الفصل 15 | من 41 فصل

رواية عشقت طالبتي الفصل الخامس عشر 15 - بقلم منار حسين

المشاهدات
23
كلمة
0
وقت القراءة
1 د
التقدم في الرواية 37%
حجم الخط: 18

مساءً بدار عمران العوامري. ضاقت ثريا ذرعًا من أحاديث نساء العيلة عن أمور تافهة لا تعنيهن، هن فقط مجرد ثرثرات، رغم أنها هي الأخرى ثرثارة مثلهن، لكن لا تهوى سماع الثرثرة التي تحمل بين طياتها الحقد والحسد والغلول، ذلك ما جعلها تبغض ثرثرتهن. كذلك تلامزهن عليها المُبطن، ومنهن من أثارت عن قصد: "ربنا يكتر أفراح عيلة العوامري، عقبال ما نفرح بعوضك انتِ وسراج، زينة شباب العيلة."

قوّصت شفتيها ببسمة سخرية، تومئ برأسها رغم عدم قبولها لحديث السيدة التي تمدح ذاك السراج الذي يظهر للعلن عكس حقيقته. هي الوحيدة التي تعري أمامها من صفات الشهامة التي تتحدث عنها، فهي تظهر للآخرين كبطل، أما هي فمنذ البداية ظهر لها بحقيقته أنه مجرد شخص يهوى إلقاء الأوامر، كذلك يستقوي بقوته عليها.

تلميحات ولاء التي تحاول التقليل من شأنها، وإظهار أنها سيدة العائلة ذات الكلمة المسموعة، والتفاف النساء حولها ليس حبًا ولا ودًا، بل لصيتها بين أفراد العائلة أنها ذات ذكاء حاد. تهكمت ثريا:

"فـ ولاء حقًا تشبه الوباء الذي ينتشر بسهولة ويفرض أعراض الإصابة على الجميع عداها هي فقط. لديها مناعة، تعلم حقيقة خبثها، هي ليست أكثر من متسلطة تهوى السلطة ونالتها ليس لذكائها كما يمدح البعض فيها، بل لأن الكذاب الأفاق له سطوة يستطيع بها الوصول إلى مبتغاه. كذلك ضعف نساء العائلة سبب حنكتها في اختلاق الإفق والإدعاء أنها أكثر من تود رفعة شأن راية العائلة."

ضجرت من ذاك الرياء، نهضت وتحججت برنين هاتفها الكاذب، خرجت وتركتهن لغبائهن. وقفت بالحديقة التي أمام المنزل، أوقفت صوت الهاتف وسحبت أكبر كمية هواء، كأنها كانت تختنق بسبب قلة الأكسجين بالداخل. تهكمت قائلة:

"واه يا أبوي، كنت هتخنق من رغيهم العبيط. لاء وشغالين تفخيم في وباء، ناقص يعملوا لها تمثال ويحطوه في الجنينة. منافقين وهما مش طايقينها أساسًا، وهي ناقص تطق من كتر النفخة اللي هي فيها. يارب أنا كان عقلي فين لما وافقت أرجع لشر العيلة دي من تاني." سارت خطوات قليلة. فجأة هبت نسمة خريفية هدأت قليلًا من ضجرها، لكن توقفت حين رفعت رأسها للسماء. رأت ذاك القمر الشبه مكتمل، كذلك تلك النجوم التي تسير بالسماء بحركة واضحة.

تنهدت بهدوء قائلة: "النجوم بدأت تمشي في السما، الصيف خلاص انتهى وبقينا في الخريف والنجوم هتختفي ورا الغيوم والضباب، زي حياتي دايمًا غم وضياع." فجأة شهقت بخضة حين سمعت صوتًا من خلفها يقول: "واقفة اهنه ليه مش قاعدة ويا الحريم... بالتوكيد رغيهم الكتير وجع راسك."

كان صوتًا هادئًا جعلها تستدير تنظر له. سرعان ما عبست ملامحها في مقابل بسمة الآخر السخيفة بنظرها. لا تعلم لماذا بداخلها دائمًا شعور بالنفور منه، رغم أنه ساعدها سابقًا. فسر عقلها بأنها تشعر أنه نسخة أخرى من "غيث"، فهما كانا على وفاق. سمعت مديح إيناس به سابقًا بهيام وأنه مغرمًا بها. فهي تعطيه كل السعادة وهما معًا بلحظات خاصة. فالرجال يهيمون بالمرأة التي تشبع رغباتهم وتسير حسب متطلباتهم.

للوهلة اشمئزت من نظرة عينيه التي ذكرتها بنظرة عين "غيث" حين كان يخدعها بمعسول كلامه قبل ليلة زواجهم التي كشف كم كانت حمقاء. فهنالك حقائق تكون واضحة، لكن سكرة الاحتياج قد تطمسها. غيث علم ما كانت تحتاج إليه من شعور الدفء في قلبها وتلاعب بكل براعة. لم يبخل من إطراء لها يطرب قلبها البريء، وهدايا كانت حين ترفضها يلومها أنها أصبحت مسؤولة منه. كانت تقبلها بعد محاولات.

أغمضت عينيها لوهلة تضغط عليهما. تشعر كم كانت بريئة بأحلام وردية فاقت على حقيقة دموية. "غيث" كان قاتلًا مثل الذئب، يثيره لون الدم يجعله ينتشي، وأكبر انتشاء شعر به منها وهو يلعق دمائها كأنه يتذوقها باستمتاع، وصدى صوته البارد يتردد بأذنيها يقول بشماتة وهي ممدة فوق الفراش تنزف بغزارة: "لو كنتِ طاوعتيني كان زمانا بنستمتع سوا، لكن إنتِ اللي عصبتيني. بعد كده بلاش تعصبيني وأنا هبسطك."

شعرت بارتعاشه كأن برودة ثلجية أصابت جسدها. بتلقائية منها لفت يديها حول جسدها. فتحت عينيها رأت نفس البسمة البغيضة... تظهر أنيابه. خوف سيطر على قلبها، جعلها تتخذ القرار وكادت تسير من أمامه بصمت، لكن هو مد يده وكاد يلمسها، لكن توقف حين سمع صوتًا ناهراً يقول بغلظة: "ثريا إيه اللي موقفك هنا."

لأول مرة تشعر بأمان. ذهبت نحو سراج، وقفت أمامه كأنها تود تحتمي به من نظرات ذاك البغيض. رغم نظرة عيني سراج الغاضبة بوضوح، كذلك إعادته لنفس السؤال بطريقة أخرى أكثر غلظة، لكن لم يكن السؤال لها بل كان لـ قابيل الذي أخفض يده يضغط على قبضة يده تكاد تنفر عروق يده من شدة الغيظ من سراج الذي سحب ثريا من أمامه وأصبحت خلف جسده كأنها يخفيها عن عينيه: "إيه اللي موقفك هنا، مش المفروض تكون قاعد وسط الرجال في المندرة يا قابيل."

بتوتر وغيظ أجابه قابيل بتبرير كاذب: "أنا كنت طالع أشرب سيجارة في الهوا، شوفت ثريا واقفة جولت يمكن محتاجة لحاجة." تهكم سراج بغيظ قائلاً: "لاه كتر خيرك، ثريا ليها راجل لو محتاجة حاجة هتطلبها منه."

أنهى سراج حديثه التعسفي وجذب ثريا من يدها بقوة وذهب من أمامه، تركه ينظر في آثرهما. وثريا تسير معه بطواعية تحاول مجاراة سرعة جذبه لها وهو يسير يقبض على يدها. قبضة يده، تلك كأنها يقبض على قلبه، يشعر بحقد كفيل بزرع البغض والغِل في قلبه. هو الأحق بها. زفر نفسه الواهج وهمس من بين أسنانه بغيظ: "كده كفاية جوي، مش هتحمل كتير. سراج لازم يحصل غيث في أقرب وقت."

أخرج سيجارة أشعلها، ينفث دخانها بجمود يخترق الدخان عينيه يجعلها تتوهج بدموية، غافلاً عن تلك الحمقاء التي رأته عبر شباك تلك الردهة يقف مع ثريا. شعرت بحقد دفين. خرجت سريعًا تتوجه نحوهم، لن تتوانى في إيلام وتوبيخ تلك الحقيرة، ستضعها بمكانتها التي تستحقها. لكن رؤيتها لـ سراج الذي جذب تلك المحتالة بهذه الطريقة العنيفة جعل قلبها يهدأ من الحقد، وامتثلت بالبرود وهي تتوجه نحوه.

بمجرد أن اقتربت تبدلت طريقة سيرها إلى غنج، كذلك صوتها تبدل إلى نبرة اشتياق وهي تسأله بخباثة كأنها لم تر وقوفه مع ثريا: "قابيل واقف كده هنا ليه؟ وجد فرصة ليصب غضبه عليها قائلاً: "في إيه هو حرام أقف بالجنينة أشرب سيجارة. وأنا ها ماشي من هنا. لاه من الدار كلها. أنا مصدع وإن كان جلسة الحريم انتهت خلينا نرجع لدارنا." بغنج ظنت أن حديثه يحمل بين طياته الاشتياق لها عكس حقيقة غضبه. تبسمت قائلة:

"وإن كان حتى الجلسة منتهتش إنت عندي أهم يا حبيبي." نظر لها بتمعن يشعر بضجر من طريقة حديثها الناعمة كأنها تنتظر منه إشارة فقط. لم يخيب ذاك الرجاء السافر الذي بعينيه وأشار لها أن تلحقه إلى منزلهم. سارت خلفه، ترسم بقلبها شعورًا بالغرام، تغفل عن نيته التي يود سحقها ولن يتوانى عن ذلك، يود التنفيث عن ذاك الحقد. مثلما يفعل سراج الآن مع ثريا، سيفعل مع تلك العلقة التي التصقت به مثل اللعنة. ***

ما زال يقبض بقوة فوق معصم يدها إلى أن فتح باب غرفتهما، ودلف بها إلى الداخل بقوة. جذبها عليه ينظر إلى وجهها بغضب سائلًا: "إيه اللي وقفك مع قابيل في الجنينة." رغم شعورها بالألم من قبضة يده، لكن لم تبالي بذلك ولم تطلب منه أن يترك يدها، بل نظرت إلى عينيه وأجابته ببرود: "السؤال ده تسأله له مش ليا. أنا اتخنقت من رغي النسوان الفارغ، قلت أطلع أشم شوية هوا في الجنينة. محسيتش بيه غير لما اتحدت؟

ما زال يقبض بقوة على يدها، بل وازدادت الضغط بغضب وغيرة يحاول كبتها. سألها: "وكان بيتحدت وياكِ عن إيه بقى." أجابته بنفس البرود: "معرفش مخدتش بالي من حديثه." ترك معصمها وضم عضديها بين يديه بغضب سائلًا: "وليه ممشيتيش وسيبتيه زي أي ست محترمة." تجمرت عينيها بغضب قائلة: "أنا كنت لسه همشي، ومشوفتنيش واقفة معاه في أوضة مقفولة علينا لوحدنا... الجنينة مفتوحة قدام الكل."

قالت هذا ولم تحاول دفع يديه عنها، بل ظلت واقفة بين يديه رغم شعورها بالألم، وعقبت مرة أخرى: "أنا مش محترمة يا سراج وإنت عارف بكده من قبل ما تتجوزني وإفتكر إني مغصبتش عليك تجوزني." قالت ذلك بفظاظة منها، ورفعت يديها بعد أن شعرت بتراخي يديه، وقامت بدفعه بيديها بصدره كأنها تصفعه بغضب. بسبب تراخي يديه، فكت من أسره وابتعدت عنه بتعسف قائلة باستهزاء مُبطن:

"لازم أرجع لمندرة الستات أجعد وياهم أنا برضك مرة راجل منهم، ومش أي راجل ده كبيرهم البطل الشهم."

لم تنظر وغادرت الغرفة مسرعة قبل أن يقبض على يديها مرة أخرى. خرجت تصفق خلفها الباب بقوة، ذهبت إلى ذاك المرحاض الذي بالممر، وقفت خلف الباب تضغط بيدها فوق موضع قلبها الذي يثور بداخلها، تشعر كأنه قطعة ملتهبة. تحجرت دموع عينيها بين مقلتيها. ربما لو كانت بكت لكانت شعرت براحة، لكن لن تنهزم مرة أخرى. لو يعلم سراج أنها تمقت قابيل، ربما كانت أراحته، لكن هي لا تود ذلك، تود إثارة غضبه دائمًا حتى تنتقم من خداعه. استقوت واتخذت

قرار العودة للجلوس بين النساء، عليها الاستفادة بأحد مكتسبات تلك الزيجة الكاذبة. وهي تجلس رأسها برأس ولاء، كذلك تحرق قلب والدة غيث حين تراها أخذت مكانه أقوى بقلب عائلة العوامري. لها ثأر معهن وأقل شيء هي حرقة قلبهن بوجودها بينهن، دون أن يستطعن فرض هيمنتهن عليها. يكفي انهزام يا ثريا...

مقدار ما فعلوا سيدفعون الثمن.

بينما سراج شعر بضجر، جلس يضع ساق فوق أخرى، واضطجع بظهره يستريح على مسند تلك الأريكة التي بجانب الغرفة. زفر نفسه بغضب لو لم يكتمه لكان مزق قابيل إربًا بسبب وقوفه مع ثريا هكذا بالحديقة أمام مرأى الجميع، بل من مجرد النظر لها. كذلك كان صفع تلك الوقحة على ما تفوهت به من حماقة أثارت غضبه. هي مستفزة، لو كانت أجابته بطريقة أخرى مهذبة ما كان تعمد قول ذلك وانتهى الأمر بسلام. لكن هي هكذا دائمًا عصية. فكر أنه يستطيع ترويضها بالزواج، لكن...

لكن ماذا؟ ما دام ما زالت تعلن العصيان بتحدٍ. وكيف يخمد هذا التحدي؟ بأي طريقة؟ منذ قبل بداية زواجهم أعلنت العصيان والتمرد. منذ ليلة عقد قرانهم. تذكر ليلة عقد قرانه على تلك المحتالة المستفزة. بالعودة إلى تلك الليلة. بمنزل والدتها، بغرفة الضيوف. كان المأذون يجلس وجواره سراج، ومعهم بالغرفة زوج خالتها كذلك وآدم وعمران فقط، كذلك أخيها الذي كان يجلس كالمتفرج. طلب المأذون حضور العروس لإتمام إجراءات عقد القران.

نهض زوج خالتها ودقائق وعاد بها. دخل خلفه، رفع نظره ينظر لها. وجهها كان هادئًا، بل ملامحها كانت باردة لا يوجد عليها أي تأثير بالخجل. حقًا تزوجت سابقًا، لكن أين الحياء؟ تهكم، فهي لا تمتلك أي حياء. لكن لن ينكر أنها بهية بذاك الرداء البسيط ذو اللون الأبيض المائل للاصفرار اللامع. تشبه زهرة برية لها رونق خاص. بكل جرأة جلست على الناحية الأخرى للمأذون، بعد أن قال لها بسؤال: "توكلي مين عنك يا عروسة." أجابته:

"أنا وكيلة نفسي، أكيد حضرتك عارف إني كنت متجوزة قبل كده يعني 'ثيب' مش بكر." لم يستطع آدم كتم ضحكته من جرأة تلك الحمقاء التي بالتأكيد تستفز سراج. نظر له سراج بزغر فتوقف عن الضحك. كذلك ممدوح نظر لـ ثريا وضحك. لاول مرة نظرت له وابتسمت. بينما تضايق عمران ربما أكثر من سراج نفسه. تفهم المأذون قائلاً: "تمام ضع يدك يا سيد سراج في يد السيدة ثريا."

لحظات فكرت. ألا تفعل ذلك وتمد يدها وتنهض واقفة تنهي تلك المهزلة. نظرت نحو يد سراج الممدودة ونظرة عيناه المتوعدة بوضوح. ما زالت تفكر في التراجع وتنهض تخذله أمام الموجودين وسرعان ما سينتشر ذلك.

لحظة، لحظة. ويد سراج ممدودة. لو نهضت قد تكتسب نفسها. لا داعي للعودة لبراثن عائلة العوامري. لو ظلت قد تخسر آخر فرصة لإظهار حقيقة ذاك الآفاق. وجعله يندم على محاولاته للضغط عليها. زواجه منها أكبر عقوبة. هي امرأة بلا مشاعر. أنثى. وهو يستحق ذلك. امرأة تجعله يبغض النساء من خلفها. نظرة عين سراج المتوعدة. لو تراجعت الآن ستكون نهايتها وهو كسب التحدي. لكن ما زالا الجولة الأولى. وإيماءة رأسه لها كأنها أمر.

بالفعل رسمت بسمة ومدت يدها ووضعتها بيده. بمجرد أن تلامست يدها بيده قبض على يدها بقوة. لو بإرادته لحطمها الآن. نظر لوجهها رغم تألمها لكن لم تئن ورسمت بسمة عناد وتحدٍ. "ليتم عقد القران. وأول خاسر هو أنت يا سراج." وضحكة تملك من سراج: "لا تقلقي، أنا محارب وتعودت على الانتصار ولن أنهزم بمعركة سهلة."

تحدٍ وعناد. على من يكسب. والإثنان أصبحا بعاصفة واحدة. قطعة الأرض هي من ربطت بينهم بوثاق. ظن كلاهما أنه لجام يضعه حول رقبة الآخر. [عودة] على دقات هاتفه أنزل إحدى ساقيه وانحنى للأمام جالسًا وفتح الهاتف. قرأ تلك الرسالة. سرعان ما نهض واقفًا. ينفض عن رأسه. لا داعي للتفكير بذلك كثيرًا. ليهدأ الآن ويترك العقاب لاحقًا. *** باليوم التالي ظهرًا.

أمام ذلك المشفى كان يجلس بالسيارة يراقب عن كثب. إلى أن رأى خروج قسمت من المشفى. ترجل إسماعيل وذهب نحوها قائلاً: "قسمت."

توقفت تنظر له للحظات، ثم نظرت حولها بالمكان ترا إن كان أحدًا يلاحظ وقوفهم. ثم لم تهتم وكادت تسير بقصد منها. فهي تعمدت الفترة الماضية تجاهل إسماعيل. رغم أنها تكن له مشاعر، لكن هي لا تحب أن تغوص بمشاعر واهية تُقلص نظرتها للحب على أنه مجرد انجذاب وقتي. أو موعد غرامي. تريد الحب بمفهومه الشامل. أنه تكامل وانسجام اثنين قادران خوض طريق واحد معًا. ربما دراستها العلمية أثرت على تكوين شخصيتها الواضحة هكذا. عقلانية بعض الشيء لا

تهوى أنصاف التجارب. لكن لن تدخل بتجربة لديها شكوك أنها ستفشل بنهايتها. إسماعيل أخطأ حين لم يجيب عليها ذاك اليوم، لكن بعدها حاول الاتصال عليها وبعث رسائل. كذلك لقائهم بغرفة الأطباء الخاصة بالمشفى. تعمدت تجاهلهم، تختبر صبره وقوة إرادته. رسائل يرسلها وهي لا تهتم. تود قرارًا حاسمًا منه. رغم مفاجأتها بوقوفه هكذا، لكن لوهلة شعرت بالحياء.

تستمع له: "قسمت كفاية تتهربي مني، لازم نقعد مع بعض. مش هقبل اعتذار." لوقوفهم هكذا بالشارع شعرت بالحياء من نظرات البعض لهم. أومأت رأسها موافقة. ابتسم وهو يشير لها بيده للسير ناحية السيارة. توقفت وكادت أن ترفض ذلك، لكن إسماعيل تفوه بمزح: "متخافيش أنا مش خُط الصعيد... بس هخطفك." "معاكِ الراقي على ضفاف نيل مصر الخالد." ابتسمت وصعدت إلى السيارة. بعد دقائق كانا يجلسان بذاك المقهى. بوضوح تحدثت قسمت:

"قول اللي عاوز تقوله. أنا مقلتش لأهلي إني هتأخر بعد وردية شغلي في المستشفى." نظر إسماعيل نحو مجرى النيل، قائلاً:

"أنا كنت أصغر أخواتي، كان عندي حوالي خمس سنين وقت وفاة أمي، يعني ملحقتش أستوعب حتى ملامحها. عرفت ملامحها من الصور. أبوي قد ما هو متشدد بس لينا مكانة عنده. معرفش حنان الأم شكله إيه. خالتي هي اللي كملت تربيتنا أنا وأخواتي. حاسس إن في قلبها حنان يشبه حنان أمي الحقيقية ويمكن أكتر كمان. من فترة لما كبرنا وكل واحد فينا اختار له طريق، طلبت ترجع بيتها من تاني. خالتي كان ليها هيمنة كبيرة حتى أبوي مكنش بيقدر يتحداها. أوقات بحسها جبارة رغم حنيتها. كنت مرتبط بها أكتر من أخواتي الاتنين. منكرش لما سابت الدار حسيت بفجوة. كنت بسيب دار أبوي وأروح حداها معاها بحس براحة كبيرة وأنا نايم على رجليها وهي بتلعب لي في شعري...

توقف للحظات. ثم عاد بنظره نحو قسمت واستطرد حديثه: "هتقوليلى بحكيلك الحكاية دي ليه، هقولك معرفش. أنا عندي هاجس جوايا بخاف أفقد حد بحبه، عشان كده في دماغي هدف وبتمنى أوصل له." سألته بإستفسار: "وإيه هو الهدف ده؟ أجابها بتوضيح:

"الحياة. أنا اخترت طب التشريح بإرادتي يا قسمت، كان سهل أختار أي تخصص تاني. طب التشريح اللي معظم الدكاترة بتهرب منه لأنه مالوش مستقبل هنا في مصر، لكن بره مصر، دكتور التشريح ده له أهمية كبيرة. مش عشان يعرف أسباب الوفاة... لاء عشان يكتشف أسرار طبية ممكن تدي حياة. أنا راسلت أكتر من جامعة خارج مصر بأبحاث طبية عملتها. مستني منهم رد بانضمامي لأطباء اللي بيختاروهم لتنفيذ تجارب لهم. مش عارف طريقي هيوصل لفين؟

فهمت قسمت جزء من حديثه أن لديه طموح طبي، لكن لم تفهم لما يخبر بها. فسألته: "مش فاهمة عاوز توصل لإيه." أجابها: "أنا في أي لحظة ممكن أسيب مصر وأستقر بالخارج. وقتها أكيد حياتي هتتبدل. أكيد مش هعيش في بلد ومراتى في بلد تانية." "مش فاهمة برضوا تقصد إيه." أجابها بتوضيح:

"أنا فعلاً بحبك يا قسمت مش بتسلى ولا عاوز وبنت أخرج معاها في الكافيهات. لكن كمان مش عاوز أظلم حد معايا. لما قولتلي إيه آخر خروجنا ارتبكت وترددت. مش عارف أنا خطوة الارتباط دي مش هكدب وأقولك كنت بفكر فيها، بالعكس كانت أبعد ما تكون عن راسي في الوقت الحالي، قبل ما أعرف طريقي هياخدني لفين. لكن لما حسيت إنك هتضيعي مني مقدرتش أتحمل. أنا دلوقتي حطيت أحلامي كلها قدامك. لو عندك استعداد تشاركيني الأحلام دي ونكون سوا بطريق مش معروف ملامحه."

تهكمت ببسمة عن قصد منها تعمدت القول: "إسماعيل العوامري، زينة شباب عيلة العوامري المعروفة بصيتها الواسع مش عارف ملامح مستقبله. لاء ده تواضع منك، ولا أعتبره تهرب من المسؤولية." تبسم قائلاً: "عمري ما اتعاملت مع حد على إني فرد من عيلة العوامري، بالعكس أنا حابب أفرض شخصيتي بعيد والدليل إني الطير الشارد اللي اختار يسير بعيد عن السرب. كمان عمري ما تهربت من المسؤولية، لكن مش كمان حابب أفرض طريقي المجهول على غيري."

ابتسمت قائلة: "ومنين جالك إنه طريق مجهول، ده علم معروف. إنت ليه متخيل إن الطريق ده صعب على أي حد يتحمله، والدليل إن معظم الأطباء دول معروفين ولهم عائلات كمان، يمكن إنت اللي بتدي لنفسك عذر عشان تتهرب من المسؤولية، إن يكون معاك شريكة حياة تشاركك النجاح ده. ليه مش تجرب وأكيد مش هتلاقي مانع، لكن طول ما أنت مقرر إنك... قاطعها قائلاً: "تتجوزيني يا قسمت." ابتسمت بمكر قائلة:

"الطلب ده مينطلبش مني يا دكتور، أكيد إنت عارف الأصول كويس، البنت بتنطلب من أهلها الأول، بعدين بياخدوا قرارهايا توافق يا... توقفت ضاحكة حين عبس وجهه مثل الأطفال، وقالت: "يا توافق يا إسماعيل." انشرح قلبه وبتلقائية جذب يدها قائلاً: "يعني موافقة إنك تربطي حياتك بـ... قاطعته بمرح: "موافقة أربط حياتي بشخص مجنون." *** بدار عمران العوامري.

كان آدم انتهى من تجهيز شقته التي سيتزوج بها، لكن ما زال كتب تلك المكتبة الخاصة به. ترك نقلها إلى شقته إلى آخر الوقت، كي لا تتلف من المنقولات الأخرى. ثريا رغم عدم هوايتها للقراءة، لكن صدفة علمت أنه يهوى اقتناء كتب بمجالات مختلفة. سألته عن أحد الكتب النادرة التي تتحدث عن القانون. أجابها أنه يمتلك نسخة منه. طلبت استعارته منه. أجابها أنه بـ شقته الخاصة بين تلك الكتب الذي ما زال يضعها بالصناديق قبل أن يضعها فوق رف المكتبة. بأخوة منه طلب منها أن تصعد معه كي يعطيها ذاك الكتاب.

لسوء الحظ، سمعت خادمة ذلك وأخبرت سيدتها بذلك. لمعت عينيها بدهاء قد تكون فرصتها. حين رأت دخول سراج إلى الدار بهذا الوقت. لم تهتم بأن سراج وآدم إخوة، طالما قد تصل إلى هدفها وهو التشكيك بأخلاق ثريا. تعمدت سؤال الخادمة: "الست ثريا فين، روحي نادي عليها عشان تنزل تتغدا." نظرت الخادمة ناحية سراج وفهمت ولاء. سارت معها على نفس الهدف قائلة: "الست ثريا من هبابة طلعت شافت آدم بيه." أومأت لها ولاء قائلة:

"اطلعي لها وجولي كمان لـ آدم بيه إن الغدا جاهز." سمع سراج ذاك الحديث، انتابه شعور بالغضب. هكذا فسر عقله، وتفوه بإنزعاج واضح: "خليكِ انتِ شوفي شغلك أنا هطلع أقول لهم." بالفعل توجه سراج إلى أعلى، بينما لمعت عين ولاء وتلك الخادمة التي سرعان ما أومأت لها ولاء بالانصراف، ووقفت تتابع صعود سراج بقلب منشرح فما أسهل زراعة الشك.

بينما صعد سراج إلى شقة آدم، كان باب الشقة مفتوحًا. دخل دون استئذان. سمع صوت حديث هادئ بين آدم وثريا حتى وصل إلى تلك الغرفة. دخل مباشرةً. كان آدم يقوم بوضع بعض الكتب فوق الأرفف، بينما ثريا جالسة تبحث بأحد الصناديق، إلى أن وقفت قائلة: "أهو أخيرًا لقيت الكتاب، بس قول لي إنت قرأت الكتب دي كلها." تبسم آدم الذي يعطيها ظهره: "لاء مش كلها، بس أنا بحب أحتفظ بالكتب عمومًا." تبسمت قائلة:

"أنا بصراحة معنديش هواية قراءة الكتب، أكتر من كتب المدرسة وبعدها الجامعة، وكتب القانون عشان دراسة القواضي اللي بترافع فيها." ابتسم آدم قائلاً: "القراءة في حد ذاتها متعة كبيرة." ضحكت ثريا قائلة: "لاء رفاهية، عالعموم شكرًا عالكتاب وأوعدك أقراه وأرجعه تاني."

تبسم لها آدم، وقبل أن يسترسل الحديث معها، تنحنح سراج الذي دخل ونظر لهما. لم يكن هناك ما يثير أي شيء، لكن شعر بغضب من طريقة حديث ثريا الهادئة مع آدم، كأنهما على وفاق عكس حديثها معه دائمًا بندية. نظرا الاثنان نحوه، تبسم آدم قائلاً: "كويس إنك جيت يا سراج تعالى شوف مراتك بتقول على قراءة الكتب رفاهية." نظر سراج نحو ثريا بغضب حاول كبته كي لا يلاحظ آدم، ثم قال: "خلينا نشوف الموضوع ده بعدين، دلوقتي خلينا ننزل الغدا جاهز."

تحدث آدم: "أنا مش جعان، هكمل رص الكتب عالرفوف خد مراتك." أومأ سراج قائلاً: "تمام براحتك، يلا يا ثريا ننزل نتغدا مع العيلة." كادت تعترض لكن جذب سراج يدها. سارت معه حتى لا تفتعل غضبه. غادرا الشقة. نظر في أثرهما آدم وتبسم، فنبرة سراج واضحة أنه يغار عليها. بينما سار سراج مع ثريا لكن لم ينزلا إلى غرفة الطعام بل جذبها إلى غرفتهم الخاصة حتى دخلا. ترك يدها ثم جذبها من عضد يدها بقوة قائلاً بنبرة قوية: "إيه اللي طلعك شقة آدم."

لم تستغرب من طريقة حديثه لها، كذلك ضغطة يده القوية. أجابته ببساطة وهي تلوح بذاك الكتاب بيدها: "كنت بجيب الكتاب ده منه." استهزأ وهو ينظر إلى الكتاب ثم لوجهها قائلاً: "مكنتش أعرف إن ليكِ في هواية قراءة الكتب." شعرت بأنه يستهزأ، تحدثت بتوضيح: "أنا ماليش في هواية القراية، والقراية رفاهية بالنسبة لي، بس ده كتاب بيتكلم عن القانون والعدالة، يعني ممكن يفيدني في المحاماة." تهكم مستهزئًا: "قانون وعدالة... محاماة...

التلاتة دول أبعد ما يكونوا عنك. تمام ممنوع بعد كده تطلعي شقة آدم." بعقله يبرر ذلك أن هذا ليس شعور بالغيرة بل وضع حد لها بالاقتراب من أي فرد من العائلة حتى لا تطمع في مكانه. شعرت أنه يستهزئ منها، ليس هذا فقط بل أيضًا يقلل من شأنها. أومأت رأسها بطواعية، تشعر بوجع في قلبها مستمر. حديثه يعطي لها شعور بالندم يزداد وتتأكد مع الوقت تلك الزيجة كانت لحظة خطأ وغضب منها ولن تستمر، وليتها تنتهي الآن قبل الغد.

لم تنتظر وغادرت الغرفة تشعر بغضب جم. كذلك سراج لام عقله كيف تحدث هكذا، وكيف دخلت الغيرة في عقله أعمت تفكيره. ثريا وآدم. إن كان لديه شك بـ ثريا فلا يوجد لديه ذرة شك بـ آدم. ذم عقله ذاك الشعور وفسره أنه ليس غيرة، لكنه ضجر من أفعال ثريا. بالأمس كان قابيل واليوم آدم، كان عليه وضع حد لحديثها مع رجال العائلة. *** بعد مرور ثلاث أيام هادئة نسبيًا. منزل مجدي العوامري.

ما زال هنالك شعور بالخوف في قلب حنان رغم أن الليلة هي ليلة الحناء، لكن لديها توجس تخشى أن يفتعل حفظي مناوشات. لكن آدم كان حذرًا، وطلب من مجدي تشديد أمن المكان تحسبًا لذلك. وطلب من سراج المجيء برجال خاصة للحراسة، بالأخص بمنزل مجدي تشديدًا. تولى سراج تدبير رجال الحراسة بل وكان على رأسهم بمنزل مجدي، ولحسن الحظ كان يطمئن على إجراءات الأمن بالمنزل. بينما بداخل المنزل.

كانت تجلس ثريا بين النساء فقط تصفق وهي تبتسم لـ حنان التي تبدو ملامحها مترقبة وخائفة. وضعت يدها على فخذ حنان التي رفعت نظرها لها، تبسمت. أومأت ثريا لها برأسها ثم اقتربت من أذنها وهمست بتشجيع: "حنان اطمني متأكدة الحنة مش هيحصل فيها حاجة شينة. ابتسمي في وش النسوان عيتحدتوا عليكي كأنك عتتجوزي غصب عنكِ مش آدم ده اللي رايده جلبك. اطمني متأكدة آدم راجل يستحق بعد اللي عمله عشانك."

تبسمت لها حنان، وضعت يدها فوق يدها تستمد منها شجاعة تحتاجها.

أثناء حديث ثريا مع حنان لم تنتبه لتلك المرأة التي نهضت تتمايل بغنج وسط النساء إلى أن وصلت أمامهن وانحنت بقصد وسحبت ثريا من يدها جذبتها لتنهض واقفة. نهضت ظنًا أنها ربما تريد أن تجلس جوار العروس، لكن كانت لها نوايا أخرى. حين جذبت وشاح إحدى النساء وانحنت قليلاً وقامت بربط ذلك الوشاح حول خصرها. ونظرت إلى تلك المرأة التي كانت تغني بعض الأغاني الفلكلورية وهي تدق على الطبل، بدلت تلك الأغاني بنغمة راقصة. في البداية بدأت تلك المرأة بالتمايل والرقص تجذبها معها دون إرادتها للرقص. كادت تمانع بإصرار، لكن كما يقولون "العند قد يطاح مقابله رقاب".

نظرة خطف بسببها رأت ذلك الذي كان يقف خلف تلك المشربية الفاصلة بين الغرفة وتلك الردهة. رأته بوضوح ينظر نحوها. لم تبالي وعنادًا فيه استجابت لرغبة تلك المرأة وبدأت تتمايل بخصرها تحصد إعجاب النساء يندمجون بالتصفيق لها. وهي ترفع ذيل ردائها إلى أعلى قليلاً تظهر جزء صغير من ساقيها يندمج تمايل خصرها مع رنات ذلك السوار الذهبي الموضوع فوق كاحل إحدى ساقيها.

توغل شعور الغضب لديه. فكر لوهلة واتخذ القرار وكان سيدلف إلى غرفة النساء ويسحب تلك المحتالة الوقحة من خصلات شعرها تلك التي انسدلت خلف ظهرها من أسفل ذاك الوشاح، ويعطيها درسًا بالأخلاق. لكن تمالك جأشه بصعوبة، وأرجأ درس الأخلاق لفيما بعد فلن تمر الليلة دون عقاب مناسب. بغضب رمقه بنظرة توعد. ثم جذب تلك الستائر التي كانت حول المشربية، وتوجه نحو باب المنزل، وقف أمام ذلك الحارس قائلاً بأمر: "ممنوع رجل أي رجل يدخل جوه الدار."

هو ليس متلصصًا، ولكن صدفة دخوله إلى المنزل للاطمئنان من الحرس. كذلك فضول فقط أراد رؤية تلك المحتالة المستفزة ماذا تفعل. توقف يستنشق الهواء بحنق. قبل أيام رفضت الرقص له خلوةً بينهم والآن تتباهى بالرقص على مرأى النساء دون حياء. لن يمر ذلك بسهولة لابد من "عقاب مناسب".

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...