وصل مالك وتولين إلى المشفى أولاً، ترجلا من السيارة سريعًا يتجهان ناحية الاستقبال. ليسأل مالك الموظف، لكن سبقته تولين وهي تسأل بجدية: = سارة الصياد فين؟ ليجيبها الموظف بعملية واحترام، فهي طبيبة في تلك المشفى ومن أهم الأطباء: = حاليًا في الطوارئ، بس بنجهز غرفة العمليات رقم 502. لتجيبه بجدية وهي تحاول أن تخفي قلقها عن مالك الذي يتابع الحديث بانتباه شديد:
= عاوزة تقرير للحالة فورًا، وأنا اللي هدخل العمليات، وبلغي دكتور معاذ. ليجيبه الآخر بعملية وسرعة: = حضرتك عاصم باشا استدعى دكتور عدى، وهو حاليًا اللي مع المريضة في الطوارئ. لتومئ برأسها وتذهب إلى مكتبها كي تغير ثيابها، لكي تذهب إلى سارة حتى تتابع حالتها بنفسها، بينما تسحب مالك من يده الذي يحاول إلى الآن استيعاب الحديث: "أخته بالطوارئ وستدخل العمليات بعد قليل؟!
وما إن دخلا إلى مكتبها، لتولين أمسكها من مرفقيها وهو يديرها إليه حتى تنظر إليه، ليقول بهدوء يشبه هدوء ما قبل العاصفة: = أنا عاوز أفهم أختي مالها، وإيه اللي هيخليها تدخل العمليات. لتجيبه تولين بنبرة حنونة هادئة، تعلم أنه خائف على أخته وأنه لا يريد أن تتكرر تلك الدوامة التي ظلوا بها لثلاث سنوات كاملة في المشفى من عملية لأخرى، وهو لا يريد لأخته أن تعيش نفس الأحداث مرة أخرى:
= حبيبي، أنا عارفة إنك خايف على سارة، صدقني أنا كمان خايفة عليها. هدخل أغير هدومي على ما يجيبوا التقرير الأول ليها. لتطبع قبلة رقيقة فوق وجنته، ثم تذهب لتغير ثيابها إلى الزي الرسمي للمشفى.
في نفس الوقت الذي جاءت به تولين، جاءت الممرضة ومعها التقرير الطبي الخاص بسارة. لتسحبه منها بسرعة لتقرأه بتركيز شديد، بينما مالك ينظر لها بتساؤل وترقب، ينتظرها أن تنهي ما بيدها. وما إن أنهت قراءته، أغلقت بهدوء. لترفع رأسها تنظر إليه بصمت، وعقلها يدور بجميع الاتجاهات لتجد طريقة مناسبة أن تخبره بها، لتردف قائلة بحذر: = مالك...
كان يجلس يحتسي ذلك المشروب المحرم وهو ينفث دخان سجائره بحرقة، وكأنه بذلك التصرف سيهدأ من غضبه ومن تلك النيران التي تشتعل بقلبه. لكن كيف؟ كيف يريد أن يبرد الله قلبه وهو بعيدًا عنه كل البعد؟ لا، بل يشرب ما حرمه لتزداد نيران الغضب بداخله. عقله موقف عن التفكير ولا يريد التفكير أو مراجعة ما قد فعله ويفعله، لا يريد أن يواجه حاله أو أنه من الممكن أن يكون قد ظلمها وأنها بالفعل بريئة.
ليأتيه إشعار عن وصول رسالة، وكانت من مساعدته الشخصية إيمان، وكانت الرسالة تنص على: [ أمير بيه، ميعاد الطائرة اليوم الساعة 3 العصر ] وهذا يعني أنه قد تبقى ساعتين على أن تقلع. لينهض من مكانه ببطء وخمول، يتجه إلى الحمام حتى ينشط من حاله ويعيد تركيزه. بعد مرور نصف ساعة...
كان يقف أمام مرآته يصفف خصلات شعره بأنامله بكل ثقة وبرود، وهو يصدر لحن صفير. ليتحرك بعدها ساحبًا حقيبته التي قد حضرها بنفسه قبل قليل. ليخرج من شقته، ليأخذ سيارته وينطلق بها متجهًا نحو المطار. ولم ينتبه إلى هاتفه الذي أخذ برنين فوق البار الموجود بالمنزل، ناسيًا إياه أو قد تناساه. كانت تنزل بسرعة شديدة من فوق الدرج وهي تصرخ بصوت عالٍ: = ماما، ألاقي يا ماما مصيبة. ألاقي.
لتهرول أمها إليها بسرعة وهي تقول بهلع من منظر ابنتها التي تسيل دموعها وقد اختلط كحل عينها بدموعها لتسيل فوق وجنتيها: = في إيه خير يا منى، إيه اللي حصل؟ حد من الولاد حصله حاجة؟ منى ببكاء: = ديما لسه مكلماني وبتقول لي إن سارة في العمليات ومحدش عاوز يقول لهم عن حالتها. أمها بصدمة وهي تنظر إليها بعدم فهم، عقلها يحاول أن يستوعب ما قد قالته بالفعل: = إيه، إنتِ بتقولي إيه يا منى؟
سارة، حفيدتي أنا، بنت داليا وأحمد في في المستشفى؟ ليه؟ لتجيبها منى بتوتر وقلق وهي تدور حول نفسها وتضع كفها فوق جبينها: = مش عارفة، بس أنا خايفة تكون عرفت حاجة أو.... لتقاطعها بقوة ووهنية وقد بدأت الدموع تلمع في عينها: = لا، مش ممكن يكون حد من الولاد عرف، وبذات هي، لا لا، سارة من بعد الحادثة وهي.... لم تستطع إكمال حديثها، خانتها غثات البكاء. ماذا تقول وماذا ينفع أن يقال؟
فحفيدتها تغيرت "360 درجة" كما يقال بالعامية، أصبحت انطوائية. فرغم أنها بعيدة عنهم، إلا أنها تتابع أخبارهم أولاً بأول. لتردف منى قائلة بهدوء عندما لاحظت سكوت والدتها وعدم إكمالها للحديث: = بس يا ماما، هنعمل إيه؟ لتردف الأخرى بجدية وهي ترفع رأسها تنظر إلى ابنتها بقوة: = خلاص، أنا قررت، هحل كل حاجة. لازم كل حاجة تبان، مش لازم نفضل نتفرج كدا من ورا الستار، مش ياسمين اللي تستخبى.
منى بخوف من نظرات أمها، والأكثر هو من قرارها القادم الذي ستلقيه عليها كالقنبلة: = تقصدي إيه؟ هتعملي إيه يا ماما؟ متخوفينيش. ياسمين وهي عيناها تلمعان بالدموع: = هعمل اللي كان لازم أعمله من سنين، من أول ما بنتي وجوزها ماتوا. منى بخوف من قرار أمها: = بس يا ماما، إنتي كده هتخالفي وعدك لداليا وأحمد الله يرحمهم. ياسمين بحزن شديد ودموعها مازالت تنهمر فوق وجنتيها: = أنا غلطت لما وعدتهم، بس خلاص، أنا هريح ضميري.
منى بمقاطعة وهي تحاول أن تثنيها عن قرارها: = بس يا.... ياسمين وهي تقاطعها بجدية: = مفيش بس، إحنا هننزل مصر على أول طيارة. احجزي لينا. ليأتي ذلك الطفل الشقي من خلفهم وهو يصرخ بفرحة ويقفز بطفولية على قدميه، يردف قائلاً بحماس: = يهووو، يا سلام! وأخيرًا هنزل مصر وهشوف سمسمه. وهرول إلى جدته وهو يقبلها من كلتا وجنتيها: = حبيبتي، يسوسو، إنتي بتفهمي. وقبل منى أيضًا وركض إلى الأعلى مرة أخرى وما زال يقفز
ويرقص ويحدث نفسه بحماس: = أنا هنزل مصر، الله الله عليكي يا يسوسو. وبعد أن ذهب ذلك الطفل، أردفت منى بخوف وهي تنظر إلى والدتها: = ماما، أنا مش هسيب حازم ينزل معانا، عشان أكيد مالك هيحاول ياخده، وأنا مش عاوزة دا يحصل. ياسمين وهي تمسك يدها تحدثها بحزن: = هو مالك في إيه ولا إيه؟ دا يا حبيبي ملحقش يرتاح من 3 سنين اللي فاتوا، ودلوقتي...
ربنا يقويك يا حبيبي ويصبرك يا رب. وبعدين حازم متربي معاهم ويعتبر أخوهم، وإنتي عارفة هو متعلق بيهم إزاي. منى بحزن وبكاء: = معاكي حق يا ماما، حازم بالأخير هيشوفهم ومش هيفضل طول عمره كده، ما حبوس وسطنا. أنا هجهز الشنط وأحجز على أول طيارة. قالت ذلك ثم صعدت إلى الأعلى، بينما ياسمين جلست على أقرب كرسي تشعر بأن قدميها لا تستطيع أن تحملها. عقلها يدور بجميع الاتجاهات، وشيء واحد هو الذي تصل إليه: "أن الحقيقة ستكشف عما قريب".
بعد مرور 3 ساعات في المشفى، كانت سارة قد دخلت إلى غرفة العمليات. كانت حالة حزن تخيم على المكان، والكل في حالة انتظار لأي خبر بأنها بخير. كان مالك يقف وهو يشعر بالضياع، يشعر بأنه السبب فيما حدث لها لأنه من تركها وسلمها إلى شخص لا يعرف معنى الإنسانية، مغرور ومتكبر. عنده يقين بأنه هو من تسبب في أذيتها: = ليه... ليه يا سارة عملت فيكي كدا؟
كنتِ اقفي قدامي وارضي وقولي مش عاوزاه، كنت هسمع كلامك، ريحتيني في الأول، بس دلوقتي قلبي بيوجعني عليكي. أختي، فوقي يا سارة عشاني، أنا فوقي.
بينما كان إلياس يقف وهو يشعر بالعجز، لا يستطيع أن يقدم أي شيء. صديقته وأخته وابنة عمه الآن بين الحياة والموت، ولا يستطيع أن يقدم لها شيء. يشعر بالخوف من فقدانها. هو لا يريد أن يفكر بأنها من الممكن أن تتركه وترحل، فهي صديقة طفولته منذ الصغر، كان يعتبرها أمه وأخته وصديقته وكل شيء له من قبل الحادث، ولكن من بعده ابتعدت هي عن الجميع. لكنه بالفعل لا يستطيع العيش بدونها في الحياة. هو من قام بتربيتها هي ومالك عندما كانا صغار، كان يهتم بها كثيرًا، وكأن ذلك يغضب مالك كثيرًا. هو من علمها معظم الأشياء، والآن هي في الداخل وحدها. رحمتك يا الله.
عاصم الذي كان يقف ويرى نظرة التيه والانكسار في عيون جميع المتواجدين، بالإضافة إلى تأنيب ضميره الذي يحدثه بداخله بأنه هو السبب في كل ما يحدث الآن. فغم علمه بطباع حفيده، إلا أنه وافق أن تكون تلك الضحية فريسة له. ولا أحد يعلم الحقيقة غيره، لكن تأنيب ضميره يؤلمه. هو لا ينكر أنه كان يريد أن يجعل حفيده بأحسن حال وأن يتغير على يد سارة. هو لا يعلم ماذا حدث لكي يفعل أمير بسارة هذا، فهو يعلم أنه من تسبب بكل هذا، بالإضافة إلى أن عدى قد أكد له أنه قد تم دفعها عن طريق التعمد، لأن الوقفة ليست بالهينة وكانت قوية.
كانت ديما تبكي في حضن إلياس، والآخر بدوره كان يشدد من احتضانه لها وهمس لها بكلمات مطمئنة حتى تهدأ، لكن لا يؤثر ذلك، وكانت تزداد في البكاء أكثر. بينما ملك... تركتهم وانعزلت بعيدًا عنهم ببعض الأمتار، ويبدو على معالم وجهها الخوف، دموعها الحبيسة في مقلتيه. تهز رأسها بالنفي وهي تجلس على أحد المقاعد وجسدها يتأرجح للأمام والخلف بهستيريا، وهي تتمتم بهمس وضياع وقلب حزين منكسر:
= لا، لا، مش هيحصلها حاجة، مش هتموت وتسيبني زيهم. بابا وماما مشوا. سارة لا، مش هيحصلها حاجة يارب، أختي. إلا أن قاطع تفكيرها وشرود كل فرد منهم، خروج عدى تتبعه تولين وطبيب آخر من العمليات، وكانت معالمهم حزينة. قال عدى بأسف وحزن: = أنا آسف، بس هي وصلت المستشفى متأخر جدًا، وللأسف نزفت دم كتير.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!