ترك النظر لعينيها لينتهي ذاك الحديث الدائر الذي كان بالعيون بينهم. كل منهم لم يسمع جواب الآخر على السؤال الذي برأسه. كانت فقط مجرد نظرات انتهت، وكل منهم نظر أمامه نحو الطريق الذي مر. وكل منهم يسأل عقله: لما دخل بهذا الزواج؟ ولا جواب مفيد يعطي سبباً. كان لكل منهم وجهة نظر، لكن اكتشف أنهما يشعران بسراب. بسبب الإرهاق، أضجعت ثريا برأسها على مسند المقعد، غفت عينيها دون وعي منها.
بينما سراج كان منتبهاً للطريق، إلى أن اختلس نظرة نحوها. تفاجأ بها تُغمض عينيها، في البداية ظنها فقط كذالك، لكن مد يده سحب ذاك الوشاح عن فمها. لم تُعطِ رد فعل، مازالت تُغمض عينيها. لوهلة تأمل النظر لها. ملامحها مغايرة لطباعها، ملامحها وهي نائمة ناعمة تشبه براءة الأطفال، عكس طباعها المتمردة، لا بل المحتالة المستفزة. شتان بين ملامح وجهها الناعمة، وطباعها التي تجعله دائمًا يحاول كبت ذاك الجموح والطموح بداخلها.
ثوانٍ أعطى القلب حق بأن يقترب منها، يتذكر قُبلاته لها قبل أيام. بالفعل اقترب وكاد يُقبلها، لولا وهج نور في الطريق سطع وازداد من سطوع ضوء داخل السيارة. كان ضوءاً لأحد عمدان الإنارة للطريق. نفض تلك الرغبة عن رأسه بعد تحكُم عقله. انتبه للطريق أمامه، إلى أن وصل إلى إسطبل الخيل. لا يعلم لماذا لم يكمل الطريق ويعود إلى الدار. توقف بالسيارة وهو يخرج هاتفه يحدث حارس الإسطبل أن يفتح له البوابة كي يدلف إلى الداخل.
لحظات وفُتحت البوابة، دخل بالسيارة توقف أمام تلك الإستراحة الصغيرة التي تلتحق بالإسطبل. ترجل من السيارة، توجه ناحية ثريا، فتح الباب، وقف لحظات يتابع بعينيه تلك الغافية. مد يده كاد ينكزها كي تصحو، لكن تراجع عن ذلك. وبسهولة جذب جسدها يحملها بين يديه. ظن بالتأكيد ستصحو، لكن خاب أمله، هي غافية. تهكم ساخراً: واضح إن نومك تقيل.
لكن هي كانت عكس ذلك، تغفو حقاً، لكن ببراثن الحلم ترا نفسها تطفو فوق سحابة مثل نجمة تسير بلا هوادة. هي كذلك كأنها طفلة تلهو وهي تسير مع ضوء القمر، حلم مريح نفسياً. لا تود أن تفتح عينيها وتعود إلى العتمة الحقيقية بحياتها. إستغرب عدم صحيانها، حتى حين فك وثاق يديها لم تصحُ. بعد أن وضعها فوق الفراش، لم يهتم وألقى عليها دثاراً خفيفاً، ثم غادر إلى خارج الإستراحة. جلس على مقعد أسفل مظلة.
تنهد بقوة يحاول نفض ذاك الشعور غير المفهوم. لما كلما حاول أخذ موقف حاسم معها يتراجع؟ زفر نفساً أقوى. حياته العسكرية عودته على اتخاذ القرار بلحظة، لا يفكر، ولا يتراجع. تلك المحتالة معها يتردد ويتراجع دون سبب معلوم. حاول شغل عقله بشيء آخر ونهض واقفاً يفتح هاتفه يقرأ تلك الرسائل التي لا يعرف سبب عدم حذفه لها رغم مرور وقت عليها، وإنهاء ذاك الشأن.
كانت رسائل عاطفية كثيرة، منها ما لم يقرأها سابقاً، كانت تعبر عن أحاسيس وأشواق وحب. كان يمقت قراءة تلك الرسائل، كان عقلانياً حين شعر أنه لن يستطيع أن يكمل. أنهى ذلك الارتباط قبل أيام قليلة من الزفاف. فكر بعدم الزواج حالياً، لكن بسبب المحتالة كان القرار بلحظات. حيرة وبغض يشعر بهما. حيرة... سببها العقل الذي ما يشعر به يتنافى مع ما يشعر به في قلبه لأول مرة. لأول مرة يكون بينهم خلاف. بغض... يبغض ذاك الشعور.
كأنه مجبور أن يتقبل تلك الحيرة. بـغرفة آدم. اقتربت نهاية مدة اليومين، مازال لم يفقد الأمل. ينظر إلى الهاتف القابع بين يديه وهو جالس على الفراش يضجع بظهره على خلفية الفراش، يقرأ تلك الرسالة التي أرسلتها له حنان قبل ساعة تقريباً فحواها ربما غير مبشر. أخبرته أن والدها لم يخبرها بشيء بخصوص عرضه الزواج منها. عكس ما فعل سابقاً مع حفظي، لكن مازال في انتظار قرار مبهم. والانتظار هو أسوأ إحساس. ثوانٍ تمر كدهور من الزمان.
نهض يحاول تشتيت عقله عن التفكير بذاك الشأن كي لا تفتعل الظنون برأسه. وقف بالشرفة الخاصة بغرفته. كان القمر أحدبًا. في الأساطير القديمة كان ذاك المنظر نذير شؤم. تنهد يستنشق الهواء، الذي من المفروض أن يميل خريفياً، لكن طبيعة المكان مازال حاراً رطباً بعض الشيء. قبل أن تتخذ الظنون حيز عقله، سمع رنين هاتفه. دخل سريعاً إلى الغرفة. جذب الهاتف بلهفة إزدادت حين علم هوية المتصل. حاول الرد بهدوء. بعد السلام بينهم
تفوه مجدي بعد مراوغة لوقت: "أنا موافق على عرضك الزواج من بنتي بس الموافقة مرهونة بـ... توقف مجدي عن استرسال حديثه قصدًا منه، مما جعل فضول بل رغبة ملحة من قلب آدم لمعرفة سبب رهن تلك الموافقة. فسأله: "الموافقة مرهونة بأيه." تبسم مجدي بخبث قائلاً: "أولاً... لازم نمشي حسب الأصول ويجوا الحريم يطلبوا إيد بنتي من قلب بيتي... مش من الشارع زي ما عملت." إبتسم آدم بهدوء قائلاً:
"أكيد طبعاً ده هيحصل، بس كنت لازم آخد تصريح الأول." لمعت عين مجدي بخبث ثم أكمل قائلاً بنبرة تعالٍ وأمر: "بنتي مش أقل من مرات أخوك سراج، رغم إنها كانت عازبة وبنتي بِكر، لازم يتعمل لها فرح كبير يليق بـ بنت مجدي السعداوي." لوهلة تضايق آدم من نبرة التعالي التي في حديث مجدي، لكن ابتلعها من أجل نيل ما يبغي عليه، تقبل ذاك التعالي لوقت فقط. تنهد قائلاً:
"أنا عارف قيمة حنان كويس، وأكيد هي مش هتفرق عن مكانة مرات سراج والعُرس هيتم بنفس الطريقة." رغم ضيق مجدي من حنكة رد آدم الذي ساوى بين ابنته وبين زوجة سراج، فهناك اختلاف كبير من كل الزوايا. هو ذو اسم له سطوة كبيرة ومكانة أعلى من نسب سراج، كذلك ابنته أول زواج لها عكس الأخرى. لكن حاول الهدوء قائلاً بتعالٍ فظ: "بنت مجدي السعداوي متتساوى بمرت أخوك، وتمام كده باقي المسائل من مهر وشبكة هنتحدث فيها لم تتم زيارة الحريم."
ابتلع آدم فظاظة مجدي بصعوبة بعد أن أغمض عينيه يتخيل حنان معه، وهذه ما يهمه، ليس ذاك المتعالي الفظ. تنهد بقبول: "تمام." انشرح صدر مجدي قائلاً: "تمام... دلوقت تصبح على خير، متعود أنام بدري." أغلق مجدي الهاتف يبتسم يشعر بزهو من امتثال آدم له. لم يفكر بشيء سوى أنه سوف يصل إلى ما يبغي، نسب عائلة العوامري سيعطيه سطوة كبيرة.
نسي حكاية الثأر القديمة، لا لم ينساها لكن لن تكون عقبة بل ميزة، فالمصاهرة بالتأكيد لمصلحة الصلح الذي تم قبل سنوات. العقبة الآن هي كيف سيخبر حفظي وأخيه بقراره التراجع عن قبول طلب زواجه من حنان. لكن لما يتردد؟ سهل أن يخبرهم أن ذلك قرار ابنته، هي سبق واعترضت حين أخبرها بطلب حفظي لها للزواج. لكن أنت أيضاً لم تسألها عن قرارها القبول أو الرفض لـ آدم العوامري. أجابه عقله: حتى لو رافضة كلمتي أنا اللي هتمشي.
لم يهتم لشيء سوى أن نسب عائلة العوامري الآن هو في مصلحته بعد أن قرر الترشح للانتخابات البرلمانية بدلاً عن أخيه الذي ينهشه المرض. لكن من باب وخبرهم فقط نهض وذهب نحو غرفة حنان. تنهد آدم يزفر أنفاسه بضيق من طريقة مجدي الفظة، لكن لا يهم، المهم الآن أن يرفق بقلب حنان ويخبرها بذلك حتى يهدأ قلبها. بينما بغرفة حنان الأخرى كان اليأس دب في قلبها من عدم رد والدها على آدم إلى الآن.
لا تحليل آخر له سوى الرفض، الذي حتى لا يهتم بإخباره بذلك. لكن في خضم يأسها كانت رسالة كافية بجعل قلبها يعود للنبض، بعد أن شعرت بخضة بسبب رنين الهاتف بيدها وكانت شاردة بيأس. سرعان ما فتحت الرسالة قرأت ذاك المختصر: "والدك وافق على جوازنا". كلمات قليلة كانت بمثابة عودة الروح لها. رغم عدم تصديقها قرأت الرسالة أكثر من مرة كي تُصدق، ومازالت تعتقد أنها في حلم. عليها أن تتأكد. قامت
بإرسال رسالة أخرى إلى آدم: "بتتكلم بجد، أبوي رد عليك بالموافقة". يعلم أنها لم تكن تتوقع موافقة والدها ببساطة هكذا. لكن آدم من خبرته كان لديه يقين أن والدها يتلاعب بالرد في آخر الوقت كي يصل إلى مبتغاه وهو الضغط على آدم بقبول شروطه دون اعتراض. ليس صعب عليه تفسير شخصية والد حنان، هو طامع. وآدم حتى إن كان معاقاً كلياً بالنهاية من نسل "عمران العوامري".
مجرد ذكر كنية نسب بينهما في مصلحة مجدي السعداوي بعد تلك الإشاعات التي تدور بالبلدة أنه هو المرشح القادم للبرلمان. لكن طيبة قلب حنان جعلتها تعتقد أن الكل يفكر مثلها بطيبة قلب. إنخضت حنان حين فُتح باب غرفتها دون استئذان، وطل والدها من خلفه. توجست سريعاً بلا وعي ضغطت على زر الهاتف وفصل نهائياً. إعتدلت جالسة تقول بتعلثم: "خير يا أبوي." نظر لوجهها التي خفتت ملامحه وتعلثمها في الحديث سائلًا:
"مالك اتخضتي ليه كده، كنتِ بتعملي إيه على الموبايل." إرتبكت تلوح بالهاتف يدها ترتعش أسفله قائلة: "ولا حاجة يا أبوي ده فصل شحن، كنت هحطه عالشاحن وأنام." لم يهتم ولوهلة أراد إخبارها وأخذ رأيها لكن تراجع. لابد أن يفي آدم بوعده أولاً بإرسال الحريم لطلبها رسمياً، وقتها يأخذ قرارها لا داعي لسبق الأحداث. توجه ناحية باب الغرفة قائلاً بحده: "بلاش سهر كتير عالمايل ونامي تصبحي على خير." ردت بخفوت:
"حاضر يا أبوي، وأنت من أهل الخير." رمقها بنظرة شعرت بريبة لوهلة، إرتجفت، بعد أن احتارت من معنى نظرته تراجعت خشية أن تسأله عن سبب دخوله إلى غرفتها بهذا الوقت فيوبخها. هدأت وإلتقطت نفسها بعد أن أغلق خلفه باب الغرفة تشتنشق الهواء بروية حتى شعرت بعودة الروح لها. بـ دار عمران. بلا تردد من آدم اتخذ القرار بعد أن رأى على هاتفه أن هاتف حنان أصبح بلا إشارة. بالتأكيد بسبب صدمتها بعد أن أخبرها بموافقة والدها.
تبسم وهو ينهض وغادر غرفته نحو غرفة والده. وقف يدق على باب الغرفة ثم تجنب إلى أن فُتح باب الغرفة، طلت زوجة والده. تنحنح بحرج قائلاً: "أبوي صاحي." كان الجواب من عمران نفسه قائلاً: "أيوه صاحي، ادخل يا آدم." دلف آدم للغرفة نظر نحو صوت والده كان جالساً فوق الفراش، ابتسم له قائلاً: "تعالى يا آدم، خير، أكيد جاي في أمر مهم." نظر آدم نحو زوجة أبيه وتنحنح بحرج. تفوه عمران لها قائلاً: "سيبنا لوحدنا يا فهيمة."
كادت تستمع لقوله لكن منعها آدم قائلاً: "الموضوع مش سر يا أبوي، خليكِ يا حجة." ابتسمت له بغبطة. لا تنكر هو وأخواته الاثنين لا يعاملنها بسوء. نظر له عمران بفضول قائلاً: "تمام، قول الموضوع اللي مسهرك لحد دلوقتي." استجمع آدم شجاعته قائلاً: "أنا قررت أتجوز يا أبوي." انشرح قلب عمران قائلاً: "بجد فرحت جوي ولدي، قول لي بقى عينك على واحدة بعينها ولا أقول لعمتك ولاء تشوف عروسة بنت ناس أكابر." ببساطة أجابه:
"مالوش لازمة تتعب عمتي يا أبوي، أنا خلاص اخترت اللي واثق إنها الإنسانة اللي هتبقى شريكة حياتي." ابتسمت له فهيمة قائلة: "ألف مبروك، ربنا يسعد جلبك." أومأ لها آدم مبتسماً بود. بينما تبسم عمران سائلاً: "وتبقى بت مين دي بقى؟ أجابه آدم بترقب: "حنان بنت مجدي السعداوي." في البداية لم ينتبه عمران أو ربما أراد تأكيد آدم وسأله: "بتجول مين!؟ لم يستغرب آدم رد فعل عمران وعاود تأكيد قوله.
إنذهل عمران وهب جالساً بإستقامة بعد أن كان مضجعاً بظهره على بعض الوسائد، وقال بتسرع: "مستحيل، إنت أكيد عقلك جن." تبسم آدم بتوقع قائلاً: "لاه يا أبوي، أنا عاقل جدًا." تعصب عمران قائلاً: "إنت مش عارف إن كان في تار بين العائلتين." أجابه آدم: "حضرتك قلت، كان، دلوقتي فيه صلح، يبقى إيه المانع." "المانع كبير جداً، أنا مستحيل... قاطعه آدم بتصميم:
"دي شريكة حياتي يا أبوي، وأنا اللي هعيش معاها، وخلاص أنا خدت القرار، باقي التنفيذ." "قرار إيه وتنفيذ إيه، إنتوا إيه كل واحد فيكم يختار على مزاجه وييجي يجولي، كأني مش موجود وليا كلمة عندكم، لاه يا آدم أنا... قاطعه آدم: "لاه إيه يا أبوي، أنا حُر في حياتي، تصبح على خير." غادر آدم دون زيادة في الحديث، يعلم أنه لو ظل أمام والده سيفعل المستحيل كي يقنعه بالتراجع عن ذلك.
لكن لو تركه وهو يعلم بإصراره سيعترض قليلاً ثم يتقبل مرغماً لاحقاً. اليوم التالي. صباحاً بالإسطبل. فتح سراج عينيه بعد أن داعبت أشعة الشمس عينيه وهو نائم تحت تلك المظلة. شعر بتيبس في عنقه. تمطئ لا يعلم متى غفى هنا. نهض واقفاً يمارس بعض التمرينات فكت ذاك التيبس. نظر نحو تلك الإستراحة، شعر بضيق. بالتأكيد ثريا مازالت نائمة تنعم بفراش مريح وهو غفى هنا بالأطلال.
فكر ليذهب إليها يلقي بعض الأوامر، لكن فكر تركها قليلاً حتى يتريض بإحد الخيول، ينشط جسده. بينما قبل دقائق، استيقظت ثريا تشعر براحة في جسدها رغم ذلك تشعر بخمول تود المزيد من النوم. لكن نفضت ذلك تمطئت. شعرت بليونة الفراش أسفلها كذلك تلك الوسائد الناعمة، لا تفرق عن ذاك الفراش التي تنام عليه بغرفة سراج بالدار، لكن هنا شعرت براحة أكثر.
فكرت في العودة للنوم، لكن تذكرت أن لديها موعد مع أحد زبائن مكتب المحاماة بالمحكمة من أجل رفع إحدى القضايا. مرغمة تحملت ونهضت جالسة على الفراش تتمطئ قائلة: "لو فضلت عالسرير هرجع أنام تاني." تجولت عيناها للحظة واكتشفت أنها ليست بغرفة سراج.
تساءلت: "بس أنا هنا فين، هو إحنا مرجعناش الدار ولا إيه، أكيد جه عليا نومه، بس أنا فين وإزاي وصلت لهنا من غير ما أحس، أكيد بسبب التعب الكتير نمت ومحستش، وسراج رماني من العربية ولاقاني ناس طيبين وقالوا يكسبوا فيا ثواب." بنفس الوقت سمعت صوت صهيل خيل. نهضت من فوق الفراش وتوجهت نحو تلك الشرفة. أزاحت الستائر ونظرت إلى الخارج. رأت أحدهم يمتطي إحد الخيول يهرول بها بمضمار قريب من تلك الغرفة.
ربما خمنت مكان وجودها، بالتأكيد أنه إسطبل الخيل. سبق واحتجزها به سابقاً، لكن المرة السابقة كان بغرفة رديئة، وهذه المرة غرفة تبدو مريحة. لم تفكر كثيراً، ونظرت إلى ثيابها التي ترتديها منذ أمس حتى أنها ليست نظيفة بسبب رمال الصحراء. رأت باب آخر بالغرفة خمنت أن يكون مرحاضاً. توجهت نحوه، وصدق تخمينها دخلت إليه. تبسمت حين رأت غسالة صغيرة بالمرحاض، كذلك معطف قطني رجالي معلق.
تفوهت: "كويس في غسالة أكيد بتنشف الهدوم، اهو أخد دوش وألبس الروب اللي هناك ده على ما هدومي تنضف وتنشف في الغسالة مش هتاخد وقت طويل." بالفعل نزعت ثيابها ووضعتها بتلك الغسالة، ثم أخذت حماماً بمياه فاترة وارتدت ذاك المعطف. كان شبه مناسب لها رغم وسعه بعض الشيء لكن ربطته بإحكام على جسدها. ذهبت نحو الغسالة، نظرت إلى المؤقت الخاص بها، رأت أنه مازالت الثياب تحتاج لوقت كي تصبح جاهزة للارتداء مرة أخرى.
نظرت لذاك المعطف بتقييم كان مناسباً للخروج من الحمام به. بالفعل توجهت نحو باب الحمام وكادت تضع يدها فوق المقبض كي تفتحه، لكن شهقت بخضة حين فُتح الباب بتلقائية. لم تنتبه وعادت خطوة للخلف وكادت تنزلق قدماها بسبب المياه الموجودة بالأرضية الناعمة. لكن بسرعة طوق سراج خصرها، أصبحت محنية بيده، قبل أن تعتدل واقفة. قصداً منه تذكر صلافة لسانها بالغد وتعمد أن يسحب يده عن خصرها لعدم اعتدالها سقطت أرضاً.
شعرت بألم في ظهرها وهي تسبه. وهو يضحك على منظرها وهي واقعة هكذا. لكن هنالك شيء لفت نظره، حين انزاح المعطف عن جسدها وعري ساقيها بالكامل تقريباً لمح تلك العلامة الكبيرة بأحد فخذيها. لكن هي سرعان ما سحبت طرف المعطف عليها وأخفتها ثم نهضت واقفة تزجره بغضب تشعر بضيق من نظرة عينيه نحو ساقيها اللتان تعرت. ربما لم يفرق معها تعريهما، لكن تلك العلامة الواضحة تشعر بالغضب حين يلمحها أحد.
بينما سراج حين وقعت ضحك في البداية لكن سرعان ما خفتت تلك الضحكة وتحولت إلى رغبة لرؤية تلك العلامة المشوهة. لا فضول لمعرفة سبب تلك العلامة، واضح أن سببها حرقاً. لكن ثريا بغضب سارت من جواره وخرجت من الحمام بلا حديث. بينما الفضول جعل عقل سراج ينسى أنه قبل لحظات حين دخل إلى الغرفة ولم يجد ثريا سمع صوت هدير مياه من حمام الغرفة توجه نحوه عن عمد كي يثير إزعاجها فقط. وحدث ذلك حين انخضت من دخوله دون استئذان.
كذلك انزعجت حين تركها تسقط. لكن سرعان ما توغل شعور آخر، توقف للحظات وفكر منذ زواجهم لم تقم ثريا بارتداء أي زي قصير أو شفاف حتى أنها لا تحاول حتى إثارته بل طريقتها معه دائماً مازالت تصادم. لكن تغاضى عن كل ذلك وتوغل فضول لديه لرؤية تلك العلامة بفخذها ومعرفة سببها. كاد يخرج خلفها، لكن شعر بشفقة غريبة في قلبه. زفر نفسه على تلك المشاعر التي تختلط بين قلبه وعقله، يحتاج إلى استقرار مشاعره.
لم يهتم ونزع ثيابه ودلف لحظات فقط أسفل المياه، يحاول نفض كل تلك المشاعر، أولها الغضب وآخرها الشفقة. بينما ثريا خرجت من الحمام جلست على أحد المقاعد تشعر بغضب. ليس فقط من سراج الذي خضها وتعمد تركها تسقط حتى تتألم أمامه، بل الغضب الأكبر من تعرية ساقيها أمامه ونظرة عينيه إلى تلك العلامة القبيحة. دمعة سالت من عينيها سرعان ما جففتها بيديها حين شعرت بخروج سراج من الحمام.
نظرت نحوه سرعان ما أخفضت بصرها حين رأته يرتدي منشفة فقط حول خصره. راقبها سراج ورأى إحاديثها النظر له، يعلم أنها وقحة فليست المرة الأولى الذي يقف أمامها هكذا. لكن هذه المرة الأولى التي تحايد النظر له وتدعي انشغالها بتصفيف خصلات شعرها. منظر وجهها الأحمر القاني، لو بموقف آخر كانت أصبحت بالنسبة له مثيرة للشغف كامرأة. لكن ذاك الفضول يتحكم بعقله وهي تجلس تحكم ذاك الرداء عليها.
ذهب نحو دولاب صغير بالغرفة وجذب زيًا خاصاً بالفروسية ونظر نحوها. نهضت واقفة وذهبت نحو الحمام مرة أخرى دون حديث معه. تركت الفضول بعقله وعادت للمرحاض ترا ملابسها هل انتهى تجفيفها بالمجفف لكن كان الوقت لم يمر، مازالت تحتاج إلى وقت آخر. خرجت من الحمام، تفاجأت مرة أخرى حين خرجت أنه كاد يصطدم بها، لكن انتبهت وحايدت الابتعاد عنه. لكن تلاقت عيناهما للحظات صامتة قبل أن يتنحنح سراج قائلاً: "مش جعانة."
رغم شعورها بالجوع فهي منذ الأمس لم تتناول الطعام، لكن تعودت على ذاك الشعور. هزت رأسها قائلة بنفي: "مش جعانة أوي." على يقين أنها كاذبة فهما منذ الأمس لم يتناولا الطعام. جذبها على غفلة وضمه إلى صدره ونظر إلى وجهها المشدوه حين رفعت وجهها ونظرت له. سرعان ما حاولت الخلاص من ذلك ودفعته بيديها لكن هو ضحك وتعمد قائلاً: "إيه اللي لبسك الروب بتاعي." دفعته بضيق قائلة:
"ملقتش غيره ألبسه، وكلها ربع ساعة بالكتير وهدومي تنشف وألبسها تاني.. و... قاطعه عيناه تلمع بشغب وضمها أكثر قائلاً: "طب كويس نستغل الوقت ده في... توترت وارتجف جسدها لحظات ونظرت إلى وجهه سائلة ببلاهة: "قصدك إيه." ضحك على ملامحها، كذلك شعر برجفتها. تعمد الاقتراب بوجهه من وجهها يلفح وجنتيها أنفاسه، وهي تشعر بضيق من ذلك تحاول الخلاص من بين يديه.
لوهلة توغل لقلبه رغبة في تقبيل شفتيها ونزع ذاك المعطف عنها ليس لتعريتها بل لسبب الفضول. لكن رنين هاتف فصل هدوءها كذلك أفاقه من تلك المشاعر. بتلك اللحظة تراخت يديه عنها سرعان ما ابتعدت عنه وهو ذهب نحو ذاك الهاتف نظر له وقام بفصل الرنين. عاود الاقتراب منها ينظر إلى ارتباكها بتسلية قائلاً: "كنت بقول إيه قبل ما الموبايل يرن... آه... نستغل الوقت في.... قاطعته بحِدة تتهرب من أمامه: "هروح أشوف هدومي زمانها نشـ....
قاطعها بجذب يديها سريعاً اصطدمت بصدره سرعان ما عادت للخلف ضحك قائلاً: "إنتِ فكرك راح لفين، أنا قصدي نستغل الوقت إننا نفطر، الإستراحة هنا فيها مطبخ وأنا جعان ومتعود حد يحضرلي الفطور." ازدردت ريقها قائلة بتهكم: "والإستراحة مفيهاش خدامين." هز رأسه بنفي، قائلاً: "للأسف كل اللي بيشتغل في الإستراحة رجالة." تنهدت بسخرية قائلة: "تمام، قول لي فين المطبخ اللي هنا."
أشار لها بيده لتخرج من الغرفة وهو خلفها أشار لها نحو مكان المطبخ. دخلت، تبسمت فهو مطبخ مجهز. بحثت بين الأدراج عن بعض الأطعمة، التي تستطيع طهيها سريعاً. تنقلت بين الأماكن تحضر الفطور، بينما جلس سراج على أحد المقاعد يراقبها بفضول عيناه تنظر نحو ساقها. الفضول يتلاعب به وكاد يسألها عن سبب تلك العلامة. لكن هي وضعت أمامه بعض الأطباق المملوءة بالطعام، قائلة: "الفطور." نظر نحو الطعام قائلاً بهدوء: "تسلم إيدك."
نظرت نحوه بإندهاش. لاحظ إندهاشها، جذبها من يدها اختل توازنها وجلست على أحد المقاعد. تحدث بمزح قائلاً: "إقعدي نفطر سوا." نظرت لقبضة يده ونفضتها عن يدها قائلة: "على رأي المثل، طباخ السم بيدقوه." ضحك دون حديث وبدأ في تناول الفطور وهي كذلك، لكن بين الحين والآخر يختلس النظر نحو ساقها. لا يعلم سبباً لما لم يسألها. تناولا الطعام وسط صمت غريب عليهما، كل منهم بعقله سؤاله: هو ما سبب تلك العلامة؟
هي ما سبب هذا الهدوء بينهم على غير العادة. انتهيا من تناول الفطور. نهضت ثريا وضبت ما تبقى، تهربت قائلة: "عندي ميعاد مع زبون في المحكمة، يادوب ألحق الطريق." أومأ لها وهو يحتسي من كوب الشاي الذي بيده. ذهبت سريعاً. بعد دقائق تقابلت معه في الردهة كانت أبدلت ذاك المعطف بثيابها. نظرت نحوه ثم سارت أمامه، خرجا من الإستراحة. أثناء سيرها تقابلت مع ذاك القذر التي سبق وضربته على رأسه.
نظرت له بإشمئزاز، بينما هو أخفض وجهه بكسوف وخوف. تضايق سراج من رؤيته أيضاً ذكره بخطأ افتعله. لم تهتم ثريا وأكملت سير نحو باب الإسطبل. لكن جذب سراج يدها سائلاً: "رايحة فين." أجابته ببساطة: "هخرج من الإسطبل، موقف الميكروباص مش بعيد، ربع ساعة مشي." نظر لها متهكماً بغيظ: "ربع ساعة مشي؟ هتمشي في الصحرا إحنا في الإسطبل مش في الدار، والإسطبل بعيد." لم تهتم أليس بالأمس هو من أراد تركها في الصحراء.
قمة التناقض في شخصية سراج، عقلها لا يفهمه عكس غيث. كان واضحاً أسلوبه الفج معها. لكن تهكمت ساخرة بضحكة مصطنعة: "صحرا ليلة امبارح كنت هتسيبني في الصحرا للديابة عادي، مفيش فرق، عالأقل دلوقتي إحنا بالنهار." تنرفز وجذبها من يدها نحو سيارة قائلاً: "أنا كمان عندي مشوار في البندر." وافقت وذهبت معه ليست مرغمة بل لسبب ميعادها مع الزبون بالمحكمة. بعد قليل جلسا بالسيارة دون حديث.
لكن لعدم انتباه سراج أثناء السير لم يلاحظ أحد المطبات بالطريق، حاول تبطئ السرعة. بلا قصد يده لمست فخذ ثريا الموصوم بتلك العلامة. اهتز جسد ثريا، وضمت ساقها للأخرى بعيداً، بينما لم ينتبه سراج لذلك. بـ دار السعداوي. رفض قاطع من ولاء عقلها غير مستوعب ما أخبرها به. بنفس الوقت دخل عليهما آدم الغرفة. نظرت له بغضب قائلة: "مستحيل الجوازة دي تتم، أكيد عقلك مش في راسك." استهجن آدم قائلاً بإصرار:
"دي حياتي وأنا حر في اختياري، و... قاطعته ولاء بإستهجان: "مستحيل، إنت وأخوك خلاص البنات خلصت، واحد يتجوز من عازبة، والتاني عاوز يتجوز من بت اللي كان بينا وبينهم تار، لاه كتير قوي منكم، أنا مستحيل أروح دار مجدي وأطلب يد بت منهم... وأستحمل حرج رفضهم." نظر لها آدم باستهوان قائلاً: "بسيطة، أنا ما يرضيني تتحرجي عشان خاطري يا عمتي، وإتصلت على خالتي رحيمة وبعتلها عربية تجيبها وهتروح معاها ثريا ومرات أبوي."
نظرت له بسحق قائلة: "هتعمل زي أخوك و..... قاطعها آدم بتصميم: "سبق وقلت دي حياتي، وأخويا كمان حر في حياته وكل واحد بيختار حسب مزاجه، وكل واحد بيتحمل نتيجة اختياره، عن إذنك هروح أشوف خالتي وصلت لفين." غادر آدم بينما نظرت ولاء لـ عمران بغضب قائلة: "ساكت ليه، لازم تنصحه وتعرفه، إن حتى لو حصل صلح الدم مش بيتنسي... أنا مش ناسيه إن عيلة السعداوي كانوا السبب في قتل خطيبي، دول قتلة." اخفض عمران رأسه مرغماً ثم نظر لها دون رد.
إغتاظت منه فالصمت معناه أنه يوافق ولده. عمران ضعيف أمام رغبات أبناؤه يتناول لإرضائهم، لكن هي لا، لن تتنازل، حتى لو عاد الثأر مرة أخرى. بـ دار مجدي السعداوي. كانت مفاجأة لـ سناء حين فتحت باب الدار ورأت أمامها ثلاث نساء. تعلم هوية اثنتين منهن والثالثة رأتها سابقاً. استقبلتهم بحفاوة، وأخذتهن إلى غرفة الضيوف. وضايفتهن هي وحنان التي تعلم سبب زيارتهن لكن لم تُظهر ذلك.
تشعر بسعادة بالغة، في نفس الوقت تشعر بريبة من الترقب، تخشى أن يتراجع والدها عن قراره الذي أعطاه لـ آدم. جلسن سوياً لبعض الوقت، أحاديث جانبية إلى أن تحدثت رحيمة وطلبت يد حنان. التي انصهر وجهها خجلاً. بينما تفاجئت سناء بذلك وتلجم لسانها. وكان ردها مختصراً: "هقول لـ الحج مجدي وهو صاحب القرار." تفهمن ردها، نهضن بعد دقائق. نظرت رحيمة لـ حنان وضمتها قائلة: "أحن واحد في ولادي هو آدم، وجلبي حاسس إنك هتبقي العوض لقلبه الطيب."
تبسمت حنان بخجل. غادرن بعد وقت قليل. على عكس عادة مجدي جاء للمنزل، بلا انتظار أخبرته سناء بزيارة الثلاث. تبسم لها قائلاً: "تمام، بكرة تتصلي على خالة آدم وتجولي لها إننا موافقين." ذهلت سناء دون رد. بينما صدفة تسمعت حنان وسمعت رد والدها لتشعر بسعادة بالغة. ليلاً، حين عادت ثريا إلى المنزل قابلتها عدلات مبتسمة تقول: "الدار نورت يا ست الستات، سراج بيه لسه واصل من هبابه وجالي لما توصلي أجولك أنه عاوزك في المجعد بتاعكم."
استغربت ثريا ذلك، منذ قليل أرسل لها رسالة على الهاتف أن تعود باكراً. كذلك قول عدلات شعرت بفضول، لكن قالت لها: "عطشانة جوي، هروح المطبخ أشرب وبعتها أطلع له." بينما سراج بالغرفة مازال يشعر بالفضول من تلك العلامة ولابد أن يعلم سببها. مسك ذاك الثوب اللامع الذي به جزء شفاف هو اختار ما يناسب فضوله. بنفس الوقت صدح رنين هاتفه، ترك الثوب، وذهب نحو شرفة الغرفة يقوم بالرد. تعمدت ثريا التأخير إلى أن صعدت إلى الغرفة بعد دقائق.
دخلت إلى الغرفة تشعر بإرهاق شديد. استغربت حين لم تر سراج بالغرفة، فمنذ دقائق أخبرتها الخادمة أنه ينتظرها بالغرفة على الفور. لكن هي كعادتها عاندت وتعمدت أن تتأخر. لكن لفت نظرها قطعة القماش التي تضوي بلمعان الموضوعة على الفراش. بفضول منها ذهبت نحو الفراش وجذبت تلك القماشة بين يديها. سرعان ما تهكمت باستهزاء قائلة: "ده توب غازيه... إيه جابه لإهنه." إنخضت بشهقة حين سمعت صوت سراج من خلفها قائلاً بغيظ ثم تهكم وأمر:
"اتأخرتِ ليه بقالي أكتر من نص ساعة بعتلك الخدامة." صمت للحظة ينظر لها باحتقان ثم تفوه باستهوان: "سلامتك من الخضة." صمت مرة أخرى نظر للثوب الذي كان بيدها وتفوه بوقاحة: "أنا اللي جبت توب الغازية عشان إنتِ تلبسيه وإنتِ بترقصيلي دلوقتي." بسبب الخضة وقع من الثوب على الأرض. بنفس الوقت استدارت له، سرعان ما حايدت بصرها عنه للحظات. لكن عاود يتهكم قائلاً: "مالك، وشك اصفر كده ليه."
بسبب الخضة تركت ذلك الرداء لكن سرعان ما استغربت انحناءه وجذبه لذلك الثوب وأعاد وضعه بين يديها ثم رفع يده وسحب وشاح رأسها وأسدل خصلات شعرها قائلاً: "يلا بلاش تضيعي وقت وإقلعي العباية اللي عليكي دي وإلبسي التوب ده، مزاجي مش رايق وعاوزك ترقصيلي، أهو أحسن ما أروح لغازية عالأقل إنتِ حلالي... توقف للحظات ثم نظر نحو شفتيها وضع إبهامه على شفتيها قائلاً بتلميح مباشر: "يمكن... أكيد الليلة هيكمل جوازنا وتحملي في الولد اللي...
قبل أن يكمل بقية تلميحه قاطعته ضحكات ثريا التي اغتاظ منها. ظن أنها تضحك سخرية من حديثه بينما بالحقيقة كانت ضحكاتها ضحكات موجوعة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!