سرعان ما عاد لقساوته وكبريائه، وأسرع نحوها ورمى عليها ثيابها، وقال بصراخ: هيا ارتدي ثيابك واغربي عن وجهي، لا أريد رؤيتك هنا. وصاح: هياااا! شمس فزعت من صوته المرعب وارتدت ثيابها بعشوائية، ونهضت فجأة، أحست بدوخة خفيفة لكنها لم تهتم، كان وجهها شاحبًا جدًا، لم تقوَ على السير بسبب ألم جسمها، تسير ببطء شديد. بيجاد لاحظ ذلك لكنه لم يبالِ لها، فقط يريد أن يراها تتعذب، قال بغضب: هيا اسرعي.
وفتح لها الباب ودفعها للخارج وأوصد الباب في وجهها. شمس سارت بصعوبة تبكي حتى خرجت من الفندق. وصلت أخيرًا للبيت، كانت جد متعبة وحالتها مزرية، دخلت للغرفة فوجدت ميار ما زالت نائمة كما تركتها البارحة، ارتاحت بعض الشيء لأنها بخير، ظلت تنظر لها من بعيد تبكي بصمت فقط لا تريد أن تراها أختها بهذا الحال.
دخلت للحمام ونزعت ثيابها، فتحت سنبور المياه عليها، وكلما رأت الكدمات ازداد بكاؤها، كانت تمسح كل مكان في جسمها تزيل منه رائحة عطره التي خنقتها. ارتدت ثيابها ببطء شديد وخرجت من الحمام، فجأة أصبحت الرؤية أمامها غير واضحة وسقطت أرضًا فاقدة الوعي. ميار نهضت مفزوعة على صوت شيء ما ارتطم بالأرض، رأت أختها ملقاة على الأرض فصرخت بخوف: أختي! أسرعت نحوها توقظها لكن دون جدوى.
خرجت مسرعة تبكي، سارت للخارج لتطلب المساعدة، ومن حسن الحظ وجدت عمر على وشك الذهاب للثانوية، نادت عليه بأعلى صوت: أخي أرجوك ساعدنا. عمر تقدم منها بقلق وقال: ماذا هناك؟ ميار ببكاء: أختي في الداخل فاقدة الوعي، أرجوك ساعدها. عمر بخوف، أسرع للداخل، وجدها ملقاة على الأرض شاحبة الوجه، كانت كالجثة الهامدة، حملها بسرعة ووضعها على السرير واتصل بالطبيب.
كشف الطبيب على شمس وأخبر عمر أنها تعرضت لحالة اعتداء بالعنف، أعطاها الطبيب حقنة ورحل. عمر انصدم مما قاله الطبيب، فالبارحة لما رآها شك أنها تخبئ شيئًا ما. دخل عمر للغرفة فوجد شمس قد استفاقت وميار تكلمها لكنها شاردة تنظر في اللاشيء. عمر طلب من ميار أن تتركهما قليلًا للتحدث، انصاغت له وخرجت. عمر نظر لشمس بحزن وقال: هل أنتِ بخير؟ شمس: -عمر تنهد وقال بارتباك: الطبيب قال أنك تعرضت لحالة اعتداء... وتابع بجدية:
شمس، من فعل هذا بك؟ أخبريني، هل هو ذاك الفتى؟ أنا أستطيع أن أشتكي عليه، أخبريني! أنا سـ... لم يكمل حديثه لأن شمس انفجرت فيه بصراخ وبكاء: كفى كفى! لا أريد سماع شيء، اتركوني، دعوني وشأني، لا أريد أحدًا، كفى! وأجهشت ببكاء مرير. عمر انصدم من حالتها تلك التي وصلت لها. ميار دخلت الغرفة مفزوعة على صوت صراخ أختها: ماذا هناك أختي؟ هل أنتِ بخير؟ لما تصرخين؟ عمر ملس على شعرها وقال:
لا تخافي، فقط مريضة قليلًا وستتحسن، لا تتركيها لوحدها. وتابع وهو ينظر لشمس: أنا سأطلب من أمي أن تأتي لتظل بجانبك يا شمس. شمس صرخت فيه: لا أريد أحدًا! ألا تفهم؟ دعوني وحدي، لا أريد رؤية أحدًا! وغطت وجهها باللحاف. ميار بحزن على أختها: شمس ما بكِ؟ أنتِ البارحة كنتِ بخير، ماذا حصل لكِ أرجوكِ؟ شمس تكلمت من تحت اللحاف بعصبية: لم يحصل لي شيء، اذهبي لمدرستك.
عمر لم يشأ إحراج شمس أكثر، قد علم أن حالتها تسوء أكثر إن ضغطوا عليها، فحاول تهدئة الوضع وقال: ميار هيا جهزي نفسك لأصطحبك في طريقي للمدرسة، سنترك أختك ترتاح قليلًا، هيا. ميار نظرت له بحزن: حسنًا. بيجاد بعد خروجه من الفندق ذهب مباشرة للفيلا وجهز نفسه للذهاب إلى الثانوية، ظنًا منه أنه سيكون سعيدًا لانتقامه منها، لكنه لم يعلم أن السحر أحيانًا ينقلب على الساحر.
وصل للثانوية وحاول أن يكون سعيدًا قدر المستطاع لكن داخله شعور غريب يجعله حزين، قلبه يتآكل على ما فعله بها، لم يجد تفسيرًا له. دخل للصف فوجد سامي جالسًا على إحدى المقاعد، جلس بجانبه دون أن يتحدث. سامي نظر له باستغراب وقال: أوه بيجاد هذا أنت! أين كنت يا صاح؟ لماذا لا ترد على مكالماتي؟ هل حصل شيء؟ أخبرني؟ بيجاد ارتكز على مقعده وأغمض عينيه وقال بهدوء: حصل الكثير يا سامي. سامي بقلق: الكثير؟ ماذا؟ أخبرني ماذا هناك؟
بيجاد اعتدل في جلسته وأخبر سامي بكل ما حصل. سامي تفاجأ بما حكى له صديقه وقال بفرحة: حقًا! أهنئك يا صديقي، أنت أثبت أنك لست سهلًا ولا أحدًا يستطيع أن يتحدّاك، أحسنت، سنحتفل بهذا الليلة ما رأيك؟ بيجاد تنهد بحزن وقال بغضب: سامي، لكن لماذا أنا؟ أنا لست سعيدًا بما حصل، لماذا لم يرتاح قلبي بعد أن انتقمت منها وكسرتها؟ أنا داخلي عكس هذا، آه كدت أجن يا سامي. سامي ضحك بسخرية وقال: ما بك يا رفيق؟
لا تقل أنك أعجبت بها وبجسدها بعد ليلة البارحة. وضحك عاليًا. بيجاد نظر لسامي بغضب وقال بعصبية: سامي حقًا يومًا ما سأخنقك بيدي إن لم تكف عن قول تفاهاتك هذه، هل أنا غبي أم مجنون لأقع بحب مثل تلك الفتاة؟ سامي: حسنًا حسنًا، لم أقل شيئًا، أنت فقط أعصابك تعبانة قليلًا لا تقلق.
شمس بعد ذهاب عمر وميار لم تتحمل واجهشت في بكاء مرير ومن ثم نامت بعدها، لم تكن تريد رؤية أحدًا ولا حتى التكلم مع أحد، فقط تريد البكاء وتفريغ كل ما بداخلها. بدأ الأستاذ في شرح الدرس للتلاميذ، الكل كان مركزًا في الدرس ما عدا ذلك البيجاد الذي كان في عالم آخر يفكر فيها ورأسه مشوش، كان بين الفينة والأخرى يختلس النظر لمكانها الفارغ بجواره، حقًا كانت حصة مملة جدًا. بيجاد حدث نفسه قائلًا..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!