ بأمجاد الأجداد ونختار أسماء الأولاد والأحفاد، نقرأ معاً الكتب القديمة والقيّمة، نتحدث عن فوائد القراءة ومساوئ التكنولوجيا. معاً سنكون وسنظل، بلا خوف أو قلق، نردد قصائد العرب في جلسات السمر، نلعن الحضر والصخب في أمسيات السهر، نمدح بعضنا وأنفسنا ونسبّ الفلاسفة ومحبي السفر. وحدنا...

أنتِ وأنا، وهل نحتاج شيء آخر؟! أين أنتِ أيتها الكفيفة التي أعشقها، لما لا تزوريني في منامي؟ لما أصبحتِ قاسية القلب؟ مر شهر ونصف على فراقك وأنا هنا وحدي أتحدث معكِ عبر تلك الورقات، أكتب إليكِ كل يوم ولا أمل، ولكنكِ لا ترسلين لي شيئاً. مر شهر ونصف وأنا مازلت أتلوى شوقاً يا كفيفتي.. اليوم سأذهب لأزوركِ وأتمنى أن يقترب موعدي وألقاكي في دار الآخرة، معشوقتي الكفيفة.. فأنا "عشقت كفيفة".

أغلق أمير دفتر مذكراته الذي يكتب به يومياً لحبيبته الراحلة، واليوم مثل كل يوم يذهب أولاً إلى قبر زوجته، من ثم يتجه إلى عمله، وبعد نهاية دوامه يذهب إليها مرة أخرى ليسرد لها يومه بكل تفاصيله. بعد أن أنهى أمير روتينه اليومي وذهابه إلى قبر زوجته.

كان قد أنهى إحدى اجتماعاته للتو في إحدى المطاعم الفاخرة، وعندما جاء ليخرج من الباب اصطدم بفتاة كانت تدلف إلى المكان، ليلتفت إليها حتى يعتذر، وقبل أن يفتح فاهه ليتحدث إليها، صدم بمحله وهو يراها أمامه، لتنظر إليه وهي تعقد حاجبيها وتمسك ذراعها باللم، ليهمس أمير إليها باضطراب ونبرة متوترة: "أنا آسف جداً."

لتومئ هي برأسها، تتركه وتتجه لإحدى الطاولات الفارغة، تجلس عليها، بينما هو عقله يعمل في جميع الاتجاهات، فتلك الفتاة هي نفسها سارة بكل تفاصيلها، لكن تلك التي صدم بها كانت تبدو أنها حامل من انتفاخ بطنها الواضح، ليشعر بالتيه وعقله قد توقف عن التفكير، يتمنى أن يكون بحلم والآن سوف يستيقظ منه، فالتي اصطدم بها الآن هي سارة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...