تحميل رواية «عشقت طالبتي» PDF
بقلم منار حسين
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ما هو مافيش الكلام ده، هدخل يعني هدخل. الدكتور بعند: مافيش دخول، واللي عندك اعمليه، ويلا عشان عايز أبدأ المحاضرة. يلا هش من هنا. هي: نعم، هي وصلت لكده؟ أنا أصلاً مش هاحضر محاضرة لدكتور أهبل زيك. وسابته ومشيت. الدكتور بصدمة: يا بنت المجنونة! أنا أهبل؟ وأكمل بغضب: طب وربنا ما أنا سيبك يا حيوانة، انتي حاجة. هم في الكافتيريا. هي: بقا أنا زينة يتقالي هش ليه؟ شيفني قطة بروح خالتو؟ ماشي يا دكتور الكلب، انت ماشي. خلصت المحاضرة. صاحبة زينة نور: مالك يا زينة؟ إيه اللي حصل؟ (معلومة: نور في قسم غير زينة، بس...
رواية عشقت طالبتي الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم منار حسين
ذهول عقلي لما سمعه. مستحيل أن يتخيله عقله. والأصعب كيف ثريا مرت بكل هذا؟ تذكر تبلدها معه منذ بداية زواجهم. كان يظن أن هذا دلال. بل كان جفاف مشاعر بداخلها وكأنها انُسحقت.
عاود ينظر إلى سعديه وسؤال برأسه قبل أن يسأله. أجابته سعديه:
"مكنش ينفع نبلغ الشرطة. الدكتورة نفسها خافت من سطوة عيلة العوامري."
تفهم ذلك، لكن سؤال آخر سأله:
"وليه ثريا وافقت ترجع تاني مع غيث وتعيش معاه؟"
توقف للحظات قبل أن يستطرد سؤاله بترقب بقلب يشعر بالغيرة:
"ثريا كانت بتحب غيث؟"
ضحكة مؤلمة في وجه سعديه تغص في قلبها:
"ثريا بعد ما فاقت، كانت عاوزة ترجع لدار أمها. وأنا وممدوح كنا مرحبين بكده. بس نجيه خافت عليها من حديث الناس الفارغ. ومحاولتش تضغط عليها. بس فجأة لقيناها هي اللي غيرت قرارها وقبلت ترجع تاني معاه ل داره. وقعدت حوالي تلات أسابيع مكنش حد بيزورها. حتى كان حديثها مع نجيه قليل. وأنا كنت زعلانة منها ومكنتش بكلمها. لحد يوم ما عرفنا إن غيث اتقتل. روحت أنا ونجيه نقدم واجب العزا. بس طردونا. ومحدش رضى يدخلنا. وتاني يوم طردوا ثريا كمان من الدار. وفضلت راقدة في السرير حوالي شهر ونص. كانت طول الوقت شبه نايمة. أو يمكن كانت بتدعي النوم."
استغرب سراج، يغص قلبه وهو يسأل بترقب:
"كانت بتحبه للدرجة دي؟"
تهكمت سعديه بسخرية واستهزاء قائلة:
"ثريا قلبها معرفش الحب. ثريا كانت زي اللي بتداري. مش عاوزة تقابل حد ولا حد يشوفها. زي اللي كانت بتتوارى من وصمة عار. كنت بحس أنها بتعاقب نفسها على غلط وخايفة حد يعرفه. لحد ما وصل لينا المحامي بتاع أبو غيث. إن لازم ثريا تعمل إعلام وراثة. عشان يقدروا طبعًا يتصرفوا في الأملاك اللي كانت باسم غيث. وثريا كانت من ضمن الورثة. ولازم غصب عنهم يعترفوا بده. وقتها ثريا اتبدلت تاني وحسيت إنها عاوزة تستقوي. وفعلاً استقوت. وغصب عن عينهم خدت حتة الأرض اللي متساويش واحد على مية من ميراثها في غيث. وتنازلت عن بقية ميراثها. معرفش سبب ليه تنازلت. واسمعنا حتة الأرض دي بالذات. وهما وافقوا غصب. لأن لو ثريا اتمسكت ووقفت قصادهم كانت هتنول أكتر منها. بس هما وافقوا. فكروا أنها مسألة وقت وهترجع لهم تاني. بس ثريا رفضت. حتى إنت كمان رفضت تبيع لنا الأرض."
كل ما يسمعه يثير في عقله تساؤلات أكثر وترقب لإجابة واحدة يود معرفتها: "هل ثريا كانت مغرمة بغيث؟" والإجابة بالتأكيد ستكون غير مقنعة ولا مؤكدة.
تنهدت سعديه بأسف، ربما هذا جزء من جواب على سؤال عقل سراج:
"ثريا طول عمرها بتدور ع السند اللي تتسند عليه وتحس بأمان. ولغاية دلوقتي السند ده مش حاسة موجود. حتى معاك يا سراج. ثريا زمان قبل موت أبوها كانت بتخاف تعدي من قدام شارع الترب (المقابر). بس لما مات أبوها الخوف ده راح وبقت تروح كتير. ولما نتوه كنا ندور عليها ونلاقيها قاعدة جنب قبر أبوها. ولما كنا نمنعها كانت تقول إنها بتحس بالأمان لما بتسند ضهرها على جدار القبر. إن إيد أبوها بطبطب عليها. ولما كبرت بقت تقول أنها بتحس أن ده المكان الوحيد اللي مفيش فيه لا لمكانه ولا لفلوس. هنا الأماكن كلها شبه بعض. بعيد عن الصخب. الصمت له حالة خاصة."
انفزع قلب سراج لوهلة. ثريا تعتقد أن الموت هو الراحة. لكن لن يسمح بذلك تلك المحتالة. ما زال هناك من ينتظر عودتها. ليس لهدف سوى أن وجودها ذات أهمية كبيرة وخاصة.
بدأ في سؤال خلف آخر يسأله لـ سعديه وهي تجيب حسب معرفتها. لكن ذُهل حين شعر بحياء وهو يسأل سعديه عن ذاك الأثر الذي في فخذ ثريا:
"وإيه السبب في علامة الحرق اللي في فخد ثريا؟"
ضيقت سعديه عينيها بعدم فهم قائلة:
"حرق إيه ده؟"
استغرب سراج عدم معرفتها، وفسر ذلك:
"ثريا عندها علامة كبيرة بفخدها الشمال ومتهيأ لي إنها أثر لحرق واضح كده."
استغربت ذلك وبتلقائية قالت:
"بعد موت غيث كانت بتعرج. ولما سألتها قالت إنها وقعت على رجلها. ويمكن مجزوعة. يمكن ده السبب. بس لا إيه اللي هيحرقـ..."
نظرت سعديه وسراج لبعضهما. فمن يفعل وينتهك عرض سهل عليه الحرق. خفق قلب سراج. هناك أسرار مازالت إجابتها لدى ثريا.
❈-❈-❈
انتهى ظلام الليل وأعلنت الجوناء عن يوم جديد.
بمنزل قابيل. لم يهتم بمرض زوجته هكذا، مثلما يشعر الآن بانشقاق في قلبه منذ أن علم بإصابة ثريا. وهو مثل الممسوس عقله. يقف بحقد في شقته يهذي:
"أكيد سراج هناك. لازم أشوف طريقة أعرف بها حالة ثريا إيه بالظبط. لو وصلت أخطفها من المستشفى. مستحيل؟"
لم يستوعب عقله. فقط يهذي كأنه له الحق بذلك. فكر وفكر. يزداد غلول قلبه وشيطان عقله. يهذي باسمها "ثريا، ثريا". يتنفس كأنه يدخل إلى صدره دخانًا يزفره لهبًا. كيف أصيبت؟ لابد أن يبيد تلك العائلة.
تتلاعب به الظنون وهو يحاول أن يصل إلى أحد ويسأله عن حالتها دون الشك في سبب سؤاله. لا يود أن يعلم أحد بمكانة ثريا في قلبه. لكن لا. لن يهتم. توجه نحو باب شقته. لكن توقف يلوم نفسه:
"بلاش تتسرع وتكشف نفسك يا قابيل. سراج مش زي غيث. غيث كنت بتعرف تسيطر عليه بحتة بت من بنات الليل تركع تحت رجليه. تنفذ رغباته ويتوه معاها. سراج مالوش في كده."
جلس بإنهاك فكري وقلبي على مقعد بالردهة. يلوم نفسه:
"فضلت مستني فرصة عشان تقرب من ثريا. وفي لحظة خطفها سراج. زي ما عمل غيث قبله. دلوقتي لازم أفكر في طريقة أتخلص بيها من سراج. مش لازم أنتظر كتير."
تلاعب شيطانه به وهو يفكر حتى رسم له بداية الخطة التي بنهايتها سينهي سراج.
❈-❈-❈
بدار عمران العوامرة. رغم أنه للتو قد عاد إلى الدار، صعد مباشرةً إلى شقته. دلف إلى غرفة النوم يشعر ليس بإرهاق بدني بل أيضًا بألم في ساقه يشتد. تفاجئ حين وجد حنان مستيقظة. ونهضت من فوق الفراش حين جلس على ذاك المقعد. اقتربت منه بقلق سائلة:
"آدم. ثريا. أخبارها إيه؟"
أجابها وهو يخلع نعليه:
"لسه في مرحلة الخطر. ربنا يُلطف. أنا جاي أغير هدومي وأخد هدوم تانية عشان سراج. إسماعيل هناك معاه في المستشفى. مش هينفع نسيبه لوحده في الحالة اللي هو فيها. أول مرة أشوفه بالشكل المهزوز ده."
وضعت حنان يديها على كتفي آدم تمسد عليهم برتابة وتبسمت قائلة:
"عشان بيحبها. رغم إني الكام يوم اللي عشتهم هنا كنت بحس ثريا بتحاول تبعد عن الدار أكتر وقت. ولاحظت معاملة عمتك ولاء ليها فيها نوع من التكبر عليها. يمكن ثريا اللي مش من النوع الاجتماعي واللي بتاخد عالناس بسرعة. بس حاسة قلبها نضيف."
رفع آدم يديه وجذب حنان لتجلس على ساقيه وضمها مبتسمًا وهو يقبل وجنتها قائلاً:
"فعلاً بحس إن ثريا عندها شوية انطواء من اللي حواليها. حتى من سراج نفسه. رغم أنهم متجوزين. بحس أنها من النوعية اللي بتخاف تظهر مشاعرها فتتصدم. أو تتخذل. كمان بتحاول تبان قوية وهي هشة جدًا."
لمعت عين حنان ببسمة وهي ترفع يدها تضعها فوق وجنة آدم تتحدث بإعجاب:
"حبيبي. واضح إن هواية الكتابة مأثرة عليه. عنده فضول زايد يعرف دواخل الشخصيات ويحلل نفسياتها."
ابتسم وهو يقبل يدها يضمها أكثر له قائلاً:
"مش فضول زايد. أنا اتعودت متسرعش في الحكم على أفعال الناس. يمكن تكون دي ملكة ربنا عطاها لي من صغري. أو يمكن تكون موهبة مكتسبة بعد اللي مريت بيه. كان لازم يكون عندي طولت بال قبل الإرادة."
غص قلب حنان وضمت آدم وهمست جوار أذنه بنعومة:
"أنا بحبك يا آدم. وبحب قلبك الطيب."
ابتسم وضمها مستمتعاً، قبل عنقه. وكاد ينهض وهو يحملها. لكن شعر بألم في ساقه. ظل جالساً. شعرت حنان بآه خافتة خرجت من فم آدم. نظر لوجهه قائله:
"آدم. أنا حاسة إنك بتتألم من رجلك. المفروض تعمل عليها أشعة. كمان بتاخد مسكنات كتير في الفترة اللي فاتت."
ابتسم وهو يضم وجهها بين يديه قائلاً:
"أنا بخير صدقيني. هما شوية وجع بسيط فترة وهيروح."
تدللت ببسمة:
"وماله برضوا. عشان خاطري اعمل أشعة وفحوصات حتى لو روتيني."
ابتسم وهو يضمها قائلاً:
"تمام. بس نطمن على ثريا وهعمل الفحوصات عشان قلب سيادتك يطمن."
تبسمت وهي تضمه بحب... لكن فجأة شعرت بغصة وهي تعلم أن بعودة حفظي للوعي سيكون هناك عواقب. تنهدت بتمني أن لا يحصل شيء يفسد عشقها لذاك الآدمي الذي يغمرها بعشق ومحبة ودلال لم تشعر به سابقاً.
❈-❈-❈
بالمشفى. غصباً واقف كل من سعديه ونجيه المكوث بغرفة. قام سراج بحجزها لهن، وتركهن كي لا يشعرن بالحرج منه. ذهب إلى مكان غرفة ثريا. لكن لاحظ حركة غريبة أمام الغرفة. خروج الممرضة وعودتها ببعض الأدوية. كذلك دخول أكثر من طبيب ومكثوا لوقت. سبب هاجس له وحسم أمره. سيدخل إلى الغرفة. لن يهتم بمنع الأطباء. لكن فتح باب الغرفة. كان هناك باب آخر زجاجي معتم. قبل أن يفتحه تفاجئ بفتح أحد الأطباء للباب. نظر له قائلاً:
"أنا مقدر حالة قلقك عالمريضة. بس ممنوع الدخول. والمريضة نقدر نقول عدت مرحلة الخطر. وان شاء الله لو محصلش لها انتكاسة. ممكن بكرة تتنقل غرفة مجهزة بس عشان الأوكسجين. لأن إصابة الرئة هيبقى لها تأثير عالتنفس الطبيعي. هياخد وقت على ما ينتظم بشكل طبيعي. فمن فضلك بلاش عدم انصياع. وبس الحالة تستقر بشكل أفضل أوعدك اسمحلك تدخل لها. وده هيبقى لوقت صغير."
أومأ سراج له متفهماً رغم قلقه وشعوره بالاشتقياق.
❈-❈-❈
بدار عمران العوامرة ظهراً. وقفت زوجته تطلب منه بإستحياء:
"مش المفروض إني أروح أنا وإيمان نزور ثريا عشان خاطر سراج."
كاد أن يسمح له بالموافقة. لكن تلك الخبيثة ولاء قد جاءت وسمعت قولها تهكمت بسخط قائلة:
"مش بيقولوا الدكاترة مانعة الزيارات. لازمتها إيه. وبعدين ليه نتشحطط، كلها كام يوم وترجع لهنا. عن نفسي بمرض لما بروح المستشفى. كفاية الأيام اللي فاتت كنت شبه مرافقة لإيناس. وجولت للدكتور تكمل علاجها بره المستشفى. وسمح بكده. هترجع النهاردة. مش عارفة إيه النحس اللي فجأة صابنا. هي أعتاب وأقدام. كنا بخير. بس هجول إيه. على رأي المرحومة أمي. كترة النسوان في الدار بيجيب الخراب."
عن قصد كانت تتحدث ولاء حين رأت حنان تقترب من مكانهم. لم تبال حنان بحديثها الماسخ. وذهبت نحو عمران وتبسمت له ثم قالت:
"آدم من شوية وصل المستشفى وقالي إن حالة ثريا شبه مستقرة."
تبسم عمران كذلك زوجته التي تمنت:
"ربنا يكمل شفاها يااارب."
بينما همست ولاء بحقد:
"عاملة كيف البِسس (القطط) بسبع أرواح..."
ثم نظرت إلى حنان قائلة بتصريح:
"وإنتِ لابسة أسود كده ورايحة فين؟"
أجابتها:
"رايحة دار أبوي."
اعترضت ولاء قائلة:
"لاه. إنتِ لسه عروسة والمفروض مكنتيش تروحي دار أبوكِ قبل شهر عالأقل. كفاية لبسك الأسود ده فال شؤم."
نظرت لها حنان بتحدي قائلة:
"ماله لبسي الأسود. ده حتى الأسود موضة. وكمان أنا خدت الإذن من آدم جوزي وهو وافق. وهو اللي كلمته تمشي عليا. عن إذن حضرتك. لازم أفوت على دار مرات عمي الأوا عشان أعرف هنطلع المقابر أمتى نزور عمي ونقرأ له الفاتحة وندعي له بالرحمة. الرحمة تجوز عالحي والميت."
لم تنتظر حنان وغادرت وتركت ولاء تشتعل. بينما فهيمة كانت تخفي بسمتها. وعمران لم يبال. إلا حين نظرت له ولاء وقالت بإستهجان:
"الدار مربطها ساب. بقى كل واحد بيعمل اللي هو عاوزه. إمبارح ثريا عاندت وراحت الفرح اللي اتصابت فيه. والتانية رايحة عشان تطلع المقابر. إنت لازم يكون لك كلمة في الدار دي. كفاية دلع فاضي... الحريم لازم يتحكموا بجبضة جوية كده هيتمرعوا ومحدش هيعرف يمشي عليهم كلمة."
صمتت فهيمة. بينما تفوه عمران قائلاً:
"تمام. هتكلم مع آدم أقول لمرته تخف زيارات لدار أهلها. دلوك عندي ميعاد في مصنع الكتان ولازم ألحقه. والمسا هروح المستشفى عشان سراج. جهزي نفسك يا فهيمة إنتِ وإيمان هبعتلكم السواق ياخدكم."
أومأت فهيمة بقبول. بينما شعرت ولاء بالكيد لكن ضمرته في قلبها. بعد مغادرة عمران نظرت لـ فهيمة التي تبدلت ملامحها. شعرت بغيظ قائلة:
"حلو دور الحنية اللي بترسميه ده. بس متنسيش. سراج مش ولدك. ده ابن جوزك. ومفيش مرات أب بتتمنى خير لولاد جوزها."
لم ترد فهيمة وتركتها وغادرت بعد أن نادت عليها عدلات التي لاحظت حديث ولاء معها. ذهبت نحو عدلات وسارتا إلى داخل المطبخ. تفوهت عدلات:
"بتحدف طوب ومبتحسش بنفسها. دي اتجوزت من هنا ابن جوزها اللي كان شاب زي الورد فجأة مات."
تفوهت فهيمة:
"بلاش نبقى زيها يا عدلات ومتنسيش لها ودان في كل مكان مش عاوزاهم يتكلم."
تنهدت عدلات:
"والله يا فهيمة إنتِ طيبة ومنكسرة. دي مينفعش معاها الطيب."
نظرت لها فهيمة نظرة تحذيرية. فصمتت لثواني ثم قالت:
"الحج عمران سمح لك تزوري ثريا في المستشفى."
أومأت لها بموافقة. تنهدت عدلات قائلة:
"هاجي معاكِ. ثريا غالية عندي والله ما تستاهل. اللي كانت تستاهل رصاصة في نص دماغها هي وباء على رأي الغلبانة ثريا."
عاودت فهيمة نفس النظرة التحذيرية. فصمتت حين دخلت إحدى الخادمات عليهن.
❈-❈-❈
بالمشفى مساءً. سمح الطبيب لـ سراج بخمس دقائق فقط يدخل إلى غرفة العناية. تعقم وارتدى كمامة ثم ذهب نحوها. وقف يتأمل ملامحها للحظات. لم ينكر جمالها سابقاً لكن اليوم كانت شاحبة الوجه. كذلك تلك الأنابيب الطبية الموصولة بفمها وأنفها. خفق قلبه بألم. وهو يقترب أكثر إلى أن أصبح بجوارها. انحنى على يدها. غص قلبه من كم الإبر المغروسة بها. قبل راحة يدها ونظر لها قائلاً:
"تعرفي يا ثريا إنتِ فعلاً محتالة. عرفتي تحتلي قلبي. قلبي اللي كنت مفكر أنه من فولاذ وقادر أتحكم فيه. من أول مرة شوفتك. شيء كان بيجذبني ليكِ. تحديكي. عنادك. مش عارف. بس كنت ببقى عاوز دايماً أبقى قريب منك. فاكرة يوم لما قولت لعصران يومه بالاغتصاب؟ حسيت بندم وغيره. أيوه غيرت عليكي منه. رغم إني كنت متأكد أنه مش هيقدر يقرب منك. لما دخلت ولقيتك بتنزفي قلبي اتخلع مني. إنتِ محتالة يا ثريا. في لحظة اتغلغلتي مني وبقيت مش عارف إيه بيجذبني ليكِ. دلوقتي عرفت إيه اللي كان بيجذبني تمردك وعصيانك. السراج الغاضب في لحظة حنين وقع في غرام الأرض."
❈-❈-❈
بمركز الشباب. بوقت راحة مستقطع بين التمرين جلست إيمان على أحد المقاعد. كذلك جسار. بينما الأشبال يتهامسون فيما بينهم حول من الأفضل فيهم بإشادة المدربين. تبسم جسار وهو ينظر إلى إيمان وبفضول لا يعلم سبباً له:
"تعرفي إني بستغرب إن بنت هنا في الصعيد تهوى رياضة الكاراتيه."
اعتدلت في جلستها ونظرت له قائلة:
"وإيه الغريب في ده؟"
لمعت عيناه بوميض خاص وهو يجيب عليها:
"معروف بنات الصعيد بتتجوز بدري. حتى لو الزمن اتغير وبقوا يتعلموا بس مش اهتمام برياضة. ورياضة عنيفة زي الكاراتيه. اللي أعرفه إن الأهالي عندهم شوية تحفظ عالبنات."
تنهدت. حقاً كان هناك اعتراض من والدها. لكنها لجأت لـ آدم صاحب القلب النقي. والذي لديه تأثير على... والدها وافق مكرهاً على أنها لفترة لن تطول. فقط بضع أشهر وستمل. لكن تلك الرياضة رغم عنفها. لكن شغلت عقلها وأدمنتها وأصبحت هي ملاذها. كي لا تفتعل المشاكل مع عمتها ولاء بسبب تحكماتها. رغم أنها حاولت كثيراً أن تتلاعب بعقل والدها. لكنها لن تكون صورة أخرى من والدتها وتتقبل وتقبل أن تكون لها سطوة على قراراتها بشأن حياتها. لمعت عين جسار بإعجاب.
جلسة صفو بين إيمان وجسار وأحاديث مرحة تنساق بينهم دون شعور. لكن قطع تلك الجلسة صوت رنين هاتف. إيمان نهضت وتوجهت إلى ذاك الركن التي تضع به متعلقاتها الخاصة. جذبت هاتفها وقامت بالنظر له. خفق قلبها لوهلة حين رأت رقم والدتها. لكن حاولت تملك قلقها وبامت بالرد. سرعان ما تنهدت براحة حين أخبرتها والدتها قائلة:
"الحج عمران وافق نروح المستشفى لـ ثريا وقال هيبعت لنا العربية كمان ساعة كده. بلاش تتأخري عشان ميتعصبش علينا."
أجابتها:
"تمام يا ماما. أنا مسافة السكة وهكون عندك في الدار."
أغلقت الهاتف ثم ضمت متعلقاتها الخاصة بتلك الحقيبة وذهبت نحو مكان جلوس جسار قائلة:
"أنا مضطرة أمشي دلوقتي. كمل انت بقية تمرين الأشبال. سلام."
لم تنتظر وغادرت. ود أن يسألها عن سبب مغادرتها. لكن وقف ينظر في أثرها بمشاعر تنساق وتتبدد النظرات وتزداد الخفقات.
❈-❈-❈
بعد مرور يومين. تحسنت حالة ثريا. خرجت من غرفة العناية الخاصة، إلى غرفة عادية. لكن ما زالت تسبح بتلك الغيبوبة. تنهد الطبيب ونظر إلى سراج قائلاً:
"المفروض إن إحنا وقفنا المخدر من الفجر. ودلوقتي قربنا عالعصر. والمفروض كانت تفوق. لو مفاقتش لوحدها لبكرة الصبح هنلجأ للإفاقة الخاصة."
شعر سراج بالأسى قائلاً:
"وإيه السبب لعدم إفاقتها؟"
أجابه الطبيب:
"مفيش سبب طبي. ده ممكن رد فعل من المريض. أوقات كتير بتحصل. إن العقل يتسبب في غيبوبة للجسم كله. بس طبياً مفيش تفسير. الحالة أصبحت مستقرة. وزي ما قولت هننتظر لبكرة. يوم فات أربعة وعشرين ساعة كاملة على وقف المخدر."
أومأ سراج برأسه قائلاً:
"تمام. بس ليا رجاء عندك. أكيد والدة المريضة أو خالتها هيسألوا عن حالتها. بلاش تقول لهم الكلام اللي قولته ليا دلوقتي. بس عشان منزودش قلقهم. إنت شايف حالتهم عاملة إزاي."
أومأ الطبيب موافقاً، ثم غادر الغرفة. ظل سراج ينظر إلى ثريا وتنهد وهو يقترب منها. انحنى يقبل رأسها. ثم قبل وجنتيها واقترب من أذنها هامساً:
"مش كفاية نوم يا محتالة. اصحي بقى. وحشتني عيونك."
❈-❈-❈
باليوم التالي. بمنزل عم حنان. ظهراً. كانت تشعر بنظرات زوجة عمها التي تحتقرها. هي ووالدتها. نهضت قائلة:
"مش يلا يا ماما زمان أبوي راجع عشان يتغدا."
نهضت سناء بموافقة. وودعن تلك السيدة التي تنظر لهن بغلول. حتى أنها لم تتمسك ببقائهن لوقت قليل. لكن تفاجأن قبل أن يفتحن باب المنزل. بفتح الباب. وقفن مثل الصنم للحظات. إلى أن تحدث ذاك الذي دخل يستند على أخيه قائلاً بنبرة شبه استهزاء وتقليل من شأن آدم:
"حنان بنت عمي هنا في دارنا. قصدي دارها. أمال المحروس آدم فين دلوك. لا يكون في الإسطبل نايم جنب الحصنة بينش العصافير عنهم."
كادت أن ترد. لكن نكزتها سناء تعلم أن ذاك الوغد مستفز. صمتت حنان لوهلة. ثم أغاظته قائلة:
"حمد لله على سلامتك. نورت دارك. يلا يا أمي."
كادن أن يعادرن. لكن قبل خروجهن تفوه حفظي:
"سلميلي على أبو نسب."
أجابته بهدوء:
"يوصل. يا حفظي."
❈-❈-❈
بالمشفى. خرج الطبيب مبتسماً يقول:
"الحمد لله. المريضة استجابت وفاقت. بس رجاءً يا جماعة بلاش إجهاد للمريضة."
تبسموا له وهم يندفعون إلى الغرفة. شعروا بسعادة حين وجدوا ثريا قد فاقت من غفوتها. بحذر اقتربوا منها وظلوا يمرحون بجوارها. وهي فقط تنظر لهم ولأفعالهم. لم تستغرب من قبلة والدتها ولا خالتها لها. لكن شعرت بغرابة ممزوجة بسعادة حين اقترب ممدوح منها وقبل جبينها مبتسماً، يقول:
"حمد لله على سلامتك يا ثريا."
بخفوت أجابته تشعر بسعادة:
"الله يسلمك يا ممدوح."
تقابلت عيناهما بحديث صامت. فقط مشاعر أخوية لأول مرة يشعر بها الاثنان. ودمعة تلألأت. لكن سرعان ما ابتسم ممدوح وقبل جبينها مرة أخرى مبتسماً. ثم تنحى. ظهر سراج الذي يخفق قلبه بسعادة وتبسم واقترب منها فقط قائلاً:
"حمد لله على سلامتك يا ثريا."
أومأت برأسها صامتة. ما زال هناك جزء من ذاكرتها لم يستوعب ما تراه. من لهفة وسعادة لعودتها.
❈-❈-❈
بعد مرور عدة أيام. بالمشفى ظهراً. حاولت ادعاء القوة قائلة:
"البتاعة اللي على وشي دي خانقاني أساساً مش عارفة أتنفس."
تنهد بسؤال:
"تقصدي إيه بالبتاعة اللي على وشك دي؟"
أشارت بيدها إلى تلك الأنابيب على أنفها الخاصة بالتنفس الاصطناعي.
تبسم بخفاء قائلاً:
"دي أنابيب عشان تظبط التنفس عندك."
تذمرت قائلة:
"لأ دي خانقاني. مش كفاية الإبر المغروسة في إيديا دي. حاسة إني زي اللي متقيدة."
أغمض عينيه وسحب نفس عميق ثم فتحهما ونظر لها قائلاً:
"ثريا. بلاش دلع. وافتحي شفايفك لازم تاكلي. وإلا الدكتور هيلجأ للمحاليل."
لم تبال ثريا. تنهد سراج قائلاً:
"ثريا بلاش تبقي زي الأطفال. اللي أمهم بتتحايل عليهم عشان ياكلوا."
نظرت لذاك الطبق بإمتعاض قائلة:
"أولاً أنا مش طفلة ومش بعند. وفعلاً جهاز الأوكسجين ده مضايقني وأقدر أتنفس من غيره. ثانياً مش هاكل من أكل العيانين ده. هستنى لما خالتي تيجي. أنا قولت لها على كام صنف وقالت هتجيبهم. بس هي اتأخرت. يمكن الطريق زحمة."
تنهد سراج باسمًا:
"على فكرة خالتك جت وإنتِ كنتِ نايمة. والأكل ده هي اللي جابته. ثريا. إنسي الأكل اللي طلبتيه منها. مستحيل."
زفرت ثريا بضجر قائلة:
"يعني خالتي جابت الاكل ده ومشيت. ومجبتش اللي قولت لها عليه ليه. وأيه اللي مستحيل؟ أنا نفسي جوعت وبطني نشقت من أكل المستشفى والمسلوق."
تبسم سراج قائلاً:
"للأسف مفيش أكل غير كده. وكفاية دلع."
تنهدت بضجر قائلة:
"مش بدلع. خلاص هشيل جهاز الأوكسجين. وهاكل بإيدي."
تنهد سراج بإستسلام قائلاً:
"تمام هشيلك أنابيب الأوكسجين لحد ما تاكلي وبعدها..."
قطعت حديثه بضجر:
"بعدها إيه. أنا اتخنقت من الأنابيب دي. حاسة إن عيني احولت وإنها بضيق نفسي."
ضحك سراج. نظرت له بضجر قائلة بإستياء:
"بتضحك على إيه. أكيد كان نفسك أموت. وتلاقي إنت اللي بتقول لخالتي تستخسر فيا الأكل اللي طلبته منها."
ابتسم وهو يقوم بإزاحة تلك الأنابيب عن أنفها. شعر بأنفاسها فوق ساعديه. نظر لوجهها وبلا انتظار وضع قبلة ناعمة خاطفة فوق شفتيها. شعر كأن تلك القبلة "قبلة بمذاق الحياة".
رواية عشقت طالبتي الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم منار حسين
بمقهى مُطل على النيل،
نهض إسماعيل واقفًا يقترب من سياج حديدي فاصل عن تلك الحديقه الصغيرة الخاصة بالمقهي.
نهضت قسمت هى الاخري وإقتربت منه وقفت لجواره تنظر له وهو صامت عكس صخب بداخله.
تعمدت السؤال كآنه عتاب:
- بقالك كام يوم غايب عن المستشفى، لعل السبب خير، وكل ما أتصل عليك ترد كلمتين وتقفل.
قطع صمته وتأمله لمجري تلك المياة التى تهتز بموجات هادئه:
- كنت مداوم فى مستشفى تانيه، مرات سراج أخويا، إتصابت برصاصتين.
إنخضت لوهله سائله:
- رصاصتين ليه.
أجابها ببساطة:
- كانت فى فرح عندنا فى البلد وإتصابت بالغلط.
تنهدت قسمت براحه قائله:
- طب الحمد لله وأخبارها إيه دلوقتي؟
أجابها بإيجاز:
- الحمدلله حالتها إتحسنت.
- يعني إيه؟
هكذا سألت قسمت التى تشعر أن إسماعيل به شئ مختلف فى طريقة رده على أسألتها بإيجاز.
بنفس الإيجار:
- يعني حالتها بقت كويسه وخرجت لأوضة عادية.
زفرت نفسها وشعرت بآسف قائله:
- مالك يا إسماعيل، حاسه إنك متغير معايا.
نظر نحوها، شعر بشعور غريب، كآن قلبه تبلد... أو ربما شعور آخر من الامبالاة فى عقله.
بينما لمعت دمعة بعين قسمت، بسببها عاد قلب إسماعيل، يخفق وإزدادت تلك الخفقات حين أخفضت وجهها تقول بنبره:
- عارفه إنك مضايق من اللى عمله بابا، بس بابا والله قد ما هو شخص عصبي بس سهل والله هو طيب جدًا.
غصبًا تذكر نعته له بـ "سليل البرجوازي" فضحك سائلًا:
- هو يعني إيه برجوازي اللى زي النغمه فى لسانه.
إبتسمت قسمت قائله:
- أنا مكنتش أعرف يعني إيه برجوازي زيك كده، بس بابا فسرها لى وفهمت إنه الشخص اللى عنده مصانع وبيشغل عمال تحت إيديه.
ضحك إسماعيل قائلًا:
- طب وده فيه إيه بقي.
فسرت قسمت:
- ما هو البرجوازي اللى بيستغل إحتياج العمال ويتحكم فى أجورهم وكمان وقت شغلهم ممكن يجبرهم يشتغلوا ساعات أكتر بأجور قليله.
ضحك إسماعيل قائلًا:
- إستغلالي يعني، وهو باباكِ مش إستغلالي وطمع فى الشيكولاته.
ضحكت قسمت، فعقب إسماعيل:
- وإنتِ كمان طمعتي فى بوكيه الورد.
نظرت له بسخط قائله بإستقلال:
- تلات وردات هتحسبهم عليا بوكيه، دول حتى كانوا دبلانين، إنت كنت جايبهم منين؟
تذكر قائلًا:
- الدبلانين دول وقفوا عليا بربع مرتبي من المستشفى، كنت ماشي بالعربيه أدور على محل ورد، أو حتى مشتل، لقيت بيت مزروع فيه ورد فى البلكونه، كان فى عيل غتت واقف وساومني على حق الوردة، وعشان أرضيكي وافقت، لقيت أمه وأبوه كمان أستغلوا الموقف، كان ناقص يساوموني عالبدله، عالم إستغلاليه.. وفى الاخر باباكِ يقولى برجوازي.
ضحكت قسمت وهي تشعر بإمتنان قائله:
- إستغلاليه عشان طلبت ورد شيكولاته؟
اومأ رأسه مُبتسمًا ثم تنهد قائلًا:
- هو ينفع نتجوز من ورا أبوكِ أصله شكله كده مش طايقني.
أجابته برفض:
- طبعًا لاء مستحيل، وبعدين إنت هتستسلم من أول لقاء بينك وبين بابا، إنت لو شاريني هتحاول معاه تاني، وعلى فكره بابا مش ديكتاتوري... سهل يقتنع ويوافق على جوازنا، إنت اللى شكلك عاوز تتلكك و...
قاطعها بذهول قائلًا:
- لو كنت عاوز أتلكك مكنتش فكرت فى الجواز من أساسه وأنتِ عارفه إن فكرة الجواز دي مكنتش فى بالي أساسًا.
إبتسمت بدلال قائله:
- خلاص بلاش تستسلم وحاول مره تانيه مع بابا ومتاكده لما يلاقيك شاريني هيوافق بابا شخص مُتفهم وعمره ما كان ديكتاتوري معايا أنا أو واحده من أخواتي، هو بس بيخاف علينا أوي عشان بنات.
غمز إسماعيل بعينه قائلًا:
- هو بصراحه عنده حق فى حكاية خوفه دي، بس نسيت أسألك هو باباكِ بيشتغل إيه.
إبتسمت واجابته:
- بابا طلع لمعاش، كان بيشتغل مدرس "لغة فرنسيه" دلوقتي بقى بيشتغل فى مدرسه خاصه.
ذُهل إسماعيل قائلًا:
- مدرس فرنساوي وبيتكلم باللغه العربية الفُصحي آخر شئ كنت أتوقعه.
ضحكت قسمت قائله:
- بابا عنده عشق خاص للغه العربيه بيقول عليها لغة لها "مفردات بديعية"... والحديث بها له مُتعة خاصة.
نظر لها بسخط قائلًا:
- مُتعة خاصة، أبوكِ ده محتاج....
توقف للحظات ثم عاود الحديث:
- أنا عرفت مين اللى تقدر على غتاتة أبوكِ وهيوافق عالحوازة غصب عن ديكتاتوريته.
❈-❈-❈
بالمشفى،
ليلًا،
آنت ثريا بآلم طفيف، سمعتها سعديه التى كانت تمكُث معها بالغرفة، نهضت سريعًا وأشعلت ضوء الغرفه كاملًا وذهبت نحوها سائله بلهفة:
- ثريا مالك سمعت صوت تأوهك.
إبتسمت ثريا قائله:
- أنا بخير، بس كنت بتحرك وإيدي شدت عليا شويه بسبب الإبر اللى فيها.
إبتسمت سعديه براحه وجلست على طرف الفراش جوارها أمسكت يدها بحنو قائله بمرح:
- وشك نور والدموية زادت فيه، صحتك جايه عالمستشفى.
ضحكت ثريا قائله بغرور:
- طول عمري حلوة وموردة يا خالتي.
ضحكت سعديه قائله:
- لاء يا بت المحاليل هي اللى نفخت وشك وردت الدمويه فى وشك، غير كده كنتِ سودة من نقرتك فى الشمس طول اليوم.
ضحكت ثريا قائله:
- كويس إن أمي اخيرًا رضيت وراحت تنام فى الدار، هنا مش بتنام طول الليل بحس بها، كل شويه تقرب مني.
تدمعت عين سعديه ببسمه قائله بمرح:
- هي نجية أختي دايمًا إكده جلبها رهيف، عكسي تمامً.
تبسمت ثريا قائله:
- عارفه إنتِ جامدة ومفتريه يا خالتي.
تنهدت سعديه ببسمه قائله:
- لاء يا بت انا مش مفترية، بس ايوه جامدهأم الصبيان لازم تكون جامدة، كفاية هو وعياله ضيعوا أنوثتي.
- أنوثتك
قالتها ثريا ثم ضحكت فـ توجعت قائله:
- لما بضحك صدري بيوجعني.
نغزتها فى كف يدها بخفه قائله بمرح:
- أحسن ببتريقي عليا يا بت، مشوفتنيش وأنا صبيه بنت خمستاشر سنه كان عودي فاير وابان أكبر من سني كان أبوي يجول للعرسان دي لساها صغار هى اللى خراط البنات خرطها بدري.
ضحكت ثريا فتوجعت قائله:
- صادقة يا خالتي، ماهما بيقولوا إنى فيا شبه كبير منك، بس أنا على أحلى.
نغزتها سعديه مره أخرى قائله:
- أحلى من مين يا بت، أنا طول عمري مربربه كده مش زيك مسلوعه، زي اللى عندهم السُل.
ضحكت ثريا قائله:
- مسمهاش مسلوعه، إسمها جسمي سمبتيك.
- سمبتيك
قالتها بحُنق وسخط وأكملت:
- ده حديت العيال بتوع اليومين دول، على أيامي كانت البنات بنات مش زي دلوق مفيش اي معالم للأنوثه الطبيعيه، كله نفخ إشفايف وخدود وحاجات فوق وتحت ونحت وسط، تحسي حاجات مش راكبه على بعضها.
ضحكت ثريا قائله:
- كفايه يا خالتي، إنتِ جايه تباتي معاي عشان تاخدي بالك مني ولا جايه تضحكيني عشان اتوجع.
تبسمت سعديه بحنان قائله:
- إضحكي يا بت خلى وشك ينور، مش بيقولوا إضحك لها تضحك لك.
تبسمت ثريا بضحكه موجعه قائله بحنق:
- والله ضحكت لها كتير هي اللى مش عاوزه تضحك لى.
تنهدت سعديه بآسي لكن حاولت بث الامل فيها قائله:
- وماله إفضلي أضحكى برضك يمكن تتكسف على دمها وتضحلك.
نهضت سعديه تتثائب قائله:
- وكفايه رغي أنا منعوسه وعاوزه أنام، لكن إنتِ مجضياها نوم بمزاجك.
ضحكت ثريا قائله:
- والله انا زهجت من النوم عالسرير ده وعاوزه أطلع من هنا... كفايه إكده أنا بجيت زينة.
تبسمت سعديه قائله:
- أهو جلبك الحامي ده هو اللي هيضيع عافيتك بدري، خلي زيي إكده بشتغل عالهادي، وبعدين إنتِ زعج(زعق)لك نبي نفدتى من الموت بأعجوبه بلاها شوية الحماسه دول... هقوم أمدد چتتي عالسرير التاني، إياكِ تئني تاني بلاش إزعاج كتير.
إبتسمت ثريا قائله بكيد مرح:
- ياريت أمي اللى باتت معاي... عالاقل مكنتش هتسخسر فيا الوكل، اللي كنتِ بعتاه لى، هو ده اللى طلبته منك، خليتي سراج إتمسخر عليا.
ضحكت سعديه وغمزت بعينيها قائله:
- آه صحيح يا بت فكرتيني من اللى وكلك بيده... بالتوكيد الوكل كان طعمة يشهي.
تهكمت ثريا بإستهزاء:
- وكل ماسخ ومالوش طعم.
ضحكت سعديه قائله:
- على خالتك يا بت، يلا كفايه رغي انا صدعت هنام بقى، تصبحي على خير، ووش سراج اللى يادوب بيسيبك مسافة الليل، لو مش مستحي مني انا وأمك كان بات إهنه.
تهكمت ثريا بسخط وأغمضت عينيها مُستسلمه وهي تتذكر معاملة سراج لها مؤخرًا بعد أن فاقت من الغيبوبه، رغم أنه مازال محتفظًا ببعض من جموده وتسلُطه، لكن هنالك شئ آخر تشعر به لا تفهمه... لم تفكر كثيرًا وإستسلمت لغفوة إجبارًا بسبب تأثير بعض أنواع الادويه.
❈-❈-❈
بـ دار العوامر
تمدد سراج على الفراش يعقد يديه أسفل رأسه، ينظر الى جواره تلك الوسادة التى كانت تضع ثريا رأسها عليها أثناء نومها، زفر نفسه يشعر بإشتياق، تلك المُحتالة إستحوزت على جزء كبير من مشاعره، من كان يظن أنه بلا قلب أو وئد مشاعر قلبه، طغت عليه عاطفة قلبه، وضع إحد يديه على موضع قلبه الذي الآن رغم إشتياقه لكن يشعر براحه وهدوء وسكينه عكس قبل أيام.
فقطع عاش لحظات كآنها دهور من الزمن قبل أن تفتح ثريا عينيه.
بالعود الى قبل أيام، حين إضطر الأطباء لمحاولة إفاقة ثريا طبيًا بعد عدم أستجابتها طبيعيًا، بالغرفه التي كانت بها، بالتأكيد لن تتحمل والدتها رؤيتها بذاك الاثناء، كذالك قد لا تستجيب للإفاقه، فضل الطبيب ذلك وإستسلمت نجيه غصبًا تنتظر بشارة بالخارج، بينما سراج ظل مع الأطباء، ينظر الى ثريا يُراقب كل جزء بجسدها..."يديها، قدميها، وجهها" ينتظر إشارة من أي منهم تدل على إستجابتها للإفاقة، لم يطول الوقت، لكن مع ذلك الثانيه تمُر كآنها ساعات.
لاحظ أحد الأطباء رمشة عين من ثريا، فأخبر الطبيب الآخر، تبسم فهذا أمل... مازالوا يحاولون، لاحظ سراج حركة يد ثريا التي تحرك أحد أصابعها ثم إرتخي مره أخري، كانت مؤشرات جيدة بدايتًا، ثم نهايتًا فتحت عينيها، أزعجها الضوء الذي تسلط عليها فجأة فأغمضت عينيها ثم فتحتها تدريجيًا ، ترا بغشاوة فى البداية الى أن إتضحت الرؤية، لم تتعرف على تلك الوشوش، لكن إبتسامة الطبيب حين قال لها:
- أهلًا برجوعك تاني يا مدام، ياريت تقرب يا سيد سراج...
بالفعل إقترب سراج من وجهها وأصبحت تراه فى البدايه كان مازال عقلها غافيًا، بصعوبه نطقت:
- إنت مين؟
إستغرب سراج ونظر للطبيب، الذي تفهم، فـ ثريا ظلت لأيام بغيبوبه مازال عقلها لم يعود لإستيعابه الكامل... أومأ لـ سراج مُبتسمّا يقول:
- متقلقش ده رد فعل طبيعي، عقل المدام لسه بيفوق من الغيبوبه، وعالعموم هننتظر لوقت لو إستمرت الحالة كده هنعمل آشعه عالمخ...
من حسن حظ سراج لم تستمر حالتها كذالك حين خرج الطبيب وبشر بقية عائلة ثريا أنها قد إستجابت وعادت للوعي، وسمح لهم برؤيتها، وبالفعل دخلت نجيه ومعها سعديه ومعهن ممدوح التي تبسمت له ثريا، هو الآخر تبسم لها، تعرفت عليهم جميعًا مما سبب لـ سراج إحساس بالضجر، لكن تغاضي عن ذلك يكفي أنها عادت للوعي أخيرًا... مر يوم وفى اليوم الثاني تذكرت ثريا سراج.
عاود من تلك الذكري مُبتسمًا وهو يتذكر مشاغبته مع ثريا على إقناعها بأن تتناول الطعام مثل الأطفال، تنهد مُبتسمًا، ثريا بداخلها طفله تود بعض من الدلال.
❈-❈-❈
باليوم التالي،
بالمشفى،
بغرفة ثريا،
تبسمت نجيه لـ رغد ورحبت بها بإمتنان لسبب زيارتها لـ ثريا بالمشفى، جلست معهن تبتسم وتحدثت بود... الى أن دخل عليهن ممدوح الذي جاء صدفة، أو ربما كان من حُسن قدرهما... جلس قليلًا، بعد وقت وقفت رغد وتبسمت قائله:
- الحمد لله إطمنت على ثريا، ربنا يكمل شفاها على خير، لما قولت لابوي أنى هزورك قالى متأخرش عشان الموصلات، هستأذن أنا، ومره تانيه حمدالله على سلامتك يا ثريا.
تبسمت لها ثريا بود، بينما نهضت نجيه قائله:
- قربنا عالمغرب صحيح والموصلات هتبقى قليله، إنت كمان يا ممدوح إرجع للدار وفوت على خالتك أقول لها بلاش تتعب نفسها أنا هبات الليله مع ثريا.
تبسم وهو ينهض قائلًا:
- تمام يا أمى.
تبسمت له بحنان:
- روح مع رغد أهو ونس لها فى الطريق.
أومأ موافقًا، غادر الإثنين بينما نظرت نجيه لـ ثريا قائله:
- رغد بنت حلال.
اومأت لها مُبتسمه قائله:
- فعلًا.
لمعت عين نجيه بأمنيه لاحظت ثريا تلك اللمعه وفهمتها وتبسمت ثريا، ثريا علمت أن ممدوح لم يُفكر للحظه ودخل خلفها يُعطيها من دمائه ما يجعلها تعاود الحياة، ممدوح مثلها هُزم، وهزيمته كانت أقسي من هزيمتها، فهزيمة الرجُل معناها إنكسار وإندثار، وهذا ما حدث معه لكن مازال لم يندثر، ربما هنالك معركه آخري فى إنتظاره وقد ينتصر بها.
سارت رغد جوار ممدوح بينهم مسافة لكن عقلها كان مشغولًا، لم تنتبة لسيارة الاسعاف الخاصه بالمشفى والتى كادت تصتدم بها لولا أنه إنتبه ونظر نحوها صدفه فجذبها بعيدًا عن السيارة... إنتبهت وبوله إنخضت لكن سرعان ما تبسمت لـ ممدوح الذي قال لها:
- مش تاخدي بالك.
شعرت بحرج وكذالك رعشه بجسدها من لمسة يده... سُرعان ما سحبت يدها منه وتبرجل عقلها بخجل صامتة واكملا سيرهما معًا الى أن وصلا الى مكان تلك الحافلات وصعدا معًا الى إحد سيارات الأجرة جلس هو بالداخل، لكن لاحظ أن هنالك آخر صعد للسيارة وإحتك بـ رغد التى تضايقت منه بسبب ذلك، فهم أنها متضايقه، فنهض قائلًا:
- رغد تغالى اقعدي إنتِ جنب الشباك.
وافقت ببسمه وإعتدلت جالسه مكانه وهو مكانها جوار ذاك السخيف... شعرت بنسمة هواء خريفيه مُنعشه تدخل الى روحها تزيدها أنشراحً، مشاعر تخشي لو اباحت بها لنفسها قد يُدمرها القدر.
❈-❈-❈
بعد مرور عِدة أيام،
صباحً بـ دار عمران العوامر،
نَهض سراج من خلف طاولة الطعام مُبتسمًا بعدما سأله آدم:
- هي ثريا هتخرج النهارده من المستشفى.
تبسم قائلًا:
- أيوه الدكتور قال حالتها بقت كويسه وتقدر تخرج من المستشفى وإن إحتاجت لأوكسچين وممكن نجيب لها أنوبه هنا.
إبتسم آدم كذالك حنان التى قالت بمحبه:
- ربنا يكمل شفاها على خير.
إبتسم سراج لها وهو يغادر لكن توقف مع عدلات بردهة الدار وسألها:
- كل حاجه بقت جاهزه.
إبتسمت له قائله:
- تمام يا سراج بيه، وفرحانه إن ربنا خد بيد ثريا وربنا كتب لها عمر جديد، ربنا يسعد جلبها وجلبك يارب وتتهنوا سوا.
أومأ لها مُبتسمًا... وغادر.
بينما بغرفة السفره تفوهت ولاء عن عمد:
- وإنتِ يا حنان مش ناويه بقى تقلعي لبسك للعبايات السوده ده، إنتِ المفروض لسه عروسه، معرفش ايه فجأة اللى حصل فى الدار ده، نحس وصابنا، من بداية جواز سراج وبعدها آدم، يظهر الناس حسدونا مفكرين إننا الفرح عندنا زايد.
كادت أن ترد عليها حنان، لكن نظرة آدم منعتها حتى هو الآخر ظل صامتًا، لكن قطع صمته صوت رنين هاتفه، أخرجه من جيبه ونهض قائلًا:
- دي خالتي رحيمه هطلع أكلمها من الجنينه لو خلصتي فطورك تعالى معايا يا حنان.
إبتسمت حنان ووضعت يدها بيده المُمدوة ونهضت معه وغادرا، مما سبب ضيق لـ ولاء التى التزمت الصمت فيكفي ما تشعر به من غِل وحقد.
بينما خرجا آدم وحنان الى حديقة المنزل وتحدثا مع رحيمة التي صدفة علمت بإصابة ثريا من حنان لامت عليهما أنهما أخفوا عنها ذلك فـ ثريا لديها مكانه بقلب رحيمة وطلبت من آدم إرسال سيارة خاصة كي تأتي بها، أغلق آدم الهاتف ونظر الى حنان التي تبسمت له قائله:
- هتتأخر بالليل.
إبتسم مجاوبًا:
- معرفش.
إبتسمت بدلال قائله:
- لاء متتأخرش وأرجع بدري عشان أنا بقلق عليك لما تتأخر... ومش بعرف أنام غير لما ترجع الدار قلبي بيطمن.
إبتسم لها قائلًا:
- تمام، هحاول، إنت هتروحي بيت أبوكِ النهاردة.
هزت حنان رأسها بـ لاء قائله:
- لاء، هفضل فى إستقبال ثريا.
إبتسم آدم وهو يُغادر، ربعت حنان يديها حول صدرها تتنهد بعشق تنظر فى آثر آدم، لكن قطع نظاراتها صوت هاتفها... أخرجته من جيبها ببسمه لكن سُرعان ما إنسأم وجهها وهي ترا هوية مُرسل تلك الرساله، في البدايه كادت تتجاهل الرساله، لكن بالخطأ فتحت الرساله وقرات فحواها وإرتجف قلبها... تخشي على سعادتها مع آدم أن تنتهي سريعًا، بل الاسوء تخشي على آدم نفسه.
❈-❈-❈
مساءً،
بمنزل قابيل،
بشقته مع إيناس دخل وجدها تجلس أرضًا تقوم بتوبيخ صغيرتها بسبب أنها قامت بسكب محتوي كآس العصير، تضايق منها وجذب صغيرته التي تبكي وحاول تهدئتها، بينما إيناس نهضت بغضب تخفي إحساسها بالنقص أمام قابيل، ذهبت الى غرفة النوم وتمددت على الفراش، بعد دقائق دخل خلفها وجدها مازالت مُستيقظه، فقام بعتابها قائلًا:
- على فكره دي بنت صغيرة والمعامله القاسيه دي معاها ممكن....
نهضت إيناس من فوق الفراش بتعسف قائله:
- عارفه إنها بنت صغيرة بس لازم تتربي مظبوط مش كل شويه تغضب وترمي أي حاجة فى ايديها أنا زهقت من دلعها الزايد.
إستغرب قابيل ذلك ولم يتحدث وذهب نحو شُرفة موحودة بالشقه، ليته ما خرج الا يكفي غباء تلك الجاحده، ليرا ما يجعلع يشعر بغضب زائد.
خين رأي تلك السيارة التي توقفت وترجل منها سراج أولًا ثم خلفه والدة ثريا وخالتها، ثم هي ليزداد غضبه وهو يرا سراج يحمل ثريا يدخل بها الى الدار... دلف الى الداخل وأغلق باب الشرفة الزجاجي، كم ود تكسير ذاك الزجاج، لكن حاول تمالك غضبه الذي هدأ بعدما نظر الى شاشة هاتفه وتبسم، وكاد يغادر الشقه، لكن أوقفته ايناس بسؤال:
- إنت خارج؟
أجابها وهو بعطيها ظهره:
- أيوه، وخفي شويه من القسوة على بنتك.
غادر وتركها تشعر بجحود، وهي تسمع عن إهتمام سراج الفترة الماضية بتلك الحمقاء المُتسلقة ثريا التي لا تقارن بها فهي ذات أصل ونسب عالي عنها، بينما هي تجاهل قابيل مرضها منذ أن كانت بالمشفي قام بزيارتها مره واحدة كأنها بلا أهمية، خسارتها لرحمها الذي معه فقدت فرصة أن تكون أم مرة أخرى وتُنجب أطفال أكثر قد توطد علاقتها بـ قابيل.
قابيل الذي عشقته منذ أن وعت على الحياه أصبح لها هوسًا ظنت بالزواج منه أنها وصلت الى مبتغي السعادة، لكن... لكن ماذا؟ لن يتخلي عنها هو فقد حزين على ما أصابها وجفاؤه هذا مجرد وقت فقط.
❈-❈-❈
قبل دقائق،
توقفت سيارة سراج هرول منها سريعًا ذهب نحو الباب الخلفي فتح باب السيارة لـ ثريا التي تحاملت على نفسها وترجلت هي الآخر.
نظرت لها نجيه قائله:
- الدكتور قال بلاش توقفي كتير على رٌجليكِ.
جائت من الخلف سعديه هي الاخري موافقه نفس حديث نجيه، إستسلمت لهن ثريا قائله:
- تمام أنا يادوب نزلت من العربيه، والمسافه من إهنه للاوضة مش كبيرة وهقدر...
نظر لها سراج قائلًا:
- مش هتقدري تمشيها يا ثريا.
بلحظه كان يحملها رغم إعتراضها، لكن هي حقًا لن تستطيع السير حتى لبعض خطوات، كما أنها آنت بآلم بسبب حمل سراج لها، لكن لم تُظهر ذلك لسببين.
السبب الأول عنادًا وأنها اصبحت بخير... والثاني مراعاةً لخوف والدتها قد تفزع وتطلب من سراج إعادتها للمشفي وهو لن يعترض ليس حبًا فيها بل لانه يعلم انها مثل المُقيدة بتلك المشفى... صمتت دون إعتراض بينما أخفى سراج بسمته حتى لا تضجر ثريا، كذالك يترقب رد فعلها بعد لحظات.
صعد سراج بـ ثريا وخلفه سعديه ونجيه، لكن إستغربت ثريا حين تخطي سراج مكان غرفتهما وصعد الى أعلى وكادت تسأل لكن تفاجئت بـ رحيمه تقف أمام باب تلك الشقة المفتوح تقول بحِنيه ممزوجة مع عتاب:
- إكده يا سراج تخفي عليا اللي حصل لـ ثريا، أنا كنت بسألك عنها تجولي إنها بخير، تقول عليا إيه دلوق إني معبرتهاش.
تبسم سراج قائلًا:
- معليشي يا خالتي حقك عليا، وسعي خليني أدخل ثريا ونتعاتب بعدين.
إبتسمت له رحيمه، مع ذلك ثريا مازالت غير مُتفهمه، حتى دخل سراج بها الى تلك الشقة التي أصبحت مُجهزة بأثاث كامل، تجولت عينيها دون فهم، حتى حين دخل سراج الى إحد الغرف التي كانت مجهزة بأثاث غرفة نوم جديدة، وضعها على الفراش بهدوء وحذر، نظر الى عينيها التي تضخ بسؤال، لم تنتظر وسألته:
- إيه اللي جابنا هنا، ليه مروحناش الأوضة اللي تحت.
تبسم مُجيبًا:
- دي شقتنا وأخيرًا جهزت، الاوضة كانت وضع إحتياطي بسبب إن جوازنا تم بسرعه.
تهكمت ثريا بسخط قائله بإعتراض:
- شقتنا...
أومأ سراج مؤكدًا:
- أيوه وخلاص إنتهت من التشطيب وكمان الفرش.
إتسعت عين ثريا بغباء وهي تنظر الى بسمة سراج، لكن بداخلها إندهاش، قبل إصابتها لم تدخل تلك الشقة وكانت تعلم أنها شبه مُنتهية التشطبيات الأساسية، وبها بعض الأثاث، لم تهتم رغم معرفتها أن تلك الشقة خاصة بـ سراج حتى ليالي حين كان يتشاجران كان يبيت بها ليلاً، ما الذي تغير... سؤال إجابته لدى سراج، لكن بسبب بعض الألم صمتت حين دخلن والدتها مع سعديه ورحيمه، التي تبسمت لـ ثريا وجلست جوارها على الفراش بهدوء تتحدث لها بحنو، وثريا تطمئنها أنها أصبحت بخير وأنها ليست عاتبة ولا أخذه بخاطرها من تجاهل رحيمه بل إلتمست لها المحبه التي دائمًا كانت تراها منها.
بينما غادر سراج الشقة وتركهن مع ثريا لا تعلم إلى أين ذهب وتركهن معها لتلك الأسئلة برأسها، لماذا الآن جاء بها إلى هنا... ما الذي تغير عن السابق.
❈-❈-❈
باليوم التالي،
قبل سطوع الشمس،
بأحد دهاليز سفح الجبل، كان الظلام، دخل قابيل الى ذاك المكان، لكن سُرعان ما إنخض حين أشهر ذاك المتوحش سلاحه نحوه، شعر بهلع قائلًا:
- أنا قابيل.
أشعل الآخر ضوء هاتف خلوي وسلطه نحو سراج، فأخفض سلاحه، آلتقط قابيل نفسه الغائب قائلًا:
- قطعت خلفي يا أخي، هو فى حد يعرف إنك إهنه غيري.
تحدث الآخر بغلظه:
- عاوز إيه يا قابيل.
جلس قابيل الى جواره قائلًا:
- جايلك فى شغلانه مفيش حدا هيعرف يعملها غيرك.
سأله:
- وإيه هي الشغلانه اللي تخليك تتسحب لإهنه دلوق؟
أجابه ببساطة:
- إغتيال سراج العوامري... اللي لك طار حداه هو اللي صفي عدد كبير من رجالتك وخلاك تبجي مذعور إكده ومتسخبي كيف الولايا.
لمعت عين الآخر فهو يشتهي دائمًا الإجرام، فكر للحظات ثم قال له:
- تمام سيبني كام يوم أفكر في طريقه وكمان أجمع رجاله معايا من اللي هربوا يوم مداهمة البوليس، تعرف لو أنا مش شايف سراج العوامري نفسه بين قوات الأمن مكنتش صدقتك، أنا بصعوبه هربت منه... دلوق لازمن أفكر كيف أخد طار رجالتي منه.
❈-❈-❈
ظهرًابشقة ثريا،
مازال بعقلها سؤال لماذا جاء بها سراج إلى تلك الشقة، كانت نائمة فوق الفراش، حين صدح رنين هاتفها، جذبته وتبسمت، حين رات رقم خالتها، تذكرت إتفاقهن صباحًا بان تقوم بتجهيز قطعة أرضها لزراعة القمح فلقد تأخر الوقت، وكل ذلك كان بسبب إصابتها، أصبح لابد من تجهيز الأرض، إتفقن ان تقوم هي وزوج خالتها بحرث الأرض وتجهيزها، ربما هنالك شئ تود إخبارها به، بالفعل قامت بالرد لتسمع خالتها تقول:
- ثريا إنتِ كنتِ متفقه مع أُجريه يحرتوا الأرض ويجهزوها، أنا فى الأرض وفى راجلين معاهم محرات بيحرتوا الارض.
استغربت ثريا قائله:
- كنت هتفق معاهم كيف يا خالتي وانا فى المستشفى، قربي منهم كده بس بحذر وأسأليهم إيه اللي نزلهم أرضي، و خليكِ معاي عالموبايل متقفليش، جوز خالتي معاكِ.
أجابتها وهي تسير نحو ذاك الذي يحرث الأرض قائله:
- أه معاي متقلقيش، ده هما إتنين وشكلهم مش شرانين، إنتظرت ثريا معها على الهاتف حتى سمعتها وهي تسأل أحدهم:
- يا ريس جولى مين اللى إتحدت وياك وجالك تحرت الارض.
أجابها ببساطة:
- سراج بيه العوامري.
سمعت ثريا قول العامل، كزت على أسنانها بغيظ، تقول:
- ما شآنه ولما يفعل ذلك هل يظن أن يستغل مرضها ويسطوا على الأرض لكن واهم، أغلقت الهاتف تشعر بغيظ مُستعر وحسمت امرها وتحاملت على آلم جسدها، وبدلت ثيابها بأخري مناسبه لابد أن تذهب إلى أرضها لن تتركها له، فالبتأكيد أفعاله الحسنه معها بالايام الماضيه كانت خداع.
خرجت من غرفة النوم بغضب تتراقص الشياطين أمامها لعدم إنتباهها تصادمت فى سراج الذي جاء للتو، شعرت بآلم بجسدها بسبب ذاك إلاصطدام، إنخض سراج حين رأها تآن بآلم طفيف، هلع وضع يده فوق كتفها سائلًا:
- ثريا مالك، إيه اللي بيوجعك أتصل عالدكتور يجي يشوفك.
نظرت لـ سراج تشعر بإندهاش من لهفته عليها وطريقة حديثه الهادئه معها مؤخُرت ، فكرت أحقًا يخاف عليها أم هذا رياء... ثواني وأجابت نفسهابالتأكيد رياء، نفضت يده عنها بضعف وكزت على أسنانها تتحمل ذاك الآلم ثم نظرت لـ سراج بغضب قائله:
- إنت بعتت أُجريه يشتغلوا فى أرضي.
أجابها ببساطه:
- أيوه، هو ده السبب اللى قومك من السرير.. فيها إيه؟
صقكت أسنانها بغضب قائله:
- إنت مين عطاك الحق تبعت أُجريه يشتغلوا فى أرضي.
سراج بلاش تلعب معايا دور الحِنية ده مش لايق عليك إحنا عارفين بعض كويس، وإبعد عن أرضي مالكش دعوة بها، وأهو إنت شوفت فى لحظة كان ممكن أموت وبرضوا مكنتش هتورث الأرض لوحدك.
إبتلع حديثها الجاف وهو ينظر لها وإرتسمت بسمه على شِفاها قائلًا بعبث:
- مش أرض مراتي وجنب أرضي، قولت لهم يجهزوها عشان زراعة القمح والارض متبقاش متأخره عن جيرانها.
شعرت بغيظ من رده البارد وكادت تتحدث لكن سراج ضمها بين يديه قائلًا:
- على فكره الدكتور قال بلاش تتعصبي عشان نفسك ميضقش، وكمان لازم تفضلي راقدة فى السرير لأن الجرحين اللى فى جسمك لساهم ملتئموش، وممكن ده يأدي لمضاعفات تاني.
جذب يدها للسير معه، لكن هي شعرت بعصبيه وحاولت نفض يده لكن تألمت، رجف قلب سراج لكن إمتثل بالهدوء قائلًا:
- العصبيه مش هتفيدك، وبلاش عناد يا ثريا، عنادك ده كلفك خسارة كبيره قبل كده.
نظرت له بغيظ وسأل عقلها:
- وهل تعلم شئ عن خساراتي السابقة، حين غصب ذاك المُجرم غيث بالعودة الى براثن إجرامه... لكن لا هي ليست تلك الفتاة الضعيفه التي كانت تُشبه الرمال الهشه التي أقل عاصفة هواء تجرفها، هي أصبحت صخرًا في«صحراء جرداء».
رواية عشقت طالبتي الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم منار حسين
صباحً بمنزل نجيه.
فتحت باب المنزل للطارق، وأخذت من ذاك الشخص ذاك المُغلف المُرسل بإسم "ممدوح".
أغلقت الباب، يدها ترتعش بشعور مُريب.
عن ماذا بذاك المُغلف يخُص ممدوح؟
رفعت نظرها عن المُغلف حين سمعت صوت ممدوح الذي خرج من غرفته يتثائب قائلًا:
صباح الخير يا أمي، مين اللي كان بيخبط على باب الدار؟
بيد مُرتعشه رفعت ذاك المُغلف قائله:
ده واحد عطاني الظرف ده وجال إنه لك.
ضيق ممدوح عينيه وأخذ من يدها المُغلف قائلًا:
إيه الظرف ده؟
لوهله خفق قلبه بيأس حين أخذ منها المُغلف ورأى مطبوعًا عليه شعار خاص بإحدى المدارس الخاصة. توقع أن يكون كالمعتاد اعتذار منهم لعدم اجتيازه في اختبارات قبول التعيين لديهم.
لكن بقايا أمل بداخله جعلته يفتح ذاك المُغلف، وقرأ تلك الورقة المرفقة بالمُغلف.
اندهش وعاود مرارًا قراءة تلك الورقة عن تأكيد.
سُرعان ما انشرح قلبه وابتسم، واقترب من نجيه وقبّل يدها قائلًا:
أخيرًا يا أمي، ربنا استجاب لدعواتك.
على فرحته انشرح قلب نجيه وزالت الريبة. وضعت يدها على رأسه بحنان سائلة:
إيه اللي في الظرف ده بسطك أوي كده؟
قَبّل يدها مرة أخرى قائلًا:
ده جواب قبول إني أشتغل مدرس في مدرسة خاصة إنترناشينونال ولها فروع في مصر كلها. أخيرًا يا أمي هيبجي لي قيمة وأنا بدرس للطلاب في المدرسة، هشتغل بالمؤهل بتاعي وفي المهنة اللي طول عمري بحلم بيها.
زاد انشراح قلبها وهي تضمه بحنان، تدمع عينيها لفرحته هكذا. ربّتت على ظهره بأمومة.
رفع وجهه وقبّل رأسها مرة ومرات، قائلًا:
بعد كده مش هضطر أشتغل صبي في القهوة، هأجرها، لأ، هسيبها نهائي.
ابتسمت له قائلة:
انت قيمتك عالية يا ولدي، وعقبال ما أفرح بجوازك يارب.
قبّل يديها قائلًا:
هيحصل يا أمي، بس واحدة واحدة كده. دلوقتي هيبقى ليا مقام عالي، مدرس مش صبي قهوجي.
وضعت يدها فوق كتفه قائلة:
ربنا يعلي من مقامك يا ولدي ويحقق لك كل أمانيك انت وأختك يارب.
بعد قليل، خرج ممدوح من المنزل بزي مُنمق، وذهب نحو محل البقالة. ابتسم يُلقي الصباح:
صباح الخير يا عم فتحي.
أجابه فتحي ببسمة سائلًا بفضول:
صباح الورد يا ممدوح، متشيك كده ورايح فين دلوق؟
وضع يديه يضم طرفي معطفه يُهندمه قائلًا:
بارك لي يا عم فتحي، أنا قُبلت التعيين في المدرسة الخاصة اللي كنت قُلت لي عليها. قدمت وروحت الاختبارات والحمد لله جالي جواب قبولي أشتغل هناك. ورايح المدرسة، ادعي لي يسهلوا معايا في إجراءات التعيين.
تبسم له فتحي بود قائلًا:
ربنا معاك يا ولدي ويرفع من شأنك، انت ابن حلال وتستاهل كل خير.
بنفس الوقت جاءت رغد تحمل بيدها بعض الأكياس. خفق قلبها حين سمعت حديث والدها. ماذا يعني ولماذا هذا المديح؟
نظرت نحو والدها قائلة:
جبت الحاجات اللي طلبتها يا أبوي.
ابتسم لها. بينما نظر ممدوح لرغد مبتسمًا. زادت بسمته حين أخبرها والدها:
مش بتباركي لممدوح، ربنا كرمه والمدرسة الخاصة بعتوا له جواب قبول إنه يشتغل فيها مدرس.
في البداية ارتجف قلبها بريبة، ثم انشرح بسعادة، ونظرت نحو والدها وتبسمت كذلك. هنأت ممدوح الذي تركهما. بينما نظرت رغد في أثره، ثم شعرت بانتباه والدها، فنظرت له قائلة:
كانت فكرتك هايلة يا أبوي إنك كلمت سراج العوامري يستخدم نفوذه.
مساءً بمنزل والدة ثريا.
وقفت نجيه تذم ثريا بلوم قائلة:
انت ناسيه الجروح اللي في جسمك، إزاي...
قاطعتها ثريا بتطمين:
أنا الحمد لله بقيت كويسة وبخير، والجروح تقريبًا طابت، فاضل بس أثرها مع الوقت هتختفي.
لكن سرعان ما همست لنفسها:
أول يمكن تسيب ندوب في جسمي زي حرق غيث.
لوهلة شرد عقلها أن بسبب ذاك الحرق توارت لفترة تزيد عن شهر ونصف عن العيون حتى لا يلاحظ أحد أنها لا تستطيع السير على قدميها، بسبب قسوة الألم اللي كانت تشعر به حين تحتك ساقيها ببعضهما. فسرت والدتها وخالتها أن سبب ذلك الانزواء كان حتى لا يرى أحد شفقة ولا لوم من أحد عليها، ليس حزنًا كما فسره البعض. كذلك كانت تعاقب نفسها بتحمل الألم حتى لا يضعف قلبها مرة أخرى وينسي مذاق الألم. تذكرت سبب اعتراضها على رغبة سعديه بعدم عودتها مع غيث بعد شبه أن تعافت من اغتصابهن لها بتلك الطريقة القذرة. كان تهديده لها بقتل والدتها وأخيها، كذلك أبناء خالتها التي تغويها بالتمرد عليه. لم ترهب بحياتها مثلما خافت من غضب غيث الذي كان فيضانًا من الشر يدعم قلبه "قاتل، سادي" يستلذ بمنظر الدماء. كان ديوثًا مع النساء لا أخلاق لديه، حتى وإن فرض على أحد رجاله أن يعاشر زوجته لمجرد إعجابه بجسدها وإذلالها بأن تراه معها. وهي كانت عاهرة لم تمنع بل رغبت به وفعلت مثلما يريد. بالنهاية كانت عاهرة لا يفرق معها أفعال شاذة، حلال من حرام. وهي تصرخ بمتعة مستلذة، كأنها ليست خائنة، ولا لوجود زوجها الموالث عليهم لتنتهي الليلة بقتل زوجها الذي كان يستحق تلك الرصاصة لمجرد أنه فتح الباب وقطع عليهم وصلة عهرهم.
غاص قلبها بألم وخوف. غيث كان القتل هواية وغواية لديه. خافت على والدتها وأخيها، كذلك خالتها وأبنائها. استسلمت لطغيان غيث يغرقها بسيول جارفة جرفت لديها الإحساس وأصبحت متبلدة المشاعر.
المشاعر على ذكرها تذكرت سراج الذي تبدل كثيرًا في معاملته معها. لكن ذمها عقله، ربما يفعل ذلك طريقًا آخر يسلكه كي ينال ما يبغي. سياسة الترغيب بعد أن فشل في الترهيب سابقًا. بالتأكيد ذلك خداع منه، مخطط آخر. فكيف تتغاضى عن مساواته الخسيسة لها سابقًا؟ وجود خطيبته السابقة كضيفة شرف ذات شأن حتى بعد أن كانت غادرت عادت مرة أخرى بعد أن قضت عدة أيام سياحة بالأقصر وأسوان. لا، لن تقع في الفخ مرة أخرى، عليها دائمًا أن تحذر وتفترض أن الجزء الأسود دائمًا يطغى.
انتبهت لوالدتها حين ذهبت نحو ذاك الباب وكادت تغلقه. تفوهت بتسرع:
سيبي الباب مفتوح يا أمي.
لم تستمع لها وأغلقته، ثم عادت نحوها قائلة:
كفاية عناد يا ثريا، إصابتك ما كانت سهلة، دايمًا بتعاندي وفي الآخر...
أكملتها ثريا:
في الآخر بنهزم. بس خلاص مش ناوية إنهزم تاني. ولازم أرجع أشتغل، الزباين اللي موكليني عنهم هيطفشوا لو فضلت كده راقدة زي ما انت عاوزه. محدش هيحن علينا لما نتحوج يا أمي.
تدمعت عين نجيه. فهمت حديث ثريا. غص قلبها هي أكثر من انحنت من أجل الحاجة. تنهدت قائلة:
ربنا ما يحوجك تاني يا بتي، ربنا يخلي جوزك وأخوكِ.
لوت ثريا شفتيها بتهكم وحسرة وشفقة وضحكة سخرية قائلة:
جوزك... أخويا. جوزي... اللي كل هدفه حتة أرض. أخويا... نفسه محتاج اللي يساعده.
عارضتها نجيه:
جوزك لو شوفتي منظره في الأيام اللي كنتِ غايبة فيها عن الوعي، كنت عرفتي قد إيه هو بيعزك.
تهكمت ثريا بسخرية وألم قائلة:
مفيش أسهل من التمثيل عند العوامرية. لكن في لحظة القناع بيختفي وتظهر حقيقة قلوبهم، بس لمجرد يوصلوا لغايتهم.
عارضتها نجيه مرة أخرى:
وسراج هيمثل ليه وإيه غايته منك؟
تهكمت بحسرة:
الأرض. كفاية يا أمي، بلاش تتعبيني. أنا بقيت كويسة وبخير، وهرجع أشتغل من تاني. كمان هراعي أرضي اللي هي تمن عمري.
تصعبت نجيه بأسى واقتربت من ثريا وكفت عن إقناعها. تعلم أن ثريا لن تتراجع. هي لا تثق بسراج ولا أحد. كادت تخبرها أنها تعلم كم تألمت بعد قتل غيث بسبب ذاك الحرق. هي رأته صدفه حين دخلت عليها بإحدى الليالي كانت غافية، وانزاح الدثار من عليها، رأت ذاك الحرق. علمت لما كانت تتواري حتى لا يشفق عليها أحد. لم تخبرها أنها رأت ذلك حتى لا تكذب عليها وتخترع سببًا غير حقيقي. حولت دفة الحديث قائلة:
ابقي باركي لأخوك في مدرسة خاصة. بعتوا له جواب تعيين فيها وراح لهم ورجع مبسوط، هيشتغل مدرس زي ما كان نفسه طول عمره.
سعد قلب ثريا قائلة:
أخيرًا حد فينا ربنا حقق له اللي كان بيتمناه.
تبسمت نجيه بأمومة قائلة بدعاء:
اللي يصبر ينول، وربنا إن شاء الله هيجبر بخاطري فيكم.
بعد قليل بدار عمران العوامري.
ابتسم لعضلات التي قابلته فسألها:
ثريا نزلت من فوق.
أجابته ببسمة:
ثريا خرجت من الدار، قالت إنها رايحة دار الست نجيه.
زفر سراج نفسه بغضب قائلًا بعصبية ثم توعد:
دي مجنونة ولا إيه؟ ناسيه إصابتها. تمام.
لم ينتظر وخرج مرة أخرى. ابتسمت عدلات قائلة:
أنا غلبت فيها وهي عاندت، خلى بقى سراج بيه هو اللي يقنعها.
بعد قليل.
كانت ثريا جالسة خلف ذاك المكتب الصغير تنكب على قراءة إحدى قضايا لديها. شعرت ببعض الألم. تركت قراءة ذاك الملف وأضجعت للخلف بظهرها. وضعت إحدى يديها على جانبها تهمس لنفسها:
الوجع رجع تاني. نسيت أجيب معايا المسكن. يلا هانت، ساعة كده وأقوم أرجع لدار العوامري وأبقى آخد المسكن، هرتاح من الألم ده.
رفعت وجهها ونظرت نحو باب الغرفة الخارجي حين لاحظت ظل طيف يطل عليها من باب المكتب. زفرت نفسها وتغاضت عن ذاك الألم. من ملامح وجه سراج علمت أنه متعصب. لم تهتم بعبوسه، واعتدلت وجذبت ذاك الملف وعاودت النظر به دون اهتمام.
بينما شعر سراج بالعضب أكثر واقترب منعًا صامتًا حتى أصبح جوارها. انحنى وقبض بيده على عضد يدها يجذبها للوقوف قائلًا يضجر:
المدام يادوب لقت نفسها اتعافت شوية، قالت أرهق نفسي. ناسيه إصابتك، ومين سمح لك بالخروج من الدار؟
غصبًا امثلت وقفت تنظر له بتمرُد:
مالوش لازمة الحديث ده، وعادي خرجت من إمتي كنت باخد إذن من حد.
صك سراج على أسنانه بغضب قائلًا:
تمام، أنا بقول كفاية تمرد واتفضلي معايا ولينا كلام تاني لما نرجع الدار.
كادت أن تعترض ثريا. لكن بنفس الوقت ذهبت نجيه من الباب الآخر، وتفوهت بأمر:
ثريا كفاية كده، بلاش عناد على حساب صحتك و....
قطعت بقية حديثها حين تفاجأت بوقوف سراج جوار ثريا. ابتسمت له قائلة:
كويس إنك جيت يا سراج. أنا حضرت الأكل، تعالى نتعشى سوا.
ابتسم لها بود ورحب بذلك قائلًا:
دايمًا عامر، أنا فعلًا جعان وعرفت من ثريا إن نفسك في الطبيخ لا يقاوم.
نظرت له ثريا ولوت شفتيها بحنق وسخط. بينما جذبها سراج مبتسمًا ودخلا إلى المنزل. تناولا مع نجيه وممدوح العشاء بجو صافٍ وود، تجاذب الحديث معهم ببساطة، حتى أنه هنأ ممدوح بتلك الوظيفة اللي كان يتمناها. بينما ثريا بدأ الألم يشتد أكثر، رغم أنها معظم الوقت شبه صامتة، تسمع فقط.
بعد وقت لاحظ سراج ملامح ثريا التي تغضنت، كذلك وضعها يدها على مكان أحد الجرحين بجسدها، وكذالك ضغطها على أسنانها كي تتحمل الألم. شعر بغضب مصحوب بلهفة ولم يتفوه حتى لا يلفت نظر نجيه وتشعر بالقلق على ثريا. نهض واقفًا يقول:
القعدة معاكم يا جماعة ميتشبعش منها، بس أنا بصراحة مرهق ومحتاج أرتاح. يلا بينا يا ثريا.
لولا الألم اللي تشعر به لكانت اعترضت. امثلت تود تناول مسكن يخفف من حدة شعورها بالألم.
بعد قليل بداخل دار العوامري.
ابتسمت عدلات حين استقبلت سراج وثريا، تحدثت باحترام:
العشاء انتهى، أحضر لكم عشاء وأجيبه عالشقة بتاعتكم.
أومأت ثريا رأسها بلا. بينما تفوه سراج:
لأ، كتر خيرك. إحنا اتعشينا عند بيت حماتي.
ابتسمت له قائلة:
بألف هنا.
أومأ لها مبتسمًا يقول:
تصبحين على خير.
بعد لحظات كانت ثريا تسير أمامه صاعدة إلى تلك الشقة. لكن توقفت كأن الألم اندثر. استدارت له قائلة:
ليه دلوقتي نقلت محل الإقامة من الأوضة للشقة؟
نظر لها مبتسمًا وصعد بجوارها. وضع يده على كتفها قائلًا:
خلينا نطلع للشقة نتكلم براحتنا. الوقفة كده مش كويسة عشان صحتك.
نظرت له بسخط قائلة:
ليه؟ أنا الحمد لله صحتي بقت كويسة.
ابتسم وجذبها للصعود معه حتى دخلا إلى الشقة. أغلق سراج الباب ونظر إلى ثريا التي لوهلة انحنت قليلاً تشعر بألم. تلهف سراج نحوها بغضب قائلًا:
عنادك هيضرك يا ثريا.
نفضت يده عنها قائلة:
عاوز توصل لإيه يا سراج؟ دور النعومية ده مش داخل عليا. متعودتش عالاهتمام المبالغ.
نظر سراج لها قائلًا:
ثريا، بلاش تفسري كل حركة على هواكِ، وياريت كفاية عناد على حساب صحتك.
لم يقف أمامها متعمدًا. ذهب نحو غرفة النوم متأكدًا ثريا ستأتي خلفه. هي تشعر بألم، هو سابقًا ذاق مثل إصابتها ويعلم أن الجرح يأخذ وقتًا قبل أن يلتئم، ويسبب وجعًا.
بسبب الوجع تبعته ثريا ودخلت إلى غرفة النوم. لم تتفاجأ حين وجدت سراج يقف بيده تلك الأدوية الخاصة بها يمد يده بها. أخذتها منه لم تعاند، يكفي ألمها. تناولت الأدوية ثم نظرت ليده الممدودة بكوب مياه. أخذته وارتشفت القليل، لكن لم تعطيه كوب المياه. ذهبت هي ووضعته وجلست فوق الفراش تنظر لسراج تنتظر أن يغادر كي تبدل ثيابها وتنظر إلى تلك الجروح التي بجسدها. لكن سراج تعمد الاقتراب منها ومد يده على مقدمة ثوبها وكاد يفتح الأزرار الأمامية.
لكن ثريا وضعت يدها فوق يده بغضب قائلة:
إنت هتعمل إيه؟
أجابها ببساطة:
هساعدك تقلعي هدومك، مش عيب أنا جوزك.
تهكمت بغضب ونهضت بعيدًا عن يديه قائلة باستهازاء:
لأ مش عيب، بس متشكرة وفر خدماتك. أنا هاخد غيار وأروح أغير في الحمام.
ابتسم سراج باستفزاز لثريا التي اغتاظت منه ولم تتحدث. ذهبت نحو خزانة الثياب أخذت لها ثيابًا، ومن ثم توجهت نحو الحمام بصمت. دخلت تقف خلف باب الحمام تشعر بزهق من أفعال سراج التي تراها زيادة عن الحد في الاهتمام بها. ضجرت من ذلك. زفرت نفسها تنفخ أوداجها بغضب قائلة:
إنتِ اللي لجمتي نفسك بخيوط حديدية مع سراج وهو اللي بقى متحكم في الخيوط دي. لو فضلت على كده هو هيكسب، ومتأكدة لما يوصل لغرضه هيفك هو الخيوط دي ويرجع للنسخة القديمة من تاني. فوقي، لازم يكون لكِ أسلوب شديد. وكفاية ضعف.
بدلت ثيابها. بنفس الوقت استغرب سراج وجودها بالحمام. طرق على الباب سائلًا بقلق:
ثريا إنتِ كويسة، إيه...
قاطعته حين فتحت باب الحمام بغضب ونظرت له بعصبية قائلة:
أنا بخير وفر الرياء ده، كفاية أنا اتخنقت منه. ومن فضلك بلاش تحسسني إني طفلة.
ببرود ابتسم سراج متقبلًا غضب ثريا، وابتعد عنها ذهب نحو الفراش وتمدد عليه صامتًا.
تنهدت ثريا بحنق وذهبت للناحية الأخرى من الفراش تمددت على الفراش. سرعان ما غفت بسبب ذاك المسكن الذي تناولته. بينما سراج شعر بانتظام أنفاسها. نظر لها وتبسم. لتلك الطفولية التي ظهرت عليها وهي تحدثه قبل قليل. سأل عقله:
منذ متى فلت اللجام من بين يديك لتعشق تلك العناديه المتمردة، ومتى احتالت على قلبك؟
والجواب:
منذ أن رأيت حورية الشمس سحرتك رغم بساطتها. احتالت عليه ولجمتك بخيوط من نور. في البداية كانت الضوء متوهجًا أكثر من اللازم فجعلك تغمض عينيك. لكن مع الوقت انجذبت لوهج الضوء وانكشف جزء من العتمة. ثريا، هناك ألغاز بحياتها. والسؤال الأول: لماذا عادت مع غيث؟
والجواب:
بالتهديد أكيد. واعتراض؟ أو ربما هي أرادت ذلك وخاضت تجربة خاصة. هناك من يعشق تلك الأفعال الشاذة. واعتراض آخر: لا، ثريا ليست هكذا. وإلا كان ظهر عليها. هي متبلدة المشاعر وبالتأكيد سبب ذاك التبلد هو ما مرت به.
أسئلة وإجابات واعتراضات بدأت تشغل عقل سراج وقلب عاد ينبض ويخفق وهي جواره فقط.
بشقة آدم.
كانت حنان مستيقظة تنتظر عودة آدم الذي تأخر وأصبح الوقت منتصف الليل. قامت بالاتصال عليه قبل ساعة تقريبًا وأجابها أنه أمامه وقت قليل ويعود للمنزل، لكن تأخر، أو هكذا ظنت بسبب القلق.
انفضت فجأة حين سمعت رنين الهاتف. توقعت أن يكون آدم، يخبرها بوصوله. لكن ارتجف قلبها وجسدها حين رأت هوية المتصل. تصلبت يدها على الهاتف ولم ترد حتى انتهى الرنين. لكن سرعان ما ارتجف جسدها حين وصل رسالة إلى هاتفها فتحتها بيد مرتعشة.
خفق قلبها باضطراب وارتياب حين رأت الصورة كانت لآدم وهو يسير بالشارع يقترب من المنزل. زاد ذاك القلق والارتياب رسالة أخرى نصها:
"عريس الغفلة سايب العروسة وسهران بره. لو أنا مكانه مكنتش هسيبك لحظة ياااا بنت عمي سابقًا. مازال عندي أمل وهيتحقق قريب."
أغلقت الهاتف الهاتف وألقته على الفراش تشعر بانهيار في خلايا جسدها. ماذا يقصد ذاك الوقح؟ هل سيضر آدم؟ الوقت تأخر والطريق بالتأكيد خالٍ، قد يصطاد ذاك الوغد فرصة. بسرعة فكرت أن تصعد إلى سراج وتخبره. ربما؟
ربما ماذا؟ هل حدث سوء لآدم؟ لا، قلبها يخفق بشدة. لن تتحمل أذى عليه. فكرت مرة أخرى وارتدت عباءة فوق منامتها وجذبت وشاحًا للرأس. لكن قبل أن ترتديه سمعت صوت فتح باب الشقة. تلهفت بسرعة وخرجت من الغرفة تستقبل آدم بالردهة واحتضنته فجاءة تشعر بخفقات قلبها تكاد تخترق مسمع آدم. تفوهت بسرعة:
قلقتني عليك، إيه اللي آخرك كده.
ابتسم وهو يحتويها قائلًا:
أبدًا، الزبون اللي كان جاي عشان يشتري الفرسة طلب مني يشوف بقية الخيول اللي في المزرعة. وأنا قلت ده زبون سخي يمكن يشتري غيرها وده اللي حصل فعلًا. مالك قلقانة عليا كده ليه؟ حبيبتي اطمني، مش بيقولوا عمر الشقي بقي، وأنا قبل كده وصلت للموت ورجعت تاني.
وضعت يدها على فمه قائلة:
بلاش السيرة دي يا آدم. أكيد جعان، هروح أحضرلك عشاء خفيف.
ابتسم وضمها قائلًا:
لأ مش جعان، أنا عطشان بس...
وكان العطش مصحوبًا بالارتواء من شفاها. قُبلات جعلتها تنسى القلق والخوف. تمتد إلى دقائق عشق ذائبة بين يديه وهو يبثها أشواقه وتوقه إليها، وهي مستكينة متشبتة به بقلب يخشي عليه من الأذى، وتكون هي سببًا لذلك.
بعد مرور يومين صباحًا.
قد تكون صدفة أفضل من ترقب. صدفة أثناء تواجد قابيل بمنزل عمران العوامري من أجل مناقشة بعض الأشغال الخاصة بهم. كذلك كان يشعر بترقب، فاليوم مهم جدًا. سيتم نقل تلك الآثار من ذاك المخزن الخفي إلى مخزن آخر لتسليمها لصائد ثروات بطريقة غير مشروعة. لكن هدأ ذلك القلق حين سمع قول سراج لوالده:
أنا هاخد تالين أوصلها لمطار الأقصر والمسا هكون هنا.
فرصة، بل غنيمة وسينتهزها من كل الجوانب. حادث إرهابي على الطريق يصرف نظر الشرطة فتمر البضاعة بسلام. وغنيمة سيتخلص من سراج دون إثارة غضب الكبير. تخطيط ازدواجي. بالفعل خرج من المنزل بحجة بعض الأعمال بالطريق. توقف وفتح هاتفه، رد عليه الآخر بصوت ناعس زاد غضب قابيل الذي نهره قائلًا:
لسه نايم في العسل؟ لاء فوق واسمعني كويس. الخطة اللي رسمناها سوا عشان نغتال سراج العوامري دي انساها. الخطة هتتبدل وهتم النهاردة. قدامك فرصة. خلال أقل من ساعة تكون مجهز رجالتك وتعمل اللي هقولك عليه بالظبط. عاوز خبر سراج يوصل هنا قبل العصر. والليلة يكون ساكن في قبره.
صدفة كانت تفتح زجاج شرفة غرفة النوم.
رأت ثريا سراج وهو يتوجه نحو باب السيارة يقف أمامها. يبدو أنه ينتظر أحدًا. لم يغب عليه بل لم تغب. إنها تالين، التي تبسم لها وهي تفتح باب السيارة ثم صعدت إليها. رفع رأسه لوهلة رأى ثريا. لم يبالي وصعد هو الآخر إلى السيارة متعمدًا إثارة غيرتها، أو بالأحرى يود معرفة رد فعلها، لكن ليس الآن حين يعود مساء. لكن لا يعلم أن ذلك زاد من يقين يتسرب إلى قلبها، سراج يخدعها برسم خطة أخرى أكثر مفعولاً، أو هكذا يظن أن اللين قد يجعلها تصدقه.
بالمركز الرياضي.
كان يقوم جسار ببعض الأعمال قبل موعد حضور الأشبال لتلقي التمرين. لكن فجأة صدح رنين هاتفه. نظر للشاشة، سرعان ما قام بالرد وقال:
تمام، متقلقش، هكون عندك في الوقت المناسب.
سريعًا بدل ثياب الكارتيه وارتدى زي رسمي. وتوجه للخروج من المركز. لكن بسبب انشغاله ببعض الاتصالات الهاتفية. كاد يصطدم مع إيمان التي لاحظت لهفته للخروج حتى أنه لم يبالي بتذمرها وغادر مسرعًا. استغربت فعلته لكن لم تهتم.
قبل قليل على الطريق.
كان يسود الصمت بين سراج وتالين. كان عقله مشغولًا بمحتالاته. يود أن ينقضي الوقت ويعود لها. يعرف رد فعلها حين تعلم أن تالين غادرت إلى القاهرة.
رغم شعورها بألم قاسٍ يهتك بقلبها، لكن قطعت تالين ذاك الصمت ونظرت نحو سراج تكبت دموع عينيها سائلة بلوعة قلب:
للدرجة دي بتحبها يا سراج.
ما زال يلتزم الصمت رغم سماعه لها. لكن عقله مشغول وهو يتبادل النظر بين مرآة السيارة الجانبية والأمامية، يراقب سيارة النقل الصغير الذي لاحظ سيرها خلف سيارته منذ أن أصبح على الطريق الرئيسي. حاول التأكد من ذلك الهاجس وراوغ بالطريق سواء بزيادة السرعة ثم تبطيئها أو الدخول لمنعطفات أخرى على الطريق. لكن ما زالت تتعقبه. تأكد حدسه. حين عاودت تالين الحديث، لكن هذه المرة لم تستطع كبت دموع عينيها وهو تتحدث بنبرة عذاب:
كنت مفكرة قلبك فولاذ زي ما بابا كان بيقول. سراج قلبه من فولاذ. لكن واضح إن لأول مرة بابا يكون غلطان. لما قولت لي إنك اتجوزت مصدقتش، لأن كنت متأكدة إنك مستحيل قلبك يعشق وتيجي واحدة تقنعك بالخطوة دي. فاكرة لما إنت فسخت خطوبتنا قولت لي إن عمرك ما بتخلي قلبك ياخد قرار. دايمًا بتحكم عقلك، وخطوة الجواز بعيدة عن تفكيرك. بس مع ثريا إنت لاغيت عقلك، من غير ما تفكر روحت أنقذتها، رغم إنك كان ممكن تنصاب زيها. حبيتها إمتى يا سراج.
سؤال لا يعلم هو نفسه له جواب. لا يعلم متى اخترقت تلك المحتالة قلبه بل وتمكنت من فولاذ قلبه وانصهر. رغم ذلك ما زال عقله مشغولًا بتلك السيارة التي زادت من سرعتها وتقدمت أمامه ثم أبطأت سيرها. لاحظ فتح زجاج شبابيك تلك السيارة، كذلك صندوق تلك السيارة الذي كان به بعض الأقفاص الخشبية وجزء مغطى بمفرش بلاستيكي. انزاح ذلك ووقف بعض الرجال يشهرون أسلحة. سريعًا فهم، وعلم أن هناك كمين لاصطياده، وتصفيته. سريعًا وضع يده على رأس تالين قائلًا بأمر:
انزلي في دواسة العربية وأوعي ترفعي راسك.
انفضت تالين وشعرت بالهلع. حين سمعت صوت إطلاق رصاص. نفذت ما قاله لها، ثم سرعان ما فتح صندوق بالسيارة وأخرج سلاحه الذي يحتفظ به دائمًا. تأكد من وجود الرصاص به، ثم سريعًا فتح هاتفه وضغط على أحد الأرقام. سرعان ما فتح الآخر الاتصال واستمع إلى سراج:
واضح إن أنا الطعم النهاردة. أنا عالطريق العام اللي بيودي لمطار الأقصر. حاول تجي بالدعم بسرعة. هحاول أراوغهم، بس سلاحي مش هيسد معاهم. كمان عربيتي مش مصفحة.
أغلق الهاتف وتركه بالسيارة. ثم نطق بالشهادتين وهو يحاول المراوغة بالسيارة يتفادى تلك الرصاصات التي أصبحت تنطلق بغزارة نحو سيارته، مما سبب هلع لتالين أكثر حين سمعت أصوات اصطدام الرصاص بالسيارة. حتى أنها كادت تخرج من دواسة السيارة لكن صرخ عليها سراج بأمر:
أوعي تتحركي من مكانك.
صمت حين اخترق جسده إحدى الرصاصات. مما جعل تالين تتلهف عليه ولم تمتثل لأمره وخرجت من دواسة السيارة كي تطمئن عليه. لكن كان هذا لسوء حظها فقد نالها أحد الرصاصات. رصاصة واحدة اخترقت جسدها بمكان قاتل.
نظر لها مصعوقًا، وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة. يسمع هذيانها. وأصبح أمام قرار واحد. وكما تعلم أن هناك دائمًا "خطة بديلة".
رواية عشقت طالبتي الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم منار حسين
هَلَعَ قَلبُها وَهِيَ تَسمَعُ حَديثَهُ الشَّامِتَ بِنَبرَةٍ جَافَّةٍ:
"فَكرَتِ إنَّكِ هَرَبْتِ مِنِّي لَمَّا رَجَعْتِ مِنَ المَوتِ؟ أَنَا جَاثمٌ هَنَا عَلَى جَلبِكِ وَسَاكِنٌ عَقْلَكِ، أَنَا بَينَكِ وَبَينَ رُوحِكِ، هَتْفَضَلِي مُتَعَذبَّةٍ لَحَدَّ مَا نِتْلاقِي تَانِي... وَالوَقتِ مِشْ بَعِيدْ يَا ثُريَا."
اِهتَزَّ جَسَدُها وَهِيَ تَشعُرُ بِيَدِهِ فَوقَ مَوضِعِ قَلبِها، لَكِنَّ لأَوَّلِ مَرَّةٍ تَمْتَلِكُ الشَّجَاعَةَ رَغْمَ رَجْفَةِ قَلبِها، تَحَدَّتْهُ بِشَرَرٍ وَاستِبيَاعٍ:
"أَنَا مِشْ خَايْفَةٍ مِنَّكِ يَا غَيْثُ، مِشْ هَتْقْدِرْ تُؤذِينِي تَانِي، ثُريَا الضَّعِيفَةِ إنتَ جَتَلْتَهَا جُّوايا."
ضَحِكَاتٌ شِرِّيرَةٌ وَغَلِيظَةٌ يُطلِقُها وَهُوَ يَقتَرِبُ مِنها، عَيناهُ تَختَرِقُ جِلدَ جَسَدِها، تَلمَعُ عَيناهُ مِثلَ الثَّعلَبِ المُتَرَبِّصِ بِدَجَاجَةٍ. فَجْأَةً، قَبَضَ بِيَدَيهِ حَولَ عُنُقِها يَضغَطُ بِقُوَّةٍ. تَشعُرُ بِاختِنَاقٍ مِن قَبضَةِ يَدِهِ حَولَ عُنُقِها، وَيَدَاهُ تَشْتَدُّ قَبضَتُها، تَشعُرُ بِانسِحَابِ الهَوَاءِ مِن صَدرِها، تَكَادُ تَلْفُظُ أَنفَاسَهَا وَهِيَ تَنظُرُ إِلَى عَيْنَيهِ، لَا تَطلُبُ استِغَاثَةً. كَذَلِكَ يَدَاهَا كَأَنَّهُنَّ تَصَنَّمَنَ وَلَمْ تَستَطِعْ رَفعَهُنَّ، قَدْ تَستَطِيعُ إِزَاحَةَ يَدَيهِ عَن عُنُقِهَا، لَكِنَّهُ يَستَلِذُّ وَهُوَ يَرَاهَا هَكَذَا تَلْفِظُ أَنفَاسَهَا بِانقِطَاعٍ.
لَكِنْ فَجْأَةً، صَدَحَ صَوتٌ آمِرٌ يَقتَرِبُ بِهُرْوَلَةٍ حَتَّى وَقَفَ أَمَامَ غَيْثٍ، وَبِقَبضَةِ يَدَيهِ وَضَعَ يَدَيهِ حَولَ عُنُقِ غَيْثٍ يَقْبِضُ عَلَيهِ بِقُوَّةٍ أَكْبَرَ مِن قُوَّتِهِ، يَقُولُ بِغَضَبٍ عَارِمٍ:
"قَبلَ رُوحِ ثُريَا مَا تُفَارِقُ جِسْمَهَا، هَتْكُونِ سَابِقَهَا لِجَهَنَّمِ يَا غَيْثُ."
بِنَظْرَةِ غُلُولٍ وَبَسْمَةِ استِهْزَاءٍ، تَهَكَّمَ بِاستِفْزَازٍ:
"سَراجٌ وَادٌ عَمِّي."
لَمْ يَهْتَمَّ سَراجٌ بِلَهْجَتِهِ السَّاخِرَةِ المُستَفِزَّةِ وَهُوَ يَشعُرُ بِانقِطَاعِ أَنفَاسِهِ. كَذَلِكَ ضَعُفَتْ يَدَاهُ حَولَ عُنُقِ ثُريَا، حَتَّى أَنَّهَا تَخَلَّصَتْ مِن يَدَيهِ وَعَادَتْ لِلخَلْفِ تَسْعَلُ بِشِدَّةٍ. بَينَمَا غَيْثٌ وَضَعَ يَدَيهِ عَلَى يَدَيْ سَراجٍ يُحَاوِلُ تَخْلِيصَ نَفسِهِ. كَادَتْ يَدَا سَراجٍ تُزهِقُ رُوحَهُ وَيَلْفِظُ النَّفَسَ الأَخِيرَ. لَمْ يَستَطِعْ إِزَاحَةَ قَبضَةِ سَراجٍ، لَكِنَّ سَراجًا نَظَرَ نَحْوَ ثُريَا الَّتِي تَشْهَقُ، فَكَّ قَبضَةَ يَدَيهِ مِن حَولِ عُنُقِ غَيْثٍ وَدَفَعَهُ بِقُوَّةٍ بَعِيدًا، وَتَوَجَّهَ نَاحِيَةَ ثُريَا بِلَهْفَةٍ.
نَظَرَتْ لَهُ لَوَّهَةً كَأَنَّهَا تَستَغِيثُ بِهِ، وَهِيَ تَنظُرُ إِلَى غَيْثٍ الَّذِي كَادَ يَسقُطُ أَرضًا مِن قُوَّةِ دَفْعِ سَراجٍ لَهُ. لَكِنْ فَجْأَةً، اِختَفَى وَظَلَّ مَكَانُهُ ضَبَابٌ كَثِيفٌ يُشْبِهُ هَالَةَ الدُّخَانِ. ذُهِلَ عَقْلُ ثُريَا وَهِيَ تَنظُرُ نَحْوَ سَراجٍ الَّذِي يَقتَرِبُ مِنهُ ذَاكَ الضَّبَابُ. فَجْأَةً، خَرَجَ مِنهُ عَيْنَا غَيْثٍ الدُّخَانِيَّةُ وَيَدَاهُ تَكَادُ تَقْتَرِبُ تَقْبِضُ عَلَى عُنُقِهِ، وَهِيَ تُحَاوِلُ تَحْذِيرَهُ، لَكِنَّ صَوتَهَا يَخرُجُ بِلَا صَدَى.
لَكِنَّ تِلْكَ العَينَينِ تَحْدِقَانِ بِهَا وَتَقْتَرِبَانِ مِنْهَا، عَيْنَينِ مُخِيفَتَينِ تُشِعَّانِ دُخَانًا، وَبِدَاخِلِهِمَا يَنْصَهِرُ فَيَضَانٌ هَادِرٌ بَلْ غَادِرٌ.
فَتَحَتْ عَيْنَيْهَا فَجْأَةً حِينَ وَصَلَ إِلَى أُذُنَيْهَا رَنِينُ هَاتِفِهَا. هَلِعَتْ وَاعْتَدَلَتْ جَالِسَةً لَحَظَاتٍ غَائِبَةً عَنِ الوُجُودِ، تَنظُرُ حَولَهَا كَأَنَّ عَقْلَهَا يَستَكشِفُ المَكَانَ حَولَهَا. لَمْ يُفَسِّرْ عَقْلُهَا المَكَانَ لِلحَظَاتٍ. شَعَرَتْ كَأَنَّهَا بِالشَّقَّةِ الَّتِي تَزَوَّجَتْ غَيْثًا بِهَا. رَائِحَةُ عِطْرِهِ تُسَيْطِرُ عَلَى حَاسَّةِ الشَّمِّ لَدَيْهَا. تَشعُرُ بِغَثَيَانٍ مِنْهَا، جَسَدُهَا كَأَنَّهُ اِلْتَصَقَ بِالأَرِيكَةِ الَّتِي تَجلِسُ عَلَيْهَا. لَحَظَاتٌ طَوِيلَةٌ تَسْحَبُ مِن دَاخِلِهَا الدِّمَاءَ، تَجِفُّ أَوْرِدَتُهَا وَحَلْقُهَا مِثلَ الأَرضِ الَّتِي جَفَّتْ وَأَصبَحَتْ قَاحِلَةً. لَحَظَاتٌ كَفِيلَةٌ بِنَزْعِ رُوحِهَا بِقَسْوَةٍ.
فَاقَتْ مِن ذَاكَ التَّوَّهَانِ العَقْلِيِّ عَلَى عَودَةِ رَنِينِ الهَاتِفِ. اِنْفَزَعَتْ مَرَّةً أُخرَى وَعَادَتْ تَستَوعِبُ بَعْضَ مَا حَدَثَ، نَفَضَتْ بِصُعُوبَةٍ ذَاكَ الشُّعُورَ، اِزْدَرَدَتْ رِيقَهَا الجَافَّ، جَذَبَتِ الهَاتِفَ مِن فَوقِ تِلْكَ المِنضَدَةِ. نَهَضَتْ تَشعُرُ بِانسِحَابِ خَلايَا جَسَدِهَا كَأَنَّهَا هُلامٌ، لَا تَعْلَمُ كَيفَ تَسِيرُ إِلَى أَنْ وَصَلَتْ إِلَى المَطبَخِ. قَامَتْ بِملْءِ كُوبِ مَاءٍ وَتَجَرَّعَتْ مِنْهُ كَمِّيَّةً كَبِيرَةً حَتَّى شَعَرَتْ بِبَعْضِ الإِرتِوَاءَ. جَلَسَتْ عَلَى أَحَدِ المَقَاعِدِ بِالمَطبَخِ تَلْتَقِطُ أَنفَاسَهَا بِهُدُوءٍ رُوَيْدًا رُوَيْدًا.
اِنْتَبَهَتْ عَلَى رَنِينِ الهَاتِفِ. حَاوَلَتْ بَثَّ الشَّجَاعَةِ بِنَفسِهَا وَقَامَتْ بِالرَّدِّ لِتَسمَعَ حَديثَ سَعْدِيَّةَ بِاستِهْجَانٍ:
"إيه كُلُّ الرَّنِّ دَه وَمِشْ سَامْعَةٍ صَوتَ الموبايل."
تَوَقَّفَتْ لَحْظَةً، ثُمَّ عَاوَدَتِ الحَدِيثَ بِخَبَاثَةٍ وَإِيحَاءٍ مَرْحٍ:
"هُوَّ سَراجٌ رِجعْ يَتَغَدَّى فِى الدَّارِ وَقَالْ يَتَغَدَّى فِى الشَّقَّةِ، وَلَا لَاهِ؟ إنتِ لِسَّاكِ فِى فَتْرَةِ نَقَاهَةٍ."
فَهِمَتْ ثُريَا حَديثَ سَعْدِيَّةَ وَتَفَوَّهَتْ بِحُنْقٍ:
"لَاهِ سَراجٌ مِشْ هِنَا فِى قَنَا كُلِّيَّاتُهُ. سَمِعْتُ إِنَّهُ رَاحَ مَعَ خَطِيبَتِهِ السَّابِقَةِ الأَقْصَرِ، أَكِيدْ عِشَانْ يُفَسِّحَهَا."
زَفَرَتْ سَعْدِيَّةُ نَفْسَهَا بِلَوْمٍ قَائِلَةً:
"مَا عَشَانْ إنتِ خَايْبَةٌ يَا بِنْتَ أُخْتِي الهَبْلَةُ، مِشْ عَارْفَةٍ تَحُوطِي عَلَى جُوزِكِ، وَعَايْزَةٍ بَسْ تَبَهْدَلِي نَفْسِكِ فِى الغِيطِ وَالمَحْكَمَةِ... أَنَا لَو مَكَانِكِ كُنْتُ اِسْتَغْلَيْتُ إِنِّي عَيَّانَةٍ وَاِتْسَهَوْكْتُ عَلَى الرَّاجِلِ قَعِّدَتُهُ جَنْبِي، مِشْ أِضْرَبُهَا طَنَاش."
تَهَكَّمَتْ ثُريَا بِنَزَقٍ:
"اِتْسَهَوْكُ عَلِيهِ، ضَحَّكْتِينِي يَا خَالَتِي. سِيبِكِ مِن سَراجٍ قُولِيلِي مُتَّصْلَةٍ عَلَيَّ دِلوكِ لِيه."
زَفَرَتْ سَعْدِيَّةُ بِاستِهْزَاءٍ:
"خَلِّيكِ خَايْبَةٌ زَيِّ أُمِّكِ. كُنْتُ مُتَّصِلَةٌ أَقُولَكِ فِيهِ سِتٌّ جَارَتِي بِنْتُهَا أَهْلُ جُوزِهَا طَرَدُوهَا هِيَ وَجُوزِهَا مِنَ الدَّارِ، وَمِشْ عَارْفَةٍ تَعْمِلْ إِيهِ. مِشْ هَيَقْدِرْ يُؤَجِّرْ لَهَا شَقَّةٍ، يَدُوبْ رِزْقُهُ مِكَفِّي مَعِيشَةُ هُوَ وَهِيَ وَوِلادُهُمْ. جُوزُهَا سَأَلَ إِنْ مُمْكِنْ لَو اِشْتَكَى فِى المَحْكَمَةِ يَاخُدْ مِنْهُمُ الشَّقَّةَ تَانِي، بَسْ مِشْ حَمْلٌ مَصَارِيفُ مَحْكَمَةٍ."
فَكَّرَتْ ثُريَا قَائِلَةً:
"وَمُسَطِّشْ نَاسٍ يَحَاوْلُوا مَعَ أَبُوهُ لِيهِ، يُمْكِنْ يَرْضَى يِرْجَعُهُ بِالتَّرَاضِي."
تَهَكَّمَتْ سَعْدِيَّةُ:
"تَرَاضِي إِيهِ، دَه هَيَجَوِّزُوا أَخُوهُ فِى الشَّقَّةِ."
تَهَكَّمَتْ ثُريَا:
"عَشَانْ يِجَوِّزُوا وَاحِدْ يَطْرُدُوا التَّانِي بِمَرَتُهُ وَعِيَالُهُ. عَلَى العَمُومِ، الشَّقَّةُ مِن حَقِّ الزَّوْجَةِ الحَاضِنَةِ هِيَ وَأَوْلادُهَا، وَسَهْلٌ تَأْخُدْ مِن حَمَاهَا الشَّقَّةَ لَو اِشْتَكَتْ بِمَسْكَنِ حَضَانَةٍ لِوِلادِهَا. بَسْ لِلأَسَفِ فِيهِ ثُغْرَةٌ فِى القَانُونِ دَه، وَهِيَ إِنْ مُمْكِنْ وَالِدُ جُوزِهَا يُقَدِّمْ إِنَّهُ كَانَ سَاكِنْ مَعَاهُمْ فِى الشَّقَّةِ. القَانُونُ هَيَحْكُمُ لَهُ بِأُوضَةٍ، بَسْ عَلَى الأَقَلِّ هَتْلاقِي مَسْكَنٌ لَهَا وَلِوِلادِهَا وَجُوزِهَا اللِّي وَاضِحٍ مَغْلُوبٌ عَلَى أَمْرِهِ مِنَ النَّاحِيَتَينِ، نَاحِيَةَ مَرَتُهُ وَأَبُوهُ اللِّي مَعَنْدُشُ مَرْوَةٌ. خَلِّيهَا تَفُوتْ عَلَيَّ بَعْدَ المَغْرِبِ فِى المَكْتَبِ."
تَنَهَّدَتْ سَعْدِيَّةُ قَائِلَةً:
"بَلَاشْ تَأْخُدِي مِنْهَا أَتْعَابٌ يَا ثُريَا، جُوزُهَا عَلَى قَدْ حَالُهُ. كِفَايَةٍ مَصَارِيفُ القَضِيَّةِ اللِّي هَيَرْفَعَهَا عَلَى أَبُوهُ الجَاحِدِ."
اِبْتَسَمَتْ ثُريَا قَائِلَةً:
"هُوَ أَنَا فَاتِحَةٌ المَكْتَبُ دَه سَبِيلٌ لِجِيرَانِكِ وَأَصْحَابِكِ؟ مَافِيشْ مَرَّةٌ يِجِي لِي مِنْ وَرَاكِ قَضِيَّةٌ كِدَه مُتْرِيشَةٌ."
ضَحِكَتْ سَعْدِيَّةُ قَائِلَةً:
"الحَقُّ عَلَيَّ بِشُغْلِكِ."
تَبَسَّمَتْ ثُريَا قَائِلَةً:
"صَحِّ، كَثْرُ خَيْرِكِ... بَسْ خَفِّي عَلَيَّ شَوِيَّةٌ، نَفْسِي فِى زَبُونٌ وَلَا اتْنِينْ يِدْفَعُوا فُلُوسٌ، مِشْ كُلُّهُ لَاقِفٌ كِدَه. سِيبِكِ مِن جِيرَانِكِ وَأَصْحَابِكِ الفُقَرَاءَ دُولَ. صَاحِبِي نَاسٌ أَغْنِيَاءَ زَيِّ خَالِي وَمَرَتُهُ كِدَه."
تَنَهَّدَتْ سَعْدِيَّةُ بِآسَفٍ:
"خَالُكِ دَه مِشْ هَيَدْخُلُ الجَنَّةِ بِسَبَبِ إِنَّهُ وَاكِلٌ حَقَّ الوَلَايَا. بَسْ رَبُّكِ يُمْهِلُ وَلَا يُهْمِلُ. عَرَفْتِ إِنَّ المَكُوسَ اِبْنُهُ دَخَلَ فِى مَشْرُوعِ تَرْبِيَةِ فَرَأَخْ، وَالفِرَّةُ صَابَتْهُ كَمْ مَرَّةٌ وَرَا بَعْضٍ كَسَّرَتُهُ فِى مَبْلَغٍ مُحْتَرَمٍ وَمَاضِي عَلَى نَفْسِهِ شِيكَاتٌ، وَهِيَبِيعُ مِنَ الأَرضِ عِشَانْ يُسَدِّدُ لَهُ دُيُونَهُ. يَلَّا يَا بَتِّ رَبَّنَا يُغْنِينَا بِالحَلَالِ وَيَعْفْنَا عَنِ الحَرَامِ."
أَغْلَقَتِ الهَاتِفَ مَعَ سَعْدِيَّةَ، وَوَضَعَتْهُ عَلَى طَاوِلَةِ المَطبَخِ أَمَامَهَا، وَجَلَسَتْ تَرْتَشِفُ بَعْضَ قَطَرَاتِ المَاءِ. عَادَ لَهَا جُزْءٌ مِن ذَاكَ الحُلْمِ، وَتَمَرْكَزَ عَقْلُهَا عَلَى نَظْرَةِ عَيْنِ غَيْثٍ لَهَا، تِلْكَ العَينَينِ الثَّعْلَبِيَّةِ. فَجْأَةً، تَذَكَّرَتْ شَيْئًا قَدْ تَنسَاهُ عَقْلُهَا. يَوْمَ أَن أُصِيبَتْ بِالرَّصَاصِ بِذَاكَ العُرْسِ، رَأَتْ تِلْكَ العَينَينِ تُحَدِّقُ، ثُمَّ شَعَرَتْ بِاختِرَاقِ الرَّصَاصِ لِجَسَدِهَا.
فِى لَحْظَةِ وُصُولِ سَراجٍ لِمَكَانِهَا، تَلَاقَتْ عَيْنَاهَا مَعَ عَيْنَيهِ. مَهْمَا غَابَتْ مَلَامِحُهُ عَن عَقْلِهَا، لَكِنَّ عَيْنَيهِ مَحْفُورَتَانِ بِعَقْلِهَا. أَكْثَرُ عَيْنَينِ كَرِهَتْ نَظَرَاتِهِمَا لَهَا. هَلِعَ قَلبُهَا لِلَحْظَةٍ، اِنْكَمَشَ جَسَدُهَا وَشَعَرَتْ بِبُرُودَةٍ، بِتِلْقَائِيَّةٍ رَبَّعَتْ يَدَيْهَا حَولَ صَدْرِهَا تَسْتَمِدُّ دِفْئًا. لَكِنْ فَاقَتْ عَلَى صَوتِ تَكْسِيرٍ. اِنْتَبَهَتْ لَهُ، كَانَ كُوبُ المَاءِ الَّذِي سَقَطَ بَعْدَ أَنِ اصْطَدَمَ بِيَدِهَا وَوَقَعَ مِن فَوقِ الطَّاوِلَةِ. نَفَضَتْ ذَاكَ الإِحْسَاسَ بِالضَّعْفِ وَنَهَرَتْ عَقْلَهَا:
"وَاضِحٌ إِنَّ المُسَكِّنَاتِ اللَّتِي كُنْتِ تَأْخُذِينَهَا يَا ثُريَا أَثَّرَتْ عَلَى عَقْلِكِ. هُوَ فِيهِ مِيتٌ يُصْحَى تَانِي."
❈-❈-❈
عَلَى الطَّرِيقِ
نَظَرَ سَراجٌ نَحْوَ تَالِينِ الَّتِي أَخْفَضَتْ جَسَدَهَا بِأَسْفَلِ السَّيَّارَةِ وَهِيَ تُؤَنُّ بِسَبَبِ اختِرَاقِ بَعْضِ الرَّصَاصِ لِجَسَدِهَا، قَائِلًا بِعَصَبِيَّةٍ:
"قُلْتُ لَكِ مَمْنُوعٌ تِطْلَعِي مِنَ الدَّوَاسَةِ."
اِمْتَثَلَتْ تَالِينُ تُؤَنُّ بِأَلَمٍ، بَينَمَا فِكْرُ سَراجٍ سَرِيعًا. لَابُدَّ مِنَ اللُّجُوءِ إِلَى خُطَّةٍ بَدِيلَةٍ. بِالفِعْلِ، سَرِيعًا أَوقَفَ تَشْغِيلَ السَّيَّارَةِ لِلتَّوَقُّفِ فَجْأَةٍ، تَنْتَفِضُ لَحَظَاتٍ. يَتَلَاعَبُ بِالوقتِ. لَابُدَّ أَنَّ وُقُوفَ سَيَّارَتِهِ بِهَذَا الوَقْتِ سَيُرْبِكُ السَّيَّارَةَ الأُخرَى بِسَبَبِ سُرْعَةِ سَيْرِهَا. اِكْتَسَبَ دَقَائِقَ مِن بُرْجَلَةِ هَؤُلَاءِ المُجْرِمِينَ بِسَبَبِ تَوَقُّفِ سَيْرِ سَيَّارَةِ سَراجٍ، فَابْتَعَدَ عَنْ مَرْمَى رَصَاصِهِمْ بِمَسَافَةٍ. اضْطَرُّوا لِوَقْفِ الإِطْلَاقِ لِلَحَظَاتٍ وَهُم يَعُودُونَ بِالسَّيَّارَةِ لِلخَلْفِ لِلإِقْتِرَابِ مِن سَيَّارَةِ سَراجٍ مَرَّةً أُخْرَى.
كَانَ سَراجٌ فِى تِلْكَ اللَّحَظَاتِ تَرَجَّلَ مِنَ السَّيَّارَةِ وَاتَّخَذَ مِن بَابِ السَّيَّارَةِ دِرْعًا لَهُ. وَلَحْظَةً وَأُخْرَى، كَانَ قَبلَ أَنْ تَقْتَرِبَ السَّيَّارَةُ مِنْهُ مَرَّةً أُخْرَى، قَامَ بِالتَّصْوِيبِ عَلَى أَضْعَفِ شَيْءٍ بِالسَّيَّارَةِ وَالوَحِيدِ القَادِرِ عَلَى رَدْعِ تَقَدُّمِ السَّيَّارَةِ. رَكَّزَ بِالتَّصْوِيبِ نَحْوَ إِطَارَاتِ السَّيَّارَةِ الخَلْفِيَّةِ وَأَطْلَقَ عَلَيْهِ الرَّصَاصَ حَتَّى سَمِعَ دَوِيَّ صَوْتِ انْفِجَارِ الإِطَارَاتِ. تَوَقَّفَ عَنِ الإِطْلَاقِ وَهُوَ يَرَى تِلْكَ السَّيَّارَةَ وَهِيَ تَتَأَرْجَحُ عَلَى الطَّرِيقِ، بَعْدَ أَنْ فَقَدَ السَّائِقُ السَّيْطَرَةَ عَلَيْهَا وَهِيَ تَسِيرُ بِتَمْوُجَاتٍ غَيْرِ مَحْسُوبَةٍ، مِمَّا سَبَّبَ لِلْمُجْرِمِينَ بِلَحَظَاتٍ اِرْتِبَاكٍ وَهُمْ يَتَأَرْجَحُونَ وَيَتَخَبَّطُونَ.
تَوَقَّفَ إِطْلَاقُ الرَّصَاصِ، مَعَ وُصُولِ فِرْقَةِ دَعْمٍ مِنَ الشُّرْطَةِ تَقْتَرِبُ مِنْ سَيَّارَةِ المُجْرِمِينَ الَّذِينَ بَدَأُوا يَقْفِزُونَ مِنَ السَّيَّارَةِ فِى مُحَاوَلَةِ هَرَبٍ مِنَ الشُّرْطَةِ. كَأَنَّهُمْ لَا يُدْرِكُونَ أَنَّهُمْ عَلَى طَرِيقٍ سَرِيعٍ، وَبِوَقْتِ انْشِغَالِ الطَّرِيقِ مِنْهُمْ، مَنِ انْدَهَسَ تَحْتَ أَطْيَارَاتِ سَيَّارَاتٍ أُخْرَى، وَمِنْهُمْ مَنْ اِسْتَطَاعَ تَفَادِيَ الدَّهْسِ، لَكِنْ لِسُرْعَةِ السَّيَّارَةِ وَتَأَرْجُحِهَا، كَانَتْ إِصَابَاتُهُ بَالِغَةً. كَذَلِكَ سَائِقُ السَّيَّارَةِ الَّذِي كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَفَزَ لِيَصْطَدِمَ جَسَدُهُ بِدُشْمَةٍ حَجَرِيَّةٍ عَلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ. لِتَنْتَهِيَ مُحَاوَلَةُ اغْتِيَالٍ فَاشِلَةٍ.
❈-❈-❈
بَعْدَ قَلِيلٍ بِأَحَدِ المَشَافِي
فَتَحَ ذَاكَ الوَسِيطُ بَابَ إِحْدَى الغُرَفِ، يَتَنَهَّدُ بِرَاحَةٍ قَائِلًا:
"حَمْدًا لِلَّهِ عَلَى السَّلَامَةِ يَا أَفَنْدِمُ."
اِبْتَسَمَ سَراجٌ لَهُ قَائِلًا:
"أَخِيرًا وَصَلْتَ يَا سِيَادَةَ المُقَدَّمِ. وَصَلْتَ مُتَأَخِّرًا."
تَبَسَّمَ لَهُ قَائِلًا:
"طَمِّنِّي عَلَى إِصَابَةِ سِيَادَتِكَ."
نَظَرَ سَراجٌ إِلَى عَضُدِ يَدِهِ اليُسْرَى قَائِلًا:
"إِصَابَةٌ خَفِيفَةٌ. رَصَاصَةٌ فِى عَضُدِ يَدِي الشِّمَالِ، وَالرَّصَاصَةُ لَمْ تَخْتَرِقِ العَظْمَ، يُعْتَبَرُ جُرْحًا سَطْحِيًّا."
اِبْتَسَمَ الوَسِيطُ قَائِلًا:
"طَبْعًا النَّسْرُ الأَشْوَلُ يَقْدِرُ يَصْطَادُ التَّعَابِينَ مَهْمَا كَانَ سُمُّهُمْ قَوِيًّا... بَسْ نَفْسِي أَعْرِفُ سَبَبَ مُحَاوَلَةِ اغْتِيَالِ سِيَادَتِكَ، رَغْمَ إِنَّهُ مَعْرُوفٌ إِنَّ سِيَادَتَكَ سِبْتَ الخِدْمَةَ فِى الجَيْشِ، إِيهِ الهَدَفُ مِنَ العَمَلِيَّةِ الإِرْهَابِيَّةِ دِي فِى الوَقْتِ دَه بِالذَّاتِ؟"
اِبْتَسَمَ سَراجٌ وَهُوَ يَنْهَضُ مِنْ فَوقِ تِلْكَ الأَرِيكَةِ قَائِلًا:
"إِنتَ قُلْتَهَا، الوَقْتَ دَه بِالذَّاتِ... مَعْرُوفٌ غَرَضُهُمْ إِيهِ."
لَمْ يَفْهَمِ الوَسِيطُ وَتَسَاءَلَ:
"مِشْ فَاهِمْ يَا أَفَنْدِمُ."
وَضَعَ سَراجٌ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى كَتِفِ الوَسِيطِ قَائِلًا:
"التَّمْوِيهُ."
فَهِمَ الوَسِيطُ قَائِلًا:
"قَصْدُكَ..."
قَاطَعَهُ سَراجٌ بِتَأْكِيدٍ:
"أَيُّهُ، تَمْوِيهٌ. بَسْ أَوْعَى تَكُونْ غَافِلٌ عَنْ تَتَبُّعِ عَمَلِيَّةِ نَقْلِ الآثَارِ."
نَفَى الوَسِيطُ ذَلِكَ قَائِلًا:
"لَا يَا أَفَنْدِمُ، اِطْمَئِنَّ. الوَضْعُ تَحْتَ السَّيْطَرَةِ، وَعَرَفْتُ فَيْنَ اِتْشُونَتِ الآثَارُ، وَزَيِّ مَا حَضْرَتُكَ أَمَرْتَ، أَسْهَلْتُ لَهُمُ الطَّرِيقَ. طَبْعًا مَاقَبَضْنَاشُ عَلَيْهِمْ عِشَانْ نَعْرِفْ نُوصَلْ لِلرَّأْسِ الكَبِيرَةِ اللِّي بَتْدِيرُ عَمَلِيَّاتِ سَرِقَةِ الآثَارِ، وَتِجَارَةِ المَخَدِّرَاتِ هَنَا. حَتَّى الرَّاجِلُ بِتَاعُنَا نَفْسُهُ لِغَايَةِ اللَّيْلَةِ مَايَعْرِفْ مِينْ الكَبِيرُ، بَيَأْخُدُ الأَوَامِرَ مِن وَاحِدٍ مِن رِجَالَتِهِ، رَغْمَ إِنِّي مُتَأَكِّدٌ إِنَّ الشَّخْصَ دَه مِشْ هُوَ زَعِيمُهُمْ، دَه الرَّاجِلُ التَّانِي، الإِيدُ اللِّي بِتَنْفِذُ وَتِدِّي الأَوَامِرَ لِبَقِيَّةِ الرِّجَالِ."
أَوْمَأَ لَهُ سَراجٌ قَائِلًا:
"عَشَانْ كِدَه لَازِمْ نُرَاوِغْ وَنَظْهَرُ إِنَّ عَمَلِيَّةَ التَّهْرِيبِ تَمَّتْ بِنَجَاحٍ، كَمَانْ عِشَانْ حِمَايَةَ الرَّاجِلِ بِتَاعُنَا اللِّي عِنْدَهُمْ."
أَوْمَأَ لَهُ مُتَفَهِّمًا.
تَنَهَّدَ سَراجٌ قَائِلًا:
"دِلْوَقْتِي مِشْ لَازِمُ الإِعْلَامُ يَعْرِفُ حَاجَةٌ عَنِ الحَادِثَةِ اللِّي حَصَلَتْ."
تَنَهَّدَ الوَسِيطُ بِآسَفٍ:
"لِلأَسَفِ يَا أَفَنْدِمُ، إِنتَ عَارِفُ الإِعْلَامُ، بَسْ يِشِمُّ خَبْرٌ وَيَبْقَى صِرَاعُ السَّبْقِ بَيْنَ القَنَوَاتِ الفَضَائِيَّةِ وَالمَوَاقِعِ الإِلِكْتُرُونِيَّةِ. بَسْ طَبْعًا طَلَعَ تَصْرِيحٌ مِنَ الدَّاخِلِيَّةِ بِأَنَّ الحَادِثَ كَانَ بَسِيطٌ وَتَقْرِيبًا مَافِيشْ خَسَائِرَ فِى أَرْوَاحِ الأَبْرِيَاءِ، وَإِنَّهُ تَمَّ التَّعَامُلُ مَعَ العَمَلِيَّةِ بِشَكْلٍ سَرِيعٍ. وَطَبْعًا يَا أَفَنْدِمُ، دَه بِسَبَبِ ذَكَاءِ سِيَادَتِكَ. فِعْلًا، تَقْرِيبًا مَافِيشْ أَرْوَاحٌ بَشَرِيَّةٌ اِتْأَذَّتْ غَيْرَ المُجْرِمِينَ. تَقْرِيبًا تَلْفِيزٌ فِى بَعْضِ العَرَبِيَّاتِ وَإِصَابَاتٍ خَفِيفَةٍ. وَاضِحٌ إِنَّهُمْ كَانُوا مُرَكِّزِينَ مَعَ حَضْرَتِكَ، مَايَعْرِفُوشُ إِنَّهُمْ بِيَتْعَامَلُوا مَعَ 'النَّسْرِ الأَشْوَلِ'."
اِبْتَسَمَ سَراجٌ قَائِلًا:
"تَمَامٌ... مُتَأَكِّدٌ إِنَّهُ هَيَبْقَى فِيهِ تَبَعِيَّاتٌ لِلِّي حَصَلَ دَه، سَوَاءٌ فِى القِيَادَةِ العَامَّةِ لِلجَيْشِ، وَكَذَلِكَ لِلْمُجْرِمِينَ اللِّي فَكَّرُوا إِنَّ خَلَاصْ كِدَه وَصَلُوا لِهَدَفِهِمْ بِنَقْلِ بِضَاعَتِهِمْ بِسُهُولَةٍ. أَنَا لَازِمْ أَرْجَعْ أَسْيُوطَ اللَّيْلَةَ، طَالَمَا الإِعْلَامُ ذَاعَ الخَبَرَ أَكِيدْ هَيَبْقَى فِيهِ قَلَقٌ..."
قَبلَ أَنْ يُكْمِلَ حَدِيثَهُ، كَانَ هَاتِفُهُ يَصْدَحُ، أَخْرَجَهُ مِنْ جَيْبِهِ وَنَظَرَ لَهُ ثُمَّ لِلْوَسِيطِ وَتَنَهَّدَ قَائِلًا:
"زَيِّ مَا تَوَقَّعْتُ، الخَبَرَ وَصَلَ لِسِيَادَةِ اللِّوَاءِ وَالِدِ تَالِينِ. هَأْرُدُ عَلِيهِ أَطَمِّنُهُ."
حَدَّثَهُ سَراجٌ بِهُدُوءٍ وَأَخْبَرَهُ بِإِصَابَةِ تَالِينِ بِطَلْقَةٍ فِى أَحَدِ كَتِفَيْهَا، وَبِأَنَّ الآصَابَةَ لَيْسَتْ خَطِيرَةً.
أَغْلَقَ سَراجٌ الهَاتِفَ وَنَظَرَ لِلوَسِيطِ قَائِلًا:
"أَرُوحُ أَطَمِّنُ عَلَى تَالِينِ. عَرَفْتُ إِنَّ إِصَابَتَهَا هِيَ كَمَانْ مِشْ خَطِيرَةٌ، وَبَابَاهَا سِيَادَةُ اللِّوَاءِ بِيَقُولُ هَيَجِي عَلَى طَيَّارَةٍ خَاصَّةٍ، مِشْ هَيَأْخُدْ وَقْتٌ لِحَدِّ مَا يَوْصَلْ لَهُنَا. لَازِمْ قَبلَ المَسَا أَكُونْ فِى أَسْيُوطَ."
❈-❈-❈
بِـ دَارِ العَوَامِرِي
كَأَنَّ مَا حَدَثَ لَهَا وَفِقْدَانُهَا لِأَهَمِّ مَا تَمْتَلِكُهُ المَرْأَةُ وَهُوَ "رَحِمُهَا" كَأَنَّهُ جَعَلَهَا تَفْقِدُ الرَّحْمَةَ بِقَلْبِهَا. هِيَ أَوَّلُ مَنْ رَأَتْ عَلَى الهَاتِفِ خَبَرَ تَعَرُّضِ سَيَّارَةِ سَراجٍ لِحَادِثٍ إِرْهَابِيٍّ. شُعُورٌ بِدَاخِلِهَا كَأَنَّهُ شَخْصٌ لَا تَعْرِفُهُ، تَبَسَّمَتْ وَلَمَعَتْ عَيْنَاهَا تَقُولُ بِهَمْسٍ مَسْمُوعٍ:
"وَاضِحٌ إِنَّهَا فِعْلًا قَدَمُ النَّحْسِ عَلَى الرَّاجِلِ اللِّي بَتْتَجَوِّزُهُ يَمُوتُ."
سَمِعَتْ ذَلِكَ كُلٌّ مِن وَلَاءٌ وَوَالِدَتُهَا الجَالِسَتَانِ مَعَهَا. تَسَاءَلَتْ وَلَاءٌ بِفُضُولٍ:
"تِقْصِدِي مِينْ بِحَدِيثِكِ دَه."
رَفَعَتْ عَيْنَاهَا وَنَظَرَتْ لِفُضُولِهِنَّ وَأَجَابَتْهُنَّ بِنَبْرَةِ شَمَاتَةٍ:
"هُوَ فِيهِ غَيْرُهَا 'ثُريَا'، شُوفُوا فِى خَبَرٌ عَلَى الموبايلِ وَبَيَقُولُ إِنْ فِيهِ عَمَلِيَّةٌ إِرْهَابِيَّةٌ، وَكَانَ مَقْصُودٌ بِهَا ظَابِطٌ سَابِقٌ فِى الجَيْشِ، وَقَالُوا اِسْمُ سَراجٍ العَوَامِرِي."
اِنْتَفَضَتْ وَلَاءٌ وَنَهَضَتْ وَاقِفَةً تَقُولُ بِاِسْتِفْسَارٍ:
"وَسَراجٌ جَرَالُهُ إِيهِ؟"
أَجَابَتْهَا إِينَاسٌ بِبُرُودٍ:
"مَا أَعْرِفُشُ، إِنتِ خَابْرَةٌ الحُكُومَةُ مِشْ بَتْقُولُ الحَقِيقَةَ، وَالأَخْبَارُ أَوْقَاتٌ بَتْهُوِّلُ المَوْضُوعَ."
نَظَرَتْ وَلَاءٌ لِبُرُودِهَا وَقَالَتْ:
"هَأطْلَعُ أُغَيِّرُ هَدُومِي وَأُرُوحُ دَارَ عُمْرَانَ بِالتَّأْكِيدِ، زَمَانُ عِنْدِيهِ خَبَرٌ عَنْ سَراجٍ."
تَهَكَّمَتْ إِينَاسٌ وَظَلَّتْ جَالِسَةً هِيَ وَوَالِدَتُهَا الَّتِي لَا تَقِلُّ عَنْهَا شَمَاتَةً قَائِلَةً:
"ذَنْبُ غَيْثٍ هَيَخْلَصْ مِنْ سَراجٍ... مِشْ إِتْجَوِّزَ أَرْمَلَةُ وَلَدِي. أَنَا دَعِيتُ عَلِيهِ مَايِشُوفْشِ الهَنَا مَعَاهَا... زَيِّ وَلَدِي."
لَمَعَتْ عَيْنَا إِينَاسٌ بِنَظْرَةٍ شَامِتَةٍ وَبَسْمَةِ تَشَفِّي.
❈-❈-❈
بِـ المَدِينَةِ
أَسْفَلَ تِلْكَ البِنَايَةِ الَّذِي يَقْطُنُ بِهَا وَالِدُ قِسْمَتٍ، تَرَجَّلَ إِسْمَاعِيلُ وَذَهَبَ لِلنَّاحِيَةِ الأُخْرَى يُسَاعِدُ رَحِيمَةَ عَلَى النُّزُولِ مِنَ السَّيَّارَةِ. تَبَسَّمَتْ لَهُ بِحَنَانٍ وَهِيَ تُعْطِيهِ يَدَهَا. رَفَعَ نَظَرَهُ لِأَعْلَى، تَبَسَّمَ حِينَ وَجَدَ قِسْمَتَ تَقِفُ فِى شُرْفَةِ شُقَّتِهِمْ. أَشَارَ لَهَا، تَبَسَّمَتْ لَهُ، وَهِيَ تَضَعُ يَدَهَا فَوقَ قَلبِهَا. لَاحَظَتْهُمْ رَحِيمَةُ وَتَبَسَّمَتْ قَائِلَةً:
"اِطْمَئِنَّ يَا وَادُ، اِنْ شَاءَ اللهُ هَتْبَقِي مِنْ نَصِيبِكَ، وَهِيَ اللِّي هَتْرَبِطْ لَكَ عَقْلَكَ السَّارِحَ."
آمَنَ عَلَى قَوْلِهَا قَائِلًا:
"يَسْمَعُ مِنْكِ يَا خَالَتِي. أَنَا مُعْتَمِدٌ عَلَيْكَِ مَعَ الرَّاجِلِ الدِّيكْتَاتُورِ دَه، بِيَقُولُ عَلَيَّا بَرْجَوَازِي."
لَمْ تَفْهَمْ رَحِيمَةُ كَذَلِكَ، لَمْ تَعْرِفْ نُطْقَ الكَلِمَةِ وَسَأَلَتْهُ:
"بَرْ... بَرْ... بَرْجَوَاجِي يَعْنِي إِيهِ يَا إِسْمَاعِيلُ؟"
أَجَابَهَا:
"دِي شِتِيمَةٌ يَا خَالَتِي، مَاعَرِفْشُ مَعْنَاهَا. نِبْقَى نَسْأَلُ آدَمَ عَلَيْهَا، هُوَ المُثَقَّفُ اللِّي فِينَا."
أَوْمَأَتْ لَهُ قَائِلَةً:
"تَمَامٌ. لَمَّا نَخْلَصُ هَنَا، تَأْخُدْنِي دَارَ العَوَامِرِي. الوَادُ سَراجٌ قَلْبِي اِتْخَاطْفَ مِنْ نَاحِيَتِهِ مِنْ الصُّبْحِ."
تَهَكَّمَ لَهَا قَائِلًا:
"مَا تَقْلَقِيشُ يَا خَالَتِي عَلِيهِ، دَه نِسْرٌ بِيَصْطَادُ تَعَابِينَ. خَلِّينَا مَعَ الرَّاجِلِ الدِّيكْتَاتُورِ، يَا رَبِّ بَسْ أَتْجَوِّزُ قِسْمَتَ، هَكْرُبْهُ فِى رَأْسِهِ بِأَعْلَى فُولْتٍ، يُمْكِنْ عَقْلُهُ يُوزَنْ."
بَعْدَ قَلِيلٍ، فَتَحَتْ قِسْمَتُ بَابَ الشُّقَّةِ وَرَحَّبَتْ بِـ رَحِيمَةَ الَّتِي تَبَسَّمَتْ لَهَا قَائِلَةً:
"إِنتِ قِسْمَتٌ؟"
أَجَابَتْهَا بِهَمْسٍ:
"أَيُّهُ يَا طَنَّطُ. حَضْرَتُكِ نَوَّرْتِ. إِسْمَاعِيلُ حَكَالِي عَنْكِ وَقَالَ إِنَّكِ الوَحِيدَةُ اللِّي هَتْقْدَرِي تُقْنِعِي بَابَا يَقْبَلُ بِجَوَازِنَا."
تَبَسَّمَتْ لَهَا رَحِيمَةُ بِحَنَانٍ قَائِلَةً:
"حُلْوَةٌ كَلِمَةُ طَنَّطُ مِنكِ. وَإِنتِ كَمَانْ حُلْوَةٌ. يُحِقُّ لِلْوَادُ إِسْمَاعِيلُ يَتَمَسَّكُ بِيكِ. اِطْمَئِنِّي، أَنَا بِحَمْدِ اللهِ رَبَّنَا بَيُلَينُ القَاسِيَةَ فِى إِيدِيَّ."
تَبَسَّمَتْ قِسْمَتُ بِاطْمِئْنَانٍ. بَينَمَا أَتَى وَالِدُ قِسْمَتٍ سَائِلًا:
"مِينِ اللِّي كَانَ بَيُرَنُّ جَرَسَ الشُّقَّةِ يَا قِسْمَتُ؟"
اِنْزَاحَتْ قِسْمَتُ مِن أَمَامِ رَحِيمَةَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ لِلْدَاخِلِ قَائِلَةً بِمَوَدَّةٍ:
"أَنَا رَحِيمَةُ، فِى أَمَانَةٍ عِنْدَكَ بَتَاعَتِي وَجَايَةٌ أَخُدُهَا."
نَظَرَ لَهَا بِاِسْتِغْرَابٍ قَائِلًا:
"أَمَانَةٌ إِيهِ يَا حَجَّةٌ."
تَبَسَّمَتْ لَهُ قَائِلَةً:
"يَسْمَعُهَا مِنكَ وَنَحِجُّ سَوَا إِنْ شَاءَ اللهُ. مِشْ تَقُولُ لِي اِتْفَضَّلِي أَوَّلُ وَتَضَايِفْنِي بِكُوبَايَةِ مَاءٍ."
شَعَرَ مَعَهَا بِالرَّاحَةِ وَالسَّكِينَةِ فَقَالَ بِوُدٍّ:
"آَمِينٌ. اِتْفَضَّلِي يَا حَجَّةٌ... هَاتِي عَصِيرٌ يَا قِسْمَتُ فِى الصَّالُونِ."
شَعَرَتْ قِسْمَتُ بِرَاحَةٍ مِن اِسْتِقْبَالِ وَالِدِهَا لِـ رَحِيمَةَ. بَعْدَ قَلِيلٍ، جَلَسَتْ رَحِيمَةُ تَنظُرُ لِوَالِدَةِ قِسْمَتٍ الَّتِي جَاءَتْ بِفُضُولٍ تَتَعَرَّفُ عَلَى تِلْكَ السَّيِّدَةِ الَّتِي أَخْبَرَتْهَا عَنْهَا قِسْمَتُ. لَاحَظَتْ هُدُوءًا فِى الحَدِيثِ بَينَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا لِأَوَّلِ مَرَّةٍ يَكُونُ هَكَذَا مَعَ شَخْصٍ غَرِيبٍ يَتَعَامَلُ مَعَهُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ. لَكِنَّ رَجَّحَتْ ذَلِكَ رُبَّمَا لِبَشَاشَةِ وَرُقِيِّ حَدِيثِ تِلْكَ السَّيِّدَةِ.
نَظَرَتْ رَحِيمَةُ نَحْوَ قِسْمَتٍ الَّتِي أَعْطَتْهَا كُوبَ العَصِيرِ، وَتَبَسَّمَتْ لِوَالِدِهَا قَائِلَةً:
"بُصِّ بَقِي، أَنَا الزَّمَنُ عَلَّمَنِي أَدْخُلُ البُيُوتَ مِن أَبْوَابِهَا. إِنتَ عِنْدَكَ أَمَانَةٌ وَأَنَا جَايَةٌ اَلْيَوْمَ عِشَانْ أَخُدُهَا لِصَاحِبِ نَصِيبِهَا."
نَظَرَ لَهَا بِفُضُولٍ سَائِلًا:
"إِيهِ الأَمَانَةُ دِي يَا حَجَّةٌ."
نَظَرَتْ نَحْوَ قِسْمَتٍ وَتَبَسَّمَتْ:
"قِسْمَتُ هِيَ الأَمَانَةُ. أَنَا جَايَةٌ أَخْطُبُهَا لِابْنِ أُخْتِي، اللِّي فِى مَقَامِ اِبْنِي الصَّغِيرِ. وَعَارِفَةٌ إِنَّكَ مِشْ هَتِكْسُفْنِي وَهَتْوَافِقُ... دَه دُكْتُورٌ وَقُدَّامُهُ المُسْتَقْبَلُ."
شَعَرَ بِإِحرَاجٍ وَتَحَنَّحَ قَائِلًا:
"مِشْ لَازِمْ أَشُوفُهُ أَوَّلُ وَأَسْأَلُ عَنْهُ وَأَعْرِفُ أَخْلَاقُهُ."
اِبْتَسَمَتْ رَحِيمَةُ:
"إِنتَ شُفْتُهُ قَبلَ كِدَه، وَقِسْمَتُ تَشْهَدُ عَلَى أَخْلَاقُهُ. هُوَ صَحِيحٌ هَوَائِيٌّ، لَكِنْ وَقْتَ الجِدِّ رَجُلٌ وَيِسِدُّ، تَرْبِيَتِي."
زَادَ الحَرَجُ لَدَى وَالِدِ قِسْمَتٍ وَتَبَسَّمَ قَائِلًا:
"مَايِمْنَعْشِ بَارْضُهُ أَشُوفُهُ تَانِي."
اِبْتَسَمَتْ رَحِيمَةُ وَغَمَزَتْ لِقِسْمَتٍ الَّتِي شَعَرَتْ بِالخَجَلِ وَنَهَضَتْ خَرَجَتْ مِنَ الغُرْفَةِ قَائِلَةً:
"حَقُّكَ... عَشْرُ دَقَائِقَ وَهَتْلَاقِيهِ هِنَا."
بِالفِعْلِ، قَبلَ مُرُورِ عَشْرِ دَقَائِقَ، صَدَحَ رَنِينُ بَابِ الشُّقَّةِ. فَتَحَتْ قِسْمَتُ البَابَ وَتَبَسَّمَتْ لِإِسْمَاعِيلَ الَّذِي سَأَلَ بِتَرَقُّبٍ:
"هَاهَ؟ بَابَاكَ مِزَاجُهُ هَادِي؟ أَنَا جِبْتُ لَهُ بُسْبُوسَةٌ تُغَيِّرُ، عِشَانْ مَايَقُولْشِ عَلَيَّا بَرْجَوَازِي."
ضَحِكَتْ قِسْمَتُ قَائِلَةً:
"أَيُّهُ، طَنَّطُ رَحِيمَةُ مَعَاهُ فِى الصَّالُونِ، وَشَكْلُهَا أَقْنَعَتُهُ."
اِبْتَسَمَ إِسْمَاعِيلُ وَهُوَ يَدْخُلُ إِلَى غُرْفَةِ الضُّيُوفِ. تَبَسَّمَتْ رَحِيمَةُ وَقَالَتْ بِفَخْرٍ:
"تَعَالَى يَا إِسْمَاعِيلُ، سَلِّمْ عَلَى أَبُو قِسْمَتٍ."
نَظَرَ وَالِدُ قِسْمَتٍ إِلَى إِسْمَاعِيلَ بَعْدَ أَنْ كَانَ هَادِئًا، اِنْتَفَضَ وَاقِفًا يَقُولُ:
"مُسْتَحِيلٌ أُجَوِّزُ بِنْتِي لِسَلِيلِ البَرْجَوَازِي."
نَظَرَ إِسْمَاعِيلُ نَحْوَ رَحِيمَةَ الَّتِي نَهَضَتْ وَاقِفَةً تَسْأَلُ:
"هُوَ إِيهِ البَرْ... بَرْجَوَاجِي دَه يَا أَخُويَا؟ وَبَعْدِينَ إِنتَ هَتْرْجَعْ فِى حَدِيثُكَ مَعَايَ؟ مِشْ مِنْ شَوَيْةٍ كُنْتَ بَتْقُولُ أَنَا أُجَهِّزُهَا وَأَجِيبُهُالَكَ لِحَدِّ عِنْدَكَ. هَاهُوَ إِسْمَاعِيلُ دَه اِبْنِي كِدَه، هَتِكْسُفْنِي قُدَّامُهُ."
تَرَدَّدَ وَالِدُ قِسْمَتٍ بِحَرَجٍ وَهَدَأَ قَلِيلًا، ثُمَّ قَالَ بِاعْتِرَاضٍ:
"يَا حَجَّةٌ..."
قَاطَعَتْهُ رَحِيمَةُ بِنَظْرَةِ عِتَابٍ قَائِلَةً:
"هَتْقُولُ إِيهِ؟ خَلِّينَا نَفْرَحُ بِالعِيَالِ، وَأَنَا أَضْمَنْ لَكَ إِنَّ إِسْمَاعِيلُ هَيُصُونُ بِنْتَكَ فِى عَيْنِيهِ."
تَرَدَّدَ وَالِدُ قِسْمَتٍ، لَكِنْ بِحَنْكَةِ رَحِيمَةَ أَقْنَعَتْهُ، فَقَالَ بِانْدِفَاعٍ:
"تَمَامٌ، أَنَا مُوَافِقٌ، بَسْ الجَوَازُ يَكُونُ خِلَالَ شَهْرَيْنِ بِالكَثِيرِ، وَالعَفْشُ وَالشَّبْكَةُ وَتَجْهِيزَاتُ الشَّقَّةِ كَمَانْ عَلِيهِ."
كَادَ إِسْمَاعِيلُ أَنْ يَعْتَرِضَ، لَكِنَّ رَحِيمَةَ قَاطَعَتْهُ وَقَالَتْ:
"أَنَا كُنْتُ هَأقُولُ كِدَه. أَنَا عَايْزَةٌ أَفْرَحُ بِالعِيَالِ."
نَظَرَ لَهَا إِسْمَاعِيلُ وَصَمَتَ.
دَقَائِقَ كَانَ وَالِدُ قِسْمَتٍ يَتَحَدَّثُ وَهُوَ يَتَشَرَّطُ، وَكُلَّمَا حَاوَلَ إِسْمَاعِيلُ أَنْ يَعْتَرِضَ، كَانَتْ رَحِيمَةُ تَنْظُرُ لَهُ فَيَصْمُتُ.
بَعْدَ وَقْتٍ مِنَ المُفَاوَضَاتِ، نَهَضَتْ رَحِيمَةُ بِبَسْمَةٍ قَائِلَةً:
"إِكْدَه تَمَامٌ جَوِّي جَوِّي... إِحْنَا شَارِينُ قِسْمَتَ."
تَهَكَّمَ إِسْمَاعِيلُ وَهُوَ مَا زَالَ مُتَمَسِّكًا بِعُبْوَةِ البُسْبُوسَةِ، حَتَّى ذَهَبَ إِلَى خَلْفِ بَابِ المَنْزِلِ. مَدَّتْ قِسْمَتُ يَدَهَا تَقُولُ:
"مِشْ إِنتَ جَايِبُ البُسْبُوسَةَ دِي لِبَابَا؟ هَاتِهَا."
تَمَسَّكَ بِالعُبْوَةِ قَائِلًا:
"أَبَدًا، أَنَا هَحْتَفِظُ بِالبُسْبُوسَةَ دِي أَكِلُّهَا فِى السَّكَّةِ، أَبْلَعُ بِهَا اللِّي شُفْتُهُ وَسَمِعْتُهُ مِن أَبُوكِ. أَبُوكِ دَه بَيَقُولُ عَلَيَّا سَلِيلُ بَرْجَوَازِي، وَهُوَ اِسْتِغْلَالِيٌّ."
نَظَرَتْ لَهُ قِسْمَتُ بِاحْتِقَارٍ. فَنَظَرَ نَحْوَ رَحِيمَةَ الَّتِي تَخْرُجُ مِن غُرْفَةِ الضُّيُوفِ، وَمَا زَالَ وَالِدُ قِسْمَتٍ وَوَالِدَتُهَا يَتَحَدَّثَانِ مَعَهَا، يَتَمَسَّكَانِ أَنْ تَجْلِسَ مَعَهُمَا بَعْضَ الوَقْتِ. لَكِنْ حِينَ رَأَى إِسْمَاعِيلُ يَقِفُ مَعَ قِسْمَتٍ، شَعَرَ بِالغَضَبِ وَقَالَ:
"نَسِيتُ يَا حَجَّةٌ أَقُولُ لَكِ إِنَّكِ عَارِفَةٌ إِنِّي رَبَّنَا رَزَقَنِي بِثَلَاثِ بَنَاتٍ وَأَخَافُ عَلَيْهِمْ..."
قَاطَعَتْهُ رَحِيمَةُ:
"إِسْمَاعِيلُ هَيَبْقَى أَخُوهُمْ الكَبِيرُ، وَإِحْنَا نَكْتُبُ الكِتَابَ مَعَ الخُطُوبَةِ."
تَهَكَّمَ إِسْمَاعِيلُ بِنَزَقٍ هَامِسًا لِنَفْسِهِ:
"أَخُوهُمْ يَا خَالَتِي، هَتْسَوِّي سُمْعَتِي مِنْ دِلْوَقْتِي مَعَ رَجُلٍ اِسْتِغْلَالِيٌّ. بَسْ أَكْتُبُ كِتَابِي عَلَى قِسْمَتَ لَأَخَلِّيكَ تَمْسِكْ سِلْكِ الكَهْرَبَا عُرْيَانَ وَأُظَبِّطُ لَكَ فِيزُوزَ مَخَكَّ يَا رَاجِلُ يَا اِسْتِغْلَالِيٌّ."
❈-❈-❈
مَسَاءً بِـ دَارِ العَوَامِرِي
كَانَ الجَمِيعُ يَنْتَظِرُ عَوْدَةَ سَراجٍ بَعْدَمَا اِتَّصَلُوا عَلَيْهِ وَعَلِمُوا أَنَّهُ بِخَيْرٍ. لَكِنْ مَا زَالَ القَلَقُ يُسَاوِرُ عِمْرَانَ، كَذَلِكَ ثُريَا وَإِنْ كَانَتْ تُظْهِرُ عَكْسَ ذَلِكَ بِهُدُوئِهَا. بِمُجَرَّدِ أَن دَخَلَ سَراجٌ إِلَى المَنْدَرَةِ، نَهَضَتْ وَلَاءٌ بِرِيَاءٍ وَقَامَتْ بِاِحْتِضَانِ سَراجٍ تُمَثِّلُ الحَنَانَ، لَكِنَّهُ لَابُدَّ أَنْ تَبُخَّ سُمَّهَا وَقَالَتْ بِقَصْدٍ وَهِيَ تَنْظُرُ نَحْوَ ثُريَا:
"زَيِّ مَا يَكُونُ دَخَلَ عَلَيَّ وَافِدٌ جَدِيدٌ نَحْسٌ لِلدَّارِ."
لَمْ تُبَالِ ثُريَا وَنَهَضَتْ رَحِيمَةُ وَاقْتَرَبَتْ مِنْ سَراجٍ وَجَذَبَتْهُ مِن وَلَاءٍ، اِحْتَضَنَتْهُ قَائِلَةً:
"رَبَّنَا نَجَّاكَ يَا وَلَدِي. مَافِيشْ حَاجَةٌ اِسْمُهَا نَحْسٌ، دَه قَدَرٌ، وَرَبَّنَا قَدَّرَ وَلَطَفَ عِشَانْ مِشْ رَايِدٌ يُوجِعُ قَلْبَ مُحِبِّينِكَ."
تَبَسَّمَ سَراجٌ وَهُوَ يَحْتَضِنُهَا بِقُبُولٍ، عَكْسَ مَا فَعَلَ مَعَ وَلَاءٍ الَّتِي اِشْتَعَلَ قَلْبُهَا حِقْدًا، وَهِيَ تَرَى سَراجٌ عَيْنَاهُ تُفَارِقُ ثُريَا الَّتِي كَانَتْ آخِرَ مَنْ تَحَدَّثَتْ بِاخْتِصَارٍ:
"حَمْدًا لِلَّهِ عَلَى سَلَامَتِكَ."
أَوْمَأَ لَهَا مُبْتَسِمًا، رُبَّمَا كَانَ يُرِيدُ مِنْهَا هِيَ عِنَاقٌ وَقُبْلَةٌ.
بَعْدَ وَقْتٍ، نَهَضَتْ رَحِيمَةُ قَائِلَةً:
"كَفَايَةٌ اِكْدَه، قُومْ يَا سَراجُ. اِطْلَعْ شَقَّتَكَ مَعَ مَرْتَكَ، كِفَايَةٌ اِكْدَه، إِنتَ لَازِمٌ تِرْتَاحُ."
وَافَقَ سَراجٌ وَنَهَضَ، بَينَمَا ثُريَا كَانَتْ جَالِسَةً تَتَحَدَّثُ هِيَ وَإِيمَانُ وَحَنَانُ، لَمْ تَنْبَهْ إِلَّا حِينَ وَجَّهَتْ رَحِيمَةُ نَظَرَهَا لَهَا قَائِلَةً:
"قُومِي يَا ثُريَا، اِطْلَعِي مَعَ جُوزِكِ، أَكِيدْ زَمَانُهُ تَعْبَانٌ، وَالستُّ هِيَّ رَاحَةُ جُوزِهَا."
أَصَابَتْ خَالَتُهُ حِينَ قَالَتْ ذَلِكَ حَقًّا، حُضْنٌ مِن ثُريَا الآنَ هُوَ رَاحَتُهُ.
اِمْتَثَلَتْ ثُريَا وَذَهَبَتْ مَعَ سَراجٍ، بَينَمَا جَلَسَتْ رَحِيمَةُ بَينَ إِيمَانَ وَحَنَانَ، وَتَبَسَّمَتْ لَهُنَّ قَائِلَةً:
"قُولُولِي يَا زِينَةَ الحُلْوِينِ، كُنْتُوا بِتَتْحَدَّثُوا فِى إِيهِ."
نَظَرَتْ لَهَا وَلَاءٌ بِغَضَبٍ وَانْتَفَضَتْ مِنْ قُبُولِهِنَّ لَهَا، وَنَهَضَتْ قَائِلَةً:
"الحَمْدُ لِلَّهِ اطْمَأَنَنْتُ عَلَى سَراجٌ أَنَّهُ بِخَيْرٍ. هَأرُوحُ دَارِي، الحَمْدُ لِلَّهِ إِنَّ لِيَّ دَارٌ مِشْ عَالَةٌ عَلَى حَدٍّ."
سَمِعَتْهَا رَحِيمَةُ وَلَمْ تُبَالِ بِحَدِيثِهَا وَهِيَ تَنْدَمِجُ فِى الحَدِيثِ بِأُلْفَةٍ مَعَهُنَّ. تَعْلَمُ أَنَّهَا قَصَدَتْ ذَلِكَ الحَدِيثَ المَاسِخَ، لَكِنْ لَنْ تُعْطِيَهَا فُرْصَةً بِالرَّدِّ عَلَى تَفَاهَتِهَا. غَادَرَتْ وَلَاءٌ تَلْعَنُ وَتَسُبُّ الجَمِيعَ.
❈-❈-❈
بِشُقَّةِ سَراجٍ
اِنْشَغَلَتْ ثُريَا بِالحَدِيثِ عَبْرَ الهَاتِفِ مَعَ وَالِدَتِهَا الَّتِي كَانَتْ تُطْمَئِنُّ عَلَى سَراجٍ. كَانَ سَراجٌ بِذَاكَ الوَقْتِ دَخَلَ إِلَى غُرْفَةِ النَّوْمِ بَعْدَ أَنْ حَدَّثَهَا بِنَفْسِهِ ثُمَّ أَعْطَاهَا الهَاتِفَ لِتُكْمِلَ حَدِيثَهَا مَعَ وَالِدَتِهَا. زَفَرَتْ نَفْسَهَا وَهِيَ تَتَّجِهُ إِلَى غُرْفَةِ النَّوْمِ. وَجَدَتْ سَراجٌ كَانَ قَدْ خَلَعَ قَمِيصَهُ وَأَصْبَحَ نِصْفَ عَارٍ. رَأَتْهُ يُجَعِّدُ مَلَامِح
رواية عشقت طالبتي الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم منار حسين
بعد مرور عِدة أيام،
الظلام الذي يكسره ضوء القمر الشبه بدر مُكتمل وسكون الليل الذي قطعه قوة صفعة قوية، وخلفها إستهجان وتعنيف بقسوة.
"سبق وجولتك إن ممنوع تنفذ إغتيال سراج دلُق. ليه خالفت أوامري؟ أوعاك تفكر إنك صاحب كلمة هنا. هنا أنا اللي أقول إيه اللي يحصل وميتي."
تفاجأ قابيل من تلك الصفعة، وزاد الغضب بقلبه. لوهلة فكر أن يُخرج سلاحه ويقتل الذي قام بصفعه، لكن فكر: هو مازال لا يعلم بقية الأوغاد الذي يتعامل معهم.
وضع يده مكان الصفعة وتفوه بتبرير: "أنا عملت كده لما اتأكدت إن سراج لسه بيخدم في الجيش. كمان أنا كان هدفي أشغل الشرطة و..."
قاطعه الآخر بإستهجان أقوى: "وده غباء منك. وفي الآخر خسرنا رجالة. وكويس إن اللي اتقبض عليه ولسه عايش مقرش على اللي عطاه الأمر. ودلوقتي تطلع الجبل للراجل اللي كنت أمرته ينفذ وتسأله إذا كان حد من اللي نفذوا العملية له معاه تعامل مباشر يفضل متخفي، وياريت يختفي عن الدنيا نهائيًا. وده آخر إنذار لك. مرة تانية هتتصرف من دماغي مالكش عندي غير رصاصة واحدة زي اللي أنت ضربتها في غيث. وبعدين أنا متأكد إن في سبب تاني في دماغك من قتل سراج، مش حكاية إنه لسه بيخدم في الجيش."
ارتبك قابيل وبرر بتعلثم: "هيكون إيه السبب؟ أنا كل اللي يهمني المصلحة. وجود سراج هنا خطر كبير."
زفر الآخر نفسه بنفاذ صبر قائلًا بأمر: "جولت شيل سراج من دماغك. عمايلك دي هتخلي البوليس يفتح عينه أكتر. وإن كانت البضاعة وصلت المرة دي بسلام للمخزن الحديد لسه لما هنرجع نبعتها للمشتري، مش عاوزين أي شبطة مع الشرطة ولا الجيش دلوقتي. ولآخر بحذرك، قتل سراج مش في مصلحتنا ولا يضرنا. حتى وجوده في الخدمة هو ميعرفش إحنا مين. لكن إنت بغبائك مفكرتش إن كان واحد من اللي نفذوا العملية كان ممكن يقر على الراجل بتاعك وعلى مكانه. وجتها كان ممكن يقر عليك. كمان هو بقى مكشوف ومش هنستنى لحد ما يتقبض عليه ويقر."
فهم قابيل التلميح بضرورة التخلص من ذاك المجرم. وبالفعل بعقله قرر ذلك، ليس فقط خوفًا أن يقع بيد الشرطة ويوشي به، كذلك لفشله في قتل سراج. لو كان سراج قُتل ما كان شعر بالغضب من التوبيخ.
بعد وقت قليل،
ب سفح الجبل بذاك الكهف دخل قابيل، لكن كان الكهف مظلمًا إلا من سرسوب ضوء القمر. رغم ذلك مُظلم، مجرد خط أبيض بالكهف. استغرب ذلك، هو منذ أيام لم يتقابل مع ذاك المجرم، كذلك لم يُهاتفه، فقط كي لا يلفت الانتباه. لكن سرعان ما شعر بالغثيان حين اخترق أنفه رائحة كريهة للغاية. أخرج محرمة ورقية وضعها على أنفه وهو يقول: "سب نابي" بتوبيخ. ثم أشعل ضوء هاتفه. أضاء الكهف، سرعان ما وقف مذهولًا حين رأى تلك الجثة التي بدأت تتحلل. رغم شعوره بالغثيان، اقترب من وجه ذاك المجرم الذي بدأ يتحلل. رأى آثار الدم الجاف تحت رأسه، كذلك علامة بوسط رأسه دليل على وجود رصاصة. شعر بالهلع وهو يخرج من الكهف، يشعر أيضًا باختناق بسبب تلك الرائحة. وقف بمكان مفتوح يسعل وهو يستنشق الهواء كي يطرد تلك الرائحة عن أنفه. ظل لوقت حتى شعر بهدوء تنفسه. سمع صوت الذئاب تعوي. لم يكن سابقًا صوت الذئاب يخيفه، لكن الليلة سبب له هلعًا في قلبه وعقله بدأ في السؤال: من الذي علم مكان ذاك المجرم وقتله؟ والجواب كان واضحًا... لابد أنه الكبير. والسؤال ينفي ذاك الجواب: إن كان الكبير هو الذي قتله، لما لمح له قبل قليل بقتله؟ والجواب معدوم. وهنالك احتمالات أخرى. ربما أحد رجال الجبل الفارين قتله. هذا الأرجح. لكن من ذاك المجرم الذي قتله... ربما ذهب معه الجواب إلى القبر. ولا يهم التفكير كثيرًا، يكفي أنه قُتل. وعليه الآن الحذر. لكن فكرة قتل سراج لم تختفي من رأسه ولن يهنئ قبل أن يقتله.
***
صباحًا،
ب دار عمران العوامري.
بالمندرة، وقفت ولاء بغضب بعدما سمعت إخبار إسماعيل لعُمران، أنه ينوي الزواج، بل وتقريبًا اتفق على كل شيء، وتبقي فقط إتمام عقد القران بعد يومين.
تحدثت بإستفسار متهكم: "ومين بقى العروسة اللي اختارتها؟ اياك تكون اختارت نسب يشرف، مش زي خواتك الاثنين."
شعر بالضيق والغضب منها قائلًا: "اختارِت اللي تناسبني يا عمتي، وأعتقد كل واحد حر في اختياره شريكة حياته."
شعرت بالغيظ وسألت بضجر: "مين بقى العروسة ومين يا ترى اللي راح طلبها لك؟"
أجابها: "اللي طلبها لي خالتي رحيمة، والعروسة زميلتي بتشتغل صيدلانية في المستشفى اللي بشتغل فيها."
ازداد شعور الغضب وقالت بضيق: "رحيمة... طبعًا واكلة دماغكم ومسيطرة عليكم كأنها ساحرة لكم. والعروسة موظفة يعني وأهلها بقى..."
قاطعها إسماعيل: "أهلها ناس طيبين، والدها كان مدرس وطلع على المعاش. كمان والدتها إدارية في مدرسة. وبعدين أنا مش بفكر في الحسب والنسب. أنا اخترت البنت اللي قلبي دق لها ومتأكد إن سعادتي معاها، ومش هيفرق هي بتشتغل أو لأ، ولا بنت مين. يهمني هي شخصيتها متوافقة معايا."
أفحمها إسماعيل مما جعلها تكبت غيظها. ثم نظر لعُمران قائلًا: "كتب الكتاب بعد يومين يا أبوي وهيكون على الضيق في شقة والد قسمت 'عروستي'، يعني هيبقى مختصر علينا. مش لازم يبقى فيه زحمة وهيصة الزفاف والفرح هيبقى قريب للهيصة."
أومأ له عُمران ببسمة موافقًا يقول له بأبوة: "ألف مبروك يا ولدي."
كذالك فهيمة تبسمت بمودة قائلة: "ألف مبروك وربنا يتمم بخير."
نظرت لها ولاء نظرة تحذيرية، لكن تغاضت عن تلك النظرة ولم تهتم بها. مما سبب انزعاج لـ ولاء.
بعد أن غادر إسماعيل، نظرت لعُمران بتجهم قائلة: "إزاي توافق على حديث إسماعيل؟ ده كانه بيدعينا ولا كأننا أهله، وكان لازم يخبرنا من الأول. وإحنا اللي كنا نروح نطلبها له ونشوف الناس اللي هيناسبهم دول شكلهم إيه. انت عارف رحيمة طول عمرها بتفكر نفسها لها كيان وسط ولاد أختها. وهي بتضحك عليهم أنها تاخدهم على هواهم عشان تفضل ليها مكانة عندهم. مش فارق معاها إن كان نسب يليق بمقام سيط عيلة العوامري ولا لأ. المهم إنها تكون ليها مكانة."
نظرت لها فهيمة قائلة: "إسماعيل بيقول هو اللي اختار عروسته وهو اللي هيعاشرها و..."
قاطعتها ولاء بغضب وتقليل شأن منها: "إنتِ كان حد حشرك وقالِك تتحدتي في أمر ميخصكيش. إنتِ..."
تدمعت عين فهيمة. لكن قاطعها عمران. لأول مرة يقف بصف فهيمة زوجته: "فهيمة عنديها حق. هو حر في اختياره. وهو اللي هيعاشرها ويعيش معاها."
تبدلت دمعة فهيمة إلى بسمة منشرحة. بينما غضبت ولاء بحقد قائلة: "إنت ضعيف قدام ولادك، زي ما كنت ضعيف زمان قدام...."
قاطعه عُمران بعصبية: "كفاية يا ولاء، أنا مش ضعيف."
قاطعته بتحريض: "لأ ضعيف يا عمران. كأنك خايف منهم. سايبهم كل واحد يختار على مزاجه وبعد ما يتمم يجي يخبرنا كأننا معازيم و..."
قاطعه عُمران مرة أخرى: "إنتِ كمان زمان مش اتحديتي أمي ووافقتي على ولد عمك اللي كلنا حذرناكِ منه وجولنا لك إنه ماشي بطال مع قطاعين الطرق مطاريد الجبل. وفي النهاية خدتي منه إيه غير لقب أرملة قبل عرسكم بأسبوع. كفاية، كل واحد حر وعيتحمل نتيجة اختاره. أنا مهمل لك الدار عشان ترتاحي."
غادر عُمران بغضب وترك ولاء تكاد أنفاسها تحرق الدار بأكملها. نظرت إلى فهيمة التي تنظر لها لأول مرة تشعر بشماتة بها. اغتاظت ولاء واهتاجت غضبًا وهي تخرج من المندرة تلعن وتسب الجميع بالغباء.
***
ليلًا.
في الليل تتجمع الهموم، كذلك الذكريات.
بغرفة إيمان.
أغلقت ذاك الكتاب الذي كانت تدرس به وشعرت ببعض التشنج بعنقها. تمطت ببعض الحركات الرياضية. شعرت براحة قائلة: "بسبب إني بقالي كام يوم موقفة تمارين الكاراتيه جسمي اتشنج. لازم أركز الفترة دي شوية في الدراسة. خلاص هلاقيني فجأة داخلة الامتحانات. لازم ألم المنهج عشان أتخرج بتقدير محترم يليق بيا زي السنين اللي فاتت."
فجأة جاء إلى رأسها ما رأته ظهرًا بمحطة القطار.
[بالعودة إلى ظهيرة اليوم]
تحدثت إيمان مع إحدى زميلاتها بالجامعة وأخبرتها: "هو الدكتور بتاع المادة قال إن الكتاب اللي نقدر ناخد منه معلومات للبحث اللي طلبه موجود فين؟"
أخبرتها زميلتها: "المكتبة اللي قال عليها تقريبًا مكانه قريب من محطة القطر."
أومأت إيمان قائلة: "تمام، خلينا نروح المكتبة بسرعة قبل ما تزدحم من زمايلنا."
أومأت زميلتها ببسمة.
بعد وقت قليل،
كن تقفان أمام تلك المكتبة القريبة من محطة القطار. كما توقعت إيمان، لقد شبه ازدحمت المكتبة ببعض زملائهم، لكن استطاعن العثور على نُسخ من ذاك الكتاب واشترين.
تنهدت إيمان بصبر قائلة: "الحمد لله لحقنا لنا نسخ من الكتاب. تعالي أعزمك على قهوة في الكافيه اللي هناك ده."
رفضت زميلتها قائلة: "لأ الوقت قربنا على العصر وأنا مقلتش في البيت إني هتأخر، خليها لوقت تاني، يا دوب أشوف تاكسي عشان أرجع للبيت، وإنتِ كمان اتصلي على السواق بتاعكم يجي ياخدك."
تبسمت لها بموافقة.
غادرت صديقتها وظلت هي منتظرة السائق بعد أن أخبرته بمكانها القريب من محطة القطار. لكن لفت نظرها أثناء انتظارها للسائق ذاك المشهد. حين رأت جسار يسير وهو يسحب خلفه حقيبة ملابس كبيرة. لكن ليس هذا ما لفت نظره، لفت نظره تلك الأخرى التي كانت تسير جواره، شابة رائعة الجمال ومحجبة، تمسك بيدها طفلًا يتعدى الخمس سنوات تقريبًا. نظرت نحوهم حتى اقتربوا منها. لم يراها جسار بسبب انشغاله بذاك الصغير الذي ترك يد السيدة وتوجه نحوه يقول: "بابا". لا تعلم لما خفق قلبها قويًا بتلك اللحظة، شعرت ببرودة تجتاح جسدها. بنفس الوقت أتى السائق. لم تنتبه له وهي تنظر نحو جسار وتلك التي معه وذاك الطفل الذي يمرح حول جسار وهو يبتسم له. من الجيد أنه لم يلاحظ وجودها بالمكان. فاقت من شرودها على صوت زامور السيارة. ذهبت نحوها، وعقلها مشغول دون علم السبب.
[عودة]
على صوت تنبيه هاتفها انتبهت. رغم ما زال عقلها لديه فضول معرفة المزيد عن جسار. هل تلك هي زوجته؟
خفق قلبها بشعور غريب. لما تشعر بانقباضة في قلبها؟ لماذا هذا الشعور؟ الفضول... لمجرد المعرفة. لا تأثير الفضول يكون بلا تلك الانقباضة حتى لو كانت طفيفة.
صراع حميد لا تدري سببه. جسار ليس أكثر من مجرد مدرب بالمركز الرياضي فقط. زميل لا أكثر. لا تشغلي عقلك بشيء أكثر من ذلك.
لكن الفضول. لا داعي منه. لكن الرغبة لمجرد المعرفة فقط. هكذا أقنعت نفسها أن ذاك الشعور ليس سوى فضول. رغم خفقات قلبها التي تتمرد وهي تعتقد أنها تتحكم بها، ولكن التفكير الذي شغل عقلها وصراع محموم بين قلبها الشارد وعقلها البارد لا يهدأ. بل ابتدأ الصراع نحو مسار غير متحكم.
***
ليل الهموم لقلب بدأ يستسلم لأضغاث قلبه.
بشقة إيناس.
نظرت جوارها للفراش كان خاويًا. قابيل رغم أن الليل انتصف منذ وقت، لكنه لم يعود كعادته. ليس ذلك بالجديد. تذكرت قبل ساعات حين كانت تقف بالشرفة. كان آدم يدلف ومعه تلك المعتوه زوجته. كان يمسك بيدها ينظر لها وهو يبتسم. ربما كان ذلك صدفة أثناء دخولهما حين تعرقلت حنان، تلهف عليها وأمسك يدها وهما يسيران بإنسجام. عكسها مع قابيل الذي تركها بالمشفى مجرد زيارة أو اثنتين وتحجج بكثرة العمل وانشغاله. كذلك منذ أن أجهضت، رغم مرور وقت لم يقترب منها قابيل حتى ويقبل إحدى وجنتيها كنوع من الدعم، لكن هو يتجاهلها. أصبحت تكره كل شيء حولها وتحقد بقلبها. سابقًا من كانت هي من تُحسد، الآن أصبحت ناقصة. يدخل إلى عقلها هوس أن هنالك أخرى تغزو عقل وقلب زوجها. بالتأكيد ربما يبحث عن من تعوض النقص الذي أصبح لديها. بنفس الوقت نفضت ذلك بعقل موهوم: "لأ قابيل مستحيل يفكر في غيري. قبل كده قالي مش عاوز عيال. وبعدين ما عندنا بنت."
- قد يرغب بولد يحمل اسمه ويرثه فيما بعد.
عقلها يقول ذلك وينفي بنفس الوقت: "لأ مستحيل. هو بيحبني من صغرنا ومش هيفكر في كده. هو بس زعلان وعشان كده بيحاول يبعد عني عشان محسش بكده."
بين تعقل وهوس تهزي من حجود وحقد نفسها.
***
لمعت عين ثريا ببسمة وهي ترى سراج يقترب منها هو الآخر. تلمع عيناه بوميض خاص وشغف. ضمها بين يديه وطبع قبلة على إحدى وجنتيها، ثم نثر قبلات على وجهها بالكامل. يديه عملت على إزالة ذاك المئزر من فوق جسدها.
رواية عشقت طالبتي الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم منار حسين
رواية عشقت طالبتي الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم منار حسين
في إحدى غرف نوم استراحة المرفقة بالإسطبل، تمددت حنان على الفراش، تضع يدها فوق بطنها. رغم شعورها ببعض التقلصات الطفيفة، إلا أن قلبها كان سعيدًا وهي تتذكر صباح ذلك اليوم بمنزل والدها.
شعرت بغثيان وهبوط، وذهبت إلى الحمام أكثر من مرة في وقت قليل. لاحظت والدتها ذلك، في البداية انقبضت بلهفة، لكن سرعان ما تبسمت حين عادت تجلس بجوارها في المطبخ. شعرت بوهن، فسألتها بعض الأسئلة. أجابتها حنان، ومن إجابتها أصبح لديها شبه يقين، وقالت لها: "هبعت حد الصيدلية يجيب اختبار حمل".
"اختبار حمل"، همست بها حنان، وفهمت بسمة والدتها. انشرح قلبها وهي تتمنى صدق ذاك التوقع. بالفعل، بعد قليل، كانت الاثنتان تبتسمان بفرحة غامرة بعدما تأكدن. كذلك، أرادت حنان التأكيد من طبيبة متخصصة. بالفعل، هاتفت والدتها زوجها وأخبرته، ثم ذهبت هي وحنان إلى الطبيبة التي أكدت حملها. فرحة كبيرة غزت قلبها.
بينما في محلج الكتان الخاص بوالدها، كان يجلس مع حفظي يتناقشان سويًا بأحد الأعمال، إلى أن صدح هاتفه. لم يتجنب وقام بالرد على زوجته وهو جالس مع حفظي، دون أن ينتبه لتركيز حفظي معه. شبه استمع إلى حديث عمه وفهم أن زوجة عمه تأخذ منه الإذن للذهاب إلى الطبيبة مع حنان. انشغل عقله بالسبب، لكن لم يسأل كي لا يلفت نظر عمه. كذلك، لا يود منه أن يخبره أن كل شيء قدر، وأنه لم يفضله عليه. يود إكمال بقية خطته، أنه تقبل القدر كما يقول. وصرف نظره عن حنان وأنها أصبحت ابنة عمه فقط. يكبت ذاك الغضب بقلبه، يمارس أسلوبًا آخر بالضغط على حنان نفسها. لديه يقين أنها لا تخبر زوجها بتلك الرسائل الذي يرسلها لها من رقم آخر احتياطيًا. حتى لو أباحت بتلك الرسائل، يستطيع نفيها بسهولة. الرقم مسجل باسم شخص آخر، لكن لديه يقين أن حنان تعلم أنه هو من يرسل لها الرسائل والصور. يعلم شخصية حنان المهزوزة والشبه جبانة، بفضل معاملة عمه الصارمة. ربما تلك نقطة رابحة له يستغلها.
بينما بعد قليل، في عيادة الطبيبة النسائية، أكدت نتيجة ذاك الاختبار وأخبرتهم أنها حامل تقريبًا منذ ليلة زفافها.
بعد وقت، في منزل مجدي السعداوي، امتثل حفظي لمطلب عمه لتكملة بقية النقاش الخاص بالعمل في المنزل لشعوره بالإجهاد. كذلك، تناول العشاء سويًا. بنفس وقت دخولهم إلى المنزل، كانت سناء تدلف إلى المنزل. سألها مجدي: "كنتِ فين لدلوق؟"
أجابته ببسمة وهي تنظر إلى حفظي: "هبجي أجولك بعدين".
تعصب مجدي ونظر إلى حفظي، فهم أن زوجته لا تود البوح أمامه، فقال بغضب: "حفظي مش غريب، بجولك كنتِ فين".
شعرت بالحرج وعدم الراحة، لكن أجابت: "مش كنت كلمتك عالموبايل وجولت لك هروح مع حنان للدكتورة".
تنهد مجدي بنرفزة قائلًا: "آه، والسبب إيه؟ ولا هو دلع ساعة ما تكح تجري عالدكتورة".
نظرت سناء نحو حفظي والتزمت الصمت، مما ضايق حفظي أكثر. لكن تغاضى مجدي قائلًا: "خلي الحديت لبعدين دلوق هاتي لينا الوكل وفين أحمد؟"
ردت سناء ببساطة: "أحمد زمانه رجع من الدرس، ربع ساعه بالكتير والوكل يكون جاهز".
أومأ لها بصمت وأشار لـ حفظي أن يتبعه إلى غرفة الضيوف.
مازال لدى حفظي فضول معرفة ما تُخفيه سناء. عمدًا، دون انتباه من مجدي، ضغط على زر رنين هاتفه. نظر له وتنحنح قائلًا: "ده إتصال من أخوي، هطلع لبره أرد عليه، الشبكه إهنه بتبقى ضعيفه".
أومأ مجدي له، خرج لوقت قليل وقف بحديقة المنزل. عاد مرة أخرى، لكن توقف على جانب باب الغرفة. كانت سناء تتحدث مع مجدي، الذي تُبرر له سبب ذهابهم إلى الطبيبة. تصنم مكانه على جانب باب الغرفة حين سمع قولها: "الدكتورة قالت لينا إن حنان حِبله من ليلة فرحها".
لمع وجه مجدي بسعادة قائلًا: "الحمد لله، كنت خايف الحديت اللى كان بيتقال عن آدم إنه ناقص رجوله".
فهمت حديثه وقالت بتذكير: "فاكر لما جولتلى، جولت لك بس هى تِحبل، الحديت ده كلياته هيبجي إشاعات. لو عارف إنه معيوب مكنش هيتجوز ويفضح نفسه".
أومأ رأسه موافقًا على حديثها قائلًا: "بحمل حنان إكده ثبتت أقدامها عند دار العوامري. ويا سلام لو ولد وكمان يبجي الحفيد الأول، بكده الرابط بينا وبيناتهم هيزيد متانه".
فهمت سناء مغزى طمع قلب مجدي، كأن ما يهمه فقط هو المكسب من ذلك النسب، لا سعادة ابنته. تنهدت قائلة: "الأهم ربنا يتتم لها وتقوم بخير هي واللى فى بطنها. هروح أجول لـ أحمد أن الوكل جاهز، يكون رجع حفظي".
أومأ لها بعيون لامعة. بينما سريعًا، توجه حفظي نحو باب المنزل كأنه يدخل الآن، لكن بقلبه بركان مشتعل من الغضب.
عادت حنان تضع يدها على بطنها تمسدها بحنان وسعادة، وبسمة ارتسمت على وجهها وهي تعتدل جالسة على الفراش حين دخل آدم الغرفة. يظهر على وجهه الإرهاق، وهو يتوجه يجلس على طرف الفراش متنهدًا بإرهاق. توجهت وجلست خلفه تضع يديها على كتفيه بحركات دائرية، جعلته يشعر بالاسترخاء وتنهد قائلًا: "فكرت، قولت هرجع الاقيكي نايمه. اليوم كان طويل ومرهق".
تبسمت وهي تدلك له كتفيه قائلة: "فعلًا اليوم كان مرهق، بس الخبر اللى عرفته ضيع كل الإرهاق".
سألها بفضول: "وخبر إيه اللى مفرحك أوي كده ومطير النوم من عينك؟"
تركت تدليك كتفيه ونزلت من على الفراش. وقف أمامه تنظر إلى كل ملامح وجهه، تنتظر رد فعله، وهي تجذب إحدى يديه تضعها فوق بطنها تُخبره: "الخبر هنا".
نظر لموضع يده ونظر لها بدون فهم. تبسمت على ذلك وأكملت: "الخبر هنا إننا هتبقي تلاته بعد أقل من سبع شهور".
اتسعت عيناه وهو يفهم تلميحها، ثم نهض واقفًا يحتويها قائلًا باستفهام: "قصدك..."
"أنا حامل"
ضمه بسعادة قائلًا: "ده أحلى خبر عرفته مش بس النهارده، لاء بعمري كله".
عانقته بمحبة قائلة: "وأنا كمان يا آدم، ربنا استجاب لدعواتي إنك تكون من نصيبي وأبقى أم أولادك، وأهو البداية".
ضمه أقوى وهي تقبل وجنته بسعادة.
بعد قليل، كانت مستلقية برأسها فوق صدره.
هناك شعور بالألم يشعر به آدم بساقه، لكن فرحته بخبر حمل حنان قد أنساه ذلك. رفعت حنان رأسها عن صدر آدم ونظرت لوجهه. سرعان ما ابتسم لها، بادلته البسمة قائلة: "بتمنى ربنا يرزقنا بولد يا آدم ويبقى فيه كل خصالك، الشهامة والشجاعة".
ابتسم لها بمودة، وجذبها على صدره مرة أخرى دون رد. بينما حنان عاودت الحديث: "آدم، إنت ليه وقفت كتابة؟ من فترة مبتكتبش مقالات ولا قصص".
تنهد بضجر قائلًا: "مش عارف ليه وقفت كتابة، مع إن دي هوايتي من زمان، بس الفترة دي دماغي مشغولة بالأحداث اللي بتحصل معانا، آخرها كتب كتاب إسماعيل. حاسس كمان بشعور مش فاهمه. خالتي رحيمة دايمًا كانت تزرع جوانا روح التحدي والأخوة وإننا لازم نكون سند لبعض، مع إني آخر واحد ممكن يكون سند لينا 'المُعاق' زي ما بيقولوا عليا".
رفعت رأسها عن صدره نظرت له بعتاب قائلة: "من فضلك بلاش تقول على نفسك كده، إنت فارس شجاع".
لمعت عيناه ببسمة وهو يجذبها للعودة إلى صدره، متنهدًا يقول: "شوفتك إنتِ وإيمان وخالتي كنتم منسجمين وكمان معاكم ثريا".
تبسمت حنان قائلة: "تعرف ثريا حاسة إنها واخدة جنب لوحدها مش عاوزة تختلط باللي حواليها. بغض النظر عن إنها هي وعمتك ولاء مفيش بينهم مودة، بالعكس، ثريا بحسها بتتعصب بسرعة وده اللي بتضغط بيه عمتك ولاء عليها وتوقعها دائمًا في الغلط. معرفش ليه عمتك بحسها بتتحامل على ثريا بدون سبب".
فكر آدم للحظات ثم تذكر قائلًا بتبرير: "يمكن السبب إن ثريا كانت مرات ابن أختها ومش متقبلة إنها تبقى مرات شخص تاني، كنوع من إرضاء أختها".
وافقت حنان قوله قائلة: "يمكن جايز".
ابتسم آدم وهو يضم حنان متثائبًا. تبسمت حنان قائلة: "واضح إنك مرهق أوي".
تنهد آدم قائلًا: "الفرسة اللي ولدت بقالنا كام يوم مراقبينها، كانت تعبانة بس الحمد لله ولدت بسلام وجابت مُهرة شكلها هتبقى جامحة".
ابتسمت حنان قائلة: "مهما كان جموحها حبيبي مراوض وهيقدر يراوضها ويخليها تنقاد له".
❈-❈-❈
بشقة ثريا
بدأ مفعول المسكن يهدئ ذاك الألم. بعد أن خرجت من المرحاض، كان سراج يبدل ثيابه بغرفة النوم. كان يقف نصف عارٍ بجذعه العلوي. رمقته نظرة خاطفة، وذهبت نحو الفراش وتمددت عليه تُغمض عينيها بهدوء بعد زوال ذاك الألم. سرعان ما شعرت بهبوط الفراش، وبسبب تمدد سراج جوارها. بقصد، أعطت له ظهرها تنام على جانبها. تكاد تستجيب لتلك الغفوة التي تسحبها. لكن قبل لحظات، تمدد سراج على الفراش، نظر نحو ثريا التي استدارت وظهرها له. تنهد بصبر ولم يفكر سوى بذاك الشعور الذي يجذبه نحو ثريا وطوق للشعور بها قريبة منه. اقترب منها وسرعان ما ضم جسدها، يدس رأسه في عنقها يتنهد بتوق، يهمس اسمها بنعومة. أضعفتها رغم أنها تشعر برغبة في النوم. رغم عنها أيضًا، استدارت تنظر له قبل أن تحاول نفض تلك المشاعر وتعود لبرودها وتبلدها. أربكتها قبلات سراج التي تقبلتها بعفوية. سرعان ما تبسم سراج وهو يضم جسدها بعدما علم سبب سوء مزاجها المتقلب. ضمها لصدره وغفى. هي كذلك، رغم أنها حاولت التمرد والابتعاد عنه، لكن بسبب همس سراج لها، استسلمت لذاك القيد: "ثريا نامي بلاش عِند".
قبل أن تتمرد، قبلها قبلة جعلتها تصمت وتهدأ.
❈-❈-❈
بعد مرور يومين
صباحًا أمام منزل والدة ثريا
تبسم فتحي لـ ممدوح الذي يقترب منه يُلقي عليه الصباح. مد فتحي يده له بإحدى عبوات السجائر قبل أن يطلب منه، لكن رفض ممدوح قائلًا: "لاء سجاير إيه يا عم فتحي، دلوقتى أنا أستاذ لتلاميذ ولازم أبقى قدوة لهم. أنا الحمد لله شبه أقلعت عن التدخين".
ابتسم له فتحي قائلًا: "عقبال ما تناساها نهائي".
تبسم ممدوح لـ رغد التي جاءت وقفت تلهث قائلة: "صباح الخير يا أبوي، الفطور أها أمي بعتته معايا".
ابتسم وأخذ منها ذاك الطعام. تبسم أيضًا ممدوح ولمعت عيناه سائلًا: "ومالك بتنهجي اكده ليه؟"
أجابته: "عندي مُحاضرة كمان ساعتين، محاضرة مراجعة، خلاص قربنا على امتحانات نص السنة، ومادة الأستاذ ده غلسه زيه. وبفهمش لا منه ولا من الكتاب بتاعه، زي ما يكون قاصد. هو قالها أنا بصفي الدفعة ونفسه يسقط أكتر من نص الدفعة".
تبسم لها قائلًا: "عارف أنا الأستاذ ده، يمكن يبان غلس بس هو حقاني. هو الوحيد اللي اعترف إني كنت أستحق أبقى مُعيد في الجامعة".
تنهد ممدوح ونفض عن عقله ذاك الشعور البغيض. ربما كان يستحق مكانة أعلى، لكن ارتضى بما وصل له، لمجرد أن يعود له جزء من شأنه. يكفي أنه يعمل الآن بمدرسة لها صيت كبير، أعطت له مكانة أخرى غير صبي القهوجي.
تحدثوا سويًا لوقت قليل بعد أن انشغل فتحي مع إحدى الزبائن. تسلل الحديث بينهم، ذكرت اسم إحدى المدرسين بالجامعة. خفق قلبه وتذكره، هو كان له تأثير بحالة البؤس الذي لو استسلم لها لكان أصبح مُعقد نفسيًا، وصاحب فشل أول قصة حب في حياته بعد أن اختطف منه إحدى زميلاته التي كان بينهما قصة حب، لكنها كالعادة اختارت صاحب المقام وتزوجت منه. رغم ذلك، انفصلا بوقت قصير، لكن هو لم ينس ذلك ليس لشعوره بالتدني، لكن لأن ذلك كان حافزًا له بوقت أن يصبح مثله ذو شأن.
بعد قليل
أمام المدرسة
توقف ممدوح حين سمع نداء باسمه. نظر إلى صاحبة النداء. شعور بعدم المبالاة وهو يرى تلك التي تقترب منه وبيدها طفل. رغم معرفته بها، لكن ادعى نسيانها. تبسمت حين اقتربت منه قائلة: "إنت ممدوح الحناوي".
بدبلوماسية أجابها: "نعم يا أفندم".
استغربت ذلك قائلة: "ممدوح، إنت مش عارفني؟ أنا ندا اللي كنت زميلتك في الجامعة".
لم يراوغ وأجابها بتذكر: "آه آسف، بس اختلط الشكل عليا".
تبسمت له قائلة: "إنت جاي هنا المدرسة دي ليه؟"
أجابها ببساطة: "أنا بشتغل هندا مدرس في المدرسة دي. وإنتِ جايه هنا ليه؟"
أجابته بآسف: "للأسف كنت مقدمة هنا في مسابقة المدرسين وللأسف مقبلتش. ولما سألت عن السبب قالولي إنهم بيختاروا المتميزين فقط واللي كانوا جايبين تقديرات عالية في الجامعة. إنت طبعًا قبلوك لأنك كنت من المتفوقين".
لأول مرة منذ زمن يشعر بقيمته وتبسم لها قائلًا: "فعلًا للأسف، هما بيدققوا في التفوق أوي".
أومأت له تشعر بخسارة. كانت تعلم بمشاعره نحوها، لكن لم تهتم وقتها واختارت من اعتقدت أنه ذو امتيازات. ماذا جنت من امتيازاته؟ لا شيء سوى طفل هي وحدها ملزمة به. تبسمت بغصة قلب تقول: "أنا بفكر أقدم وأكمل دراسات عليا".
تبسم لها بعفوية قائلًا: "موفقة".
حديثه المختصر جعلها تشعر أنه يود إنهاء الحديث معها. تنحنحت قائلة: "هات رقم موبايلك عشان لو احتاجت منك مساعدة".
بعفوية أعطاها رقمه الخاص، واستأذن منها حتى لا يتأخر. وقفت تنظر في أثره، بينما هو لم يبالي بل ضحك على يوم شعر فيه بكسرة قلبه كان وهمًا من ضمن الأوهام. هناك أخرى تشغل عقله، بل قلبه. كان سابقًا يخشي البوح، فهو لا يناسبها. أم الآن لابد من اتخاذ خطوة أخرى.
❈-❈-❈
مساءً بمنزل والدة ثريا
كانت جلسة نسائية بينها وبين والدتها وسعدية. تطرقت لحوارات كثيرة إلى أن صدمتها سعدية بقولها: "إنتِ مش آن الأوان تتعالجي يا ثريا".
نظرت له نجية بفزع قائلة بتشدد: "بعيد الشر عليها يا سعدية، مالها تتعالج من إيه؟ ما هي كويسة أهي".
نظرت سعدية لـ ثريا وتلاقت عيناهما، وقالت بتوضيح: "ثريا فاهمه أنا قصدي إيه يا نجيه".
أحنت ثريا وجهها للحظات ثم عادت تنظر إلى سعدية. وكالعادة بهذا الموضوع لا تود جدال. لكن سعدية لن تصمت ووضحت الأمر لـ نجيه: "المفروض ثريا تروح لدكتورة نسا تكشف. هتفضل كده من غير ما تخلف عيال".
نظرت لها ثريا وتنهدت قائلة: "واللي خلفوا عملوا إيه بالخلفة يا خالتي".
توقفت عن بقية الحديث ونهضت واقفة كي تتهرب من حديث سعدية: "هقوم أدخل المكتب عندي قضية بكره هقرأ الملف بتاعها".
"بلاش تهربي يا ثريا... سراج مش زي غيث".
"غيث"، رددها عقلها وهي تنظر نحو سعدية التي قالت ذلك. شعرت بغضب وتفوقت باستنفار: "يفرق إيه سراج عن غيث؟ ليه بحس إنك ميالة لـ سراج رغم إنك قبل ما أتجوزه كنت معترضة عليه".
أجابتها سعدية بهدوء: "غيث مخيبش إحساسي وطلع أسوأ كمان، لكن..."
قاطعتها ثريا باستهزاء: "وسراج خيب إحساسك وطلع شهم، الإثنين..."
قاطعتها سعدية: "لاء سراج مش زي غيث يا ثريا والدليل واضح. غيث بعد كام يوم سابك غرقانة (غرقانة) في دمك ولا اهتم... سراج دخل وسط ضرب النار عشان..."
"عشان إيه؟" هكذا سألت ثريا وأجابتها سعدية: "عشان ينقذك".
تهكمت ثريا بوجع قائلة: "ياريته سابني أموت، يمكن كان أفضل".
تغرغرت الدمعة بعين نجية ونفت ذلك: "بعيد الشر عنك، ليه عاوزة توجعي قلبي مش كفاية اللي اتحملته قبل كده".
نظرت لها ثريا بشفقة لا لوم. تعلم أنها ربما ضعيفة وتستسلم، لكن ليس برغبتها بل مُرغمة دائمًا أن تفعل ذلك بسبب مسؤوليتها.
تهربت ثريا من حديثهن الملّح، قائلة: "مالوش لازمة الحديث ده دلوقت، كل شيء بوقته. أنا رايحة المكتب وهسيبكم تكملوا مع بعض رغي".
غادرت ثريا نحو تلك الغرفة، بينما نظرت سعدية لـ نجية قائلة: "هنسكت ونسيبها كده؟ بتضيع شبابها مش المفروض يبقى لينا تأثير عليها".
تدمعت عيني نجية قائلة: "هنسوي إيه؟ هي اللي زي ما يكون اللي مش هينول رحمة ربنا. غيث قتل جواها الإحساس".
توعدت سعدية قائلة: "منه لله، بس مش هنستسلم وخلينا نزن عليها، وقلبي حاسس هتوافق تروح للدكتورة وتتعالج ويبقى لها عيال كتير".
أومأت نجية بموافقة وتبسمت بأمل.
❈-❈-❈
مساءً
بدار عمران العوامري
بالمندرة
دخل آدم وجواره حنان يبتسمان. ألقى آدم عليهم السلام ثم تبعه بقول: "العيلة كلها متجمعة، نتجمع عند النبي إن شاء الله".
آمن الجميع على دعائه، بينما نظرت له ولاء بخباثة قلب قائلة: "جاي منين دلوق إنت ومراتك؟ أكيد من دار أبوها، هي هناك دايمًا كأنها متجوزتش".
فهم آدم تلميح ولاء، ولم يهتم بنيتها الخبيثة، وقال: "لاء أنا اللي لسه راجع من الإسطبل، حنان كانت في شقتنا".
تهكمت ولاء بتكذيب قائلة: "غريبة، مع إن الخدامة من شوية طلعت تخبط عليها عشان تنزل تتعشى مردتش عليها".
بررت حنان ذلك قائلة: "أنا مسمعتش حد خبط على شقتي، أنا كنت نايمة وصحيت على رن الموبايل".
تهكمت ولاء قائلة: "كنتِ نايمة، نوم العوافي... إكده هتسهري بالليل".
ردت حنان بعفوية: "لاء أنا مكنتش متعودة عالنوم في الوقت ده، بس بقالي كام يوم إكده، أكيد فترة وهتعدي".
"وخم". تهكمت ولاء قائلة: "وإيه سبب الوخم ده... آدم بيسهرك طول الليل بتعوضي بالنهار".
شعرت حنان بتهكم ولاء وتضايقت، كذلك آدم الذي قال بصدمة لها: "لاء يا عمتي، سبب الوخم إن حنان حامل".
جحظت عين ولاء كأنها مسها مس كهربائي وأعادت كلمة "حامل".
أكدها آدم. انشرح قلب جميع الجالسين. تلقى آدم وحنان التهاني والدعاء لها بتمام حملها على خير. حتى ثريا، رغم أنها شعرت بغصة في قلبها، لكن هنأتها بود وألفة.
لكن ولاء صرحت بعد تهنئتها: "المفروض كنا نهني سراج الأول بحبل مراته، هو الكبير واللي اتجوز الأول، بس يمكن في سبب".
قالت هذا وهي توجه نظرها ناحية ثريا التي شعرت بالغضب وصمتت. لكن ولاء زادت باستفزازها قائلة بتلميح مباشر: "طبعًا سراج وكل ولاد العوامرية رجالة، مش معيوبين".
فهمت ثريا قصدها، نظرت لها بغضب: "طبعًا رجالة، بس مش بيستقووا غير عالستات المعيوبة. يبقى فين الرجولة بقى؟ بقترح عليكِ بلاش تربي ولادك، الأفضل توديهم مدارس داخلية هتربيهم أفضل، أصل اللي بيتربي هنا على إيدين نسوان العوامرية، بالأخص لو كان كمان أمهاتهم من العيلة، بيطلعوا ناقصين تربية ميفرقوش عن الحيوانات اللي مش بتفكر بس غير في غرايزها اللي بتزرعها جواهم النسوان... إنهم مش رجالة غير بس بفرض غرايزهم القذرة".
لم تنتظر ثريا رد ولاء ونهضت مغادرة الغرفة. بينما استوحش عقل ولاء ونظرت لـ سراج بغضب قائلة: "سامع بنفسك؟ إنت السبب من الأول جولت لك بلاش دي بالذات. دي عندها عقد نقص وغِل كافي يدمر أي حد يقرب منها، لكن أقول إيه؟ مفرقتش عن غيث اللي اتجوزها وحاول ينضفها قبلك، بس هي كده بترد الطيب بقلة أصلها الواطي و..."
تعصب سراج من ولاء قائلًا: "عمتي من فضلك بلاش تتكلمي بالطريقة دي، متنسيش إنها مراتي".
قاطعته متهكمة: "مراتك اللي مش عارف توضع لقلة أدبها حد، طبعًا زي ما قالت بتعرف تسيطر عليك بإيه... زي ما كانت بتستغل غيث قبلك... و..."
انتفض سراج يشعر بغيرة وغضب من استفزاز ولاء له قائلًا بغضب ونهي: "كفايه".
قاطع عمران سراج قائلًا: "مراتك فعلًا غلطانة في حديثها الفارغ، عمتك مكنتش تقصد شيء شين، بس هي دايماً كده. وكفاية حديث في الموضوع ده، مراتك وإنت اللي تأدبها وتعرفها كيف تتحدث مع اللي أكبر منها اهنه ودلوق خلينا نفرح بالخبر السعيد".
صمت سراج ينظر إلى عيني ولاء التي تشعر بانتصار. ربما عمران بحديثه هكذا شبه ساندها.
❈-❈-❈
بعد قليل بغرفة عمران
وضعت فهيمة وسادة خلف ظهره. نظرت له، كان وجهه مبتسمًا عكس ما توقعت بعد حديث ثريا التي دائمًا ما تستفزها ولاء وتنجح في إخراج صورة سيئة لها أمام الجميع.
اضطجع بظهره على الوسادة وأغمض عينيه. سكن طيف رحمة برأسه وذكرى إخبارها له بحملها الأول. كانت لحظة فارقة. وقتها كان قرر الانفصال عنها، لكن هذا البشري كان مثل صاعقة أصابته، جعلته يتراجع عن الانفصال. كان لماذا يفكر في الانفصال وقتها؟ لا يعلم سببًا. رحمة كانت مثل اسمها، لم تشعره يومًا بما يختلج بقلبها من ألم بسبب معاملة والدته لها بقسوة وتدني. تحملت وتحملت وبالنهاية فاض قلبها بالألم. وقت أن قرر أن يُنحيها بعيدًا ويذهب للعيش بها بمكان آخر هو وأطفالهما، اختارت هي الرحيل نهائيًا. تركته بتذكر قسوته عليها وخُذلانها الدائم من أن يُعطي لها جزء ولو صغير من مكانته. لكن ليس مثلما بدأت الحكاية انتهت. انتهت بفاجعة قلبه الذي لم يكن يتوقع أن يعيش مرارتها بالندم بقية حياته هكذا.
خيال سكن رأسه بسمتها وهي تخبره بحملها الثاني، تود منه كلمة تهنئة واحدة. لكن هو استخسرها حولها لزوجة لمتعة الفراش ليلًا ونهارًا، مجرد امرأة تساهم بأعمال المنزل ترعى أبناءهم. متعة. لم تكن كذلك بل كانت شوقًا لا ينضب. كنت مخطئًا. حتى مراعاة أبنائك. تركتها باكرًا تيتموا. لم تستطع أن يتحمل قلبها. فرحة آدم الليلة ذكرته بفرحتها الأولى، لكن اليوم شعور مختلف. وقتها لم يهتم، اليوم كان سعيدًا كأنه يراها هي تخبره بذاك الخبر الذي أسعد قلبه، بغض النظر عما حدث فيما بعد. لكن الآن كأنه يرى رحمة سعيدة، وهذا ما يجعله صافي الذهن وسعيد هو الآخر.
لاحظت ذلك فهيمة، انبسط قلبها. لم تتفوه بشيء وهي تنظر له يغمض عينيه مبتسمًا.
❈-❈-❈
بالطريق بمكان شبه خالٍ
كان لقاء الشياطين.
ترجل الاثنان من سيارتهما يقتربان بالسير من بعضهما. رغم أن البغض يسكن قلبهما لبعض، لكن كما يقال "عدو عدوي". ربما ليس صديق، لكن "حليف".
تهكم قابيل قائلًا: "خير يا واد السعداوي ليه اتصلت عليا وطلبت نتجابل الليلة؟"
نظر له حفظي بسخط قائلًا: "كأنك نسيت الحديث اللي جولت عليه وأنا بالمستشفى. إيه خلاص مبقاش لك شوق لمرات سراج؟"
غضب قابيل، لو لم يحتاج لمساندة ذاك الحقير لما تردد بإفراغ سلاحه برأسه في التو، لكن ابتلع طريقه حديثه وقال: "أنا جولت إنت اللي استسلمت وسلمت بأن آدم ولد العوامري يخطف منك بت عمك. آه متنساش تبارك لها، عرفت إنها حبلى. ادعي لها ربنا يرزقها بواد من آدم، أكيد هتسميه مجدي على اسم عمك. عمك اللي إنت بتلعب من وراه في الحسابات والتعاملات مع المصانع والتجار. الفلوس اللي بتصرفها عالغوازي في مصر اللي بتسافر لهم من فترة للتانية بحجة تخليص الشغل، مش عارف هو عارف وساكت بمزاجه ولا إنت شاطر ومستغفله؟"
نظر له بغضب واحتقار وشياطين تتلاعب برأسيهما، لكن تقبلا استهجان بعضهما وجلسا يتفقان على ما يود كل منهم الوصول إليه وكيفية مساعدة الآخر.
❈-❈-❈
قبل قليل بشقة سراج وثريا
التفت ثريا تشعر بنيران بجوفها تشبه البركان الثائر. ذهبت مباشرة إلى غرفة النوم أغلقت الباب خلفها بعصبية كأنها بمصارعة. نزعت عن رأسها الوشاح ألقته أرضًا بعصبية مفرطة. ثم ألقت بجسدها فوق الفراش. عكس ضوء تلك اللمبة عيناها، أغمضتها سريعًا، مع دموع تحاول الانتزاع من بين أهدابها. تحاول بقسوة تلجيمها. يكفي انهزامًا. لا أنتِ دائمًا مهزومة وهذا قدرك. دموعها فازت وخرجت من بين أهدابها. تتذكر قبل أيام بسبب شعورها ببعض الألم على فترات أسفل بطنها قررت أن تستشير طبيبة متخصصة. ذهبت لها دون علم أحد. طلبت منها الطبيبة بعض الفحوصات الخاصة، فعلتها ثريا ثم ذهبت بها للطبية لتنصدم من قولها: "إنتِ كنتِ حامل قبل كده وحصل إجهاض".
أغمضت عيناها ثم فتحتها ونفت ذلك، لكن لم تخبرها باغتصابهم لها بطريقة وحشية ونزيفها.
تنهدت الطبيبة قائلة: "هقولك الصراحة، الفحوصات بتأكد إن الألم اللي بتحسي بيه بسبب الرحم. كمان ده سبب يمنعك من الحمل بشكل طبيعي. بس مفيش حاجة مستحيلة والعلم بيتقدم. إنتِ محتاجة لعلاج لفترة غير معلومة ومنعرفش هيجيب نتيجة وتقدري تحملي طبيعي أو لاء، بس برجع وأقولك مفيش شيء مستحيل. الحقن المجهري بقى ناجح بنسبة كبيرة في ستات كتير كان مستحيل تحمل حملت بيه، بس خلينا نبدأ بالعلاج الأول يمكن يجيب نتيجة أو حتى يسهل علينا فيما بعد لو قررتي تحملي بالحقن المجهري".
مازالت الانهزامات تحاوطها حتى بأبسط الأماني أن تكون يومًا "أم". ليست ساخطة ولا ناقمة، فمن من ستنجب؟ من سراج الذي تعلم حقيقته جيدًا. والسؤال الأصعب: ماذا ستفعلين بأطفال في حياتك؟ ماذا ستعطين لهم؟ الانهزامات أم الخيبات؟ لا داعي للتوق لشيء وأنتِ ضعيفة. لو كنت ذات قوة ربما كنتِ هنا بهذا الألم الذي ينهش جسدك من فترة لأخرى. وبالتأكيد معلوم سببه هو الإغتصاب الوحشي الذي تعرضت له على يد الحقيرين، ولاء وأختها. أختها نالت جزء من الجزاء، مقتل ابنها الوحيد، كذلك ما حدث لابنتها التي فقدت رحمها. لكن ولاء لم تحصل على أي عقاب بل تزداد في جبروتها. لم تكرهي أحدًا بخياتك أكثر منها، وهي وغيث الحقير المدنس السادي، الذي رغم موته مازال تبعات تأثيره على حياتك رغم رحيله. زادت أوهامك بعدما تعرضتي للقتل. أضغاث يعيشها عقلك بأنه هو من أطلق عليك الرصاص. أضغاث لو استسلمتي لها لفقدتي عقلك.
أخرجها من خضم تفكيرها بمأساة حياتها، صوت فتح باب الغرفة. لوهلة نظرت لدخول سراج الغرفة ثم أغلق خلفه الباب بعصبية. سريعًا وجهت وجهها للناحية الأخرى تُجفف بقايا دموعها، لا تود أن يراها ويتشفى بها. ثم تنفست بقوة تحاول نفض ذاك الشعور البائس عنها. بينما سراج لاحظ نظرتها له ثم إحادتها النظر سريعًا، شعر بغيظ قائلًا: "مالك تو ما شوفتيني بتديني ضهرك ليه؟ إيه وشي مش عاجبك؟ ولا مفكرة إني نسيت حديثك الأهبل الماسخ اللي قولتييه من شوية، وهسيبك كده من غير ما أحاسبك عليه".
تهكمت بحسرة في قلبها وتمددت على الفراش تسحب الغطاء عليها قائلة بلا مبالاة: "الحساب يوم الحساب... أنا هنام، تصبح على..."
صمتت لم تكمل بقية حديثها حين جذب الغطاء من عليها بقوة وألقاه على طول ذراعه ينظر لها بغضب قائلًا: "مش هتنامي قبل ما نتحاسب، على كلامك الأهبل اللي قولتييه لـ عمتي اللي في مقام والدتي تقصدي بيه إيه؟"
بسبب جذبه القوي لغطاء الفراش انحسر طرف تلك العباءة عن ساقيها لوهلة. وقع بصره على تلك العلامة الواضحة بإحدى ساقيها. غص قلبه. بينما هي شعرت بحرج وسريعًا جذبت العباءة عليها تُخفيها. نهضت من فوق الفراش بغضب قائلة: "حديثي كان رد على حديثها اللي مش بتسيب دقيقة غير وتفكرني بيه. طبعًا ما أنت زينة الشباب اللي كان يستحق صبية بِكر، مش عازبة، لاء كمان عازبة وعاقر... إنت المفروض تتجوز مرة ثانية عشان يكون لك ولد سند، بس يا خسارة وجتها هتخسر الأرض اللي بسببها عندك استعداد تقتلني بس بتأجل الوقت. عارف حديث عمتك صح، أنا فعلًا عاقر، بس أكيد ده من نعم ربنا عليا، إن حشايا يفضل نضيف ومش يشيل من...."
صمتت للحظات تنظر إلى عيناه اللتان يظهر منهما الغضب، كذلك ملامح وجهه الموجومة. ينتظر بقية حديثها وقد كان هذا نهاية الصبر حين قالت: "من أشباه الرجال اللي اتجوزت منهم اتنين ميتخيروش عن بعض".
جذبها من عضد إحدى يديها بغضب يضغط عليه يكاد يسحقه بقبضة يده. اصطدمت بصدره الذي يفور غضبًا. أنفاسه الملتهبة تكاد تحرق صفحة وجهها. سمعت صوت صك أسنانه. كل شيء به غاضب وثائر. لحظة وإثنان وترك زمام العاصفة الذي بداخله، وهو يجذبها من عضد يدها متوجهًا نحو تلك الأريكة بالغرفة. للحظة ارتجف جسدها لكن أغمضت عيناها وتلك الذكرى تضرب عقلها. عقلها يخبرها: "لا، لن يكون أفضل من غيره". اتخذت القرار، فتحت عينيها ورفعت يديها، قامت بشق تلك العباءة من فوق صدرها إلى منتصف جسدها، ونظرت إلى عينيه كأنها فقدت روحها، أو بالأصح هي بلا روح، لن تتألم بذلك مرة أخرى. قالت باستبياع: "إيه هتغتصبني إنت كمان، ولا هتكويني بمية النار... عادي اللي داق مُر الحنضل بيتعود على طعمه يا سراج".
عصف عقله بذهول مما قالت. ماذا تقصد؟ تحولت نظرة عينيه من متوحشة إلى مستفسرة. لكن يعلم أنها كعادتها فقط تعطيه شواهد حدثت ولا توضحها. يبدو أن هناك أسرار بالماضي، كذلك أسباب كثيرة لإصرارها بل استماتها على عدم التفريط في قطعة الأرض تلك. لكن هو لا يعد يهتم بقطعة الأرض. كذلك قول ثريا عن اغتصابها، هل فعل غيث ذلك ونالها بالاغتصاب؟ وسر ذاك الحرق بفخذها قالتها "تكويني بمية النار". خفق قلبه بشدة شافقًا عليها، لهذه الدرجة فاقدة للروح. ماذا تتوقع أن يفعل بها؟ هل استسلامها له سابقًا كان لخوفها من ردة فعله معها لو رفضته؟ هل سر تبلدها أحيانًا أنها تمتثل غصبًا؟ هل... وهل... وهل مازال هناك ما لم تعترف به سابقًا تحتفظ به؟ "أسرار مخفية".
رواية عشقت طالبتي الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم منار حسين
رواية عشقت طالبتي الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم منار حسين
أثناء وقت سيره على الطريق صدح رنين هاتف آدم، تبسم وهو يعلم من التي تتصل عليه بالتأكيد حنان، بالفعل صدق توقعه إبتسم وقام بالرد عليها لاحظ لهفتها قلقها عليه كذالك عتابها له أنه تأخر.
تبسم قائلًا:
حبيبتي أنا سايق على الطريق هركز دلوقتي في الطريق ولا فى عتابك، خليه لما أوصل كلها نص ساعه بالكتير وأكون قدامك وعاتبيني براحتك.
لا تعلم سبب لإنقباضة قلبها لكن حاولت نفض ذلك الشعور السئ وقالت بأمر مُحبب:
تمام بس إعمل حسابك لو إتأخرت أكتر من نص ساعة هتنام عالكنبه فى الصاله.
ضحك بإستمتاع قائلًا:
معتقدش أهون عليكِ أنام بعيد عن حُضنك.
خفق قلبها قائلة:
بتستغل مشاعري، بس لاء لو إتأخرت هترجع تلاقيني نايمة وهقفل أوضة النوم بالمفتاح.
ضحك بمرح قائلًا بثقة:
معاكِ كل مفاتيح قلبي وحياتى يا "حنون"،بقول كفايه نخلي شوية لما أوصل هيكون بينا حديث تاني...بعشقك.
إبتسمت حنان قائله:
وأنا كمان بعشقك، هستناك يا حبيبي بلاش تتأخر أكتر من كده،فى أمان الله.
تبسم وهو يُغلق الهاتف يضعه جواره على مقعد السيارة مُبتسمًا بنشوة حُب،ما هى الا لحظات لاحظ بالمرآة الأماميه سير تلك السيارة خلفه كلما دخل الى مُنعطف على الطريق كانت خلفه،تأكد أنها تتعقبه، إنتبه لها حاول التمعن معرفة من يقودها، بنفس الوقت صدح هاتفه مره أخرى، جذبه من جواره ورأي هوية المُتصل، سمع صوته المُتذمر:
إنت فين يا آدم، روحت لك الإستطبل قالوا لسه ماشي.
مازال يراقب تلك السيارة التى تسير خلفه قائلًا:
خير يا إسماعيل.
أجابة بتذمر:
الراجل حمايا ده بيفكرني بـ" ماري منيب"طردني وكنت زهقان قولت أروح الإستطبل يمكن نفسيتي تهدا، بس معرفش السبب ماليش مزاح لركوب الخيل،إنت أكيد لسه عالطريق ما تجي نسهر سوا زي زمان تقعد تحكيلى كام قصه من قصصك الرومانسيه اهو يمكن نفسيتي تروق.
ضحك آدم قائلًا بمرح:
مش قصصي، دي اللى مكنتش بتعجبك وكنت بتقول دي قصص خيال أنا راجل مؤمن بالعِلم.
زفر إسماعيل:
ومازالت عند رأيي بس زهقان.
ضحك آدم قائلًا:
فى دكتور تشريح بيزهق،خلي بالك....
توقف آدم عن الحديث حين لاحظ السيارة تتخطاه،وسرعان ما إستدارت بالعكس بالمقابل له،لاحظ إسماعيل صمت آدم وكاد يسأله لكن آدم أخبره إسماعيل إنت فين بالظبط.
أجابه إسماعيل على مكانه تنهد براحه قائلًا:
إنت قريب من مكاني كان فى عربيه ماشيه ورايا من أول ما طلعت من الإستطبل دلوقتي سبقتني وراجعه بوشها عليا.
تلهف إسماعيل بقلق قائلًا:
معاك سلاح فى العربيه يا آدم.
أجابه:
أيوه معايا السلاح حاول توصل بسرعه.
بالفعل حين إقتربت تلك السيارة وقفت بعرض الطريق الخالي بسبب الوقت المُتأخر فلقد إنتصف الليل تقريبًا... توقف آدم بالسيارة وجذب السلاح قام بفك صِمام الآمان، لاحظ نزول فردين من السيارة يقتربان منه حتى وقف أحدهم جوار باب السيارة قام بالطرق على الزجاج الجانبي للمقود، لم يفتح آدم الزجاج مما عصب الآخر فأخذ مطرقه من زميله وقام بالضرب على الزجاج الذي سُرعان ما تهشم بنفس اللحظه أطلق آدم رصاصه أصابت يد المُتطفل فعاد للخلف مُتألمًا، كذالك الآخر الذي كان معه لوهله هلع لم يتوقع أن يكون لدا آدم سلاح كما أخبرهم ... لكن لديهم مهمه ولابد من إنهائها... زاد عليهم ثالث ترجل من السيارة معه سلاحُ ناري... أطلق الرصاص نحو السيارة وهو يقترب من آدم، تحدث لمعاونيه، إنتم الأتنين مش عارفين تنزلوه من العربيه أنا هنزله زي الأرنب المبلول.
لوهله ضحك آدم، ربما يعلم الجميع عنه أنه شخص مُسالم، بل مُعاق، لكن لا يعلمون أن الفارس يمتلك خِصال الخيل وقت الخطر تُصبح شرسه وهكذا هو، لم يترجل من السيارة، ليس خوفًا بل مراوغه وإكتسابً للوقت قبل مواجهة الأوغاد.
دقيقه وإثنان، كان زجاج السيارة يتهشم بسبب الرصاص، كادت إحد الرصاصات تُصيب رأسه وهو جالس بالسيارة، لولا إشرإب برأسه فسكنت كتفه، إنتهت المراوغه وترجل بالفعل من السيارة مع إقتراب ذاك المجرم المصاب الذي يضحك بغيظ وإستفزاز، لكن يبدوا أنها ضحكته الأخيرة فلقد صدح صوت رصاص لكن ليس من المجرمين بل من الداعم الذي أطلق الرصاص بغضب شديد ينفث به عن ما يعتريه من ضجر، يبدوا أنه ساعة تنفيث الغضب ليس لإسماعيل الذي وصل للتو، وهو يترجل من سيارته يقف خلف الباب يقوم بالتصويب نحو المجرم الذي يطلق الرصاص فأصاب يده مما جعله يترك سلاحه يقع أرضًا قبل أن ينحني ويجذبه مره أخري كانت رصاصه أخري تُصيبه بساقه يصرخ من الآلم، بينما المجرم الثالث إتخذ الفرار قرار لكن إسماعيل وآدم لاحظا ذلك فقاما بالتصويب نحو ساقيه برصاصتان أصابا الهدف والثالث أصبح بمواجهه مع آدم يكيل له بعض الضربات القويه يود معرفة من الذي قام بأستأجارهم... راوغ المجرم فى إخباره بنفس الوقت كانت سارينة الشرطة تصدح وكذالك إطلاق بعض الرصاص بالهواء... إقترب إسماعيل من آدم بعدما أصبح الثلاث مجرمين مهزمين، نظر له بقلق سائلًا:
آدم إنت إنصابت.
أومأ آدم بآلم ثم أكمل مازحًا قائلًا:
إصابه خفيفه بكتفي إطمن، وبعدين إيه الغِل اللى كنت بتضرب بيه ده يلا يا سيادة الدكتور الشرعي جالك كام جثه تشرح فيهم.
نظر إسماعيل الى المجرمين اللذين أصبخوا بعهدة الشرطة قائلًا:
للآسف محدش فيهم مات، بس بقيت مهم وبيحاولوا يغتالوك، أهو ده بقى اللى بيسموه قصف الأقلام... تعالى أما أشوف كتفك المصاب، يلا تصدق ممكن تكون فرصه أتصل على قسمت أقولها إني إتعرضت لشوية أوباش عالطريق يمكن تقتل أبوها وتجي تطمن عليا.
ضحك آدم تحول المأزق الى مزح بينهم، قائلًا:
بعقلية حماك انصحك بلاش ده مممكن يكون رد فعله عكسي ويأجل الفرح.
أومأ إسماعيل ضاحكًا بموافقه.
❈-❈-❈
بشقة سراج
كان صمت ثريا يُقابله مجرد نظرات غير مفهومه له، شعر بغصه فى قلبه من صمتها، ربما لو تفوهت حتى بما يُخالف ما يريد سماعه منها كان أفضل من صمتها، لم يشعر بيآس وإنخفض برأسه يضعها بحنايا عُنقها يُزفر نفسه بصبر، لكن هي رغم خفقان قلبها، لكن إرتبك عقلها، سراج يبيح بالعشق، هل حقًا عشقهاقلبه.... يتمني ذلك تريد أن تشعر بقيمتها وأن هنالك من يعشقها حقًا بدون أسباب أو أهداف...والعقل.... يعيش دائمًا بالنهايه السرابآه، وآهينطقها القلب والعقلوالروح عالقة بالماضي وأكاذيب صدقتها بالنهايه وجدت سادي يتلذذ بعذابها، بل ويتفنن بإيلامها... وجلمة قالها ذاك البغيض غيث ذات يوم هدمت روحها"إنتِ مفكره إن فى راجل زيي من عيله كبيرة كان هيبص لبنت زيك ليه وهو قدامه بنات العائلات الكبيرة وأجمل الجميلات...اوقات النفس بتجزع فنفسك تشتهي أكلة رخيصة... أهو أنتِ كده بالنسبه لي'رخيصة التمن'، وقت ما هزهق منك هرميكِ وجتها محدش هيرضي ياخد نفايات'غيث العوامري'لأنك هتبقي غير صالحه لأي شئ، مفيش فيكِ شئ يغري أو يغوي، وش حلو بس باردة وسهل أشوه وشك ده كمان وتبقي شبه المسخ اللى يخوف الناس وهو ضعيف وهش"
"ضعيف وهش"هي بالفعل حقًا دائمًا ما تدعي الصلابه وهي حقيقة قلبها ليست مسخ بل ملاك منزوع الأجنحة، يستسلم للعواصف تقذفه أرضًا بل بجوف الأرض.
لوعه تشعر بها وسؤال بعقلها لما الآن يقول سراج ذلك حتى لو كان صادقًا... هل شبع منها وإكتفي، أم مثلما قال غيث هي لا تنفع زوجه تُطفئ وهج قلب رجل، هي مثل الصحراء جافة بل قاحلة...
أخذها عقلها الى أخري"تالين"تلك الناعمه الرقيقه واضح أنها تهيم بـ سراج سمعته أكثر من مره يتحدث معها بلُطف، ربما حن قلبه لها، ويقول ذلك كي لا يتسبب لها فى استقلال من شآنها،أو مساومة أخري،
دمعة بعينيها تتحجر بين أهدابها أعتصرت عينيها وشعرت بأنفاسه فوق عُنقها كانت ساخنه عكس صقيع قلبها لكن لم تُدفئ قلبهاالبارد كطبيعتها...
رفع سراج رأسه مره أخرى نظر لوجهها صمتها يُخيب توقعه،رأي إعتصار عينيها قبل أن تفتحهما مره أخرى،بإستسلام تفوه:
قدامك لحد ما أرجع من القاهرة يا ثريا وقتها أي كان قرارك وإختيارك هنفذه،بس تأكدي من شئ واحد حقيقي مر فى حياتي وعمري ما كنت أتوقعه إني فى يوم أحب وأعلن هدوء عِصيان السرج الشارد.
كلمات واهمه... أم مشاعر حقيقية... ومتاهه لا تستدل على حقيقة... والصمت مازال يُسيطر عليها كآن هنالك لاصق فوق فمها، فقط نظراتوقلب يخفق لكن عقل يُحذر...يكفي تذكري من البدايه كان واضحًا،أليس هو من أمر ذاك الضخم أن يغتصبك، اراد تركك مُقيدة بالصحراء.
هو أيضًا من دخل الى حلبة إطلاق الرصاص وأنقذكنُقطة واحدة مقابل نقاط، والاعتراف نُقطة ثانية، له أم عليهله وتضعف وتعود الى قلبها البرئ الذي كان عطشًا وظن أنه إرتوي لكن بالحقيقة إرتوي ملح الأرضأم تعيش الواقع ويكفي تخاذلًا...
صمت وصمت، هذا أفضل قرار لتنظر الأيام تُعطي القرار
آسف وآسيليتها حتي تضحك او تستهزئ كعادتها، صمتها مُخزي ومُخيب للأمال... يود لو تقبلت ما أباح به أنه مُغرم بها حقًا.
أخرجهما من تلك المشاعر المتضاربه صوت هاتف سراح تنحي عن ثريا وقام بالنظر الى الهاتف تخدث ببرود وهو يسمع لـ آدم الذي أخبره بجزء من ما حدث كذالك طلب منه الذهاب له بالمشفى ومعه حنان.
أغلق الهاتف ونظر نحو ثريا التى تجذب الدثار حولها، لم تسأله حين توجه الى الحمام غاب لوقت كانت هي شبه غافية العقل، عاد يرتدي ثيابه وغادر بصمت فلا يوجد ما يُقال... فتحت ثريا عينيها حين سمعت صوت إغلاق باب الشقه... نظرت بالغرفه كانت فارغه إذن سراج غادر لكن الى أين ولما غادر.
تغافل عقلها وهي تشعر بالتوهانتشعر أنها بين منحدرات الطرق.المُظلمه ولا تعلم أي إتجاه سيصل بها الى الضوء.
❈-❈-❈
بعد وقت بغرفة المشفى
دلفت حنان بلهفه وقلقنظرت الى آدم الممدد على الفراش شعرت بهلع وهي تقترب منه،تبسم لها وجلس على الفراش قائلًا:
أنا بخير يا حنان.
بكت وهي تنظر له ولذاك الضماد الظاهر من أسفل زي المشفى...قائله:
مين اللى عمل فيك كده؟.
أحابها ببساطه:
قُطاع طُرق وكنت عارف لو كنت كلمتك وقولت لك إنى مصاب كان قلبك هيوقف عشان كده طلبت من سراج يجيبك هنا.
أومأ له سراج قائلًا:
حمدالله على سلامتك...هروح أشوف إسماعيل.
أومأ له آدم وهو يغادر الغرفه،بينما إقتربت حنان من آدم وضمته،شعر بوجع ئن منه...جذبته قائله:
تعالى إرتاح عالسرير.
بالفعل جاوبها وذهب الى الفراش تمدد وهي فوق صدره تسأله هي ليست مُصدقه أن ما حدث كان صدفه،فجأة تذكرت رسائل حفظي وتهديداته وخُبثه يرسل لها الرسائل برقم غير رقمه لكن هل تتوه عن قذارته...فجأةإبتعدت عن حُضن آدم ونهضت من فوق الفراش ترتعش أوصالها، دخلت بهستريا بُكاء قائله بإنفعال تلقي اللوم على ما حدث:
أنا السبب صح،اللى حصلك بسببي،أكيد حفظي مش هيهدا هو قالى فى الرسايل انه بحر الدم هيرجع يتفتح من تاني، سراج مكنش لازم يضرب عليه نار حفظى إبن عمي وأكيد هينفذ تهديداته هو مقهور انه مأخدتش عزا عمي
إعتدل جالسًا على الفراش قائلًا:
سراج غلط فى إيه، راجل إنتهك حُرمة الدار ودخل بين الستات وياريت كده وبس لاء كمانواخد مراته رهينة وحاطط السلاح براسها وبيهدد كمان كان لازم ينفذ له كمان اللى هو عاوزه.
بلوم قالت:
برضوا مكنش لازم يضرب عليه نار إكده فتح باب الشر من تاني، أنا لازم أرجع لـ دار السعداوي هو ده الحل اللى ممكن يوقف بحر الدم اللى هيسيل وهيبقي ضحاياه الأبرياء.
نهض من فوق الفراش مذهولًا وإقترب منها بخطوات مُتعرجة قائلًا بآسف:
تهديدات إيه اللى حفظي بيهددها لك وإزاي مخبيه عني حاجه زي دي، وبعدينمفكره لما هترجعي لـ دار السعداوي هتخلص القصه، إنتِ إكده.... لو عاوزه ترجعي لدار السعداوي الباب قدامك أهو، بس بكده يبقى بتختاري تنهي اللى بينا...وإبننا هو اللى هيدفع التمن يا حنان.
وضعت يدها على بطنها قائله بأسي:
سامحني يا آدم أنا....
جذبها يضمها بقوة قائلًا بامر:
مش مسموح ليكِ تبعدي عني،وحكاية إنك تخفي عنى رسايل تهديدات حفظي دي لها عقاب عندي يا حنان،لانك بكده بتستقلي بيا.
تدمعت عينيها بدموع سائله:
أنا خايفه عليك يا آدم،حفظي واد عمي شراني ومعندوش أخلاق.
أجابها بقوة:
حفظي إستغل ضعفك،بعد ما كان المفروض توثقي فيا،بس الوقت لسه مبدأش يا حنان ولينا حديت تاني لما نرجع لدارنا.
❈-❈-❈
بعد مرور عِدة أيام
بـ دار العوامريبشقة سراجدلفت ثريا تشعر بإرهاقلكن زال ذلك الإرهاق وتبدل الى إرتعاب وهلع وخفقان قلب يكاد يخرج من بين ضلوعها وهي تشتم تلك الرائحةرائحة تعلمها جيدًا ولو بعد أعوامتلك هي رائحة عطر غيث، منتشره بقوة، ذهبت نحو غرفة النوم وهي تسعُل بشده، زاد سُعالها وهي تشعر بزيادة تلك الرائحه... كذالك شعرت بهلع حين نظرت الى الفراش، كان هنالك بُقعة دم وفوقها رصاصه... كادت تصرخ لكن إنحشر صوتها وإرادة البقاء جعلتها تفر من الغرفه بل من الشقه بأكملها إحتارت أين تذهب بهذا الوقت... ذهبت الى غرفة سراج القديمه، دخلت وأغلقت خلفها باب الغرفه بالمفتاح وجثيت ارضًا تضع يديها فوق فمها تكتم صراخاتها... وعقلها يُعيد ما راته قبل قليل تلك الرصاصه الموضوعه فوق الفراش كذالك بقعة الدم، وبين تلك الليله التى أصيبت بهاكانت عين غيثغيثهل مازال حيًاوعقلها يكاد يشت من مكانه، لكن فكرت ربما من فعل ذلك أحدًا آخر بتحريض من ولاء وأختها كي يزرعن بقلبها الرعب، لن تستسلميكفي خنوع.
❈-❈-❈
بعد مرور شهر تقرييًابشقه خاصه بـ أسيوطوقف سراج خلف ذاك الشباك الزجاجي يُراقب شروق الشمس من بعيد، لكن يبدوا أن الشمس لا تود الشروق اليوم مُحتجزه كآنها مخنوقة وسط تلك الغيوم، تذكر"حورية الشمس" شُعاعها ضعيف قد يخفت بلحظة خلف تلك الغيوم....
آخرجه من تأمل ذاك المنظر حين سمع حديث من خلفه:
الفطور جاهز يا سراج.
ترك الستائر ونظر له قائلًا:
الجو شكله عاصف.
أجابه الآخر:
فعلًا الطقس فجأة إتبدل، انا حضرت الفطور.
تبسم له وذهب خلفه وجلسا بالمطبخ يتناولان الطعام... تحدث سراج الى الوسيط:
وصلك أي أخبار من الراجل بتاعنا؟.
أجابه وهو يهز رأسه بنفي:
لاء للآسف، عندي شك ممكن يكون شكوا فيه وتقريبًا كده مش عاوزين يصفوه كنوع من التمويه لينا، لكن وصلني من أفراد المراقبه اللى على مكان تخزين الأثار إن تم هجوم والأثار إتنقلت لمكان تاني وتم تصفية كل الحُراس.
نظر له سراج سائلًا:
ومين اللى عمل كده.
رد الوسيط بتوضيح:
للآسف مش عارفين الشخص ده مين، عامل زي الشبح ظهر وفجأة إختفي.
إستغرب سراج سائلًا:
المهم الآثار عارف مكانها الجديد.
أومأ له قائلًا:
طبعًا يا أفندم... انا حاسس إننا زي اللى فى متاهه تفتكر يا أفندم هما عارفين إننا بنراقبهم وتكون دي حركة تمويه منهم انهم يشتتونا.
زفر سراج نفسه قائلًا:
ممكن ليه لاء كل شئ وارد، وعاوزك تركز أوي عالمراقبه، أكيد لو فى شبح جديد هيظهر حقيقته قريب.
تنهد يزفر انفاسه قائلًا:
أنا راجع تاني ومتأكد رجوعي هيبقى له أهميه.
خفق قلب سراج فلقد حان وقت عودته وعليه معرفة قرار ثريا آيًا كان وعلى ضوء ذلك سيُحدد إن كان يستمر أو ينهي عمله العسكري .
❈-❈-❈
ليلًا
إنتهت ثريا من تلك القضيه دلفت الى الداخل،تبسمت حين وجدت سعديه مع والدتها يشاهدن إحد المسلسلات،تبسمت لها سعديه سائله:
خلصتي الرغي مع الزباين.
أومأت ثريا وجلست تتنهد بإرهاق:
أيوه أخيرا خلصت...أنا قولت هتملي وتمشي وتسيبي أمى تكمل التمثيلية لوحدها.
ضحكت سعديه قائله:
لاء التمثليه دي حلوه.
إبتسمت وجلست تشاركهم بعض الوقت الى أن سألت سعديه:
سمعت إن فرح سِلفك بعد كام يوم.
أومأت ثريا قائله:
أيوه إسماعيل كلمني وقالى إن زفافه كمان يومين،وهيبجي مُختصر بس على ليلة الفرح هيعملوه فى أكبر قاعة أفراح فى أسيوط.
كادت سعديه ان تسألها عن سراج لكن سمعوا رنين جرس باب الدار... نهضت نجيه قائله:
مين اللى هيجي لينا دلوق.
لم تجيب ثريا ولا سعديه بينما فتحت نجيه باب الدار وتبسمت بترحيب لذاك الزائر، دخلت وهو خلفهابمجرد أن وقعت عيناه على ثريا تبسم بشوق، بينما هي وقفت مذهوله تهمس:
سراج.
رحبت به أيضًا سعديه التى قالت بلوم لـ ثريا:
إكده جوزك يرجع وإنتِ سهرانه إهنه.
أجاب عنها سراج:
ثريا مكنتش تعرف أنا لسه واصل.
تخدثت نجيه:
اجيبلك تتعشا.
أومأ نافيًا عيناه على ثريا... قائلًا:
متشكر كالت فى السكه، كمان حاسس بشوية إرهاق.
تحدثت سعديه:
هِمي مع جوزك يا ثريا.
إبتسم سراج على ملامح ثريا التى شبه تبدلت الى نزق.
بعد قليل بـ دار العوامريأمام شقة سراجتوقف يضع المفتاح بمقبض الباب،بينما ثريا قلبها يرتجف تشعر بتوتر وإرتباك كذالك ترقب لكن لا تشعر بخوف، حين فتح سراج باب الشقه وإنزاح على جانب الباب يُشير لها بالدخول قبله...زادت خفقات قلبها وهي تدخل لا تشعر بقدميهاتخشي أن تشتم تلك الرائحة التى بسببها تركت الشقه الفترة الماضيه وفضلت البقاء بمنزل والدتها دون إخبار سراج الذي بالتأكيد علم بذلك،وبالتأكيد سيكون له رد فعل.
للغرابه اليوم إختفت تلك الرائحة المقيته لكنمازالت تشعر بتوتر وإرتباك كذالكبترقُبدخلت الى غرفة النوم، إختفت الرائحه أيضًا، لكن دخل سراج خلفها ينظر لوجهها وملامحها التى تنظر حولها كآنها تبحث عن شئ، لكن تهكم قائلًا:
أكيد الشقه وحشتك مش بقالك أكتر من عشرين يوم سيباها وبتفضلى طول الوقت فى دار والدتك.
نظرت له دون تفسير فبماذا ستخبره بالتأكيد لو أخبرته سيقول عنها فقدت عقلها...لكن إمتثلت بقوه واهيه وقالت ببرود:
أصل السقعه السنه دي شكلها هتبقى قاسيه والشقه فى العالي،قولت دار أمي دفا... كمان..
فهم تلميح ثريا،لكن تغاضي عن ذلك وقاطعها قائلًا:
فرح إسماعيل بعد يومين يا ثريا أكيد عارفه.
أومأت برأسها،بينما هو إقترب منها ضمها الى صدره بشوق لم يستطيع التحكم فيه وقُبلة على عُنقها،بسبب الغفله إرتبك عقلها لم تُبدي أي رد فعل،لكن بداخلها تود عناقه،لا يعلم أن ذلك العناق كانت تحتاج إليه بشدة كي يزيل عن قلبها ذاك الخوف الذي سكنه بالايام الماضيه...توغل بعناقه لها برغبه وبشوق عاد براسه للخلف نظر الى وجهها كانت تبتسم خفق قلبه وضم شفاها بقبلات عاشقه،تقبلتها منه برويه وهو يضمها يجذبها للسير معه بالقبلات الى أن وصلا الى الفراش بشوق منه حملها وضعها فوق الفراش يضمها له بلحظات غرام،كانت تتقبلها منه،وهو الآخر مُنشرح القلب... الى أن إنتهي الغرام بينهم ضمها لصدره، وفمر قليلًا قبل أن يتحدث:
خدتي مهله كافيه يا ثريا للتفكير وأنا مُنتظر قرارك بس ليا عندك رجاء أجليه لبعد فرح إسماعيل.
رفعت رأسها نظرت لوجهه شخص آخر يتحدث معها الليله توقعت أن يثور بسبب تركها للمنزل الفترة الماضيه، توقعت رد فعل آخر أن تنتهي الليله بقرارها الا تعود لهنا مره أخري... لكن كل ذلك أصبح مؤجلًا الليله.. ليلة يسودها هدوء حذر... وضمة سراج لها وشعورها بالامان جعلها تغمض عينيها مُستسلمة لغفوة غابت عنها لأيام... كذالك سراج إستسلم لغفوة كان يشتاق إليها.
لكن على جانب آخر بشقة غيثنظر الى ذاك الحاسوب الخاص به فى البدايه شعر بغضب جم زاد هدرًا حين رأي ثريا تُبادل سراج القُبلات وتلك اللمسات والغرام وهي مُستمتعه معه، قبض بقوة على يده وهو يرا ذلك سمع صوت طرقعة اصابعه التى تكاد تنفر العروق منها بسبب الغضب الساحقتلك العاهرة الخائنه لم تفعل ذلك معه لمرة واحدة، الآن هو عاجز لكن لن تنال الراحه سينهي ذاك الغرام بأقرب وقت.
❈-❈-❈
بذاك المكان القريب من الجبلكان لقاءًا هامًا للغايه بوكر الشياطين لمداولة ذاك الخبر المُفزعتحدث ذاك الكبير بغضب جم:
إزاي بضاعة زي دي تتنقل من مكان تخزينها بالسهوله دي، إنت مكنتش مآمن عليها كويس.
أجابها برعب:
بالعكس أنا كنت مآمن عليها كويس جدًا وكان عليها حراسه كبيره، معرفش مين اللى قدر يخترق المكان وقتل كل الرجاله اللى كانت بتحرس المكان، قدر يسرق الأثار، مش بس الأثار لاء كمان البودرة ، أنا بقول البوليس هو اللى عمل كده.
نظرت له بسخط قائلًا:
غباء منك، متوكد إن اللى عمل إكده مش البوليس، لو كان البوليس كان زمانه أعلن عن العمليه دي عشان يتباهي، اللى عمل إكده شخص عايز ينتجم، بس هو مين؟ ده اللى محيرني لحد دلوق، ومتوكد إنه شخص قريب مِنينا، وهيظهر بالتوكيد مش هيفضل مخزن البضاعة كتير لازمن هيصرفها وجتها هعرف هو مين، ووجتها مش هيكفيني دمه، وإنت هيبجي عقابك كبير جوي، إمعاي وليك آخر فرصه لو فشلت فيها الأحسن لك تطخ رصاصه براسك.
شعر بالرعب وهو يبتلع ريقه قائلًا بتوتر:.
أنا.... أنا
قاطعه بحسم وتوعد:
إنت قدامك آخر فرصه لو فشلت.
إبتلع ريقه ينتظر الأمر وسرعان ما لمعت عيناه بتمني وهو يسمع:"سراج العوامري"فرصتك الأخيره هي تصفيته فى أقرب وجت.
تبسم بفرحه غامرة قائلًا:
كان لازمن يتصفى من الاول،وعندي يقين إن هو اللى سرق البضاعه.
نظر له بغيط قائلًا:
هو أو مش هو اللى سرق البضاعه مش شبح وأكيد هيظهر،بس مهمتك دلوق هى تصفيةسراج العوامري.
❈-❈-❈
بشقة غيث
كان يضحك بإستماع وهو يتخيل رد فعل الكبير كذالك موقف قابيل بعد أن إستطاع السطو على تلك البضاعه وأخذها عنوة بعد مقتل جميع. الحُراس، ضربه قويه لـ قابيل ربما بسببها يأمر الكبير بقتله شكًا به، أو حتى لا يقتله لكن اصبح مكانته على شفا الإنهيار بلحظه، لكن بداخله رغبه أن يُنهي هو حياته بعد ان يقتص منه على ما وصل إليه من عجزتنفس بغلول يزفر نفسه قائلًا:
آن آوان عودة الشبح اللى هيرعب الجميع.
❈-❈-❈
بعد مرور يومين
ظهرًابشقة والد قسمتدخل الى غرفتها والدها تبسم لها بحنان وهو يضمها يحاول كبت دمعة عيناه، وهي كذالكاباح لها بأبوة:
إنت أول فرحتي يا قسمتي دايمًا كنت بفتخر بيكِ، ربيتك إنتِ وأخواتك على المحبة والإحترام، بصي يا بنتِ يمكن الكلمتين اللى هقولهم دول كان المفروض مامتك هي اللى تقولهم لكِ، بس مامتك خايبه، أه والله دايمًا تعصبني وتقولى دول بنات ولازم يكون عليهم شوية شِدة، أنا عطيتك إنتِ وأخواتك حُريه وعارف إن مفيش واحده فيكم هتخون ثقتي فيها، عارف إنك بتحبي إسماعيل رغم ده دايمًا قدامه تقفِ معايا وتسانديني، بس هقولك على نصيحه يا بنتِ، الست ملهاش غير جوزهاتطلع عينه وعين اللى جابوه، آه والله بالذات نوعية إسماعيل وعمته الحيزبون أبتلاء دى، الوليه دي مش بتنزل لى من زور، المهم جوزك على ما تعوديه، شوفتي مامتك قبل كده بتعارضني فى قرار... أنا بقى عاوزك العكس أي قرار إعترضي عليه بدون سبب لازم يكون لك شخصيه منفرده ومختلفه، ولو فى يوم الغبي اللى إسمه إسماعيل ده فكر بس يزعلك انا هنسيه إسمه سليل البرجوازيه ده، أنا كنت معترض على قاعة العُرس مش عشان فخمة أوي، لاء معترض لمجرد الإعتراض.
ضحكت قسمت تفهم طبيعة والدها، هو كان لهن والدًا وصديق، طبيعته على الحفاظ عليهن جعلت منه ربما ديكتاتورًا يتمسك بهن يخشي عليهن من مواجهة الحياة الغير مناسبه لضعفهن، ربما لا يعلم أنه زرع بداخلها قوة خاصة من الإنفراد بشخصيتها التى لا تخضع ولا تضعف بل تواجه وتفرض ما تريد،كما فعلت مع إسماعيل الذي كان لا يُفكر بالزواج حين واجهته أنها ليست للتسليه وليست ممن يستمتعون بكلمات الحب والتنزهه بل تود رجُلًا يُقدر قيمتها ويعلم أنها ذات طبيعة تتأقلم سريعًا...والليله وصلت معه الى تنفيذ رغبتها ان تصير زوجته علانيه ليست للخروجات والهدايا...بل هي الهديه الكبري.
❈-❈-❈
عصرًابغرفة إسماعيل...كان ينتهي من تهذيب ذقنه واصبح أكثر وسامه بشهادة تلك المرحه إيمان التى نظرت له تُصفر بمرح:
كده قسمت هتقولك يا حليوة يا مجنني.
ضحك آدم وسراج بينما سخِر إسماعيل بمرح بنفس الوقت جذبت إيمان فرشاة الشعر وبدأت بتهذيب خصلاته قائله:
شعرك يا دكتور لازم يكون مساوي، أخويا قمر، كده هيوقف حالي بسببك إنت ومراتك محدش فى الزفاف هيبص ناحيتي بسبب حلاوتكم هينشغلوا مع العرسان، وأنا من الآخر جايه الزفاف ده أشقط عريس.
ضحك ثلاثتهم، نهض آدم وضع يده على كتف إيمان يضمها أسفل كتفه بأخوه قائلًا:
هو القمر لما يظهر مش بيخزي النجوم، إنتِ قمر العوامريه وأنتِ أجمل وأحن وأقوي بنت شوفتها.
تبسمت له بمودة قائله:
لاء فى حنان أجمل مني وثريا كمان وقسمت بصراحة التلاته أحلى من بعض على رأي خالتي رحيمه.
غص قلب سراج وهو يشعر بقرب نهاية قصته مع ثريا فبعد الليله ستُعطي قرارها، ويتوقع أنه قد يكون على غير هواه، لكن إبتسم لـ إيمان التى إقتربت منه قائله:
إمبارح فى الحِنه ثريا مرضيتش ترقص أكيد إنت اللى محذر عليها طبعًا.
تهكم مُبتسمًا بآلم بقلبهظلت جلستهم بين المرح والمزح والأخوة بينهم مع إيمان، حقًا ليسوا أشقاء بالكامل لكن يشعرون إيمان بغير ذلك هم سندها التي إستقوت بهم، تذكرت حين يُعارض عمران إحد رغباتها تلجأ لأحدهم يقوم بإقناعه، ختى هوايه رياضة الكارتيه حين رأتها صدفه عبر التلفاز ورغبت ممارستها إعترض عمران، لكن آدم أقنعه أنها قد تكون رياضه لصالحها، تستطيع الدفاع عن نفسها لو تعرضت لمأزق... بالفعل لم تحترف تلك الرياضة بشكل أكبر مجرد هوايه رغم أنها وصلت الى مرحلة من التقدم والإجادة بها، أصبح لديها طموح آخر ان تُنشأ فريقًا تستطيع به إثبات قوة جديدة للمرآة الصعيديه جانب رجاحة العقل التى تتميز بها لكن تنتهي تلك الرجاحه مع ذاك المُتسلط المُتباهي "جسار"ضحكت وهي تتذكر شجاراتهم معًا بنفس الوقت ذاك الشعور الآخر الذي توغل منها لاول مره شعور الإشتياق لرؤيته والتحدث الجانبي الذي يقومان به بوقت الإستراحة بين التدريب أو قبل و بعد التدريب... ضحك قلبها، وهي ترا المزاح بين أخواتها كل منهم عثر على شريكة حياته أصبح بالمنزل ثلاث جميلات غيرها كانت وحيدة لا تنكر شعورها معهُن بالأولفة عكس عمتيها كذالك تلك الصفيقه إيناس ذات القلب المُتكبر والغلول،حمدت ربها أنها لم ترث منهن تلك الصفات الوضيعة التى تُسيطر عليهن،رغم ضعف شخصية والدتها لكن هي إستقوت بهؤلاء الثلاث وقبل منهم والدها الذي أحيانًا يقسوا لكن تعلم حقيقة قلبه الحنون،تنهدت تتمني لهم كل السعادة
❈-❈-❈
ليلًابأحد أكبر قاعات الاعراس بأسيوطكان بداية ليلة الزفافبداخل تلك القاعةكانوا ينتظرون دلوف العروسينبهمسات خاصه ما بين لا تُبالي وأخري تتخدث عن البذخ، وأخري تشعر بالغِلكانت مظاهر لا تروق لوالد قسمت البذخ كذالكتلك الشخصيات البرجوازيه الموجوده بالعُرسكان الزفاف هادئيتخلله المرح والمظاهر الخادعه بالابتسامات والتبريكات، لكن هنالك الصادقون أيضًاسراج الذي جذب يد ثريا وذهب الى مكان جلوس العروسين، قام بتهنئتهما وكادت ثريا أن تعود الى تلك الطاوله مره أخري، لكن سراج جذبها من يدها توقفت بينما أشار سراج الى فرقة الموسيقي قاموا بتشغيل موسيقى خاصه، أصبح سراج يلف ويدور حول ثريا راقصًا وهي واقفه عينيها تتلاقي مع عيناهدموع تتجمع بعين كل منهما،رقصه مؤلمة...
كان هنالك من بين المعازيم ذاك الذي يرتدي مِعطفًا يرفع ياقته تُخفي نصف وجهه والنصف الآخر مُختفي أسفل نظارة نظر قديمة الطراز كبيرة الحجم وجهه شبه مختفي،شعر بغضب ساحق وهو يرا ، رقصة سراج وهو يدور حول ثريا رقصة من يراها يظنها رقصة حب،لكن كانت بالحقيقة«رقصة على أنغام الفُراق المحتوم»
رواية عشقت طالبتي الفصل الثلاثون 30 - بقلم منار حسين
قبل قليل أمام بقالة فتحي.
تبسم لممدوح الذي توقف أمامه وألقى عليه السلام.
نظر له فتحي بإعجاب ثم مدح:
"إيه الشياكة دي، اللي يشوفك يقول عريس الليلة... عقبال ما أشوفك عريس."
إبتسم له ممدوح قائلًا بقبول:
"تسلم يا عم فتحي.. وإن شاء الله عن قريب هتشوفني عريس."
إبتسم له قائلًا:
"إن شاء يا ولدي. محظوظة اللي هتيجي من نصيبك، كفاية هتيجي حماتها الحجة نجية أطيب قلب."
إبتسم له.
عاود فتحي الحديث:
"إنت رايح زفاف إسماعيل العوامري."
أومأ له موافقًا.
تبسم له فتحي وتنهد بإرتياح:
"إنت ابن حلال. خالتك أم رغد ورغد رايحين الفرح وأنا كنت هروح معاهم، لكن واحد من اللي بيجيبوا البضاعة اتصل عليا من شوية وقالي إنه في الطريق ومش هينفع أقفل البقالة دلوقتي. خد خالتك ورغد أهم وصلوا أمانة وياك."
خفق قلب ممدوح وتبسم قائلًا:
"في رقبتي يا عم فتحي."
نظرت زوجة فتحي له. تبسم لها، فهمت بسمته.
بعد قليل كان ممدوح ورغد ومعهم والدتها يدخلون إلى قاعة العُرس.
تبسمت والدة رغد قائلة:
"عقبالك يا ممدوح."
إبتسم لها قائلًا:
"عن قريب إن شاء الله يا خالتي."
لم تلاحظ رغد نظرة ممدوح لها. خفق قلبها بإضطراب خشية أن يذهب ممدوح لغيرها.
بينما لاحظت والدة رغد نظرة ممدوح، التي لولا ثقتها هي وزوجها به وبأخلاقه ما كان سمح له بإصطحابهن.
❈-❈-❈
بقاعة العُرس.
مازالت رقصة سراج تستحوذ على الإعجاب والتصفيق، لكن النظرات بينه وبين ثريا نظرات موجعة للإثنين.
لحظة وتبدلت نظرة عين ثريا التي كادت تدمع، تشعر بتردد في اتخاذ قرارها.
لكن بلحظة اتخذت القرار حين رأت دخول تالين ومعها شخص آخر ذو هيبة ووقار، بالتأكيد والدها.
شعرت بحرارة تغزو جسدها وقلبها. أغمضت عينيها تبتلع تلك الغصة المريرة التي تشعر بجفاف حلقها.
حسمت قرارها. لم تعد تستطيع الاستمرار بالوقوف.
تركت سراج يكمل الرقص وعادت هي تجلس جوار والدتها التي تبسمت لها.
وضعت يدها على إحدى كتفيها تبتسم، تشعر بسعادة عكس قلب ثريا البائس.
رغم تلك البسمة الكاذبة على شفاها.
لو برغبتها لصرخت وبكت وواجهت: لماذا يحدث لي ذلك؟ دائمًا ينتظرني الخذلان.
بينما سئم قلب سراج، مازالت بسمته مستمرة.
أنهى الرقصة. نظر نحو مكان جلوس ثريا.
ظنت أنه لم يبالي بها وهو يذهب نحو تالين ووالداها يستقبلهم بترحاب فاتر.
رغم عكس ذلك ما تشعر به ثريا.
جلس معهم خلف إحدى الطاولات.
لكن كانت عيناه كانت تراقب لـ ثريا.
لاحظ نهوضها مثل والدتها وخالتها.
نهض دون مبالاة، ذهب نحوها.
اقترب منها بحميمية وانحنى على أذنها سائلًا:
"رايحة فين يا ثريا."
أجابته ببساطة:
"أمي وخالتي مش متعودين عالسهر، كمان أنا صدعت. هنمشي."
نظر لها بإحتقان قائلًا:
"تمام، هكلم السواق يوصل والدتك وخالتك. لكن إنتِ... معلش تعالي على نفسك واستحملي شوية كمان."
كادت تعترض، لكن اقترب من وقفتهم ممدوح الذي تبسم لـ سراج.
قام بتهنئته، كذلك استأذن للمغادرة بصحبة والدته وسعدية ورغد ووالدتها.
تبسم له مجاملًا.
ذهب معهم إلى الخارج.
لحظات وعاد. رأى ثريا تجلس جوار رحيمة.
توجه نحوهن وجلس جوار ثريا، التي لا تشعر بصداع بل سأم.
انحنى على أذنها قائلًا بمزح:
"افردي وشك، واتفرجي على رقص العرسان. أكيد رقصتهم رومانسية وهتعجبك."
لوت شفتيها بسخط.
رغمًا عنه تبسم، تلمع عيناه بغرام.
قد تكون نهايته أو بدايته الليلة.
الليلة ليلة قرار ثريا، وليلة قد تكون خميله ويلتف قلبيهما بخمائل الغرام أو...
لا داعي للتفكير آخر الآن.
مقابل بسمة ثريا له.
رغم يقينه أنها مجرد بسمة خالية من المشاعر.
مع ذلك، رغم أن حقيقة نظرة لـ سراج، ثريا كانت بسخافة تلك البسمة.
رغم أنها استسخاف منها، لكن كانت مثل عاصفة رياح تضرب صواعق ليس بعقل "غيث" فقط الذي يراقبها مثل الثعلب الجائع الذي ينتظر فرصة وينقض على تلك الفريسة المستمتعة بوشوشات ذاك الوضيع.
يود انتزاعها بل تمزيقهما إربًا بنهاية الليلة.
أيضًا عقل قابيل الذي ترافقها عيناه عن كثب مثل الثعبان الخبيث الذي يترقب لفريسة لاصطيادها.
بنهاية الليلة ستكون له لدغة قاتلة.
عيناه مثل إعصار هادر، لكن يضبط نفسه كي لا يكشف عن نفسه.
لديه يقين أن كل الموجودين بالقاعة يستحقون الإبادة، وهذا ما سوف يفعله.
بالفعل أخرج هاتفه وأرسل رسالة مختصرة فحواها: "عاوز إبادة شاملة، محدش يفلت منكم، عاوزها مجزرة."
أغلق الهاتف. ينظر إلى تلك السخافات الذي يشعر منها بالغضب.
لكن مني نفسه بنهاية الليلة سيقتص ليس ممن سببوا له العجز... بل من الجميع.
فالحسنة تخص والسيئة تعم، وهم ليسوا أسوياء ولا ملائكة، فمنهم من هم أسوأ من الشياطين.
❈-❈-❈
بعد وقت قليل.
نظر قابيل لساعة يده.
تنهد بضجر.
لاحظت ذلك إيناس. وزغرت. هي الأخرى لا تستهويها تلك السعادة التي تراها أمامها، سواء من آدم لـ حنان، مرح إسماعيل مع تلك السخيفة التي أصبحت زوجته، كذلك غريمتها الكبرى ثريا ورقص سراج معها قبل قليل.
شعرت بالغل حين لفت انتباهها نظرة عين قابيل لهما ثم تنهده.
دخل شك برأسها. لو كان حقيقيًا قد تقتل ثريا.
لا يعقل أن يكون قابيل مغرم بتلك الوضيعة.
تذكرت أكثر من مرة كانت ثريا تحاول الحديث معه، وهي حذرته أنها وضيعه تسعى لاسم وسطوة عائلة العوامري.
أخبرها كذبًا أنها لا يراها سوى أرملة أخيه بالرضاعة.
لكن لغباء تفكيرها الليلة يعود الشك بقوة.
بالتأكيد تلك الوضيعة ثريا التي تسعى للسطوة قد تجذب زوجها أيضًا بعد فشلها مع سراج.
الواضح أنه بدأ يفيق من سطوة سحرها عليه.
عقلها كأنه بهزيء بالشئ وعكسه تتملكها الغيرة من كل النساء حولها.
مالت على قابيل قائلة:
"أنا زهجت."
غمز لها بإغراء كاذب قائلًا:
"وأنا كمان. أنا بقول نكمل الليلة في دارنا في أوضة نومنا."
ذهب الهزيان عن عقلها وهي تشعر بالغبطة.
نهضت واقفة هي الأخرى.
لاحظت ولاء وقوفهم.
نهضت سائلة:
"رايحين فين."
تبسمت إيناس قائلة:
"هنِمشي. الفرح ممل قوي."
شعرت ولاء بسخط. تلوي شفتيها بتبرم قائلة:
"عندك حق. أنا كمان زهجت، وكده كده الفرح وجرب يخلص. خلينا نمشي قبل الزحمة."
وافقهما قابيل وخرج ثلاثتهم من قاعة العُرس قبل نهاية الفرح.
❈-❈-❈
بعد وقت قليل.
ضجر والد قسمت من طول فترة الزفاف.
ذهب إلى آدم وأخبره بذلك.
بالفعل امتثل آدم لذلك وأخبر مدير قاعة العُرس بإنهاء العرس، ثم ذهب نحو إسماعيل وأخبره.
نظر له إسماعيل بإمتنان.
بعد قليل انتهت رقصة العرسان بنهاية الزفاف.
غادروا قاعة العُرس.
بالطريق أمام القاعة.
بمجرد صعد العروسين إلى السيارة وكانت معهم رحيمة كذلك والدة قسمت.
انطلقت السيارة وما هي إلا دقيقة.
حين بدأ خروج المعازيم من قاعة العُرس.
اندفعت طلقات الرصاص عشوائية من سيارة نص نقل، تطلق الرصاص.
هلع المعازيم وبدأ الهرج والمرج ومحاولة الابتعاد عن فوهات الرصاص.
بسبب تدافعهم سقط البعض وانداس.
لحظات كان هناك تدخل من الشرطة واشتبكت مع المجرمين.
قبل تلك اللحظات.
حين بدأ إطلاق الرصاص.
جذب سراج ثريا سريعًا من يدها.
لمح الخوف على ملامحها. ضمها حاول المرور بعيدًا عن إطلاق الرصاص.
أدخلها إلى ركن جانبي بالقاعة بعيدًا عن مرمى الرصاص.
كذلك آدم الذي جذب حنان خلفه سريعًا.
تقدم نحو السيارة الخاصة به وأحنى رأسها، وأدخلها إلى السيارة أمرًا:
"مترفعيش راسك يا حنان."
لكن صرخت حين تلقى كتفه إحدى الرصاصات.
وضع يده على كتفه وانحنى هو الآخر قائلًا بتطمين:
"أنا بخير. أوعي تنزلي من العربية."
أنهى قوله وجذب سلاح من صندوق السيارة.
هلعت حنان وقبضت على يده قائلة بسؤال:
"إنت رايح فين يا آدم. إنت مصاب كمان. الشرطة وصلت أهي. أرجوك..."
قاطعها قائلًا:
"إيمان ومرات أبوي، كمان أبوي. الحمد لله إن والدك ووالدتك مشيوا قبل نهاية الفرح."
ترجته حنان لكن لم يسمع لها وأمرها ألا تترجل من السيارة، وإلا انتهى بينهما غصبًا.
امتثلت.
بينما ارتبكت إيمان حين رأت الرصاص يتطاير والمعازيم تهرول بهرجلتها تحاول الابتعاد عن الرصاص.
كانت تسير مع والدتها التي ارتاعت هي الأخرى، وجذبت إيمان لحضنها.
لكن عادت الشجاعة لـ إيمان وجذبت يد والدتها تحاول المرور كي تنجو بوالدتها.
لكن تفاجئت بيد تسحبها خلفه، وبالتبعية هي تسحب والدتها إلى أن تجنبا خلف أحد الأركان.
نظرت بتفاجؤ لذلك الذي مازال يقبض على يدها.
ذهلت حين رأت سلاحًا بيده.
لكن تلجم لسانها من المفاجأة حين قال بأمر:
"متتحركوش من هنا."
قال هذا وعاد للخارج يقوم بالتصويب على المجرمين بمهارة.
هي بسبب فضولها أخرجت رأسها من خلف ذلك الجدار ترا ما يحدث.
رآها جسار. عاد نحوها مرة أخرى وجذبها خلف الجدار قائلًا بأمر:
"اتلمي يا إيمان. ده ضرب نار مش شوية أطفال بيلعبوا في الشارع واتخانقوا. هتتفرجي عليهم."
نظرت له بغضب سحيق سائلة:
"إنت مين يا جسار."
نظر لها بسخط قائلًا:
"أنا مدرب الأشبال."
ثم نظر نحو والدة إيمان قائلًا بإحترام:
"لو سمحتِ يا حاجة خليكم هنا أمان، وسيطري على عناد إيمان بلاش تطلعي راسها من ورا الجدار. الفضول مش هينفعها."
أومأت له فهيمة وهي مرتاعبة تجذب يد إيمان تقبض عليها بقوة.
لوهلة ابتسم جسار من ملامح إيمان الواضح عليها الغضب والضيق.
لكن قالت بقلق:
"أبوي وإخواتي لازم أطمن عليهم."
منعها جسار قائلًا:
"سراج أكيد مش جديد عليه اللي بيحصل ده. وحاولي بس دلوقتي تلتزمي. الشرطة بتتعامل مع المجرمين ومسألة وقت والوضع هيهدا وقتها اطمني عليهم. حافظي على نفسك إنتِ ومامتك."
عاود تركهما مرة أخرى.
بينما بالخارج بدأ يهدأ الرصاص بعد أن شبه سيطرت الشرطة على المجرمين وقامت بتصفيتهم.
لكن خلف ذلك شبه مجزرة بالمكان، بسبب الإصابات سواء كانت بسبب الرصاص أو تدافع المعازيم تجنبًا للإصابة.
حتى عمران الذي استطاع سراج حمايته.
لكن فزع حين رأى آدم مصابًا.
كذلك قال بقل كبير:
"فهيمة وإيمان فين."
أجابه سراج وهو يرى جسار يرفع يده له أنهم بخير:
"اطمني يا أبويا بخير."
هدأ قلب عمران وأغمض عينيه بارتياح.
لكن حين فتح عينيه نظر أمامه ورأى على تلك البناية المقابلة ضوء أحمر صغير، وفوهة سلاح مصوبة نحوهم.
كان سراج أمامه بلحظة جذب سراج خلفه وسرعان ما ارتج جسده بقوة متلقيًا رصاصة وخلفها أخرى.
قبل الثانية انتبه سراج لمكان إطلاق الرصاصة.
سرعان ما صوب سلاحه نحو ذلك.
كذلك انتبه جسار وسريعًا تحرك معه بعض الأفراد من الشرطة إلى تلك البناية.
بنفس اللحظة انهار جسد عمران قبل أن يصل إلى الأرض.
تلقاه آدم الذي تدمعت عيناه.
كذلك سراج انحنى عليه ينظر إلى مكان الإصابة، حاول كتم تلك الدماء التي تندفع منه.
ثم نظر لـ آدم قائلًا بتسرع:
"هجيب العربية بسرعة."
أومأ له آدم.
لكن عمران أمسك يد سراج بتحذير قائلًا:
"لأ يا ولدي بلاش تتحرك من هنا. لأ يرجع ضرب النار تاني. محدش بيوصل عمر حد. اللي بتيجي ساعته بيروح. أنا مش خايف من الموت، كفاية إني هقابلها وهطلب منها السماح. أنا عارف إنك من البداية اخترت تروح الكلية الحربية عشان تبعد عني. إنت اللي شفت ووعيت على معاملتي القاسية لـ رحمة. بس صدقني عمري ما كرهتها ولا أنا ارتحت بموتها زي ما قولت لي يوم موتها. إنت كنت بتهرب من هنا عشان مش طايق تشوف وشي. متأكد إن قلبك عشق ثريا. مع إنك اتجوزتها في البداية عندًا فيا. كنت عارف إن إصرارك إنك تتجوز ثريا بتتحداني إني في يوم كنت بلوم رحمة على إن كان في حياتها راجل غيري سبقني. بس صدقني أنا عشقتها. يمكن لو كنت عرفت كده قبل ما أتجوزها كنت اتمسكت بها أكتر. ثريا مش زي رحمة يا سراج. ثريا حتى لو كانت ضعيفة بس بتعافر. لكن رحمة كانت مستسلمة دايمًا. وده اللي عجل بعمرها في الوقت اللي أنا فيه فقت فيه وكنت هعوضها عن قسوتي. هي استسلمت ورحلت. بسببها ظلمت فهيمة عايشة مع راجل قلبه وعقله ساكن مع اللي سكنت القبر. وهي مجرد ست واجهة لراجل عايش على الندم. إنت عشقت ثريا وعرفت قد إيه العشق لوعة قلب."
قاطعه سراج وهو يضع يده فوق فمه:
"بلاش تتحدث كتير يا أبوي. هتبقى بخير."
نظر له عمران وهو يتألم يلفظ أنفاسه بصعوبة قائلًا:
"متأكد إن كبير العوامرية من بعدي هيبقى عادل ومتفهم."
قاطعه سراج:
"بلاش يا أبوي أرجوك وبلاش تكسر ضهري. إنت هتفضل الكبير."
قبل أن يعود عمران للحديث، سمعا صوت سارينة إسعاف.
نهض سراج غير مبالٍ، وأشار لسيارة الإسعاف أن تقترب من مكانهم.
بتلقائية من عمران مازال يخشي من الخطر على سراج وجذب يده بقوة ضعيفة حتى عاد ينحني عليه.
بينما آدم كان ألم إصابة كتفه زال.
هناك ألم أقوى وأقسى بل قاصف للكيان وهو يسمع اعتراف والده.
يعلم القليل، لكن سراج رأى كل قسوة والده، حتى أنه كان قاسيًا عليه بعض الأحيان.
اقتربت سيارة الإسعاف.
وقف سراج ونزل أحد أفراد الإسعاف بسرير صغير.
سريعًا حمل جسد عمران ووضعه فوق ذاك الفراش.
أمرًا آدم بعدما أخبره عن مكان ثريا:
"آدم حصلنا على المستشفى وهات ثريا معاك."
أومأ له آدم وحاول تجفيف دموع عينيه وذهب نحو المكان الذي أخبره عنه سراج.
رأى ثريا منكمشة على نفسها.
بينما قبل لحظات أثناء اختباء ثريا في ذاك الركن.
شعرت بقلق غريب على سراج رغم شبه اختفاء أصوات الرصاص.
حسم قلبها القرار. ستخرج للاطمئنان عليه.
أنه بخير، لكن تصنمت مكانها حين رأت تلك العينان اللتان تشعان بالشرر.
قبل دقائق.
اختفى غيث في أحد الأركان الآمنة يشاهد ما يحدث.
خطته تفشل. مجزرة كما أراد. ليتها تحصد الجميع.
لكن شعر بالغضب الساحق حين رأى سراج يسحب ثريا يحاول حمايتها.
رأى ضمه لها بجسده. شعر بالغضب ود قتلهما الاثنين.
راقبهما حتى حين ترك سراج ثريا.
وقف لحظات تذيب المياه الثائرة ما بقي من تعقله.
بالفعل راقب مغادرة سراج إلى أن ابتعد وحسم القرار.
لا مانع من فيضان يجرف بعقل ثريا الآن.
بالفعل اقترب من مكان وجود ثريا.
أزاح عن عينيه تلك النظارة، وكاد يخفض ياقة معطفه ويظهر كل وجهه.
لكن بنفس الوقت رأى اقتراب آدم.
عاد للخلف وتوارى.
لكن بنفس الوقت أصاب جزءً من هدفه وهو رعب وهلع ثريا التي رأته وتلجمت مكانها للحظة.
ثم عادت تسير للخلف وهي تنظر له بارتعاب.
عيناه كانت مثل شعاع مهلك.
تمركزت عينيها حولها تدور بالمكان استنجادًا.
ذهبت خلف حائط وجلست تنكمش على نفسها تخفض وجهها بين ساقيها.
تحاول ألا ترى.
ربما عقلها يوهم لها ذلك، وأن ما تراه ليس سوى وهمًا كاذبًا.
لكن عقلها يعيد حادثة إطلاق الرصاص عليها سابقًا.
كذلك الرصاصة على الفراش.
رائحة عطره.
كل ذلك يمر أمام عينيها.
أصوات الرصاص تجعل قلبها يهلع.
وضعت يديها حول أذنيها تغمض عينيها.
"وهم... كل ذلك وهم يا ثريا."
وعقلها ينفي ذلك: "هذا ليس وهم حقيقة. غيث مازال حيًا."
عقلها يسخر: "حي في دماغك مش قادرة تتحرري منه. فُوقي. الوهم ده هيقتلك."
"لاء جبروت ال غيث الهادر والغادر مازال موجود."
"لاء كل ذلك وهم وهل يعود الموتى... ليت ذلك يحدث. كان عاد أبوها الذي فقدت معه السند. رغم أنه كان بسيطًا لكن ذكري مازالت برأسها وهو يطعمها وهي تتدلل. لم يكن ذا ثراء لكن كان حنونًا يضحك بوجهها. ذكرى مازالت محفورة لرجل رغم بساطته لكن كان يحترم زوجته التي كانت تخفي عن أبنائها بعض الطعام من أجله وهو حين يعود يأخذهم تحت ذراعيه ويطعمهم ويتناول هو القليل. ذكرى جعلت الخوف للحظات يختفي ورفعت رأسها تفتح عينيها تنظر حولها بريبة. لوهلة سرعان ما زالت. تنفست الصعداء واعتقدت أن ما رأته كان وهمًا مخيفًا. نهضت حين رأت آدم يقترب منها يضع إحدى يديه على كتفه النازف بلهفة سألته:
"سراج فين."
رغم ما يشعر به من أسى على والده لكن تبسم.
لو رأى سراج تلك اللهفة في عينيها وطريقة حديثها لتيقن من عشقها له.
أجابها بتطمين:
"سراج بخير."
نظرت له برجاء قائلة بخفقان قلب:
"قولي الحقيقة يا آدم."
أجابها:
"والله سراج بخير. هو راح مع أبوي المستشفى."
انحنت قائلة:
"إيه اللي حصل له. وإنت كمان مصاب. خلينا نروح المستشفى بسرعة."
وافقها.
بعد لحظات كانت ثريا تصعد جوار حنان.
وأحد رجال الشرطة هو من قاد السيارة بهم إلى المشفى.
بعد قليل.
أمام أحد المشافي.
رجل جسار من السيارة ثم خلفه فهيمة وإيمان التي نظرت له باستفهام:
"إنت جايبنا المستشفى دي ليه. وبعدين إنت مين أساسًا."
أجابها بهدوء:
"أنا مين هتعرفي بعدين. بس أنا جبتكم هنا بناءً على أمر سراج."
"سراج!" هكذا قالتها بتكرار ثم سألته:
"إنت تعرف سراج منين."
أجابها ببساطة:
"سراج يبقي رئيسي."
ذهلت إيمان. لكن بسبب قلق فهيمة تغاضت عن بقية الأسئلة ونحت الذهول فيما بعد.
كل ما توده الآن معرفة سبب مجيئهم لهنا.
بعد دقائق.
بغرفة العناية كان عمران يوضع فوق طاولة العمليات.
لكن طلب من الطبيب قبل أن يتعامل مع حالته وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة.
علم الطبيب أنها أنفاسه الأخيرة وأنه يحتضر.
فنفذ رجاءه الأخير وخرج من غرفة العمليات.
نظر نحو سراج الذي اقترب منه مشدوهًا يسأل.
لكن الطبيب قال له:
"هقولك على الحقيقة. واضح المريض بيحتضر وهو طلب مني إنك تدخله، ولو كان حد معاك من أولاده يدخل هو كمان."
بنفس الوقت كانت إيمان وفهيمة بصحبة جسار يقتربون منه.
قطعوا المسافة في لحظة.
سمعوا قول الطبيب، ودلفوا إلى الغرفة مباشرةً.
توجهوا نحو ذاك الفراش.
سالت دموع عيني فهيمة وإيمان التي لاول مرة تشعر بالضعف.
وانحنت على يد عمران تقبلها، تقول:
"أبوي."
بينما عمران بالداخل أغمض عينيه بسبب قوة الألم الذي يشعر به.
لكن جاءت أمامه صورة رحمة.
لأول مرة يراها تبكي كأنها لا تود لها الذهاب إليها.
همس اسمها، وهي تنظر لعينيه بدموع صامتة لكن نظرة عينيها تتحدث بما عجزت عنه، كأنها تقول له: "لا تأتي، ظل معهم."
لكنه لا يستطيع ذلك، فقد نفذ الوقت.
فتح عينيه عمران عيناه بتألم يلتقط أنفاسه.
نظر إلى إيمان بصعوبة.
رفع يده وضعها على كتفها، وتفوه:
"كان نفسي أسميكِ رحمة. بس هي جات لي في المنام وقالت لي إيمان."
نظرت له بعدم فهم وسألته:
"بلاش تتحدث كتير يا أبوي. هتبقى بخير."
تبسم لها قائلًا:
"لأ يا إيمان خلاص. أنا شايف النهاية قريبة قوي. فين فهيمة."
بدموع اقتربت منه فهيمة تشعر باختناق.
نظر لها عمران قائلًا:
"سامحيني يا فهيمة. عارف إني ظلمتك كتير، زي ما ظلمت غيرك. استحملتي جفاي معايا. سامحيني."
انحنت تقبل رأسه قائلة:
"عمري ما شلت منك يا عمران. قلبي مسامحك بس..."
صمتت حين شعرت بسكون جسد عمران.
رفعت وجهها نظرت له.
كتمت صرختها بجوفها.
وإيمان كذلك.
لكن انحنت تتوسل له أن يفتح عينيه.
لكنها النهاية.
اقترب سراج من إيمان وجذبها له يضمها بقوة وهي تنتفض بالبكاء وهو يحاول السيطرة على دموع عينيه.
يشعر بذنب.
كان المقصود قتله هو، وعمران هو من فداه.
❈-❈-❈
بغرفة الاستقبال.
أصرت حنان على آدم أن يداوي جرحه.
تركتهم ثريا وذهبت إلى غرفة العمليات بعد أن أخبروهم في الاستقبال.
امتثل آدم لذلك بسبب ضعفه بسبب نزيف كتفه.
❈-❈-❈
خرج سراج يضم إيمان أسفل ذراعه.
نظر نحو جسار وتفوه:
"شكرًا لك يا جسار."
أومأ له قائلًا:
"العفو يا افندم ده واجبي. البقاء لله."
بنفس الوقت كانت ثريا تقترب وسمعت عزاء جسار له.
وقفت مكانها تصنمت.
لم تقترب كأنها التصقت بالأرض.
يطن برأسها قول ولاء لها سابقًا بعد مقتل غيث:
"إنتِ قدم الشؤم النحس."
فاقت من ذاك التصنم.
وحسمت قرارها. لابد من أن تفترق عن سراج. يكفي ما أصابه من نحس بسببها.
استدارت بوجهها وحسمت قرار المغادرة.
لكن توقفت مرة أخرى حين رآها سراج.
خفق قلبه بلوعة. تمنى أن تحتضنه.
لكن هي كالعادة تود الفرار.
نطق اسمها. توقفت وعادت تنظر نحوه.
لكن بدموع.
ربما لم يكن عمران بالمكانة القوية لديها.
لكن بسبب سراج التي ترى بوجهه تلك النظرة الخافتة وكأنها احتياج.
هو فعلاً يحتاج. يحتاج أن تضمه فقط.
❈-❈-❈
بالمشفى بغرفة آدم.
لم يعرف بوفاة عمران بسبب نزيف الدم.
أعطاه الطبيب مخدرًا.
لكن حنان علمت بوفاة عمران.
ظلت مع آدم مرافقة بالمشفى.
تود مساندته حين يعود للوعي ويعلم بوفاة والده.
بعد وقت مازال آدم غافيًا بسبب تلك المسكنات العلاجية.
نظرت له حنان تشعر كأن جسدها هو ما يتألم.
تذكرت كيف احتمت به وهو يجذبها خلفه.
لكن تلك الرصاصة الغادرة أصابته.
ليتها أصابتها ما كانت شعرت بكل ذاك الألم.
سالت دموع عينيها وهي تنحني تضع قبلة على شفاه آدم.
بنفس اللحظة انفتح باب الغرفة.
استقامت ونظرت نحوه.
سرعان ما جحظت عينيها بهلع وهي تشعر كأن صوتها انحشر بداخل حلقها.
تنهدت مرة واحدة ثم قالت بحشرجة صوت مرعب:
"حفظي!"
نظر لها حفظي بتشفٍّ. تلمع عيناه قائلًا:
"خدتي إيه من جوازتك من ابن العوامرية. قاعدة جنبه كل يوم والتاني في المستشفى تمرضيه. متقلقيش أنا هريحك من المهمة دي وهريحك من آدم نهائي. إنت مالكيش غيري ترجعي له."
نهضت حنان من مكانها تشعر برعب وقلق وخوف على آدم.
بصعوبة نطقت:
"حفظي اطلع بره ومتفكرش هسمح لك تأذي آدم."
تهكم ساخرًا يقول باستهزاء:
"حنان بت عمي اللي بتخاف من خيالها هتقف قصادي. للدرجة دي العشق واعر بقلبك."
نظرت له بغضب وعينيها تنظر حولها.
وقع بصرها على ذاك مبضع صغير، جوار إحدى قارورات الدواء الزجاجية.
استخدمته الممرضة قبل قليل بفتح عنق تلك القارورة الصغيرة حين خلطت محتواها ببعض الأدوية الأخرى ووضعتها بالمحلول الطبي المعلق بيد آدم.
ذهبت نحوه وجذبته من سلة المهملات.
وسرعان ما توجهت نحو حفظي الذي ينظر لها باستهانة.
لكن لا تستهون بالضعيفة وبالأخص إن كانت عاشقة.
بغضب وقوة كأنها نسيت أنها حاملًا.
أصبحت أمام حفظي الذي يضحك بغلاظة.
لكن توقفت ضحكته حين شعر بألم بعنقه ثم إحدى وجنتيه والاخرى.
وأصبحت تقوم بقطع وجهه بذاك المبضع، كذلك عنقه.
ربما ليست جروحًا غائرة لكن مؤلمة وتترك أثر.
رفع يده على وجهه. ينظر للدماء على يديه.
قبل أن يعطي رد فعل كانت حنان فتحت باب الغرفة قبل أن يفيق من ذهوله ويتهجم عليها.
وصرخت، مما أثار الموجودين بالمستشفى وتدخل الأمن.
كذلك علم سراج الذي مازال بالمشفى، وتوجه إلى تلك الغرفة قلقًا.
بنفس الوقت وصل إسماعيل الذي علم بما حدث بعدما غادر هو وقسمت.
لكن وقف مصدومًا يشعر بإعصار يفتك به.
كذلك نظرة عيناه لـ سراج الذي سرعان ما ضمه مواسيًا.
رغم أنه يشعر أنه المسؤول عن وفاة والده.
كأنه على شفا الانهيار.
"بـ إعصار يزلزل كيانه"