أخذ يفكر كثيراً بحديثه الذى دار بينه وبين "وائل" منذ قليل، ليقع بحيرة شديدة فهل هو بالفعل وقع قلبه أسيرًا بحب تلك "نسمة" أم لا؟ ففي كل الحالات يجب أن يأخذ قرارًا مهمًا وعليه الاختيار، إما أن يكمل طريقه معها وتكون هي مالكة قلبه، والارتباط بها بعد انتهاء دراستهم فلا شيء يمنعه من ذلك. أو أنه لا يحبها فيجب عليه ألا يلعب بمشاعرها بعد الآن وأن يبتعد عنها حتى لا يؤذيها أكثر من ذلك، فهي لا تستحق أن يُكسر قلبها الرقيق.
اقترب "وائل" من "عمر" مستكملًا حديثه بغمز لطيف وقد توسطت ثغره ابتسامة عريضة. ماااا... تعرفنا طيب على أصحابها دول... ولا أنا يعني ماليش في الحب نايب؟ انتبه "عمر" لحديث "وائل" مجيبًا إياه بعدم تركيز لما سيطر على تفكيره بتشتت واضح. هاه... آه... ماشي... حاضر... يلا نروح لهم... بس بلاش حركات ملهاش لازمة. رفع "وائل" رقبته بخيلاء وهو يشير بكفه المنبسط فوق صدره بإيماءة مسرحية. متخافش... وهو أنا وش ذلك برضه...
أنا بقول نتعرف بدل ما أنا قاعد بوزي فـ بوز الحيطة طول النهار... وإنت مع ست الحسن. بزمجرة خفية ليقطع سيل تهكم "وائل" الذي يعرفه جيدًا. "وائل"... وبعدين... لم نفسك أمال! خلاص خلاص... متبقاش قفوش كده... يلا بقى... نروح لهم. *** جلست "نسمة" مع صديقاتها بالكافيتيريا تبتسم على أحاديثهم بتشتت دون إدراك مطلقًا عما يتحدثون به، فقد شغل تفكيرها تأخير "عمر". لتحدث نفسها قلقة من هذا التأخير غير المعتاد منه.
يا ترى راح فين بس ده كله... لتكون زعلت لما لقيتني مقفلة معاه... بس أنا بجد مش عارفة أقول إيه؟ كل الكلام اللي جوايا أول ما بشوفه بيضيع مني... يا رب... اجعله من نصيبي أنا بحبه أوي... أنا عمري ما حبيت حد في حياتي زي ما حبيته... ده هو اللي هيبقى خلاصي من عيشتي مع "حسن"... يا رب ما تبعده عني ولا تبعدني عنه... أنا مش عارفة من غيره حياتي هتبقى عاملة إزاي؟ هو أكيد مش بيلعب بيا... إحساسي بيقول كده...
ده لو طلع بيكدب عليا أنا ممكن أموت. قطع شرودها وصول "عمر" ومعه "وائل" لتطالعه يدنو تجاههم من بعيد، لتعلو ثغرها ابتسامة فرحة وتتسارع دقات قلبها بسعادة. أقبل "عمر" مستأذنًا بتأدب. ممكن نقعد معاكم ولا تضايقوا؟ آه طبعًا... اتفضلوا. جلس "عمر" و"وائل" معهم ليبدأ "عمر" بتعريفهم بصديقه "وائل"، فتلك أول مرة يتداخل معهم بصحبة "عمر". ده "وائل"... أكيد طبعًا عارفينه... ما هو معاكم من ثلاث سنين هنا في الجامعة. آه طبعًا.
بدأت أحاديث عامة بين الجميع انجذب أطرافها بين "وائل" و"دنيا" كثيراً، كما تدخلت كل من "سحر" و"نسمة" ببعض الموضوعات، كان "عمر" من خلالها يراقب "نسمة" بكل تعبيراتها بتمعن، كيف كانت تتحدث وتضحك وتندهش، ذاب بملامحها وأصبح مغيبًا عن الواقع، لا ترى عيناه سواها تلك قطعة "الزمرد" النفسية التي تتوسط جلستهم جميعًا.
بصمت تام وتفكر بحديث "وائل" معه، ذلك الحديث الذي كان له سحر جديد جعله ينظر لـ"نسمة" بعين عاشق وكأنه يراها لأول مرة من جديد، لم يلاحظ أبدًا عيون "أحلام" وهي مسلطة عليه وهو يتعمق نظره بـ "نسمة". ظلت "أحلام" صامتة للغاية تراقبهم جميعًا، خاصة "عمر" و "نسمة" التي عندما تتلاقى نظراتها مع "عمر" تبتسم بخجل لتبتعد ببصرها بعيدًا عنه، لتحادث "أحلام" نفسها بتعجب. هي إيه الحكاية... المرة دي داخلة في الجد ولا إيه؟
قطع شرودها تساؤل "نسمة". إيه... مالك النهارده يا "أحلام" اللي واخد عقلك؟ أبدًا... مش عارفة ليه حسيت إني عايزة أنام... أنا بفكر أروح شكلي مش متظبطة. ما أنتي قاعدة معانا... وإحنا شوية صغيرين ونروح كلنا. معلش... خليكم أنتوا براحتكم. استأذنت منهم "أحلام" وبعدها بقليل تحركوا جميعًا نحو منازلهم، بينما تحركت "نسمة" نحو مكتبة عم "متولي" لتبدأ عملها اليومي. *** بعد عدة أيام... الجامعة...
جلسن كعادتهن بالكافيتيريا بعد إلغاء تلك المحاضرة لترفع "دنيا" حاجبيها وتخفضهما سريعًا بحركة إعجاب شقية وهي تستكمل حديثها مع "سحر". أه والله يا بت يا "سحر"... مكنتش أعرف إن "وائل" ده دمه خفيف كده. زمت "سحر" شفتيها وهي تنظر بسخافة تجاه "دنيا" السطحية للغاية. بلا دمه خفيف... بلا دمه تقيل... ركزي في مستقبلك الأول يا أختي... نخلص دراستنا الأول وبعدين نبقى نفكر في الحاجات دي.
حركت "دنيا" رأسها باستنكار من جدية "سحر" طوال الوقت متسائلة باستغراب. إنتي إيه... قلبك ده مبيدقش خالص... حاطاه في الصيانة ولا إيه؟ رفعت "سحر" جانب شفتها باستنكار ساخر معقبة بتهكم. لا وانتي الصادقة حطاه في الجراج مش الصيانة... هبلة أنا أضيع وقتي في حب وكلام فارغ... أنا طموحي... شغل وكاريير حلو. بس بس... سيبنالك الكاريير يا أختي... خلينا إحنا في الحياة الحلوة دي... نحب ونتجوز... وأنتي اشتغلي. تافهة! شكرًا.
انتبهت "سحر" بتذكر لما طلبه الدكتور بمحاضرته الأخيرة لتوجه لهن جميعًا حديثها بتنبيه. هو إحنا إيه اللي جرى لنا... !!!! إحنا نسينا خالص موضوع البحث اللي طلبه الدكتور!!!! ده باقي يومين بس... حنعمل إيه دلوقتي؟ بتفاجؤ تام أردفت "نسمة". يا خبر..... !!!!! ده إحنا نسينا خااالص. اتسعت عينا "دنيا" وهي تعود للواقع الهام بحياتهم جميعًا والانتباه لدراستهم. طب والعمل... حنعمل إيه؟ لتجيبهم "سحر" على الفور. وهي دي ليها حل تاني...
إحنا لازم نطلع لمكتبة الجامعة نحاول نجمع أي حاجة من المراجع اللي فيها. طيب يلا بينا... المحاضرة النهارده اتلغت ومفيش حاجة تاني... وعندنا وقت مناسب كبير أوي. دنت منهم "أحلام" موافقة على اقتراح "سحر". صح كده... يلا. عقبت "دنيا" وهي تلملم أدواتها من فوق الطاولة. فكرة حلوة... وممكن كمان نقسم الأجزاء بيننا عشان نخلص بسرعة. توجهن مباشرة نحو المكتبة بالدور الثالث لينتهوا من عمل البحث المطلوب منهم قبل أن يمر الوقت. ***
عمر ووائل... أقبل "عمر" برفقة "وائل" تجاه الكافيتيريا حين لاحظا خروج الفتيات متجهين نحو مبنى المكتبة ليتساءل "عمر" باستغراب. رايحين فين دول؟ تلاقيهم طالعين المكتبة اللي في الدور الثالث... أكيد عشان يكملوا البحث. ضرب "عمر" جبهته بكفه لنسيانه ذلك البحث وما طلبه منهم الدكتور. يا خبر... ده أنا نسيت البحث ده خااالص. ومين سمعك... ده اللي يعرفك ينسى نفسه. خلاص يا عم المجتهد...
استحملني الشهرين اللي باقيين دول وخلاص حترتاح مني ونخلص السنة دي. طب إيه.... حنفضل كده إحنا كمان... ولا حنروح نعمل البحث؟ طيب تعالى بس نطلع نشحن الموبايل وبعدين نرجع للمكتبة... أحسن كنت عايز أكلم جدي؟ على سيرة جدك صحيح... هو عامل إيه دلوقتي؟ تحسنه بطيء أوي والله... أنا خايف أوي عليه... القلب عنده بقى ضعيف ومش مستحمل... حتى بعد العملية. ربنا يشفيه ويخليهولك يا رب. يا رب. تذكر "وائل" شيئًا ما ليتساءل بفضول.
ومفيش أي أخبار عن ابن عمك ده؟ بإحباط شديد أجابه "عمر". أبدًا... تعبنا وإحنا بندور عليه!!!! ويمكن ده أكتر سبب تاعب جدي... خلاص مش قادر يستحمل أكتر من كده... أنا خايف يروح مني والله وأنا معدش ليا حد غيره في الدنيا بعد بابا وماما ما اتوفوا. إن شاء الله مسيركم تعرفوا مكانه... يلا بينا إحنا عشان نلحق نرجع نكمل البحث. *** المكتبة... حملت "نسمة" بعض الكتب وقد اتجهت إلى المنضدة الخشبية الطويلة التي يجلس حولها صديقاتها قائلة.
يا بنات أنا لقيت الكتابين دول حبدأ بيهم. وأنا لقيت المعلومات الإحصائية أهي... حبدأ أطلع منها. أنا كمان لقيت كام كتاب يعتبروا مراجع للموضوع حبدأ الاقتباس منهم وأسجلهم. وقفت "أحلام" بضيق وقد تذكرت شيئًا ما لتهتف بعجالة. أوووة.... أنا نسيت المذكرة بتاعتي تحت في الكافيتيريا حنزل أجيبها بسرعة وأرجع. متتأخريش طيب عشان نلحق نخلص كلنا بدري.
تركتهم "أحلام" بالمكتبة واتجهت نحو الكافيتيريا لتحضر دفترها المفقود لتلاحظ "عمر" و"وائل" يقفان أسفل المبنى يتحدثان سويًا وقد اتفقا على الصعود للمكتبة للقيام بالبحث عن مصادر لبحثهم أيضًا. *** المكتبة... جلست "نسمة" تتفحص الكتب التي استعارتها لتبدأ بتدوين بعض النقاط الهامة للبحث، في حين وقفتا "دنيا" و"سحر" إلى جوار ماكينة التصوير التابعة للمكتبة لتصوير بعض الأوراق بدلًا من كتابتها. تلفتت "سحر" حول الماكينة لتردف بتملل.
الماكينة دي مفصولة يا "دنيا". يووه... ناقصة هي تضييع وقت... يعني إحنا في مكتبة مش المفروض الماكينات دي تبقى متوصلة بالكهرباء على طول... ولا غاويين يتعبونا بس. متعرفيش بتشتغل إزاي دي؟ طبعًا يا بنتي أنتي نسيتي إن بابا عنده واحدة زيها في المحل... وأنا كنت ساعات بقف معاه بعد الضهر لما بيرجع من الشغل. آه صحيح... طيب يلا شغليها. تمام... روحي أنتي هاتى باقي الكتب اللي حنصور منها... عقبال ما أشغلها أنا.
اتجهت "سحر" تجاه المنضدة الخشبية الطويلة التي جلست عليها "نسمة" منذ قليل لتحضر تلك الكتب التي قد وضعتها أمامها لتعطيها لـ "دنيا" ليصوروا أهم الصفحات منها. أمسكت "دنيا" بالقابس الكهربائي للماكينة لتوصلها بالكهرباء استعدادًا للتصوير. عادت "سحر" لتقف إلى جوار "دنيا" يقلبون بأحد الكتب لاستخراج الصفحات التي سيقومون بتصويرها.
بتلك اللحظة لم تنتبها كلتاهما أن هذا السلك الكهربائي الواصل بالماكينة قد أصابه عطب ما وبدأ بإخراج بعض الشرر الكهربائي دون إدراكهم لذلك. تلك الشرر المتكررة تحولت بعد ثوانٍ إلى بقعة نيران وقد صعدت منها بعض الأدخنة السوداء، ولأن الماكينة بها مواد زيتية وكيروسين فتحول الشرر بسرعة إلى ألسنة نار ودخان أسود كثيف ناتج من احتراق الأسلاك الكهربائية والأوراق التي بداخل الماكينة.
وبدون انتباه وضعت "دنيا" يدها فوق ماكينة التصوير ليصيبها صعقة كهربائية شديدة لترمى أرضًا من أثرها وفقدت الوعي في لحظات. كانت ماكينة التصوير أمام مدخل المكتبة مباشرة فمنعت دخول أو خروج أي فرد من المكتبة فألسنة النيران أخذت تعلو وتشتعل أكثر فأكثر. حجب الدخان الكثيف المتصاعد من الماكينة الرؤية رويدًا رويدًا ليبقى الجميع حبيسًا بداخل المكتبة دون سبيل للخروج منها والهروب من ألسنة النيران التي أخذت تزداد وتعظم بقوة.
حاول جميع من في داخل المكتبة من الطلبة والعاملين بها إطفاء الحريق لكن للأسف بدأت النيران تزداد لما تحتويه المكتبة من كتب وأوراق زادت من اشتعال النيران كما لو أصبحت حطبًا يساعدها على القوة وسط هلع الجميع. وصلت النيران سريعًا إلى الخشب المبطن لحائط المكتبة وقد تصاعد الدخان الأسود مما سبب حالات اختناق عديدة وصرخات استغاثة متتالية دون جدوى. نسمة...
بينما وقفت "سحر" و "دنيا" لتصوير الأوراق سمعت "نسمة" صوت صريخ صديقاتها لترفع بصرها بسرعة لتجد ماكينة التصوير تحولت إلى شعلة نار كبيرة وسجت "دنيا" أرضًا فاقدة لوعيها. حاولت التوجه لصديقاتها محاولة منها لمساعدتهم والخروج من المكتبة لكن النار انتشرت بسرعة في رفوف المكتبة والكتب الموضوعة عليها لتجد نفسها وسط النيران تحيط بها في كل مكان. مع انتشار الدخان انعدمت الرؤيا عندها تمامًا وأيقنت "نسمة" أن اليوم هو النهاية.
أحست باقتراب أجلها وربما حانت اليوم ساعتها. بدأت تسعل بشدة من كثرة الدخان المحيط بها، حاولت أن تتنفس لكن الدخان الكثيف جعل تنفسها غاية في الصعوبة، احمرت عيناها بحرقة شديدة. شعرت بحالة هستيرية من الخوف وتسمرت في مكانها جلست على الأرض ببطء وقد حاوطت ساقيها بكلتا يديها بيأس شديد وأخذت تردد الشهادة وهي تبكي ويضيق تنفسها أكثر وأكثر. *** عمر ووائل...
صعدا كلا من "عمر" و "وائل" متجهين نحو المكتبة عند سماعهما لأصوات الصراخ المتعالية والاستغاثة القادمة من ناحية المكتبة. أسرع كلا منهما بالجرى بسرعة صاعدين درجات السلم ليتبينوا ماذا حدث. صعدا بسرعة ووصلا أمام المكتبة وكانت "أحلام" تلحقهم مباشرة. تفاجؤوا بالنيران الكثيفة التي تخرج من المكتبة مع تصاعد الدخان الأسود الخانق، كانت المكتبة عبارة عن شعلة نار كبيرة، تمنع بألهبة نيرانها أي فرد من الدخول أو الخروج من المكتبة.
*** نسمة.... استسلمت "نسمة" وأيقنت أنه لا نجاة اليوم، انهارت باكية باستسلام تام مستكينة في مكانها في بقعة لم تصلها النار بعد لكنها تحيط بها. شعرت بالاختناق يتزايد. حاولت التنفس لكن بصعوبة جدًا وهي تسعل فقط امتلأت رئتيها بالدخان وتشوشت الرؤية عندها. أمالت رأسها فهي بين الصحوة والإغماء وأدركت أن النهاية حلت. نطقت الشهادة واستسلمت غائبة عن الإدراك. وأغمضت عينيها في استسلام لمصيرها ونهايتها المحتومة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!