الفصل 12 | من 41 فصل

رواية عشقت طالبتي الفصل الثاني عشر 12 - بقلم منار حسين

المشاهدات
23
كلمة
0
وقت القراءة
1 د
التقدم في الرواية 29%
حجم الخط: 18

مازال يشعر بإشتياق للمزيد من القُبلات. وشعور آخر يتوغل لقلبه وهو يدفعها بجسده للسير. وهي تمتثل دون شعور منها، أو ربما أفقدتها المفاجأة ولهفة القُبلات تركيز عقلها. كأنها فقدت الإدراك للحظات، غابت عن الاستيعاب. قبل أن تشعر بيده فوق تلك العلامة التي بفخذهها، عادت للوعي. لا تعلم ماذا حدث وكيف وصلا إلى الفراش وهو فوقها. مُستمرة قُبلاته. شعرت أنها تكاد تختنق. تحكم عقلها، شعرت باحتياج للهواء، كذلك شعور برفض لتلك اللمسات.

لا، ليس رفض بل اشمئزاز ونفور. حين أغمضت عينيها تتخيل أن غيث هو من يحاول إرغامها. زاد رفض عقلها وقامت برفع يديها تدفعه عنها بشراسة. ترك شِفاها، لتلتقط نفسها. لكن مازال ذاك الإحساس يُسيطر عليه، يُقبل وجنتيها وأسفل ذقنها. بينما هي تشعر بتصارُع أنفاسها، تستجمع قوتها الواهية وهي تدفعه عنها. حتى دون وعي منها نطقت مُترجية برفض: "أرجوك سيبني يا غيث... غيث... إبعد عني." "غيث".

طنين الكلمة برأس سراج كأنها صرير رياح قوية اقتلعته من تلك المشاعر التي كانت تتحكم به. وتركت مكانها إعصار عاصف، عصف بعقله. نهض سريعًا. وابتعد عنها، وقف أمام الفراش ينظر لها بغضب. كانت مازالت تغمض عينيها. منظر منامتها التي تكشف جزء من صدرها وخصرها العاريين. كذلك نبضات صدرها التي تعلو وتهبط بتصارُع عكس ما يجتاحه في هذه اللحظة من إعصار هادر يغزو كل كيانه. لجم غضبه، ولملم المنشفة حول خصره.

وتوجه نحو دولاب الملابس، جذب بعض الثياب له، وتوجه ناحية الحمام. لكن توقف للحظة قائلًا بغضب وأمر: "مش عاوز أطلع من الحمام أشوف وشك، وكلي مع اللي في المطبخ مش عاوز ألمح طيفك قدامي." ثم دخل إلى الحمام يصفق الباب خلفه بقوة. ارتج قلب ثريا لها وهي تحاول استعادة تنفسها طبيعيًا. لم تستطع. لكن تحاملت على نفسها ونهضت جالسة على الفراش تحاول استيعاب ما تفوهت به غصبًا. سالت دموع عينيها. نهضت تلهث أنفاسها، تتحامل على وهن جسدها.

وجذبت عباءتها وارتدتها. وضعت وشاح رأسها بعشوائية دون إحكامه. أكملت سير وخرجت من الغرفة تسير بلا هوادة كأنها فرع مكسور ينجرف بمهب الريح. لم تستطع السير كثيرًا، خشيت أن تخونها ساقيها وتقع بالممر. نظرت أمامها كان هناك مرحاض بالممر. عادت تتحمل بضع خطوات ودلفت إليه ببطء. جلست على حرف حوض الاستحمام، تحاول التقاط أنفاسها. ظلت قليلًا إلى أن شعرت بخلايا جسدها. بينما سراج مازال يُسيطر عليه الغضب.

فتح صنبور المياه الباردة على رأسه لدقائق. حاول تهدئة غضبه. ليس من رفضها له، بل لذكرها اسم "غيث" في تلك اللحظة. شعور غير مفهوم يشعر به. والتفسير هو الغضب منها. أقل ما قد يفعله هو أن يخرج ويرغمها على إتمام زواجه منها ووضعها أمام واقع هو زوجها. والآخر أصبح ماضي عليها نسيانه. بل محوه من ذاكرتها. لامه عقله. -لما تريد ذلك؟ -هل نسيت سبب زواجك منها؟ ليس لشهوة."

-لابد أن تسترد قطعة الأرض منها بأقرب وقت. هذا كان هدف زواجك منها." -لا تفكري بشيء آخر." -لابد أن تمضي على تنازل لقطعة الأرض في أقرب وقت وينتهي كل ذلك." -و... والسؤال: ماذا بعد ذلك؟ -تخرج من حياتك." -ولما أدخلتها؟ -والجواب غير معلوم لديه." -ربما كان عقابًا." -وسؤال آخر: عقاب لمن؟ -جواب غير مقنع: عقاب لتلك المحتالة." إستهزأ بذاك الصراع الدائر بعقله بشيء لا يستدعي ذاك التفكير. جذب ثيابه يرتديها وبرأسه إعصار آخر.

لو خرج إلى الغرفة ووجدها سيهلكها بقسوة. إتخذ عقله القرار وخرج من الحمام. نظر بالغرفة. لم يجدها. إختفت. غادرت كما أمره. لوهلة تبدل ذلك الصراع إلى شعور آخر. كان يود أن يجدها، ربما حتى لو تفوه لها بغضب كان استراح من ذاك الشعور. لكن هي امتثلت. أو بالأصح أرادت ذلك. تنهد بعنفوان يُزفر أنفاسه وغادر الغرفة. بينما ثريا شعرت بهدوء قليلًا. بالتأكيد مر وقت ليس بقليل وبالتأكيد وقت كافٍ لترك سراج الغرفة. نهضت تشعر بتوهان.

خرجت من المرحاض تسير ببطء. توجهت نحو تلك الغرفة. لكن تصادفت مع عدلات التي تبسمت لها قائلة: "ست ثريا العشاء جاهز و... لم تُبالي ثريا بحديثها وتوجهت نحو الغرفة تُعطيها ظهرها قائلة بشبه خفوت: "مش جعانة، مصدعة محتاجة أنام." أومأت لها عدلات وغادرت تشعر بصعوبة عليها قائلة: "منها لله ولاء أكيد بخت سمها لـ سراج بيه واتعصب عليكِ." دخلت ثريا إلى الغرفة تشعر بدوران الغرفة. كأن الأرض تميد بها وهي واقفة.

ذهبت نحو تلك الأريكة جلست عليها تشعر باختناق. سحبت وشاح رأسها. بكت بدموع تشعر بقهر. وضعت يديها حول رأسها تقول بندم يزداد مع الوقت: "إنتِ اللي وافقتي عالجواز يا ثريا وكنتِ عارفة نفسك كويس، فكرتي إيه هتعاقبي سراج ده من عيلة العوامري، نسيتي ليه ماضيكي معاهم، رجعتي تشربي من المر تاني." -إنتِ إيه يا ثريا." جملة تطن برأسها والغرفة تدور بها كشريط سينمائي. تسمع ضحكات غليظة من "غيث" يقول بإستقواء:

"أنتِ بتحاربي طواحين الهوا، إنتِ عارفة إنك زي ورقة شجرة دبلانة وسهل أنفخ شوية هوا تقعي وأدهسك تحت رجليا." ضحكات غليظة وغرفة تدور بها، وصوت مكتوم تود أن تصرخ. لكن انحشر صوتها. خيالات تمر وأصوات بغيضة تطن برأسها. أغمضت عينيها تسمح للدموع الغزيرة تنساق من بين أهدابها تحرق وجنتيها وقبل ذلك يحترق كيانها. تكورت بجسدها مثل الجنين. سلمت نفسها لغفوة دون شعور منها، أو ربما كان غيابًا عن الوعي نهائيًا.

وهي لا تدري بأي شيء غير أنها هكذا تشعر بهدوء بلا ضجيج. بغرفة السفرة دخل سراج بوجه عابس. لاحظت ولاء ذلك تبسمت بداخلها. حقًا لم تحكي لـ سراج عن وقاحة ثريا معها. لكن يبدو بوضوح أن هناك ما يزعجه وبالتأكيد يخص تلك الحمقاء. ولا مانع من بعض من الرياء حين نادت على الخادمة التي لبت ندائها وجاءت. نظرت بتعمد لـ سراج قائلة بقصد: "فين ثريا خليها تيجي تتعشى." ردت عدلات: "الست ثريا قالت مش جعانة مصدعة وهتنام." تفوهت ولاء برياء:

"لاء سلامتها." لم يهتم سراج والتقط ملعقة الطعام وشرع في تناول الطعام دون مبالاة. لم يشعر بنظرات ثريا المنشرحة له إلا حين رفع وجهه وتقابل بعينيه معها. أومأت رأسها له بابتسامة. لم يُعطي رد فعل وأكمل تناول الطعام دون مبالاة. بعد وقت صعد، توقف أمام غرفته يتنهد يحاول كبت ذاك الغضب. واتخذ القرار. دخل إلى الغرفة نظر نحو الفراش أولًا. كان خاويًا. نظر نحو تلك الأريكة كما توقع، هي غافية عليها. ذهب نحوها.

كانت ملامحها مختلفة، بها بعضًا من العبوس وهي نائمة هكذا متكورة على ذاتها. خصلات شعرها المشعثة لكن بها جاذبية. ما سر تلك الجاذبية؟ التمرُد والاحتيال. هما هذا السر. تنهد بنزق وهمس باسمها كي تصحو. لما يود أن تصحو؟ لا يعلم. ربما فقط مجرد تعسف زائد منه. نفض ذلك. وصمت ينظر لها فقط. ثم انحنى يحملها. بالتأكيد ستشعر بذلك وتصحو وقتها. -وقتها ماذا؟ -ماذا تريد يا سراج؟ -إيلامها مرة أخرى؟

-أم إثبات أنها لا تعنيك وليس لها أي تأثير عليك." -وهل هذا صحيح؟ -أجل، ليس لها أي تأثير." هكذا اقتنع وهو يحملها وتوجه نحو الفراش. لم تفتح حتى عينيها. جسدها شبه مرخي. حين وضعها على الفراش لم تُعطي أي رد فعل ولا حتى تحرك جسدها. لوهلة خفق قلبه واقترب من أنفها تأكد من تنفسها. شعر بارتياح وعدل جسدها وألقى فوقها غطاء الفراش الخفيف. ولم ينتظر. خرج من الغرفة صعد إلى تلك الشقة التي كان من المفترض أن يتزوج بها.

دخل إلى غرفة النوم مباشرةً. تمدد على الفراش يضع رأسه فوق يديه يفكر في سبب لما لم يتزوج بـ ثريا بتلك الشقة كما كان يجب. كان سهلًا عليه فرش الشقة بأقل من أسبوع. لما أراد أن يجمعهما غرفة واحدة؟ بالتأكيد لسبب هو يعلمه جيدًا. أن لا تدعي الدلال والتمرُد وتحاول فرض تمرُدها عليه وتطلب بقائها بغرفة خاصة بها. رغم إرهاقه كذلِك ضجره لم يستطع النوم. وظل ساهداً لوقت غير معلوم عقله يشعر بالتشتت ورغبة تطلب منه أن يعود لتلك الغرفة.

وقرار عقلهُ يمنعه. بعد مرور يومين. صباحًا. بدار العوامري. على طاولة الفطور. جلست ولاء تنظر نحو سراج تشعر بسعادة بالغة. فالأمور بين سراج وتلك الحقيرة ثريا تسير مثلما تريد. كانت زهوة رغبة ويبدو أنها انطفأت سريعًا. والدليل هو عدم جلوسها معهم على طاولة الطعام لمدة يومين. كذالك معظم الوقت تلتزم بغرفتها. وكذالك تلك الخادمة التي أخبرتها أن سراج ينام بالشقة الخاصة به ولا يذهب إلى الغرفة الموجودة بها ثريا.

يبدو أن هذا الزواج سينتهي سريعًا. لكن بالتأكيد قبل نهايته وإقصاء ثريا، لابد أن يسترد قطعة الأرض منها أولًا. تعمدت القول لتلك الخادمة: "فين ثريا بقالي يومين مش بشوفها في الدار، روحي نادي عليها تيجي تفطر معانا." نظرت الخادمة نحو سراج وارتبكت قائلة: "الست ثريا خرجت من الدار بدري." "فرصة وجاءت أمامها واستغلتها جيدًا تحاول بسمها قائلة:"

"هي مش عارفة إنها لسه عروسة ومكنتش تخرج من الدار دلوقتي، ولا هي لسه فيها نفس العادة القديمة، تخرج من غير ما تعمل حساب لأي شيء... معندهاش التزام ولا احترام... من أيام... نظر لها سراج. لوهلة كأنه يحذرها أن تذكر اسم ذاك البغيض الذي إن كان سابقًا على خلاف أخلاقي معه فهو الآن يشعر بالبغض نحوه دون سبب. أو ربما ثريا هي السبب، جعلته يبغض شخص لا وجود له. شعر بغضب ونهض من خلف طاولة الطعام قائلاً: "أنا شبعت رايح الإسطبل."

غادر مسرعًا يشعر بغضب من تلك التي تتعامل كأنه ليس موجود. ذهب إلى إسطبل الخيل. أخرج هاتفه وقام باتصال قائلاً: "تمام يعني هي بالمحكمة دلوقتي تمام، عاوز خطواتها خطوة بخطوة... تنهد بنرفزة قائلاً بوعيد: "ماشي يا ثريا واضح إني اتهاونت معاكِ." أخرج مُهرة جامحة وبدأ في ترويضها. لكن كأن اليوم هو يوم المتمردات سواء كانت المُهرة أو تلك المحتالة التي تزوجها. مازالت المهرة غاضبة وجامحة وهو شعر ببوادر فتور لا يود تكملة ترويضها.

يعلم أنه بسهولة يضع لجام حول عنقها ويُسيطر على جموحها. لكن لا رغبة له في ذلك. تركها ترمح بالمضمار كما تشاء وهو يقف يتابع جموحها يروضها لكن بطريقة مرهقة لها هي. بالتأكيد من كثرة الجري ستشعر بالإرهاق. وقتها تستسلم عنوة لترويضه لها. ربما حسبها خطأ، حين صدح رنين هاتفه فتحه وسمع حديث الآخر له. شعر بعصبية قائلاً: "بتقول مين اللي ضربتها." أجابه الآخر وأخبره بما حدث. شعر بعصبية قائلاً:

"والست دي متعرفش هي متجوزة مين، على العموم عاوز عنوان الست دي." أغلق الهاتف يضغط عليه بقوة يكاد يسحقه بقبضة يدهُ من شدة غضبه. لم يلاحظ تلك المُهرة التي عادت تهرول نحوه بجموح وكادت تصطدم به. لولا أن نبهه آدم الذي يقترب من المضمار. ابتعد عن طريقها بآخر لحظة. ثم وقف ينظر لها جازمًا: هذا يوم المُتمردات وعليه وضع حد لهن.

بالفعل جذب اللجام وعصا وناور تلك المُهرة لدقائق حتى استطاع السيطرة عليها ووضع اللجام بعنقها وإمتطاها وهي مازال الجموح مُتمكن منها. تحاول أن تُسقطه من فوقها وتعود للهرولة بجموح. لكن هو خيال واستطاع ترويض جنوحها، وسارت هادئة. كان آدم يُراقبه. حتى ترجل من على تلك المهرة، وأعطى لجامها لذاك السايس. وذهب نحو آدم الجالس تحت مظلة بالإسطبل. تفوه له آدم بافتخار:

"المهرة دي كانت شرسة حاولت معاها كتير، وإنت خلال أيام قليلة روضتها." رسم بسمة وزفر نفسه. تبسم له آدم سائلاً: "مالك بقالك كام يوم متعصب، إيه الجواز مش جاي على هواك، لاء وسمعت كمان إنك بتنام في الشقة اللي المفروض كنت تتجوز فيها، اللي أعرفه اللي بيغضب الست مش الراجل." نظر له بسخافة قائلاً: "إنت بتراقبني ولا إيه." ضحك آدم قائلاً:

"أنا ماليش في المراقبة يا سيادة الضابط، إنت عارف إن أقل حركة في دار العوامري الكل بيحس بيها." زفر نفسه حول الموضوع قائلاً: "ويا ترى يعرفوا إنك اتقدمت لـ بنت السعداوي." ضحك آدم قائلاً: "لاء لسه، مستني آخد الموافقة من أبوها وبعدها أحط الصدمة قدامهم كده... متوقع رد الفعل طبعًا، مش بعيد أبوك يقول يا خيبتي في ولادي الصبيان عليهم اختيارات تنوش الدماغ." ضحك سراج قائلاً:

"جهز نفسك كمان لكلام عمتك ولاء مش بعيد تطلعلك التار القديم." تنهد آدم بآسف قائلاً: "ربنا يستر، بس كل اللي قالقني قرار أبو حنان، المفروض يرد النهارده وبقينا نص اليوم ومفيش رد." طمئنه سراج قائلاً: "لاء عندي شبه يقين هيوافق، بس جهز نفسك للخطوة التانية هي الأصعب." قبل وقت قليل بأحد المحاكم. رغم خسارة ثريا لتلك القضية التي كانت تترافع عنها، لكن كان بداخلها شعور سعيد.

لكن بعد أن خرجت من قاعة المحكمة سحبت تلك السيدة الثمينة يدها وأخذتها إلى فناء المحكمة وقالت لها بإستهجان وغضب: "كيف خسرتي القضية." ردت ثريا بسهولة: "سبق وقولت لك يا حاجة إن قواضي الشرع كلها بتحكم للنسوان، ودي قضية نفقة والقاضي حكم بإلزام ابنك بالنفقة على عياله، وده مش بس قانون لاء كمان شرع ربنا، مش معنى إنه طلق مراته، يطلق عياله كمان معاها... والنفقة مش مبلغ كبير، دي ما تقضي مصاريف عياله أسبوع." نظرت

لها السيدة بغضب قائلة: "هيصرف على طليقته كمان في دار أبوها." ردت ثريا: "لاء يا حاجة، هو بيصرف على ولاده، وملزم بيهم." تنفست السيدة بغضب قائلة: "ونفقة الحاضنة دي كمان إيه مش بيصرفها عليها." أجابتها ثريا: "ده حقها القانوني والشرعي، قصاد تربية عيال ابنك." نظرت لها السيدة بغضب جارم وبلا تفكير بسبب ردودها قامت بصفعها بقوة على وجهها. اغتظت منها ثريا وقالت بإستهجان:

"حضري نفسك يا حاجة لسه قضايا كمان وطليقة ابنك هتكسبه، لسه بدل سكن، ومصاريف المدرسة كمان، يلا شوفي لك محامي يرضي ببلاوي ابنك اللي هتشحتوا سوا عشان تدفعوا النفقة، ده غير بقية مستحقاتها القايمة بتاع العفش وكمان الشقة من حق الحاضنة، جهزي لك سكن مع ابنك قبل ما تطردكم من داركم." غادرت ثريا، كان من السهل أن ترفع قضية على تلك السيدة، لكن لن يشفي ذلك غليلها. ما قالته جعل تلك السيدة تغتاظ بشدة.

لم تنتبه ثريا إلى تلك العيون التي رأت ما حدث وقامت بنقله مباشرةً. بالظهيرة. على طاولة الغداء بمنزل مجدي السعداوي. كان بين الحين والآخر ينظر نحو حنان التي لاحظت ذلك وابتسمت له. بداخلها تود أن يُخبرها عن عرض آدم له ولن تُخفي موافقتها به. لكن هو لم يُخبرها وقد مر يومين كما قال لـ آدم. شعرت بيأس أن يوافق على عرض آدم، بالتأكيد كل ميله ناحية حفظي ذاك المتطفل. بعد قليل انتهوا من تناول الغداء، نظر وجدي لـ حنان قائلاً:

"اعمليلي كوباية شاي وهاتيها المندرة." أومأت رأسها بموافقة. دقائق ودخلت إلى المندرة تحمل تلك الصينية قائلة: "الشاي يا أبوي." كان عقله شاردًا. انتبه حين تحدثت حنان، تنحنح قائلاً: "حطيه عندك وتعالي عاوز اتحدث وياكِ في كلمتين." ازدردت حنان ريقها بتوتر وجلست. اعتدل مجدي في جلسته ونظر لها قائلاً: "من يومين لما دخلت للدار حفظي كان هنا و... ارتابت حنان وقالت بتبرير:

"والله يا أبوي أنا فتحت له وقولت له إن محدش في الدار وهو اللي دخل ورايا محستش بيه، ومش أول مرة يا أبوي يغلث عليا، هو كده من زمان وأنا كنت بصده، بس... توقفت حنان عن الحديث مما زاد الفضول بعقل مجدي قائلاً: "بس إيه؟ ارتبكت حنان قائلة:

"بس هو مفكرني بكن له مشاعر وهو مش أكتر من ابن عمي وعمري ما حسيت ناحيته غير كده، وجولت له كده بس هو اللي مصمم وقالي إن حضرتك مش هتلاقي أحسن منه، بس والله يا بابا أنا الموت عليا أهون من إني أتجوزه." توقفت حنان تشعر بريبة بعد ان أخطأت تخشى رد فعل والدها. قد يتعصب عليها الآن وليس بالبعيد أن يصفعها. لكن كان رده هادئ عكس توقعها قائلاً: "وليه مش موافقة على حفظي." أجابته بريبة:

"هو بالنسبة ليا زي أخويا متربيين سوا مش قادرة أحطه في مكانه أكتر من كده." تفهم مجدي ردها، ثم سألها: "طب لو اتقدم لكِ عريس تاني ومتعرفهوش توافقي عليه." بتسرع اجابت: "أنا أوافق على أي حد ما عدا حفظي، ارجوك يا أبوي... قاطعها مجدي بتعسف قائلاً: "تمام، قومي روحي لامك المطبخ وسيبني لحالي." غادرت حنان تشعر بخوف في قلبها. بينما عاود مجدي الاضطجاع على الأريكة وأخرج من جيبه تلك البطاقة الورقية وفكر قليلاً.

لكن سرعان ما تراجع حين صدح رنين هاتفه. قام بالرد سريعًا، ثم نهض مغادرًا من المنزل دون الحديث لأحد. بشقة خاصة بالمدينة. حياته الإجرامية بين شقوق الجبال جعلته مثل الضواري. السمع لديه حاسة قوية دائمًا. تأهب بحذر حين سمع صوت تكات فتح المفتاح بمقبض الباب. سريعًا جذب ذاك السلاح الذي دائمًا يحتفظ به كذراع ثالث. وجهه ناحية باب الشقة. لكن سرعان ما أخفض السلاح ووضعه خلف ظهره قائلاً: "قابيل." تهكم عليه بغضب قائلاً:

"أيوه قابيل هو في حد غيري يعرف مكان الشقة دي يا "عطوان"." أومأ له عطوان قائلاً: "مش حكاية حد يعرف مكان الشقة، بس إنت عارف بعد حكاية هجوم البوليس عالجبل، ربنا كتب لي النجاة من الموت أو السجن والحذر مطلوب، إنت كنت دعيّت نبي يدوب مشيت من الجبل، وحصلت كبسة، من يومها بقيت، قاعد هنا في الشقة كيف الولاية، أنا اللي كنت ريس على رجالة قلبي ميت بقيت بخاف أسمع نبش." نظر له قابيل بضيق قائلاً:

"كفاياك عويل عاد كيف الحريم، احمد ربنا إنك عرفت تهرب ونجيت من الموت أو السجن، إنت لو كان اتقبض عليك كانوا هيعلقوا رقبتك على حبل المشنقة، ناسي أحكام الجرايم اللي عليك... بطل عويل كلها فترة والحكومة تهدا والجبل يرجع يتملي من أتباعك تاني، خد أنا جبت لك وكل وكام إزازة بيرة وكل اللي طلبته، وبعد كده ممنوع تتصل عليا غير للضرورة وبس." نظر عطوان له قائلاً: "نسيت حاجة يا باشا نسيت تجيب معاك الحتة الطرية."

نظر له قابيل بسحق قائلاً: "العمارة كلها ناس محترمة لما يشوفوا ست، ولا غازية داخلة هنا ياخدوا بالهم، وأكيد مش هيسكتوا، جلت لك فترة حاول تتحمل." زفر عطوان نفس بضجر مُرغمًا. بينما نظر له قابيل قائلاً: "بستغرب كيف عرفت تهرب من البوليس؟ رد عطوان بزهو: "بلاش تستهون بذكائي، أنا قتلت عسكري ولبست هدومه." لمعت عين قابيل بإعجاب ليس من ذكاء عطوان بل لأنه هو الأفضل لتلك المهمة التي يُخطط لها. عطوان لابد أن يقترب من سراج.

لكن بهوية جديدة وخدعة. عليه إبادة سراج من أجل أن يظفر بـ الثريا البعيدة. بدار قابيل. دخلت ولاء إلى تلك الغرفة. نظرت إلى أختها وابنتها إيناس التي تعوي ببكاء. كذالك أختها تعوي على فقدها لـ غيث الذي مازال ينحر في قلبها. زفرت نفسها بضجر وقسوة قائلة: "إيه المندبة اللي انتوا عاملينها دي، مش كفاية عاد ندب." نظرت نحو إيناس قائلة: "طب أمك وعارفة سبب ندبها لكن إنتِ بتندبي ليه." أجابتها إيناس ببكاء:

"بندب حظي الأسود، أنا حبلى يا خالتي." تهكمت ولاء بإستهزاء وسخرية قائلة: "وفيها إيه لما تبقي حبلى، إنتِ حبلى في الحرام، مش حبلى من جوزك." أجابتها بآسي: "جوزي مش عاوز الجنين اللي في بطني ومن يوم ما عرف إني حبلى وهو طفشان من الدار." استغربت ولاء ذلك قائلة: "وإيه السبب؟ أجابتها: "معرفش، هو مش رايد عيال، وأنا نفسي أخلف ولد تاني وأسميه على اسم المرحوم "غيث" أخوي." ازداد بكاء أختها. نظرت ولاء لها قائلة:

"دلوقتي بتبكي، ياما جولت لك بلاش جوزك يسلم حتة الأرض لـ ثريا، أهي خدتها وصغرت سطوة العوامريه، بس كده، لاه كمان أرغمت سراج يتجوزها، بس قلبي حاسس إن الجوازة دي مس هطول، وسراج مش زي غيث ممحون وكانت بتلعب بيه، سراج راجل وهو اللي هيرد الأرض وهيطلعها بالهدلة اللي عليها، وترجع زهوة العوامريه، وإنتِ يا إيناس بطلي نواح ومتبقيش زي أمك ضعيفة، وقابيل كلها كام يوم ويرضي بالأمر الواقع ويرجع كيف الأول، بلاش كل ما يشوفك تكوني بتنوحي كده...

اتعلمي من جبروت بت الحناوي، اللي مش هيكسرها غير ولد العوامري كيف ما عمل غيث قبل كده، كان عارف يمشيها صح، كانت بترتعب لما تسمع صوته مني." تهكمت إيناس قائلة: "وسراج هو اللي هيقدر يرجع الأرض كيف، أنا شوفت ثريا قبل كده بتحاول تتحدث ويا قابيل بس هو معطاش لها وش، أكيد حيه لما ملقتش فايدة من قابيل رمت شباكها على سراج وعرفت توقعه." اتسعت عين ولاء سائلة بتأكيد: "متى شوفتي ثريا بتتحدث ويا قابيل." ردت إيناس:

"بعد موت غيث شوفتها مرة كان ماشي في البلد بعربيته واتعمدت تقف قدام العربية وأكيد عاوزة تلفت نظره بس هو يومها كمل طريقه بعيد عنها." برزت لمعة عين ولاء، وهي تفكر، ماذا لو فعلت مثلما حدث سابقًا مع عمران وأدخلت الشك برأسه من ناحية "رحمة"، ماذا لو فعلت ذلك مع ثريا وأدخلت الشك برأس سراج، بالتأكيد وقتها قد تكون مساومة منه لها قبل أن يُقصيها، بأذلال. مساءً. بدار العوامري. دخلت ثريا إلى الدار.

لكن توقفت ولاء أمامها حين رأت سراج ينزل على درج السلم. لكن كان بعيدًا قليلاً تحدثت لها بإستهجان: "تو ما رجعتي للدار يا وش الشوم." نظرت لها ثريا بإستهزاء: "أنا وش الشوم، يارب عقبال ما أبقى وش الشوم وأطهر دار عمران العوامري من وباء." اغتظت منها ولاء وحين اقترب سراج منهن ادعت البكاء وقالت بإفتراء: "إكده إنت زي بنتي برضك، وكتر خيرك." لاحظ سراج الذي اقترب بكاء ولاء المصطنع لكن لم يفهم.

حين نظر إلى ثريا التي تنظر له باستبياع. تحدث بسؤال: "إيه بيحصل هنا واقفين كده ليه؟ أجابته ولاء برياء وبكاء: "أنا كل اللي جلت لها إنتِ لسه عروسة جديدة مكنش لازم تخرجي من الدار." "هبت فيا وتجولى إني بحشر نفسي في اللي ماليش فيه، أنا مش قاعدة هنا ولا دقيقة، أنا مش على آخر الزمن تيجي حتة عيلة وتقل أدبها علي." سمع عمران حديث ولاء وتعصب واقترب منهم. وقال بتعسف:

"اللي ملهاش مكان هنا هي الخايبة اللي داخلة الدار وعاوزة تقلبها حريقة." أخفت ولاء بسمتها، بينما لم تُذهل ثريا من كذب ولاء، وإدعت عدم المبالاة. لكن سراج قطع بقية حديث عمران، وجذب ثريا من يدها بغضب وتوجه نحو الخارج. أرغمها بالسير معه، نحو تلك السيارة وجعلها تصعد لها غصبًا. بينما لمعت عين ولاء ببسمة ظفر. لاحظتها فهيمة، هزت رأسها بآسف تلك المتسلطة تحيك مؤامرات وجديرة بتنفيذها تستفز ثريا، وثريا تقع ببراثن الغضب.

قاد سراج السيارة بسرعة كبيرة. لم تهتم ثريا بذلك، مازالت تتحلى بالبرود. لكن ما أثار فضولها حين خرج بالسيارة من على الطريق ودخلت إلى أرض صحراوية. توغل بها قليلًا ثم توقف بالسيارة التي افتعلت عاصفة ترابية. سريعًا ترجل سراج من السيارة. ظلت هي لوقت لاحظت فتح سراج لصندوق السيارة من الخلف لم تر ماذا أخذ منها وعاود إغلاق الصندوق بقوة افتعل صوتًا عاليًا.

لم تُبالي وظلت جالسة، إلى أن اقترب من الباب المجاور لها وقام بفتحه بغضب قائلاً بأمر: "انزلي من العربية." امتثلت ليس لغضبه لكن فضول. ترجلت من السيارة نظرت حولها كان الظلام على مدى البصر، وصوت عواء ذئاب من بعيد. لا تنكر ذاك الخوف الذي دب في قلبها، فالمكان مظلم وموحش. لولا إنارة أضواء السيارة لكان معتمًا. لاحظت ذاك الحبل المصنوع من الخيش الخشن بيد سراج، زاد فضولها.

لكن لم يستمر كثيرًا، حين جذب أحد يديها بقوة، وقام وربط عقدة حول معصمها. وكذلك فعل باليد الأخرى قيدها بإحكام. رفعت عينيها نظرت له كان يُخفض وجهها وهو يُقيدها. قبل أن تتحدث، ترك قيد يديها المُحكم، وضغط على كتفيها بقسوة وقوة جعلها تركع أسفل من ساقيه. تركها للحظات وتوجه للسيارة جذب تلك الأوراق، وعاد نحوها قائلاً: "امضي على التنازل ده." نظرت إلى ذاك الورق وفهمت أن هذا تهديد آخر لها. ضحكت قائلة:

"كل الشو اللي عامله ده عشان أمضي على التنازل، سبق وقولت لك مش هتنازل عن الأرض يا سراج." توقفت قليلًا عن الحديث، رغم الرعب الذي بقلبها لكن تشجعت بقوة واهيه قائلة بإغاظة: "مكنتش أعرف إن رومانسي جايبني مكان هادي، والنجوم طالعة، هو بس القمر اللي غايب... وكمان أصوات الذيابة الهادية اللي جايه من بعيد، عاملة جو شاعري." أصابت ثريا واثارت غضب سراج. لكن سرعان ما علم أن المحتالة تمتلك صفة أخرى، وهي الاستفزاز.

نظر يُفكر للحظات إلى ثريا الجاثية أمامه ثم اتخذ قرار آخر. جذبها من عضد يدها بقوة كي تنهض معه. بالفعل استجابت ونهضت واقفة. شعرت بألم بيديها المُقيدتين بسبب جذبه لمقدمة الحبل الذي بيده بقوة يُرغمها للسير خلفه. رغم الألم يديها بسبب خشونة الحبل على معصميها، لكن كالعادة تتحمل وتُظهر عكس ضعفها قائلة بإستبياع:

-إيه غيرت رأيك ومش هتسيبني هنا في الجبل للذيابة تاكلني، أساسًا مبقاش في ذيابة خلاص في الجبل، ده كان زمان، دلوقتي الذيابة بقت تخاف من البشر، بالك أمي بتسمع تمثيلية "ذئاب الجبل" عشان آخر حلقة تسح عياط في المشهد اللي بترجع فيه وردة، والسلوموشن اللي بيحصل وصدى صوت الأخوات وهما بيقولوا "وردددده، بدااااار" وأنا بقى بقعد أضحك أصل أمي طيبة وجلبها طيب، ناسيه إن في نوعية زي خالي مختار الواطي اللي حرمها هي وخالتي من الورث في أرض جدي الله يسامحه هو كمان، قال إيه...

الحريم مش بتورث في الأرض، أهو عشان وسرق وكال حق أمي وخالتي ربنا مش محلله وأهو المتعوس ابنه هيضيع كل اللي أخده بالحرام... إنت بالتأكيد غيرت خطتك هتدفني صاحية مش كده، بس كده أهلي هيشاركوك في الأرض وممدوح أخويا مش بعيد يطلع واطي زي خالي ويقولك حقي بشرع الله." شعر بضيق أبطأ حركة سيره قليلًا ثم قال وهو يُعطي لها ظهره:

"لاه أنا مش هدَفنك دلوقتي أنا هكمل جوازنا وهخليه فعلي وأخلف منك ولد وهو يورثك، والأرض وجتها هترجع كاملة ليا." ضحكت بعبث قائلة:

-منين جالك إني هخلف ولد، مش يمكن أخلفلك بنت ووجتها برضو هتلاقي اللي يشاركك في الأرض، أو يمكن مخلفش خالص الله أعلم مش يمكن بيا علة، ما أنا كنت متجوزة قبل كده وفضلت مع جوزي أربعين يوم قبل ما يتقتل، ومحبلتش مع العلم أنا كنت زي النسمة الرقيقة ومهنية ومفيش مرة حسيت حتى بمغص، يعني ممكن تنتظر لوقت طويل هتقدر تتحملني." توقف مرة واحدة وجذب الحبل بقوة. لإنشغالها بالحديث لم تنتبه وإصطدمت بجسدها في صدره.

لحظات كانت تبعث لقلبه ذبذبات خاصة، وهي بحضنه، كذالك هي صمتت، كادت أن تُكمل بقية عبثها بالحديث. لكن هو نفض تلك الذبذبات وجذب ذاك الوشاح الذي فوق رأسها وقام بعقدهُ حول فمها وأنفها. كادت تختنق، لكن انتبه سريعًا أزاحه عن أنفها، وأكمل سير حتى اقترب من مكان ركن سيارته وفتح بابها الخلفي وضغط على رأسها بقوة حتى انحنت وأدخلها إلى السيارة. ثم صفق باب السيارة بعنف قائلاً:

-دلوقتي عرفت ليه إنتِ محامية فاشلة وعمرك ما هتكسبِِ قضية، وحلال عليك ضرب الولية اللي ضربتك بعد ما خسرتِها آخر فرصة في قضية ابنها، لأنك مش شاطرة غير في الرغي كتير على الفاضي." ضحكت رغم شعورها بآلم في يديها، قائلة: "عادي قضية وخسرتها، طول عمري بخسر مش جديد عليّ. تعرف يا سراج أنا عايشة آخر قضية في حياتي ومستحيل أخسرها لأن لو خسرتها أبقى بكتب نهايتي." نظر لها واستهزأ باستقلال سائلاً:

"ويا ترى إيه هي بقى القضية دي، لأني متأكد إنك هتخسريها زي العادة." ضحكت ثريا قائلة بعناد وتصميم: "قولتلك دي آخر قضية مستحيل أخسرها. عارف ليه؟ لأن قضيتي هي هزيمتك يا سراج."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...