في محافظة القاهرة وبالتحديد في الجيزة في منزل علي وشك السقوط كانت تجلس سيدة مع ابنتها وعلي ملامحها الحزن الشديد. ساجدة بحزن: لغاية امتي هنفضل كدة يا ماما. سميه: يعني ايه يا ساجدة تقصدي ايه يا بنتي. ساجدة بدموع: يعني لغاية امتي هفضل محبوسة وممنوعة من الخروج يدوب كنتي بتخليني اروح المدرسة بالعافية لكن دلوقتي مبقاش علي الجامعة غير كام يوم يا ماما وانتي بتقوليلي هتروحي اول يوم بس، طب ده يرضي مين طيب. سميه بحدة:
يرضيني انا يا ساجدة ولا انا مش كفاية، ليه مش عايزه تفهمي انا خايفة عليكي. ساجدة بحدة: خايفة من ايه ممكن اعرف لو سمحتي، من حقي اعرف في ايه بالظبط، ليه طول الوقت خايفة كأنك هربانة من حد يا ماما، انا عايزه افهم كل حاجه، انا مبقتش صغيرة ومن حقي افهم في ايه. سميه بتعب:
هو انا علشان خايفة علي بنتي خلاص يبقي هربانة من حاجة يا ساجدة، يا بنتي الدنيا مبقتش زي الاول ومفيش امان، كل يوم والتاني بنسمع عن جرائم اغتصاب وقتل وزفت، انا خايفة عليكي، انا مبقاش ليا في الدنيا غيرك انتي واختك اللي طلعت بيكم من الدنيا بعد العذاب ده كله يا ساجدة. ساجدة جلست بجوارها وهي تشعر بالحزن على ما سببته لوالدتها من ألم وحزن. ساجدة بحزن:
يا ماما انا مقصدش، انا بس عايزه اشم هوا، نفسي اخد حريتي، مش عايزه اعيش كاني في سجن، ليا معاد دخول وخروج، نفسي اخرج مرة مع صحابي ونتفسح، نفسي في حاجات كتير قوي. ومحرومة منها، مش كفاية اني اتحرمت من ابويا الله يرحمه ومشوفتهوش خالص ولا مرة. سمية بحزن: حقك عليا يا حبيبتي متزعليش، خلاص هبقى أسيبك تخرجي مرة في الأسبوع ولا حاجة، بس برضه مش هتتأخري، انا مش بحب الوحدة ومش بحب أقعد لوحدي يا بنتي. ساجدة بفرح:
ربنا يخليكي ليا يا ماما، كنت عايزة أطلب من حضرتك طلب. سميه بابتسامة: عايزة ايه يا ضي عيوني. ساجدة بخجل: يعني كنت محتاجة ألف جنيه علشان أجيب طقم للكلية، حضرتك عارفة اني دي أول سنة ليا وكنت عايزة حاجة كويسة أحضر بيها. سميه بحزن حاولت أن تداريه: حاضر يا حبيبتي، أنا هقوم أحضر الأكل. ساجدة بابتسامة: هاجي أساعدك. سميه ابتسمت ودخلت هي وابنتها المطبخ. في الصعيد في سرايا راجح بالتحديد بعد مرور خمسة وعشرين عام. في غرفة راجح.
شمس بضيق: انت مفيش فايدة فيك أبدا يا راجح، أقولك يمين تعمل شمال، هو في ايه. راجح اقترب منها بابتسامة وحوطها بين يديه وقال بابتسامة: ما ده الطبيعي يا حبيبتي، أكيد هعمل اللي شايفة صالح مش اللي انتي شايفة، ما أنا أكيد مش همشي ورا كلام حرمة. شمس بصدمة: حرمة، قلتلك بطل ألفاظك دي، وبعدين هو انت بتعاندني ولا ايه، أنا طلبت منك تخلي رماح يدرس هنا في الصعيد، لكن انت برضه مسمعتش الكلام ومنقلتوش. راجح بجدية:
يا شمس ولدك مش صغير عشان أحدد المكان اللي رايد يدرس فيه، هو قالي رايد يدرس في القاهرة خلاص همليه عاد وبلاش تنشيف الدماغ بتاعتك دي، وبعدين كفاية عاد السنتين اللي ضاعوا عليه وخليه يروح يدرس، بكفاية قعاد جارنا لازم يعتمد على نفسه، أنا خابر زين إنه راجل بس رايده يتصرف لوحده، يلا بقي روحي حضري الفطار عشان أروح الشركة اتأخرت واصل. شمس بضيق: ماشي يا راجح، أما أشوف آخرتها معاك انت وولادك.
خرجت شمس من غرفتها. أما راجح ارتدى الجلباب الخاص به ووضع العمة فوق رأسه ثم نزل أسفل ورأى أولاد شمس همس ونغم وآدم. وأولاده رماح وسيف وثائر يجلسون على السفرة. راجح بابتسامة جلس بجوارهم: صباح الخير يا ولاد. رد الجميع الصباح. راجح انتبه على همس الذي يظهر على ملامحها الشرود. راجح بجدية: همس يا همس. ولكنها لم تستمع له، لمستها نغم بقوة حتى تنتبه. همس بتوتر: أيوه يا أونكل. راجح بجدية:
في ايه عاد سرحانة في ايه لدرجة إنك مسمعتنيش وأنا بنادي عليكي، في حاجة. همس بتوتر: لا أبدا، هبقى في ايه، أنا بس منمتش كويس وده مأثر عليا، حضرتك عارف إن المشروع اللي بنجهز ليه واخد وقتي إزاي. راجح بجدية: أتمنى يكون ده السبب وما يكونش في أي حاجة تانية. ثائر بحدة: وهي تستجرأ تخبي حاجة، كنت قطعت خبرها. همس بحدة: احترم نفسك يا ثائر، وما تنساش إني أختك الكبيرة ولازم تحترمني غصب عنك، أحسن ليك. ثائر بسخرية:
ولو محترمتكيش هتعملي إيه عاد يا بت. تكلم راجح بحدة: اخرس يا واد انت وهي، إيه مش مالي عينيكم عاد بتقلوا أدبكم على بعض وأنا قاعد جاركم. خرجت شمس على أصواتهم العالية. شمس بقلق: في ايه يا راجح حصل ايه. راجح بحدة: حصل إن ولادك متربوش، البهوات الكبار واقفين قصاد بعض وناقص يضربوا بعض وأنا قاعد، ما أنا ماليش لازمة. شمس بتوتر، هي تخاف غضب راجح وبشدة تهابه بشكل كبير وقت غضبه. همس بقوة:
والله يا أونكل أنا مغلطتش، ابنك هو اللي قليل الأدب. شمس بحدة: همس عيب كده، انتي إزاي تتكلمي مع أبوكي كده، وبعدين اللي بتعيبي في تربيته ده أخوكي ونفس تربيتك تربيته، عيب اللي بتعملوه ده، أنتم كل يوم والتاني تتخانقوا. همس بحدة: ابنك هو اللي بيستفزني، يا ريت تقوليله يخليه في حاله، أنا زهقت من العيشة دي ومبقتش طايقة نفسي ولا طايقة حد. وتركتهم وغادرت بقوة. وشمس كانت مصدومة. من طريقته ابنتها الجديدة عليها.
ثائر كان يقف ولا يهمه ما يحدث، يشعر بغضب كبير من همس لإهانتها له أمام الجميع بدون أن تهابه أو تخاف منه. شمس بحدة: عجبك كده يا ثائر، لازم كل مرة تعمل مشكلة، حرام عليك يا ابني بقي، تعبت منك ومن عمايلك. راجح بحدة: أنا ماشي. شمس بتوتر: مش هتفطر الفطار خلاص جهز. راجح قال وهو يأخذ متعلقاته: خلاص نفسي انسدت. وغادر السرايا. نظرت شمس لثائر بحدة: أتمنى اللي حصل ده يكون عجبك.
ثائر جلس ببرود ووضع رجل فوق الأخرى وقال وهو يأخذ واحدة من البطاطس المحمرة من أمامه: ثائر ببرود: ولله بقي يا أمايا بنتك متربتش. شمس صرخت فيه بغضب: أنا شكلي كده معرفتش أربي حد خالص، كل واحد وماشي بدماغه، متنساش يا محترم إن دي أختك الكبيرة، فاهم، يعني إيه أختك الكبيرة، يعني لازم تحترمها، يعني هي مكان أمك. ثائر ببرود: مسمهاش أختي الكبيرة، اسمها ست، والست ميطلعش لها صوت، تسمع وتاخد بالجزمة وتسكت ومتفتحش خشمها واصل.
شمس بصدمة: يعني أمك كمان تحط الجزمة في بوقها وتسكت، مش كده يا ثائر، انت مش ناوي تنسى بقي عشان حتة بت. ثائر بغضب: متجبيش سيرتها واصل في البيت ده يا أمايا، ومتخلنيش أقول كلام ما رايدهوش، أنا ماشي وسايبلكم. شمس كانت الدموع في عيونها من معاملة والدها الصعبة لجميع النساء، لا تنكر أنه يحدثها هي في العادة باحترام، ولكن تعامله مع أخواته البنات سيء، ومع أي أنثى أمامه دائما يتحدث بحدة وغلظة معهم. غادر ثائر بغضب. سيف بهدوء:
متزعليش يا ماما، معلش هو لسه مجروح من اللي حصل، مش قليل عاد هو، لما يرجع من بره هيصالحك، متزعليش حالك. شمس بدموع: أنا زعلانة عليه مش منه يا سيف، ربنا يهديه، يلا يا ولاد افطروا، وأنا هطلع أنادي لهمس وهاجي. وتركتهم وذهبت إلى غرفة ابنتها وطرقت على الباب بهدوء. همس بدموع: ادخل. دخلت شمس ورأت ابنتها تجلس على السرير وفي عيونها تتجمع الدموع. شمس بجدية:
مالك يا همس، انتي متغيرة يا حبيبتي بقالك فترة، وأنا مش عايزة أضغط عليكي، ممكن تفهميني في ايه بالظبط، أنا أمك ويهمني أعرف مالك. همس بدموع: مفيش حاجة يا ماما. شمس بجدية: لا بقي فيه وفيه قوي كمان، انتي متخانقة مع عثمان يا همس، حصل حاجة يا بنتي فهميني في ايه. همس حينما استمعت إلى اسمه بدأت تنظر يمين ويسار بتوتر وقالت بدموع: لا يا ماما مش متخانقين ولا حاجة. شمس بهدوء:
أنا هسيبك براحتك لغاية ما تيجي تتكلمي معايا وتفهمني في ايه بالظبط يا همس. همس بتوتر: مفيش حاجة يا ماما صدقيني. شمس بشك: كله هيبان، يلا تعالي افطري معانا ومش عايزة منك أي اعتراض، فاهمة. همس هزت رأسها بالموافقة. في سرايا القناوي كان يجلس على مكتبه وهو شارد بشدة، دخل عليه سلطان وقال بهدوء: لغاية متي يا بوي هتفضل سرحان، بكفاياك عاد. سعل القناوي بقوة وهو يشعر بالتعب الشديد، نظر لكبر سنه الذي تعدي خمسة وثمانون عاماً.
القناوي بتعب: رايد إيه مني، ملكش صالح بيا يا سلطان، روح شوف مشاغلك يا سلطان وهملني لحالي. سعل بقوة في نهاية حديثه. سلطان قرب منه بقلق: يا بوي حضرتك لازم ترتاح، والدكتور قال كده، تعالي اطلعك أوضتك كفاياك قاعدة اهنا. القناوي بتعب: تعب من راقده السرير يا ولدي، تعبت، سيبك مني، لقيتها يا سلطان. سلطان بحزن: بكفاياك يا بوي عاد، رايد إيه منها بعد كل السنين دي، انساها بقي، لغاية متي هنفضل ندوروا عليها، انساها.
القناوي بدموع وكسرة: أنساها كيف بس يا ولدي، وأنا روحي معاها، لما رفضتك كنت خابر زين إنها جاري و جنبي وقدام عيني، أه كانت في بيتها، لكن قدام عيني، لكن دلوقتي أنا معرفش عنها أي حاجة، نفسي أشوفها مرة واحدة يا سلطان، مرة واحدة قبل ما أموت. سلطان بحزن: بعد الشر عليك يا بوي، متقولش كده، ربنا يديك طول العمر يا بوي، حاضر هدورلك عليها تاني، تعالي بقي معايا اطلعك على أوضتك عشان تستريح.
وسانده جيداً ثم أخذه إلى غرفته وخرج. وكانت خديجة زوجته في انتظاره. خديجة بحزن: والله أبوك صعبان عليا واصل، عمري ما شوفت واحد بيحب واحدة بالطريقة دي، دور عليها يا سلطان، يمكن ربنا يعطيك فيها. سلطان بتعب: إن شاء الله، روحي حضريلي الحمام عشان آخد دوش وأروح الشغل. خديجة بهدوء: حاضر يا سلطان. وذهبت لتنفذ ما طلبه. في المساء في سرايا راجح رجع من عمله وكان على وجهه الحزن والضيق، وكانوا جميعاً يجلسون مع بعضهم. ثائر قال بهدوء:
أنا آسف يا بوي على اللي حصل الصبح. راجح بهدوء: أتمنى اللي حصل ده ميتكررش تاني يا ثائر، ومتنساش دي خيتك الكبيرة ولازم تحترمها، ولو طريقتك مع أخواتك البنات متغيرتش ساعتها أنا هزعل منك جامد وانت خابر زين لما بزعل بيحصل إيه. ثائر بضيق: حاضر يا بوي، وأنا ميهنش عليا زعلك واصل. كان سوف يتحدث راجح ولكن تليفونه رن، رد بابتسامة. راجح بابتسامة: الو، كيفك يا عثمان. عثمان بتوتر: بخير يا عمي. راجح بجدية بعدما استشعر توتره:
في حاجة يا ولدي. استمع الرد الذي صدمه بقوة، وكان الجميع يراقبون ملامح راجح التي تحولت من الابتسامة للصدمة والدهشة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!