في الجبل قبل وقت قليل كان هنالك تمشيط للمكان. لاحظ جسار تجمُّع بعض الذئاب بالقرب من أحد المغارات، فتحدث للقوة المرافقة له: "أكيد، طالما في ذيابة يبقى في مجرمين هنا في الجبل. خلونا نقرب بحذر."
بالفعل اقتربوا من تلك المغارة. إطلاق الرصاص جعل الذئاب تهرع وتهرب. بينما كانت المغارة مُعتمة، نورت على ضوء بعض الكشافات. شعر جسار ومن معه بالتقزُّز حين وقع بصرهم على جسمين لبشر، لرجل وإمرأة. جسديهما مُعلّقان على الحائط بأحبال قوية. لسبب ذلك، أكلت الذئاب أقدامهم إلى المنتصف تقريبًا. هنالك دماء تنزف من جسديهما. بحذر اقتربوا منهم يبحثون داخل المغارة، لكن كانت خاوية.
عاد جسار مرة أخرى، نظر إلى جسماني قابيل وولاء الموضوعان على الأرض بعد أن أنزلوهم. لكن سمعوا هزيان ولاء تهذي بصوت خافت يُشبه العويل. زفر جسار نفسه مُتقززًا يقول لأحد العساكر: "واضح إن الست فيها الروح لسه، خلى الإسعاف يدخل ياخد الجسمانين." *** بالمشفى باكرًا بعد الفجر
لم تذق عينيه النوم وهو ماكث مع ثريا بالغرفة. ثريا اختارت الغفيان تهربًا أو راحة لعقلها. بينما هو، رغم ألم كتفه الذي شبه لا يشعر به بسبب المُخدّر، رغم تأثير ذلك المُخدّر على جسده، لكن فشل في التأثير سواء على عقله الذي يثور بترقب لرد فعل ثريا لاحقًا، وقلبه الذي يشفق عليه من أنينه.
نهض واقفًا، توجه نحو ذاك الشباك. أزاح تلك الستارة جانبًا. نظر نحو البعيد وتلك الشمس المُختنقة خلف الظلام تحاول السطوع على استحياء. رغم أنهم بنهاية الشتاء، لكن الغيوم واضحة. يبدو أن اليوم سيكون به عواصف. وها هي بشرت بضربة رعدية واختفت الشمس خلف الضباب، وضياء الرعد يسرج. الضباب... هل يعود لحياته؟
بنفس الوقت سمع صوتًا كأنه همس من ثريا. ترك الستارة ونظر نحوها. كانت غافية. سمع همس مرة أخرى لم يستطع تفسيره. اقترب من الفراش. عادت تهمس فسر جملة واحدة: "أبوي أنا إتوحشتك. إنت جاي تاخدني معاك زي ما وعدتني آخر مرة."
غص قلب سراج. ثريا سمعت كل حديثه مع ذلك المجرم الاستفزازي. يعلم أنه وقع بفخ استفزازه غصبًا بسبب تماديه في إرهاب ثريا وهو يحاوطها بجسده. ربما انشغاله في خوف عين ثريا جعله لا يفكر في ردوده على ذلك المجرم. كذلك اقترابه منها لهذه الدرجة كان يشعل غضبًا جم في عقله وقلبه. لم يفكر فيما سيحدث بعد ذلك. كان لديه اختيار واحد وهو مراوغة ذلك الوضيع. حقًا أخطأ ما كان عليه زيادة الحديث والترهات معه، لكن كان يحاول مراوغته. كي يعترف أمام ثريا أنه خسيس كاذب ولم ينالها كما تعتقد. كان أسلوبًا خاطئًا أُجبر عليه. الآن ينتظر أن تعود ثريا للوعي، وقرار غير معلوم.
نظر إلى ذلك الضماد الملفوف فوق جبين ثريا، بسبب جرح برأسها بعد أن اصطدمت رأسها بأحد الصخور قبل يلتقطها بين يديه. نظر نحو معصم يديها. رأى ذلك السوار الذهبي. تذكر يوم أن وضعه بيدها تلك الليلة وهما بالفيوم. أبعدها عن صدره وجلس فوق الفراش. فتح أحد الأدراج بطاولة جوار الفراش وجذب تلك العلبة المخملية. فتحها.
اعتدلت ثريا هي الأخرى وجلست جواره. جذبها مرة أخرى لصدره، ثم جذب يدها وحاول إدخال ذلك السوار بيدها، لكن كان شبه ضيق. حاول بقوة لكن تألمت ثريا قائلة: "إيه ده يا سراج." أجابها ببساطة: "إنسيال عجني واشتريته ليكِ." ابتسمت قائلة: "بس ده واضح جدًا إنه هيبقى ضيق على إيدي." حاول سراج إدخاله بالقوة. بالفعل دخل لبداية معصم ثريا. تبسمت قائلة: "هو ده إنسيال ولا كلبش؟ ده دخل بالعافية. هقلعه أنا إزاي دلوقتي."
نظر لها سراج بأمر قائلًا: "ممنوع تقلعيه من إيدك يا ثريا." ضيقت عينيها باستفسار وتغنجت بدلال قائلة: "أوامر سراج باشا العوامري دي ما تمشيش عليا، وليه ممنوع أقلعه." قبل يدها قائلًا بغزل: "ده أمر مش من سراج باشا يا حبيبتي، ده أمر من عاشق. كمان عشان هدية مني ليكِ، وعاوزك دايمًا تفتكريني بها كل ما تبصي في إيدك." ضحكت قائلة: "طب ما دبلتك أهي في صباعي بتفكرني بـ...
صمتت قبل أن تتفوه وتكمل أنها كانت لا تضعها في إصبعها في بداية زواجهم، كأنها لم تكن تشعر بأن ذلك الزواج مجرد وقت ولن يستمر كثيرًا. لكن مع الوقت انجرفت بمشاعر وتعلق قلبها رغمًا عنها بسراج رغم معاملته الفجة معها في بداية زواجهم حتى قبل ليلة إصابتها بالعُرس. تبدلت مشاعرها تدريجيًا بين التمرد والاستسلام لتلك المشاعر التي غصبًا توغلت لقلبها. قلبها التي ظنت أنه أصبح صلبًا يابسًا، لكن كانت قشرة هشة سرعان ما تجرفت وظهر أنها مازالت خصبة وقطرات الندى قادرة على أن تروي ظمأ جوفها.
تبسمت له بعين لامعة سائلة بمرح: "طب والفصوص اللي مرصعة في الآنسيال دي بقى ماس ولا زمرد." ضحك قائلًا: "لا ده ولا ده، ده إزاز." مطت شفتيها بغنج وهي تبتعد عنه قليلاً قائلة بعتاب: "قيمتي إزاز."
ضحك وهو يجذبها يضمها بقوة يحاول تكبيل جسدها بسبب حركتها القوية، حتى أنها تمددت فوق الفراش وهو فوقها مازال يضحك، وهي تتذمر وتدفعه بيديها. لكن استطاع السيطرة عليها بسهولة بعد أن قبلها. في البداية تمنعت لكن تجاوبت مع لهفة قُبلاته. ترك شفتيها ليتنفسا. نظر لوجهها وهي تسحب الهواء لصدرها الذي ينتفض. وضع إبهامه فوق ذقنها قائلًا: "قيمتك أعلى وأغلى من حياتي يا ثريا."
بتلك اللحظة استشعرت صدق مشاعره. لكن بداخلها ما زال هناك استفهام تود العثور على جواب له: "سراج، إنت كنت عارف إن غيث عايش وإنه طلقني، يبقى ليه كنت بتطاردني عشان الأرض مع إن في معلومة إنت متعرفهاش إن طالما المفروض إن غيث توفى وأنا في شهور العدة يبقى أورث. يعني ما كنتش هتقدر تاخد الأرض."
بسمة استهزاء زينت شفتاه. يعلم قانونية حديثها، لكن لا يفرق معه. رغم غصة قلبه وهو لا يريد أن يجيبها بالحقيقة أنه كان يفعل ذلك لشكه أن غيث من يساندها بالتحدي والتمسك بتلك الأرض وأنها قد تكون مساعدة له. لو أخبرها بذلك هل ستتتفهم أنه فقط يؤدي مهمته الذي جاء بسببها لهنا. لم يكن العشق في حساباته، وبالأخص لها هي، ليس لأنها كانت متزوجة قبله، لكن لأنها كانت زوجة غريمه المجرم، وتزوجها خصيصًا كي يقهر قلبه وينتفض ويجبره أن يعود
للظهور مرة أخرى، ويكشف خداعه. هي حقًا كانت الطُعم، لكن تبدل ذلك وأصبحت هي المالكة لقلبه الذي لم يشعر بالحياة سوا جوارها. ليس بفراش يجمعهما، بل بمأوى يضمه كالوطن. من هناك هاجر لشعوره بأن البلدة والمنزل ليسا سوى جدران فقط يستطيع استبدالها بالبراح والعيش بين البراري والصحاري يسعى خلف الأوغاد. لكن برحلة البحث عن وغد قابلت لك الثريا. لا يعلم إن كانت ثريا كنجمة مشعة في السماء، أم ثرى...
مثل أرض الوطن للمتغرب. بذلك الوقت القليل اكتشف أنها الاثنين معًا. نجمة اخترقت عاصفة السرج، وثري يبتلع غضب السرج.
نفض كل تلك المنغصات عن رأسه حين تذمرت ثريا يدها من قبضة يده القوية، بسبب ضغطه عليها بقوة. خفف قبضة يده التي انقبضت غصبًا دون دراية منه بسبب ذلك الشعور المتألم بقلبه. نظر نحو ذلك السوار. ذلك السوار هو ما جعله يعلم مكان ثريا سريعًا وتتبع إشارة جهاز التعقب الموضوع بأحد تلك القطع الزجاجية. استطاع معرفة مكانها قبل أن يؤذيها ويتمكن غيث من إرهابها، والسيطرة عليها وبث الفزع داخلها. كان على يقين أن ثريا لم ينتهي رهابها من ذلك
الوغد. ربما قل، لكن ما زال هناك هاجس الخوف منه بداخل قلبها. كان على يقين أن ثريا تحتاج إلى بث الثقة بداخلها قبل مواجهة غيث. وهذا ما فعله برحلة الفيوم. كانت أيام، لكن كان يعزز الثقة بداخلها، والقوة أنه لن يسمح بأذيتها. وهذا ما فعله. لم يسمح بذلك، لكن ذلك الوغد واستفزازه له أمامها، بالتأكيد سيكون له رد فعل من ثريا.
بخضم ذلك صدح رنين هاتفه. ترك يد ثريا ونهض يفتح هاتفه ليسمع: "صباح الخير، بعتذر أنا عارف وضعك كويس و... قاطعه سراج قائلاً: "خير يا جسار، أكيد متصل عليا عشان حاجة مهمة." أجابه جسار: "بعتذر، فعلاً حاجة مهمة. الموبايل بتاع غيث إحنا فتحناها وقدرنا نوصل للمعلومات وتسجيل المكالمات والرسايل الخاصة بيه. في مفاجأة لازم تحضر هنا بنفسك، مش هينفع التفاصيل على الموبايل." نظر سراج نحو ثريا التي ما زالت غافية وتنهد قائلاً:
"تمام، ساعة ونص وأكون عندك في المبنى." أغلق سراج الهاتف. نظر نحو ثريا وفكر لثواني. ثريا قد تستعيد وعيها بأي وقت ولابد من وجوده جوارها. أو ربما من الأفضل أن يبتعد قليلاً. لكن لن يتركها وحدها. فتح هاتفه وقام باتصال هاتفي. يعلم أن الوقت ما زال باكرًا. رغم ذلك لم يغيب الآخر في الرد حين سأل مباشرة: "سراج بتتصل عليا بدري كده ليه، ثريا بخير؟ تنهد سراج بأسف قائلاً: "اطمن ثريا بخير يا ممدوح، بس كنت عاوزك تجيلي حالًا...
قاطعه ممدوح: "قول الحقيقة يا سراج، ثريا مش بخير... قاطعه سراج: "أنا مع ثريا في المستشفى وصدقني هي بخير، جرح بسيط. مش عاوزك تقلق والدتك." سأله ممدوح بلهفة: "قولي اسم المستشفى إيه."
أجابه سراج باسم المشفى، وأغلق الهاتف. ما زالت عيناه تتأمل ثريا. تنهد بإرهاق وهو يفرك جبينه. ذهب نحو الشباك ينظر للخارج. هدأ الرعد بعدما تساقطت زخات من المطر الغزيرة والسماء شبه انزاح الضباب وعادت الشمس تجاهد لشُق الظلام. صفى قلبه بأمل وتبسم وجلس على أريكة بالغرفة. اضطجع بظهره يسند رأسه على مسند المقعد. غصبًا أغمض عينيه. لم يشعر إلا حين صدح رنين هاتفه. فتح عينيه بفزع واعتدل جالسًا ينظر للهاتف الذي كان بيده. تنهد وهو
يحاول نفض النوم عن عينيه وقام بالرد على ممدوح الذي أخبره أنه وصل إلى المشفى ولا يعلم رقم الغرفة. أعطاه رقم الغرفة وأغلق الهاتف. وقف يتمطى بإحدى يديه ينفض ذلك النعاس الذي لا يعلم متى سيطر عليه. توجه نحو ثريا ينظر لها فقط كأنه يشبع عينيه منها. أزاح بصره عنها حين سمع صوت طرق على باب الغرفة. نظر نحو الباب. وقبل أن يسمح بالدخول دخل ممدوح متلهفًا
بقلق: "ثريا فيها إيه يا سراج." نظر نحو الفراش قائلاً: "ثريا بخير يا ممدوح، إصابات مش خطيرة، ومش هقدر أتكلم معاك كتير. أنا اتصلت عليك عشان تيجي تقعد مع ثريا لأن لازم أخرج حالًا." نظر ممدوح نحو الفراش لثريا. رغم أنها غافية، لكن ملامح وجهها صافية. لكن خفق قلبه بقلق حين رأى الضماد حول رأسها. في البداية لم يلاحظ إصابة كتف سراج إلا حين عاد ينظر له ليسأله، فسأله باستفسار:
"إيه اللي حصل يا سراج، إيه اللي جرى لثريا وانت كمان رابط إيدك على صدرك." رد سراج: "بعدين هقولك يا ممدوح، أنا لازم أمشي دلوقتي... أمسكه ممدوح من يده قبل أن يغادر سائلًا: "رايح فين، قولي إيه اللي حصل." تنهد سراج بصبر قائلاً: "قولتلك بعدين، لازم أمشي دلوقتي. وما كنتش عاوز أسيب ثريا لوحدها." حاول ممدوح الاستفهام، لكن أصر سراج على المغادرة. ذهب ممدوح وجلس جوار ثريا على طرف الفراش وتنهد بأسى قائلاً:
"يا ترى إيه اللي حصلكم يا ثريا." فتحت ثريا عينيها وتدمعت من الألم الذي تسبب في استيقاظها قبل دقائق قليلة. وقبل أن تئن من الألم سمعت سراج يتحدث على الهاتف. خمنت أن الحديث بالتأكيد خاص بما حدث. تألمت حين سمعته يخبر الآخر أنه سيذهب له... سيتركها وهو يعتقد أنها غافية. لكن تهكمت بسخرية حين هاتف ممدوح. عقلها يسخر من قلبها الذي ظن أنه وجد السند والسعادة أخيرًا. لكن ما سمعته من ترهات في الجبل يعيده عقلها. ترهات... أم حقائق؟
تُبارى بها الاثنين كأنها مثل الدمية الذي يتنازع عليها اثنين. وباحتدام الصراع بينهم حطماها. يطن برأسها جملة قالها سراج بزهو أنه الأذكى: "عصام كان الراجل بتاعك بس للأسف كان وضيع وخاين وبيلعب على الجانبين. وأكيد وصلك لما خطفت ثريا. في نفس اليوم اللي إنت كنت مرتب تخطفها فيه دايمًا كنت بسبقك، كنت دايمًا سابقك وخطفتها أنا. كنت متأكد إن عطشك لثريا هو اللي هيجبرك تظهر من تاني." ورد من غيث لم يكن ذو تأثير عليها:
"عصام خاين فعلاً بس كمان قالي إنك أمرته تغتصب ثريا... تفتكر كان ممكن يقدر يلمسها وهو عارف إني كنت هقطع إيده. ثريا ملكي... وإنها تخصني و...... قاطعه سراج بغضب: "فوق بلاش أوهام. إنت اتأكدت إن الفيديوهات اللي كنت بتشوفها من أوضة النوم كلها متفبركة. بس غبائك في البداية خلاك تفكر إني مغفل. إنت دلوقتي خاطف مراتي ودي كمان قضية زيادة على جرائمك. ناقص تقول لي مين اللي غدر بيك وسبب لك العجز يا 'مارون' أو الثعلب الغبي...
اللي فكر إن النشر مش شايفه وراصد تحركاته. بس بعترف إني ما توقعتش إن الإجرام يوصل بيك إنك عاوز تبيد عيلة العوامري كلها. للدرجة دي الحقد متوغل من قلبك." بتلك اللحظة استفز غيث سراج حين وضع يده فوق مكان تلك العلامة بفخذ ثريا. يزمجر بغضب، لكن أنفاسه القريبة من ثريا مثل شرارات ساخنة تحرق عنقها. لمسة يده على فخذها جعلت جسدها يرتعش غصبًا. زاد ذلك من زهو غيث وهو يتمادى بوقاحة يضغط فوق مكان العلامة قائلاً باستفزاز:
"بترتعشي، خاينة عاهرة." كلمتان لو طلقان من الرصاص اخترقوا رأسها. ما كانت شعرت بذلك الألم. زادت خفقات قلبها. أثار ذلك غرور وتباهي غيث الذي تباهى ببعض الأفعال الذي كان يفعلها بكذب أن ثريا كانت تتجاوب معه وتحدث عن تلك الليلة وهو يتعمد أن تخترق أنفاسه فوق وجنة ثريا. هنا هطلت دموعها تهز رأسها بنفي: "فاكرة يا حبيبتي آخر ليلة لينا مع بعض كنتِ فرسة جامحة و...
بعض الكلمات البذيئة جعلتها تشعر بغثيان وتقزز. نفس الكلمات البذيئة والدنيئة تسمعها منه. ليته يضغط على زناد ذلك السلاح ويخلصها من كل ذلك الشعور المهين.
غاظ ذلك سراج وغضب وكاد يقترب وهو يشعر بالندم أنه تركها لتقع بفخ ذلك الوغد. كم كان هذا سيئًا وهو يرى اقتراب ثريا من الانهيار بيد غيث. سمعت صوت فتح غيث لصمام الأمان وإغلاقه وإعادة فتحه مرة أخرى. أغمضت عينيها مستسلمة لنهاية قد تكون الأفضل لراحة قلبها. لكن عادت تفتح عينيها حين سمعت دوي رصاصة ولم تشعر بألم. ما زال غيث يكبل جسدها. نظرت نحو سراج. ارتجف قلبها حين رأت دماء بالقرب من صدره. فزع قلبها ونسيت ما أباح به غيث من
سفالة. لكن جسدها أصبح هلامًا. استغل ذلك غيث وزاد في تكبيلها. لكن نظرة عين سراج المتألمة، وموقف سابق حدث لها مع حفظي كان بنفس المنظر باختلاف حفظي لم يكن مثل ذلك المجرم متشبت بها. لكن فهمت نظرته وبكلمة منه أخفضت رأسها. بلحظة وكأنها مشهد بالعرض البطيء وغيث يخفف تكبيله لها ويتردى. لم تراها فقد عقلها الإدراك مع شعور بارتطام رأسها. بعد ذلك غابت عن الوعي نهائيًا. لم تشعر إلا الآن حين بدأ مفعول المخدر أن ينتهي. خشيت أن تظهر
ذلك ليست راغبة في أن تتحدث معه. تحملت حتى مغادرة سراج. فتحت عينيها. بنفس الوقت كان هناك طرق على باب الغرفة. سمح ممدوح بالدخول.
دخلت ممرضة قائلة: "صباح الخير... آسفة اتأخرت عن ميعاد العلاج كنت في أوضة العمليات." أومأ لها ممدوح. أعطت لثريا العلاج الذي أهدأ ألم جسدها. لكن لم تهدأ ثورة قلبها وعقلها. *** بمشفى آخر صباحًا
نظر مجدي لآدم الذي شعر بغضب جم من ما علمه من أفعال حفظي المشينة. تمنى ألا يموت حفظي لسبب واحد، أن يعطيه حفنة من اللكمات. لا ليس لكمات، بل تمزيق جسده على ما اقترفه وبسببه كاد يفقد "حنان". حنان هي الأهم من ذلك الجنين. غضب لو تركه يتحكم به لنهض وذهب إلى تلك الغرفة الذي يمكث بها حفظي، بعدما شبه انتهت حياته. فلو نجا، وما زال له عمراً سيقضيه راقداً بالفراش بلا حركة وربما بلا وعي أيضًا.
نهض آدم بقلق حين سمع بعض همهمات حنان. اقترب من الفراش يشعر بأسى من آثار أصابع ما زالت متبقية على وجنة حنان. حنان التي بدأت تعود للوعي وعقلها يسترجع ما حدث مع حفظي وآلم بطنها. للحظات ارتجف قلبها وهي تخشى على ما برحمها. وضعت يدها على بطنها تتحسسها بترقب وخيفة. لكن تنهدت براحة حين شعرت بسُمك انتفاخها. بنفس الوقت شعرت بيد توضع فوق يدها على بطنها. يد تعلم ملمسها جيدًا. فتحت عينيها حين سمعت همسه الحنون:
"حمد الله على سلامتك يا حنان." أتبع قوله ولم يبالي لا بوجود مجدي ولا سناء بالغرفة. وضع قبلة اطمئنان على جبين حنان. التي فتحت عينيها وسرعان ما تلاقت عيناهما. نظرة عين آدم الحنونة وهمسه وهو يخبرها: "ابننا بخير يا حنان."
ابتسمت ولمعت بعينها دمعة خرجت من بين أهدابها. جففها آدم بأنامله، وعاد يقبل رأسها. لكن استقام حين سمع صوت نحنة مجدي، الذي نظر لسناء التي تدمعت عينيها هي الأخرى. بينما زاد تقدير مجدي لذلك النبيل الآدمي. توجه مجدي وسناء نحو الفراش. ابتسمت سناء بحنان قائلة: "حمد الله على سلامتك." أجابتها حنان: "الله يسلمك يا ماما." بينما نظر مجدي لها بحنان في قلبه آسفًا وسؤال ماذا لو تأخر وفقد...
نفض ذلك عن تفكيره حين شعر بيد حنان تجذب يده توجهها نحو فمها وقبلتها باحترام ومودة وامتنان قائلة: "ربنا يخليك لينا يا أبوي."
دمعة عين تلألأت بين مقلتيه واقترب يقبل جبينها بحنان أبوي. ثم جلس جوارها على طرف الفراش يبتسم لها بداخله يشعر بندم يومًا فكر بذاك الوغد حفظي الذي كان ينوي تزويجها له لولا أن حسبها بمبدأ المكسب وأعطاها لآدم العوامري طمعًا بقوة وسيط عائلة العوامري أن يعززا قوته. لكن ذلك لا قيمة له الآن. فقط يود سعادة ابنته الذي كاد يفقدها. فبماذا كان سينفعه ذلك. كان اختبارًا كي يعلم أن القوة والسلطة ليسا كل ما يعطي شعور بالقيمة العالية. قبلة حنان على يده قبل لحظات كانت أعلى وأغلى قيمة اكتسبها بصدق المشاعر.
*** بمبنى خاص تابع لقيادة الجيش
بأحد الغرف تابع سراج مع جسار وشخص آخر متخصص يقوم بتفريغ المعلومات والاتصالات التي كانت على هاتف غيث النقال عبر شاشة حاسوب. تفاجأ سراج بأول معلومة، أن ذاك الرقم الهاتفي مسجل باسم ممدوح. فكر عقله لماذا فعل غيث ذلك. بالتأكيد ممدوح لم يكن يعلم بذلك، وذلك كان سببًا لعدم استطاعة مراقبة ذلك الرقم. كم كان وغدًا بلا أخلاق. كذلك سجل الهاتف كان مفاجئًا لسراج. بداية من أصحاب تلك الأرقام التي كان يتواصل معها. أولهم...
عمته ولاء. أيُعقل أن تكون على دراية بأنه ما زال حي؟ وصولًا إلى أكبر مفاجأة. نظر جسار إلى سراج. الاثنين مندهشان بل مذهولان. تفوه جسار: "معقول سيادة اللواء هو... أكمل سراج: "هو الراس الكبيرة اللي كان بيدعم المجرمين. عشان كده طول السنين اللي فاتت الجبل كان محمي من الحكومة نفسها. كده المهمة خلصت بنجاح." أومأ جسار قائلاً: "لو مش المجوهرجي عنده ضمير، يمكن كنا ما قدرناش نوصل لهدفنا." أومأ سراج قائلاً:
"فعلاً، بس كمان فيه وجه تاني للحقيقة. المجوهرجي يعتبر اشترى نفسه بمساعدته لينا من البداية." تذكر سراج قبل عدة أشهر بالقيادة العامة للجيش بالقاهرة. نهض القائد العام قائلاً: "مهمتك الجاية يا سراج هتبقى في بلدك قنا. فيه إثنين دلوقتي هيدخلوا." لحظات فعلاً ودخل جسار ومعه شخص آخر. تعرف سراج على جسار من لقاء سابق، لكن الآخر لم يتعرف عليه. أشار القائد لهم قائلاً: "خلونا نقعد هناك عشان كل واحد يعرف مهمته إيه."
بالفعل جلسوا الأربعة. في البداية تحدث القائد معرفًا: "سراج هو قائد المهمة. جسار هيبقى المساعد له وإنت يا 'ريمون' راجلنا من سنين هناك." أومأ له قائلاً: "يشرفني يا أفندم." نظر القائد نحو سراج وألقى صورة. قائلاً: "تعرف مين صاحب الصورة دي." تأمل سراج الصورة ثم قال ببساطة: "أيوه، أعرف صاحب الصورة دي يبقى 'غيث العوامري'. في مقام ابن عمي. بس ده توفى من فترة يقرب على سنتين." تبسم القائد قائلاً: "غيث العوامري عايش."
انشد وجه سراج. تبسم القائد قائلاً:
"ده له حكاية وأكيد له هدف في دماغ غيث. الأول خليني أعرفك على ريمون. كان بيشتغل في محل جواهرجي معروف في قنا. كان عامل تصليح لحد ما في يوم دخل عليه 'غيث العوامري' وفكر إنه سيطر عليه وغواها بالجاه قصاد إنه يساعده. ريمون قبلها بفترة كان في الجيش بيأدي حق الوطن وكان قريب من أحد الضباط اللي استشهد على يد جماعة تكفيرية. المهم النفس البشرية بطبعها مزروع فيها الطمع. لكن ريمون فكر إن ممكن نهاية الطمع ينكشف. غيث بشغله مع
المجرمين في البحث عن الآثار وبيعها. لقى كتلة دهب كبيرة في الجبل. طبعًا، ده دهب خام مش هيعرف يصرفه زي الآثار. كمان الطمع. طبعًا دور في الصاغة هناك. ريمون كان له سيط كويس إنه صنايعي شاطر راح له وبدأ يتعرف عليه ويتصاحب معاه وقرب منه لهدف. مع الوقت وثق بـ ريمون وطبعًا خده لمخزن وفرجه على كتلة الدهب وبدأ يطمع فيه. إنه هياخد نسبة كبيرة قصاد تحويل كتلة الدهب دي لمصوغات سهل بيعها بشكل قانوني. ريمون قال في البداية أنه كان
هينجرف فعلاً معاه، بس فكر إن ممكن ينكشف غيث وهو وقتها اللي هيضيع. جه لمبنى المخابرات وطلب يقابل شخص مسؤول واقابلته وحكى له على اللي غيث طلبه منه. المخابرات حولت القصة للجيش يبقى مسؤول عنها. الدهب من حق البلد. كان سهل نقبض على غيث بالجُرم المشهود. لكن كان هدفنا أكبر من كده أكيد مش غيث لوحده هو العضو الفاسد اللي هناك. رصدنا أكتر من محاولة تهريب آثار. كمان قطاع الطرق اللي واخدين من الجبل مأوى لهم. لازم ننضف الجبل هناك.
كمان لازم نعرف مين الشبكة اللي بتدير العمليات دي هناك."
أومأ سراج قائلاً: "طب وليه غيث عاوز يبان إنه ميت، وإشمعنى راح لـ ريمون بالذات." نظر القائد نحو ريمون الذي تحدث بتفسير:
"أولًا غيث عنده ثقة كبيرة فيا لما ساعدته في تشكيل الدهب. عرف إني مش طماع لأني ما جادلتش معاه في النسبة اللي عطاها لي، واللي كانت كبيرة فعلاً. كمان فاكر إني حافظت على سر الدهب، قصاد إني بقيت من عامل بيصلح الدهب لجوهرجي عنده محل جواهرجي خاص بيه. وفكر أكيد هيحتاجني بعد كده. المقابر اللي بينهشوها بيبقى فيها سبايك دهب وأحيانًا كمان دهب خام. وكمان ممكن الدهب يصهره لأشكال تانية غير اللي لقاها في المقابر لتسهيل بيعه يعني.
فضل على علاقة بيا لفترة، وبعدها عرفت إنه اتقتل. نسيته لحد فترة قريبة اتفاجئت بيه زارني في محل الدهب كان متنكر في شكل راجل أجنبي، حتى اسمه. في البداية فكرته سايح واتعاملت معاه. واشترى إنسيال دهب فرعوني الشكل وأنه مهتم بالحضارة الفرعونية. لكن بالليل قبل ما أقفل المحل اتفاجئت به جالي مرة تانية بصراحة شكيت فيه وقولت أنه شخص أكيد نصاب لغته الأجنبية كانت شبه ضعيفة. بس فجأة لقيه قلع النضارة اللي كانت على عينه والشنب والدقن،
كمان العدسات اللاصقة اللي كانت في عينه. عرفته بسهولة بصراحة قلبي كان هيوقف. وهو ضحك على منظري وناولني الماية شربت وسألته بخوف إزاي هو لسه عايش؟
جاوبني...
إن عمر الشقى بقى. ولما سألته ليه هو عاوز يبان إنه ميت، قالي إنه له تكتيك في دماغي. طلب مساعدتي. كان معاه سبايك دهب ومحتاج سيولة مادية وإنه يعرف تاجر آثار يوناني وعلى تواصل معاه وعرض يشتري الدهب ده بس يكون مصنوع على أشكال فرعونية. خوفت منه بصراحة. رجعت لهنا تاني وقابلت سيادة القائد وعرفته باللي قاله ليا غيث. طلب مني أتعاون معاه وكملت معاه، صنعت له الدهب وعرفت بعد كده أنه فعلاً باعه للتاجر اليوناني اللي طلع له باسبور بإسم جديد وجنسية يونانية وكمان غير ديانته على الأقل في الأوراق الخاصة بيه."
تهكم كل من جسار وسراج الذي قال: "واللي زي ده يفرق معاه ديانة ولا وطن." تنهد سراج قائلاً: "تمام أنا كده عرفت أبعاد مهمتي، بس إزاي هنرغم غيث إنه يظهر، أو نعرف عن طريقه بقية الشبكة اللي هناك." أجابه ريمون: "غيث كان متجوز." أومأ سراج قائلاً: "أيوه أعرف كده، بس ده دخله إيه." أجابه ريمون:
"غيث مجنون ومفتون بالست اللي كان متجوزها. لمح لي أنه هيقرب منها. كمان في حاجة حصلت قبل كده كان في مبالغ مالية كبيرة هو كان بياخدها وما كانش يقدر يدخلها البنوك ومتأكد إن المبالغ دي ممكن يكون حطها باسم مراته. سهل تعرفوا من سجلات البنوك... أو ممكن يكون شاري عقارات باسمها. فلازم يرجع لها عشان يقدر يسترد الأموال دي. كمان فيه عرج في رجل غيث ولما سألته قال لي دي حالة مؤقتة."
فهم سراج وفكر. إذن لابد لإخراج الثعلب من جحره، والطُعم هو تلك المرأة. [عودة] عاد سراج من شروده حين سمع صوت هاتفه. أخرجه من جيبه ونظر له، ثم نظر إلى جسار قائلاً: "ده القائد العام." تجنب سراج قام بالرد عليه وإخباره بكل المعلومات كذاك عن فساد ذلك اللواء. أغلق الهاتف واقترب من جسار قائلاً: "في هليكوبتر هتوصل كمان ساعة ونص بالكتير لازم تجهز عشان أنت المفوض بالقبض على سيادة... " توقف. فبماذا ينعت ذلك الخائن؟ هو عضو فاسد.
وأكمل: "على عادل." أومأ جسار قائلاً: "تمام، في حاجة كمان إحنا عملنا مداهمة عالشقة اللي كان عايش فيها غيث وحرزنا اللابتوب الخاص بيه وده كمان كان عليه معلومات." أومأ له سراج قائلاً: "تمام هتابع أنا هنا بقية الإجراءات وانت روح نفذ مهمتك في القاهرة." ابتسم جسار قائلاً: "تمام هروح أقبض على الباشا الكبير، وأرجع لهنا تاني. واضح إن هنا قدرنا." بسمة طفيفة على شفاه سراج يومئ له بفهمه. هنا حقًا القدر ارتسم. *** بالمشفى مساءً
أظلمت السماء. كان معها بالغرفة ممدوح إلى أن دخل الطبيب يفحص جرح كتفها. تبسم قائلاً: "الإصابة سطحية، المدام ممكن تكمل علاجها خارج المستشفى، وطالما أعطت أقوالها للنيابة تقدر تخرج، بس تهتم بصحتها وبلاش إجهاد." أومأ له ممدوح موافقًا. وخرج مع الطبيب. بعد قليل عاد للغرفة. كانت ثريا بدلت ثيابها بأخرى. تبسم لها قائلاً: "أنا اتكلمت مع سراج عالموبايل وقولت له على اللي قاله الدكتور، وقالي هو قدامه ساعة بالكتير ويرجع هنا...
قاطعته ثريا التي تشعر بألم نفسي وتهكمت باستهزاء: "مش هقدر أتحمل أفضل هنا، خدني على دارنا." ضيق ممدوح عينيه قائلاً: "دارنا." أجابته ببساطة: "أيوه دارنا، مالك مستغرب كده ليه؟ ومن فضلك أنا مش متحملة أسئلة، كفاية. لو مش عاوزني أروح دارنا، أروح دار خالتك." نظر لها بأسف قائلاً: "دي دارنا إحنا الاتنين يا ثريا، أنا بس مستغرب إنتِ بتردي بالعافية. قولي لي إيه اللي حصل، سراج كمان مصاب." ردت بغضب:
"قولت لك مش قادرة أتكلم، لو سمحت." امتثل ممدوح وغادر معها إلى منزل والدتهم. *** بـ القاهرة ڤيلا عادل
علم أنها النهاية وهو يتذكر لقاءه قبل يوم واحد مع ذلك الخائن الذي بالتأكيد هو من وشى به. قابل غيث بأحد الأماكن المنعزلة. أعطى له تفويضًا أنه سيصبح هو الكبير هنا في مقابل أن يتخلص من تلك الحمقاء التي كثرت أخطائها وجعلت من ذلك الثعلب أن يعرف هويته. كان لابد من إغراء له كي يصبح تحت سيطرته التامة. لكن قبل ذلك عليه أن يقدم عربون الولاء له وهو التخلص من ولاء. وهذا ما أخبره به قبل ساعات أنه تم بالفعل. بذلك الوقت
دخل عليه مساعده يقول: "في ضابط من الجيش معاه قوة، القوة استنت بره ودخل هو لوحده... منتظر قدام باب الأوضة." أومأ له عادل برأسه أن يتركه يدخل. بنفس الوقت فتح أحد أدراج مكتبه وجذب ذلك السلاح وقام بفتح الخزنة الخاصة به وتأكد بوجود الرصاصات. فتح صمام الأمان. بمجرد أن دلف جسار، تفاجأ بـ عادل يضع السلاح بجانب رأسه. قبل أن يتفوه، كانت طلقة تنطلق برأس عادل. ذهل جسار من فعله، لكن سرعان ما تذكر أنه خائن، فهل يصعب عليه الانتحار.
*** بعد مرور يومين بمكتب القائد العام بـ قنا. كان هناك مديح كبير لـ سراج. الذي لا يشعر بأي زهو بذلك، فقط مهمة انتهت بنجاح ظاهريًا. لكن جوهريًا قلبه يئن. يومين لم يتفاجأ بذهاب ثريا إلى منزل والدتها. حتى حين ذهب لها كانت غافية. وبعد ذلك وكلما هاتفها كان ردها باقتضاب، كأنها لا تود الحديث معه. لكن هو لن يستسلم.
بعد قليل صافح القائد وهو يشعر ببعض الخزي. بالنهاية ثلاثة من عائلته أثبت تورطهم بأعمال مشبوهة. منهم من رحل كالجرذان، وأخرى بالمشفى ما زالت تنازع. ربت القائد على كتفه بفخر: "كنت خير جندي يا سراج. أديت مهمتك بنجاح. العسكرية المصرية دايمًا بتفتخر بأمثالك... انتظر الترقية... إنت وجسار." أومأ له مبتسمًا هو وجسار، لكن بداخله تناقض وقرار يتوقف على كلمة من ثريا. إما أن يرحل من هنا، أو البقاء والاستغناء عن الكنية العسكرية. ***
بالمشفى وقف سراج مع ذلك الطبيب ومعهم إسماعيل الذي فهم من حديث الطبيب، أن ولاء شبه ماتت إكلينكيًا، بعدما قال: "المريضة مفيش أي استجابة، وقت ما جت للمستشفى كان تقريبًا المخ فصل بسبب نقص الأوكسجين. دلوقتي القرار لزوج الحاجة، إننا نشيل المجسات والأوكسجين عنها."
أومأ له إسماعيل متفهمًا. بينما غادر الطبيب، بقى سراج وإسماعيل، اللذان دخلا إلى تلك الغرفة. ينظران إلى تلك الراقدة. بداخلهما لا مشاعر نحوها. فهي لم تكن لهما سوى جاحدة. تذكر إسماعيل أنها يومًا كانت جبروتًا يسير على الأرض. الآن مجرد نفس يتحرك وليس نفسها، بل نفس صناعي. لو أغلقوه لماتت في الحال. بينما سراج تذكر صفعتها له، وما أخبرته به خالة ثريا عن ما فعلته بها وجعلتها تعاني إلى الآن. لكن شفق عليها. شيطانها أوصلها إلى هلاكها المحتوم.
*** بـ دار والدة ثريا
كانت شبه جالسة على الفراش. عقلها يعقد مقارنة وتقييم لما وصلت له. تذكرت فترة خطوبتها من غيث. كم كان مخادعًا بجدارة. لا، لم يكن ذلك يا ثريا. كان واضحًا أنه كاذب وغشاش. نظرة عيناه التي كانت تشعرك بالتقزز كأنها تخترق ثيابك وتعري جسدك. لكن عطش قلبك كان يرسم غشاوة على عينيك وعقلك. قلبك لم يشعر به يومًا. كان زواج العقل. هذا ما كنتِ دائمًا تبغين "سند داعم". لكن غيث كان "ظلًا واهيًا" كطوفان ثائر وساحق خلف دمارًا بقلبك.
وآه تخرج من قلبها الموجوع بالعشق لـ سراج. سراج الذي لم يتجمل أمامك كان من البداية واضحًا. كان كغضب الطبيعة الثائر يهدأ مع الوقت. وهذا ما حدث. لم يتلاعب بالغرام بل كان يتوعد ويتمرد بأحاسيس تسربت وترسبت. ودلائل واضحة. كان هنالك ذنب بعقلها. أغمضت عينيها بحسرة. إلى الآن غير مدركة سوى أنها كانت طُعم لنزاع أعاد قلبها يئن من خيبة الأمل. *** بخارج الغرفة فتحت نجية باب المنزل وتبسمت لـ سراج ترحب به. دلف يرسم بسمة سائلًا:
"ثريا فين." أجابته ببسمة: "ثريا في أوضة النوم صاحية لسه، يا دوب بالعافية غصبت عليها تاكل. ادخل لها وأنا هعمل شاي." أومأ له موافقًا. ذهب نحو تلك الغرفة التي أشارت له عليها. دخل. كانت ثريا جالسة تضجع على الوسائد، تغمض عينيها. تنحنح. فتحت ثريا عينيها ونظرت نحوه، وهو يدخل إلى الغرفة ينظر إلى ملامحها بشوق. كذالك هي خفق قلبها بألم حين رأت يرفع يده بحامل طبي مثلها. نظرات العيون كانت تتحدث. بندم وعتاب. ندم سراج...
على ما تفوه به. ما كان عليه الوقوع بذلك الاستفزاز. عتاب ثريا وسؤال. لماذا؟ والجواب من سراج: "لم أكن أظن أنني سأقع بغرامك يومًا." والعذاب يصنع من دموعها سيلًا. توجه نحوها يشعر بعذاب. جلس على طرف الفراش صامتًا للحظات، قبل أن ينطق اسمها بلوعة: "ثريا." توقف للحظات قبل أن يستطرد حديثه:
"أي قرار هتقولي عليه هنفذه ليكِ يا ثريا، بس قبل ما تقولي قرارك هقولك إني فعلاً من البداية كنت بقاوم بكل طريقة إني ما أقعش في غرامك، بس مش ندمان إني عشقتك يا ثريا، وكنت أتمنى أقابلك بعيد عن اللي حصل كله، ما كنتش هتردد لحظة أعشق حورية الشمس."
غصبًا دموعها تسيل وهي تنظر له. في البداية كانت تشعر بمرارة وقهر، لكن تبدل ذلك مع نبرة صوت سراج الصادقة. كانت قبل لحظات بداخلها قرار والآن قرار آخر. بل أمنية. صمتت للحظات تبتلع ريقها. ما زالت دموعها تهطل وتفوّهت بنبرة رجاء وتمني: "عاوزة أبقى أم ولادك يا سراج."
ربما تسمع دقات قلبه. جوابها مثل النسمة الهادئة التي لجمت عواصف قلبه. ابتسم وبلحظة كان يجذبها يضمها بقوة. حتى أنه نسي ألم كتفه. لكن خفف من ضمته حين آنت ثريا وقبل جانب عنقها هامسًا: "الموضوع ده مش سهل ومش مستحيل... هتبقي أحلى أم يا حورية الشمس."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!