تحميل رواية «عشقت طالبتي» PDF
بقلم منار حسين
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ما هو مافيش الكلام ده، هدخل يعني هدخل. الدكتور بعند: مافيش دخول، واللي عندك اعمليه، ويلا عشان عايز أبدأ المحاضرة. يلا هش من هنا. هي: نعم، هي وصلت لكده؟ أنا أصلاً مش هاحضر محاضرة لدكتور أهبل زيك. وسابته ومشيت. الدكتور بصدمة: يا بنت المجنونة! أنا أهبل؟ وأكمل بغضب: طب وربنا ما أنا سيبك يا حيوانة، انتي حاجة. هم في الكافتيريا. هي: بقا أنا زينة يتقالي هش ليه؟ شيفني قطة بروح خالتو؟ ماشي يا دكتور الكلب، انت ماشي. خلصت المحاضرة. صاحبة زينة نور: مالك يا زينة؟ إيه اللي حصل؟ (معلومة: نور في قسم غير زينة، بس...
رواية عشقت طالبتي الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم منار حسين
بالمشفى
اندهش سراج حين نظر إلى وجه حفظي الذي يضع يده فوق وجهه الذي ينزف، ربما ليس بغزارة، لكن جروح متفرقة بوجهه، وبعض منها فوق يده. ربما كان يريد إخفاء وجهه، لكن أصابتها جروح. نظر نحو جسار الذي جاء خلفه. لوهلة ابتسم جسار من منظر وجه حفظي الدامي، لكن خفتت بسمته تصامناً لحزن سراج. لم ينظر إلى تلك التي تحتمي خلف سراج، لكن فهم فحوى تلك النظرة. جذب يد حفظي الذي فاق من مفاجأة ما فعلته به حنان. تلك المفاجأة التي جعلت عقله غائبًا للحظات، لم يتوقع أبدًا ذلك. وحين استوعب، تفاجأ بالموجودين بالغرفة، وكذلك سراج التي تحتمي خلفه تلك الحمقاء. ضغط بقوة على أسنانه، الذي سمع كل من بالغرفة صوت صقيقها. لكن ارتاعب من نظرة عين سراج الذي يلجم غضبه، أو ربما ما يراه يشفي القليل من شعوره البائس. كذلك إسماعيل الذي نظر إلى آدم النائم شعر بالأسى. قبل فترة قليلة كان مصابًا أيضًا، لكن هدأ قلبه من ناحيته، فهو مناضل من صغره، لكن هناك من رحل الليلة.
أخذ جسار حفظي وغادر، بينما نظر سراج نحو حنان قائلاً:
أنا هنا في المستشفى، هجيب حارس خاص يقف قدام الأوضة.
أومأت له ثم قالت:
البقية في حياتك.
أومأ لها قائلاً:
البقاء لله.
غادر بعدها هو وإسماعيل. ظلت حنان وحدها بالغرفة مع آدم. شعرت بغصة، ودت لو كان واعيًا ودافع عن نفسه أمام ذلك الوغد. لكن ربما هذا أفضل الآن. لا تعلم رد فعله حين يعود للوعي ويعلم بوفاة والده الذي توقعه. ربما امتثل لها حين أصرت أن يعالج إصابة كتفه كي يفصل عقله لوقت كي يستطيع أن يتدارك ويتحمل ذلك الخبر المقيت.
بغرفة خاصة بالمشفى مجهزة بأجهزة تبريد
دلف إسماعيل وخلفه سراج. خفق قلب إسماعيل بلوعة وهو ينظر إلى ذاك الفراش. بخطوات موجعة سار نحوه. بكل لحظة يود أن يكون كابوسًا وينتهي. بلحظة رفع تلك الملاءة البيضاء عن وجه ذلك الممدد فوق الفراش، لكنها الحقيقة السوداء. بيد مترقبة زاح تلك الملاءة من فوق وجه عمران. أغمض عينيه للحظة، لا يود أن يصدق. اعتصر عينيه ودمعة تحجرت وهو يفتح عينيه مرة أخرى. أول صدمة بالعمر أمامه. أجل، أول صدمة يعيشها. حين توفت والدته كان صغيرًا، لم يكن على دراية بقسوة ذلك الفراق. وربما عوضت رحيمة جزء كبير من مكانها ومكانتها، فلم يشعر بذاك الشعور المهلك للوجدان. تأمل ملامح ذاك الراقد، كأنها يحفرها برأسها لآخر مرة. لكن تبسم لوهلة، بسمة ألم تفتك بالقلب. استغرب سراج تلك البسمة التي صحبها تجعد ملامحه، بعدها يضع يده فوق جبهته يضرب كأنه يود أن يفوق من تلك اللحظة. اقترب سراج منه ووضع يده على كتفه بمؤازرة. ألقى بنفسه بحضن سراج يضمه بأسى قائلاً:
من كام يوم كنت بهزر وبتمني الموقف ده لأبو قسمت، مع إني كنت بهزر، بس متوقعتش أقف هنا ويكون اللي قدامي هو أبوي. مش معقول في الليلة اللي المفروض ببدأ حياة جديدة تبقي أسعد ليلة تقلب أوي كده وتبقي أسوأ ليلة في عمري.
توقف يلتقط نفسه المختنق بالدموع التي بدأت تهطل بلا إرادة. ثم عاود الحديث وهو ينحني على يد عمران يقبّلها برجاء:
اصحى يا أبوي مين اللي هيطلع لشقتي بكرة ويصبح عليا ويدعي لي بالذرية الصالحة. وأهزر معاه وأقوله عد تسع شهور وعمران هيبقى بين إيديك، ويقول لي لأ عمران هيبقى ابن سراج هو الكبير وهو بس اللي يسمي اسمي. اصحى يا أبوي.
وضع سراج يده على كتف إسماعيل. نظر له إسماعيل بدموع. ثم استقام واقفًا يحتضن سراج. ضمه سراج متألمًا. إلى الآن يكبت دموع تحرق عينيه. ما زال صامدًا. يقول بتشجيع:
بلاش الكلام ده يا إسماعيل، إيمان منهارة، حاول تتمالك نفسك قدامها.
بغرفة أخرى بالمشفى
دلف سراج. نظر نحو تلك الأريكة التي تجلس عليها كل من إيمان التي تقبع بحضن ثريا تبكي، وثريا تواسيها. كأن قلبه حسد إيمان على حضن ثريا. هو أكثر أحد يريد المواساة الآن. جلس إسماعيل على نفس الأريكة الناحية الأخرى. وضع يده على كتف إيمان يطبطب عليها. رفعت رأسها عن صدر ثريا ونظرت له. جهشت بالبكاء وهو يجذبها يضمها. يحاول السيطرة على نفسه كي لا يبكي ويزيد من انهيار إيمان. كذلك فهيمة كانت جالسة فوق فراش بالغرفة تقرأ القرآن ودموعها تسيل.
تلاقت عينا ثريا مع عيني سراج التي تنضح بالاحتياج. شفق قلبها عليه، لأول مرة تراه هكذا باهت الملامح مثل التائه أو المسلوب العقل. تنهد بقوة. ترك النظر لها كي لا يصرخ بالاحتياج. ذهب نحو شباك الغرفة أزاح الستائر. رغم أنها ليلة شتوية، لكن كان القمر هلال صغير بالكاد مثل شريط صغير يتوسط السماء مع بعض الثريات الصغيرة. ليلة طويلة معتمة انقضت.
في الصباح
الخبر منذ الأمس وصل إلى ولاء وبقية العائلة. ما حدث للعائلة فاجعة كبيرة، فليس عمران وحده هو الضحية، بل كانوا كثر. لكن الأهم أو ذو الشأن كان عمران. طلبت ولاء من السائق أن يوصلها إلى المشفى، لكن تفاجأت بمنع دخول أحد إلى المشفى بأمر عسكري. تعلم من صاحب ذلك الأمر، لكن لم تهتم. حاولت الاتصال على سراج أكثر من مرة، كان هاتفه مغلقًا. استسلمت وعادت إلى دار عمران، تجلس بين النساء تندب مثلهن، بل وأكثر براءة وغضب ساحق، حتى الصباح.
بينما بشقة إسماعيل كانت تبكي بأسى. تحولت ليلة زفافها من سعادة إلى حزن شديد. تركها زوجها وذهب إلى المشفى بعدما علم ما حدث بعد مغادرتهم. من مجزرة تحولت ليلة العمر إلى مجزرة دامية. دخلت عليها والدتها إلى الغرفة التي كان من المفروض أن تجمع بينها وبين إسماعيل بنهاية ليلة أمس، لكن ذلك لم يحدث. هو حتى لم يصطحبها إلى الشقة بمجرد وصولهم، سبق الخبر السيئ. هرول إسماعيل وتركها. لم تلوم عليه. تنحنحت والدتها. نظرت لها قسمت قائلة:
بابا فين؟
أجابتها:
معرفش. نزل من شوية، يمكن قاعد وسط الرجالة، مش سامعة الصريخ والعويل والندب واصل لهنا، أكيد هتلاقي في رجالة كمان. عرفت إن في ضحايا كتير في العيلة، ربنا يرحم الجميع. مين اللي في قلبه كل الشر ده؟ ده إبادة جماعية. هما كان لهم أعداء أو تار بايت مع حد.
زفرت قسمت نفسها وأجابتها:
معرفش ياما، بس إسماعيل كان قايل لي عن زفاف هنا حصل فيه ضرب نار وثريا كانت اتصابت فيه. واضح إنه زي ما بنسمع ونشوف كل فترة هنا في الصعيد، عن فرح بيتقلب لمجزرة. بس بخطي الأسود يبقى يوم فرحي. كمان حمايا يموت. أنا اتصلت على إسماعيل من شوية قال لي إن سراج مانع حد يدخل المستشفى. كمان صلاة الجنازة هتبقى بعد صلاة العصر.
زفرت والدة قسمت نفسها قائلة:
يعني هتفضل المندبة اللي تحت دي شغالة لبعد العصر. لأ وممكن تزيد كمان. ربنا يهون.
تسألت قسمت:
هو مش المفروض ننزل أقعد معاهم تحت وسط الحريم يا ماما. بس أنا معرفش حد غير الست اللي اسمها ولاء وبنت أختها والاتنين مش بحس معاهم بالراحة، ومش عارفة طنط رحيمة كمان موجودة ولا لأ.
وافقتها والدتها قائلة:
ده الأصول حتى لو منعرفش حد من الحريم. بس أنا معنديش هدوم سمرا. أنا كنت هتصل على باباكِ يروح شقتنا يجيب لي عباية سودة.
نظرت لها قسمت قائلة:
إحنا بنلبس مقاس واحد يا ماما، عندي هنا كذا طقم أسود.
أومأت لها بتوافق.
بعد قليل
بترقب نزلن إلى الدور الأسفل. تفاجئن بكم النساء سواء بالردهة أو حتى تلك الغرفة الأخرى. نظرن حتى يجدن مكان ليجلسن، لكن لم يجدن. وقفن بنفس الوقت. كانت ولاء تخرج من غرفة المندرة ورأتهن. ذهبت نحوهن بتعسف وتفوّهت بغلظة:
قدم النحس أخويا عمران اتقتل.
كانت تُقبل عليهن بشرر وهن يتراجعن للخلف بضع خطوات. وكادت تنال ولاء وتقوم بطردهن من الدار، لكن لسوء حظها كان يدخل والد قسمت من ذاك الباب يتجنب بعيدًا عن مجلس النساء. رأى تهجم ولاء عليهن وهن صامتات. شعر بغضب واقترب منهن. نظر إلى ولاء باحتقار:
فيه إيه يا حاجة. أنتِ بتطردي بنتي من دار جوزها. هل ذهب عقلك وأصبحتِ خرقاء. لولا تلك الظروف وفعلت هذا لكان لي رد فعل آخر، لكن مراعاة للحزن وذاك المصاب الأليم سأكتفي فقط بأن أعطي لابنتي الأمر بالبقاء وبعد ذلك لي رد فعل آخر بعد انتهاء أيام العزاء. اصعدي إلى شقة زوجك يا قسمت.
سخرت ولاء من حديث والد قسمت باللغة الفصحى. لوت شفتيها باستهزاء واستقلال، وكادت تتفوه بشرر، لكن جاءت رحيمة. وقفت جوار قسمت. وضعت يدها على كتفها وسألت:
فيه إيه واقفين كده ليه؟
نظر لها والد قسمت قائلاً:
تلك الحيزبون تود طرد ابنتي، وأنا لن أسمح بذلك. ولولا احترامي للحزن السائد ل...
قاطعته رحيمة ونظرت إلى ولاء قائلة:
ولاء بلاش طريقتك المتعالية دي دلوقتي، ما تفطسيش موتة أخوكي عشان شوية غباء ساكنين في راسك. وإنت يا قسمت تعالي معايا، إنتِ هنا صاحبة مكان. وإنت يا أبو قسمت شينة كبيرة واقفتك هنا قريب من مجلس الحريم.
أومأ لها قائلاً بتبرير:
أنا كنت داخل وخافض نظري، لكن تلك المتعالية كادت أن تقوم بطرد زوجتي و...
لبساطة رحيمة تفوهت بهدوء ولم تُعقب على حديثه بهذه الطريقة. فمزاجها سيء، حتى وإن عمران ظلم أختها، لكن بالنهاية ضم أولاده في منزله ورفض أن تأخذهم إلى منزلها ولم يحرمهم من خيره ولا سطوة عائلة العوامري وأصبحوا ذو شأن. حقًا كان بينهم عدم توافق وجدال كثيرًا، لكن كل ذلك انتهى الآن. جذبت يد قسمت ووالدتها وقالت بهدوء:
اطمني يا أبو قسمت، بتك هنا صاحبة مكان ومكانة، واللي مش عاجبه هو يغمض عينيه.
وافقها والد قسمت وخرج وتركهن مع رحيمة التي نظرة عين ولاء تسحقها سحق. وهي تتصرف هكذا كأن لها شأن هنا بدار أخيها.
عصرًا
أمام المقابر الخاصة بعائلة العوامري. كان هنالك أكثر من جنازة سابقة، لكن كان آخر الجنازات هي جنازة عمران. وقف سراج أمام المصليين، يحاول ألا يختنق صوته ببكاء، صامدًا حتى انتهت الصلاة. قاموا بوضعه في الثرى، ثم تجنب الثلاثة على جانب يتلقون التعازي. عقل كل منهم يعود بذاكرته لأحد المواقف حصلت مع عمران وكان لها تأثير واضح في حياته.
كان أولهم سراج. ذكرى ليلة زواجه بفهميمة. كم كانت تلك اللحظة قاسية على قلب الفتى الذي يقترب من الثانية عشر بعد وفاة والدته بحوالي عام ونصف. كان يرى إلحاح عمتيه على عمران للزواج، وهو كان يرفض ذلك، لكن مع كثرة إلحاحهن خضع لهن. ولتلك الزوجة التي كان هو أول قسمتها، فرق كبير بينهما في العمر. لكن بنظر أهلها ثراء عمران يعوض ذلك الفرق. وللغرابة أنهم ليسوا فقراء، بل عائلة ميسورة. شعر بغضب كبير وهو يراه يدخل إلى المنزل بها. وصل به الأمر أنه بات تلك الليلة بالمقابر جوار قبر والدته. ظن أنه لم يلاحظ غيابه. باليوم التالي عاد عصرًا. كان عمران يكاد عقله يشت حين علم أن سراج منذ ليلة أمس وهو ليس بالدار. قبل أن يأمر الحرس بالبحث عنه كان يدخل إلى المنزل. نظر له عمران بغضب، سرعان ما تحول إلى قلق بسبب ملابسه الرثة غير النظيفة. اقترب منه سائلًا:
كنت فين من عشية؟
قبل أن يجيب، كانت صفعة تدوي فوق إحدى وجنتيه. اهتز لتلك الصفعة جسد سراج. وضع يده على وجنته مكان الصفعة ورفع وجهه ينظر إلى تلك التي صفعته. ولم تكتفِ بذلك، بل استهجنت بالحديث:
كان صايع تلاجيه ملموم على شلة صايعة وراح عندهم.
ذهل عمران من تلك الصفعة وشعر بالغضب وكاد ينهَر ولاء التي فعلت ذلك، لكن بنفس الوقت جاءت رحيمة ضمت سراج وهي تنظر إلى ولاء بكره قائلة:
تنشل اليد التي تتمد على واحد من أولاد أختي. وإن تكررت الضربة دي أنا مش هسكتلك، هجيبك من شعرك وهمسح الدار كلها بـ جـتك.
تجمدت الدمعة في عيني سراج وضَم نفسه لرحيمة ونظر نحو والده قائلاً:
أنا مكنتش صايع، أنا كنت نايم جنب قبر أمي. ولما صحيت لقيت حشايش وورق شجر ناشف جنب القبر نضفته. كنت بتمنى أفتح القبر وأنام في حضنها.
ضمته رحيمة بحنان قائلة بتسرع:
بعيد الشر عنك، إن شاء الله عدوينك واللي يكرهك. تعالي معايا، اتحمم وهجيب لك خلاجات نضيفة.
نظرة ألقاها سراج إلى عمران، كانت كفيلة بتمزيق قلبه. وكان هذا بداية الفكرة برأس سراج، لكن يمكث هنا كثيرًا. بأول فرصة تتاح له سيبتعد عن هنا. وقد كان. بمجرد أن أنهى دراسة الثانوية، رغم مجموعه الكبير، لكن أصر على البعاد ودخول الأكاديمية الحربية. أصبحت البلدة بالنسبة له كالوطن المهجور، لا يتمنى العودة له إلا لسبب واحد، حين يرقد جوار والدته بين الثرى. لكن شاء القدر للعودة والآن يضع والده بالثرى بعد أن افتداه. جزع في قلبه اليوم يعيد ذكريات بائسة.
بينما آدم يقف مصابًا يرفع إحدى يديه بحامل طبي يضمها لصدره المشتعل بالألم، وذكرى تمر أمام عينيه. كان بالسابعة من عمره حين كان يلهو بالاسطبل الصغير المرفق بالمنزل. يلهو حول ذاك الحصان، يجذبه من ذيله يشد لجامه المربوط. لكن الحصان كان شرسًا، وجسد آدم بالنسبة له صغير. فجأة صهل الحصان رفع قدميه الأماميتين لأعلى. بعقل طفل أعجب بذلك واقترب من الحصان يمسك لجامه. لكن تعثر ووقع أرضًا. الحصان كان غاضبًا. فتح فكه وانحنى. كانت إحدى قدمي آدم قريبة منه. بلحظة كانت تلك الساق بين فكي الحصان الذي لو تمكن منه لكانت بُترت بين أنيابه. لكن صرخة آدم سمعها عمران الذي كان قريبًا منه. بلحظة لم يفكر وأخرج سلاحه من جيبه يصوب نحو رأس الحصان. تردى في الحال تاركًا ساق آدم التي تنزف بغزارة. كذلك يتألم من ظهره. اقترب عمران من آدم حمله سريعًا توجه به إلى إحدى المشافي. كان تشخيص الطبيب أن الحالة ليست خطيرة، لكن ذلك سيترك أثرًا على حركة ساقه لوقت. ربما يزول أو لا. لم ييأس آدم ولا عمران الذي اصطحبه لأكبر وأشهر الأطباء، حتى يعود للسير شبه طبيعيًا. في نفس الوقت خرجت إشاعة أن الحصان قام بعض أحد أبناء عمران العوامري وتوفي.
كانت إشاعة وقتية. اليوم تمنى، ماذا لو كانت تلك الإشاعة حقيقية. لكن القدر مرسوم.
إسماعيل يشعر باهتزاز قوي بجسده وهو يتلقى التعازي ويصافح المعزين. ينظر نحو قبر عمران. دموع متجمدة في عينيه وذكرى ربما كانت بسيطة، لكن غرست بقلبه معنى كبير. كان مشهورًا بالمشاغبة بين زملائه وبعض المقالب. بعقل طفل ذو تسع أعوام يسعى خلف العلم. قرأ بأحد الكتب عن بعض التجارب العلمية. وضع الكحول فوق وسلك الألمونيوم ثم إشعاله. حقًا سيصدر شررًا، لكن ينطفئ سريعًا. جرب ذلك بالسلك فقط، مجرد شظايا وتخفت سريعًا. ليجرب وضع الكحول. كان بالفصل مع زملائه. الكحول مع السلك ضاعف من الاشتعال. هرع زملاؤه إلى خارج الفصل يصرخون. هو حاول إطفاء النار وحين فشل هرب خلفه وترك الفصل الذي شبه اشتعل. الأدراج وقوائم الشبابيك بالفصل. لولا سيطرة بعض العاملين بالمدرسة على النار لاحترقت المدرسة بأكملها. عوقب من مدير المدرسة بصفعة قوية تركت أثرًا على وجهه. كذلك بفصله من المدرسة لمدة أسبوع وإرسال استدعاء لولي أمره. لم يهتم بشيء. هو يخشى رد فعل عمران حين يعلم. حين عاد من المدرسة أخبر رحيمة بما حدث. زمته على سوء ما فعل، وخشيت من رد فعل عمران. لكن غصبًا بيد مرتجفة وقف يطرق على باب غرفة النوم الخاصة بوالده. لم ينتظر كثيرًا. فتحت فهيمة له الباب وتبسمت له. تنحنح بحياء. سمع صوت عمران من الداخل يحثه على الدخول:
تعالى يا إسماعيل.
دخل إلى الغرفة يخفض رأسه. ذهب نحو تلك الأريكة التي كان يجلس عليها عمران. عمران الذي سرعان ما شهق حين وقع بصره على آثار أصابع واضحة فوق وجه إسماعيل. نهض وجذبه سائلًا:
مين اللي ضربك كده قولي.
ابتلع إسماعيل ريقه بصعوبة وقال بصوت خافت:
مدير المدرسة.
لم يسمع عمران. سأله بقسوة:
قولي مين اللي ضربك كده.
بصعوبة ابتعل ريقه وأجلى صوته وأخبره وهو يمد إحدى يديه بجواب الاستدعاء له:
مدير المدرسة وباعت لك الجواب ده.
لم يخبره بقرار الفصل. مزق عمران الجواب وقال بعصبية:
أنا لازم أروح للمدير ده وأعرفه مقامه. دلوقتي روح لخالتك تعمل لك كمادات مياه ساقعة على وشك عشان تهدأ زمانها بتوجعك.
اندهش إسماعيل من رد فعل عمران، واستغل الموقف قائلاً:
بتوجعني قوي يا أبوي.
ضمه عمران بحنان. شعر بسعادة بالغة. باليوم التالي اصطحبه عمران إلى المدرسة. دخل مباشرة إلى غرفة المدير. فتح الباب دون استئذان دلف متوجهًا نحو المدير الذي وقف. في البداية كان متجهمًا، لكن حين رأى عمران ابتسم بمجاملة. سرعان ما زالت البسمة بعد دوي صفعة على وجه المدير. خلفها حديث عمران بغلظة وتعالي:
مش ولد عمران العوامري اللي تتمد عليه. احمد ربنا إني مجتطعتش إيدك.
ذهل المدير، كذلك إسماعيل الذي يفتح فاهه. والمدير استوعب بعد لحظات حتى فاق من الغفلة. شعر بالخزي، ولو بخاطره لرد الصفعة عشرة لعمران، لكن سطوة عمران جعلته يتقبل ما حدث. لكن أخبره بجمود بما فعله إسماعيل. نظر عمران نحو إسماعيل الذي أخفض وجهه. ثم تدارك قائلاً:
ولو مكنش لازم تصفعه على وشه صوابعك معلمة في وشه من امبارح.
انتهى الموقف بمؤازرة عمران لإسماعيل رغم أنه كان مخطئًا. اليوم من الذي سيؤازره لو أخطأ. دمعة ليتها تسيل من عينيه، ربما تخفف وجع القلب.
كان هنالك بعض النسوة، من بينهن إيمان التي تستند على كل من ثريا وقسمت. وقفت تقرأ الفاتحة. دموعها شلال متدفق. لم تتوقع أن تقف تلك الوقفة. كانت دائمًا تشعر أنها قوية. لكن ذلك كذب، هي ضعيفة، بل ضعيفة للغاية. اكتشفت ذلك الآن حين كان يخشى عليها من جموحها بممارسة رياضة عنيفة. الدراسة بجامعة لا تليق بذكائها رغم درجاتها العالية، لكن امتثل لاختيارها لتلك الجامعة التي مستقبلها ربما يسخرون منها، وهي مجرد "مدرسة ألعاب" كما كانت ولاء وإيناس يسخران منها. لكن هو ساندها. اليوم علمت سر قوتها. السر كان عمران العوامري.
مساءً
توافد المعزون.
بين النساء كانت ولاء تنظر إلى هؤلاء الأربع وخامستهم رحيمة التي تجاورها فهيمة، كأنهن عصبه عليها. شعرت بالكراهية تتنفس مثل الثعابين، وهي تفوه بغلول:
وش النحس خربوها وقعدوا على تلها.
بعد قليل
نهضت ثريا مع والدتها وخالتها تصطحبهم ليغادروا بعد أن قدموا واجب العزاء. لاحظتهم ولاء. قامت خلفهن. هذه فرصة ربما تنفث فيها عن ما تشعر به من غِل. ودعتهن ثريا وكادت تعود لمجلس النساء، لكن توقفت أمامها ولاء تقول بهجوم:
وش النحس من يوم ما دخلتي دار العوامريه، أنتِ جبتي الموت في قدومك. في الأول غيث وياريتك احترمتي موته، لكن قبل الأربعين دورتي على ميراثك منه، ورميتي شباكك على سراج. دلوق اتقتل عمران، أوعك تفكري إني هـ...
قاطعتها ثريا بغضب وكيد:
اللي خدته من غيث ميجيش واحد في الميه من قيمة ميراثي منه واللي حلاله ليا ربنا. وإن كان على سراج لو مكنش رايدني مكنش وقع في شباكي. والحج عمران ده عمره ومكتوب له. رغم أنه مكنش يستحق موته زي دي، في أمثالك يستحقوا الشنق بسبب جبروتهم. بس تأكدي مهما كان جبروتك جاي لك يوم يا وباء. وبعد كده لازم تحترمي مكانتي هنا. أنا بقيت مرات كبير العيلة، سراج العوامري، ومتحلميش بالمكانة اللي كنتِ عايشة فيها بين ستات عيلة العوامري الناقصة. أنا ست كاملة.
توقفت ثريا للحظات تنظر لملامح ولاء الغاضبة. ثم تعمدت إغاظة ولاء:
نسيت أعزيك في الحج عمران، هو برضك كان أخوكي. أنا أفهم في الواجب والأصول كويس.
لم تنتظر ثريا وتركتها وعادت للداخل. جلست بمكانها تتخذ مكانتها كزوجة سراج. بينما ولاء شعرت بالغيظ الساحق. لكن لا، لن تنهزم وتترك تلك اللقيطة تتخذ مكانتها. عادت للداخل جلست مكانها. نظرت نحو ثريا التي تعمدت النظر لها بإغاظة وهي تعتدل بجلستها تضجع بظهرها تستقيم بوجهها بتحدي معلن.
بينما قبل لحظات كان سراج يكاد يدخل إلى الدار دون سبب، غير أنه أراد أن يفصل عقله حتى لو لدقائق. يود الاختلاء والتورية. ربما تسيل دموع عينيه ويزول ذلك الاختناق حتى لو قليلًا. لكن قبل أن يضع قدميه ويدلف، سمع صوت ولاء وهجومها على ثريا. كاد يظهر نفسه ويدخل يرد على ولاء، لكن رد ثريا كان أقوى من رده. رغم بشاعة ما يشعر به، لكن حديث ثريا وكأنها تتباهى أنها زوجته جعل وجع قلبه يخف قليلًا وعاد لمجلس الرجال يتحمل الألم.
بعد مرور ثلاث أيام
اليوم هو اليوم الأخير لعزاء عمران.
ظهرًا بالمطبخ. دلف إحدى الخادمات تقول لعدلات:
اعملي تلات كوبايات قهوة لضيوف سراج بيه ووديهم المندرة. مش عارفة هنحضر لهم ولا إيه.
أجابتها عدلات:
اللي تدخل القهوة تبقى تسأل سراج بيه.
بعد لحظات دلفت ثريا إلى المطبخ تطلب كوب من المياه. ثم سألت عدلات التي تضع أكواب القهوة فوق صينية:
القهوة دي لمين؟
ردت عدلات بسلامة نية:
لضيوف سراج بيه في المندرة.
لم تهتم ثريا. لكن دلفت خادمة أخرى قائلة:
عدلات الست فهيمة عاوزاكي في مجلسها.
نظرت إلى القهوة قائلة:
مين اللي هيودي القهوة المندرة.
صمتت الخادمة. فتحدثت ثريا لرفقها بحزن. فهيمة هي الوحيدة التي تستطيع مواساتها هي عدلات:
روحي شوفيها عاوزاكِ ليه، وأنا هدخل القهوة للضيوف.
وافقتها عدلات. حملت ثريا الصينية وتوجهت إلى المندرة. دخلت سرعان ما تفاجئت بـ تالين ومعها راجل لا تعلم هويته. رأته سابقًا ليلة زفاف إسماعيل. خمّنت أنه والدها رغم عدم وجود شبه. شعرت بغصة في قلبها. وضعت القهوة، وكادت تغادر، لكن أوقفها سراج الذي وقف قائلاً:
ثريا مراتي، وده اللواء "عادل عبد الغفار" والد تالين.
تحشرج صوت ثريا قائلة بترحيب:
أهلًا وسهلًا.
نظر عادل إلى ثريا بتمعن. هي فقط تفرق عن ابنته في الشكل الخارجي، أجمل. لكن هو يعلم جيدًا أنها ابنة عامل سابق، كما أنها أرملة سبق لها الزواج. لا تقارن بابنته. لكن سوء اختيار سراج. هذا ما أكدته ولاء التي دخلت ترحب بحفاوة. تتعمد إغاظة ثريا التي لم تبالي حتى أنها تحججت وغادرت المندرة.
مساءً
بالمندرة كان هنالك بعض الرجال من كبار العائلة، يتحدثون بأسى ومواساة. لكن الحياة تستمر كما قال أحدهم. كان الثلاثة: آدم، إسماعيل، سراج يجلسون. تفوه ذاك الشخص:
الحياة بتستمر رغم وجع قلبنا على الحج عمران، بس لازم يبقى في كبير مكانه، وبالتأكيد الكبير هو سراج.
لم يتفاجأ سراج من ذلك. رغم أنه أيضًا لا يرغب في تلك المكانة. نظر نحو أخويه اللذان تشع نظرة الحزن من عينيهم. ثم عاد بنظره لذاك الشخص قائلاً:
إحنا نعتبر لسه في أيام العزاء. الموضوع ده سابق لأوانه.
نظر له ذاك الشخص:
عارف إننا في أيام العزاء واللي حصل في العيلة هزها كلها ولازم نختار الكبير بسرعة، وإنت الكبير من بعد الحج عمران.
تنفس سراج حائرًا. أيرفض وينتهي الأمر ويذهب تلك المكانة لآدم؟ نظر نحو آدم الذي فهم نظرته. نكس رأسه. فهم أن آدم لا يبغي تلك المكانة هو الآخر. تنهد قائلاً:
كام يوم مش هتفرق.
امتثل الجالسون. الذي من بينهم قابيل الذي يشعر بالبغض من سراج الذي يتدلل. والأحق بتلك المكانة هو كذلك، هو الأحق بثريا. لكن سوء الحظ له وحسن الحظ لسراج، لكن لن يدوم ذلك.
بدار حفظي
منذ أن خرج من المشفى بعدما تم أخذ تعهد كتابي عليه بعدم الاعتراض سواء لحنان أو آدم. يعلم أن هذا التعهد لا قيمة له، لكن ما يغيظه تلك الجروح الظاهرة بوجهه والتي غصبته أن يمكث في الدار يتوارى مثل النساء. تعصب على والدته لمجرد سكبت كوب ماء وانزلق منها أرضًا. لم تبالي به وتركته. يزفر أنفاسه بغضب حار. بنفس الوقت صدح رنين هاتفه. جذبه نظر للشاشة. استغرب فهذا رقم ليس واضح هوية صاحبه. لم يرد لأكثر من رنين بسبب إلحاح المتصل. قام بالرد ضجرًا. سمع سخط الآخر باستهزاء:
إيه مش عاوز ترد على الموبايل خايف بعد ما حرمة علمت عليك وخلتك ترقد في الدار كيف الولايا.
شعر بغضب مستعر سائلاً:
انت مين يا واكل ناسك كيف تتحدث وياي بالطريقة دي. لو كنت جدامي كنت عرفتك مين الولايا.
ضحك الآخر باستمتاع قائلاً:
عيب متعرفنيش من صوتي. إحنا كنا صحاب.
ارتاعب قلب حفظي وشك بالصوت. بينما استهزأ الآخر قائلاً:
ياما اتشاركنا ليالي سوا مع الرقصات في مصر.
هلع قلب حفظي وهو يكذب ما يسمعه قائلاً بعدم استيعاب:
غيث!
بشقة قابيل
كان مثل الذي على الذي يتقلى على جمر مشتعل وهو يقول:
اللي بجاله سنين بعيد عن هنا عاوزين يعملوه كبير علينا. لاه والاكادة بجي هو بيتعزز كمان.
ثار عقل إيناس وهي تسمعه وقالت:
سراج هيبجى كبير العيلة ويعلي من شأن ثريا تبجي هي مرات الكبير. لاه ده لا يمكن يحصل. دي مجامها الأرض مش كفايه. لاه مستحيل ده يوخص. لو وصلت أقتلها بيدي. ولا تكون ليها قيمة وسطنا.
كأنها سكبت الجاز فوق جمرات عقل قابيل الذي هزي بعقله:
مرتين تنفد من الموت يا سراج بس لاه التالتة ثابتة ومستحيل تبجي الكبير. كمان ثريا لازم ترجع لي. هي المفروض كانت تبجي نصيبي من الأول. زي ما قتلت غيث بيدي إنت كمان هقتلك بيدي ومش هستنى الحظ يلعب معاك.
ثلاث أيام
أربع ليالٍ كانهم عمر آخر فوق عمره. أحداث سريعة تتغير وعليه الاختيار. البقاء ويصبح كما كان مخطط له من البداية. ظن أنه تمرد، لكنه القدر لا أحد يتمرد عليه. لكن قبل اتخاذ ذلك القرار، ما زال لا يعلم قرار ثريا حين ترك لها الاختبار. دلف مباشرةً إلى غرفة النوم. كانت ثريا تضم بعض الثياب بخزانة الملابس. تنحنح وذهب نحو ذلك الشباك الذي بالغرفة ينظر أمامه. ليلة حالكة السواد لا قمر ولا نجوم، فقط غيوم تتحرك وسرج من بعيد يشق السماء. أصواته بعيدة، لكن غضب ضوءه يشع بالعالي. عقله فصل عن التفكير. غضبه مقابل غضب الطبيعة ولا يعلم أيهما أقوى.
بينما ثريا نظرت نحوه شعرت برأفة في قلبها عليه. بلا شعور منها سارت نحوه. وقفت خلفه ترفع يديها بتردد. كادت تستمع لقرار عقلها أن لا تفعل ما برأسها وتضع يديها على كتفيه تواسيه، لكن ظلت يديها عالقة. بينما هو لم يرى فقط انعكاس طيفها، بل شعر بأنفاسها قريبة منه. أغمض عينيه ينتظر أن تضع يديها على كتفيه ربما تهدأ تلك العاصفة النارية التي تتوغل من قلبه. استمعت لقرار عقلها، وكادت تخفض يديها، لكن خطوة اتخذها للخلف جعلت يديها تلمسان كتفيه. تنهدت وهي تثبت يديها على كتفيه تخفض رأسها تلامس ظهره قائلة:
دلوقتي أكيد عرفت أنا ليه وافقت اتجوزك، عشان أنا نحس وأي حد بيقرب مني بتصيبه لعنة.
توقفت تتنفس قبل أن تستطرد بقية هجاء نفسها، لكن سراج استدار ينظر لها. عيناه كانت شبه حمراء وتجمرت أكثر من حديثها، الذي كادت تزداد به:
أنا... أنا كنت بكرهك و...
قبل أن تكمل بقية إلقاء اللوم على نفسها وأنها سيئة الحظ على من تقترب منه، قبض على رسغي يديها بقوة ساحقة. توقفت عن الحديث ونظرت إلى قبضة يداه على معصميها كالعادة، حتى وإن شعرت بتألم تصمت. لكن لم تصمت هذه المرة وكادت تتفوه، لكن جذبها عليه يقطع حديثها الماسخ بالنسبة له. ضم شفتيها بين شفتيه بقبلة خاصة جدًا تحمل مزيجًا من الشغف والألم وشعور آخر هو يعلمه جيدًا. تلك المحتالة تمكنت وتوغلت من نبض قلبه. جذبها للسير معه وهو مستمر في تقبيلها. توقف وترك شفتيها ينظر لوجهها. سرعان ما ضمها بين يديه اللتان كفيه يحتضنان ظهرها بقوة يود أن تلتحم به. هي الأخرى رفعت يديها وعانقت ظهره بكفيها. عاود تقبيلها وهو يثقل بجسده عليها، وهي تميل للخلف إلى أن تسطحت على الفراش وهو فوقها مستمر بتقبيلها. بدأت يديه تسير بحرية على جسدها يزيل عنها تلك العباءة. شعرت بيديه فاقت من غفوة عقلها. في تلك اللحظة ترك شفتيها لتتنفس، لكن كان يقبل أسفل ذقنها وبداية صدرها الذي يخفق بشدة. بالكاد نطقت اسمه بحشرجة صوت:
سراج...
قاطعها بقبلة تستبيح يديه المرور على جسدها بنعومة واشتياق. هي الوحيدة القادرة الآن على أن تهدأ تلك العاصفة المتملكة من كل خلية في جسده. هي الأخرى تنحي كل شيء بعقلها، تركت الزمامينفلت معه. لمسات وقبلات امتزجت بينهم. عواطف متملكة منهما الاثنين، لن تهدأ قبل اندماجهما معًا بلقاء حميمي مفعم بحقيقة مشاعر كل منهما للآخر. رفع رأسه عن عنقها نظر لوجهها. رفع يده أزاح خصلات شعرها المتدلية على جبينها ثم قبل شفتيها. ثم عاد يخفض رأسه بعنقها يتنفس بصخب، حتى سمع اسمه منها:
سراج.
- نعم.
حاولت تهدئة أنفاسها قائلة بتهدج:
موافقة أبيع لك الأرض بس ليا شرط الأول تنفذه.
رفع رأسه عن عنقها ونظر لعيونها. لديه يقين عن ذلك الشرط. ترك النظر لعيونها وسلطها على شفتيها بلا انتظار قبلها. ثم ترك شفاه. وضع يده على تلك العلامة بفخذها. هو يقين أن ذاك الوغد "غيث" هو سببها، لكن يود معرفة سبب ذلك. نظر لعينيها اللتان تبدلت نظاراتهم. شعرت بضيق من لمسة يده لتلك العلامة. تغاضى عن ذلك سائلًا:
إيه السبب الحقيقي للعلامة دي؟
تبدلت ملامحها. ظهر الوجوم بوضوح. أغمضت عينيها بقسوة ثم فتحتها. كان ينظر لها. ينتظر جوابها الذي طال وخيب توقعه:
مايه سخنه وقعت عليا وأنا صغيرة حرقت فخدي.
- كذابة يا ثريا... الحرق ده مش حرق مايه سخنه ده حرق ماية نار. السبب غيث.
ارتبكت ثريا وكادت تبتعد عن سراج، لكن جذبها يضمها بقوة قائلاً:
ثريا أما متأكد إنك مكنتيش زوجة لغيث. هو اللي حرق فخدك وحاول يغتصك. ثريا أنا النهاردة مش هخيرك لأن مبقاش عندي استعداد تبعدي عني إنت كمان. وجودك معايا بقى...
«أمر إلزامي»
رواية عشقت طالبتي الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم منار حسين
مثل خفافيش الظلام كان موعد لقائهم فى آخر الليل بذاك المنزل اللذان كانا يتقابلان به سابقًا، فى إحد المنازل المُتطرفة القريبه من الجبل الذي يمتلكه ذاك الأهوج حفظي. كان بمثابة وكرًا قريب لملذاتهم الدنيئة، منزل مُتهالك من يراه من الخارج يظنه مهجورًا، لكن من الداخل كان فخمًا وبأثاث راقٍ مُجهزًا خصيصًا لأهوائهم.
فتح حفظي الباب ودخل بترقُب يرفع سلاحه متأهبًا أن يكون فخ من ذاك الذي إتصل عليه ينتحل شخصية وصوت غيث. لكن لا أحد يعلم بهذا المنزل سوا هو وغيث، حتى تلك العاهرات الاتى كان يأتون بهن لهنا كان يضعون حول أعينهم شرائط سوداء.
بينما بإحد الغرف، لمعت عين غيث وهو ينظر الى ذاك الفراش الوثير. تذكر أنه آتى بـ ثريا هنا ذات ليلة. كان بإنتظاره عاهرة عارية إمتثلت لأهوائه من نظرة عين، ركعت أسفل قدميه تستلذ بإيلامه وصفعاته لها. بينما إنكمشت ثريا على نفسها لا تشعر بالغثيان فقط، بل الرعب فى عينيها كان مُثيرًا للغايه. ربما زاده إثاره أكثر من نيله لجسدها تلك الليلة. زفر نفسه فى نفس اللحظة شعر بالغضب وهو يتذكر ذاك الفيديو الذي رآها مع سراج بتلك الحمِيمية راغبة عكس حين كان يقترب منها يرا النفور. حقًا كانت الصورة بعيدة والصوت به بعض اللغوشات، لكن لا يتوه عن تلك التنهيدات. قبض على ذاك العكاز الذي يستند عليه بقوة، لوهله قد تتحطم قبضة يده من المعدن، لكن أخرجه من ذاك الغضب سماعه لصوت أغلاق باب المنزل. تبسم بلمعة عين، وغادر الغرفه.
كما توقع لم يتفاجئ حين رأي حفظي يرفع السلاح بناحيته. ضحك غيث قائلًا بعتاب سخيف:
"هو ده إستقبالك ليا، بدل ما تفرح آني لسه عايش."
مازال الذهول على وجه حفظي، الذي تعلثم سائلًا بغباء:
"إنت إزاي لسه عايش..."
توقف ثم أجاب نفسه:
"إنت اللى عملت تمثيلية موتك لهدف فى دماغك، بس ليه عملت اللعبة دي، هدفك منها إيه؟"
لم يكُن حفظي يلاحظ إتكاء غيث على عكاز الا حين سار يتجه نحو إحد المقاعد بالردهه، وتركها جواره يضجع بظهره على خلفية المقعد. لاحظ ذلك عاود يسأل:
"وإيه اللى حصل لرجلك، إنت إزاي لسه عايش، أنا حاسس إنى بحلم أو في فيلم هندي. آيه حكايتك، إنت مين؟"
تهكم غيث قائلًا بإستهزاء ومراوغة:
"إيه اللزق الكتير اللى على وشك ده، كل ده سببته بِت عمك... مش عيب عليك ست تعلم وعلى وشك كمان."
شعر حفظي بالغضب والضيق الشديد من طريقة حديث غيث المُستهزأة، فقام بالرد عليه وإثارة غضبه هو الآخر بسخط قائلًا:
"وإنت ثريا اللى المفروض طالما لسه عايش تبقى مراتك، متجوزة من سراج العوامري... هما كده الستات تدفن جوزها وتقول مش هتجوز تاني، ومتصدق فرصه ومش بضيعها بالأخص لما يكون العريس هو سراج العوامري، مسوفتش نظرة عنيها لـ سراج وانا حاطط السلاح فى راسها..."
نظر له غيث بسُحق وصمت يكبت غيظه لثواني ثم تفوه:
"أنا مش متصل عليك عشان إكده، تفتكر كنت هكشف لك حقيقة إني عايش محبه فيك، وأنا عارف إنك خسيس."
ضحك حفظي قائلًا:
"الحال من بعضه يا صديقي، إحكي لى إزاي لساك عايش وليه مستخبي بتخطط لأيه..."
توقف حفظي للحظه ثم عاد يتفوه بيقين:
"إنت اللى كنت ورا ضرب الرصاص اللى حصل فى فرح واد عمران العوامري، إكده فهمت."
نظر له غيث قائلًا:
"بلاه حديثك الكتير، سبق وقولت لك من زمان بطل رط كتير فى الحديث الماسخ، اللى بيرغي كتير آخره حديث وبس، إتفرج وشوف الفيديو ده متوكد هيعجبك."
غمز حفظي له بعينيه بوقاحه قائلًا:
"فيديو من النوعيه...."
قاطعه غيث بغضب:
"جولت بلاها الحديث الكتير وإتفرج."
صمت حفظي... ونظر نحو تلك الشاشة التي بدأت تظهر بلغوشه ثم أعتدلت الصورة. بعد ان كان مُضجعًا، إستقام بظهره وتمعن بالفيديو بعين جاحظة، مذهولًا مما يراه. نظر نحو غيث سائلًا:
"مستحيل ده يكون حصل."
إبتسم غيث بمكر قائلًا:
"حصل وجدامك الفيديو، أهو قابيل أستغل إنك كنت فى غيبوبه بسبب سراج وقتل أبوك."
"مستحيل" قالها بذهول بخفوت.
"إزاي وصلك للفيديو ده."
أجابه ببساطه:
"أنا ليا تار مع قابيل، زيك هو دخل، حط المخده على وش أبوك خنقه وبعدها خلط المحلول الطبي اللى كان بيغذي جسم أبوك بالهوا وبان إن موته سببها طبيعي، زي ما قدامك فى الفيديو."
بغضب سأله حفظي:
"إزاي وصلك الفيديو ده وإزاي إتصور أساسًا."
أجابه بهدوء:
"قابيل هو اللى حاول يقتلني وكنت وراه خطوه بخطوه، والفيديو أنا سجله واحد من رجالتي عالموبايل بتاعه بدون قابيل ما ياخد باله... قابيل قتل أبوك وبعدها جالك يتفق معاك."
شعر حفظي بالغضب قائلًا:
"طول عمره واطي وخسيس، بس عاوز أعرف إنت عاوز مني إيه يا غيث، أكيد فى هدف فى دماغك."
لمعت عين غيث باسمًا يقول:
"عاوزك تهدي أعصابك وتنسي فكرة قتل قابيل دلوك، عندنا الأهم منه، ومتقلقش مش هحرمك إنك تاخد تار أبوك."
***
قبل قليل
جحظت عين ثريا من قول سراج المفاجئ، توترت وشعرت بإرتباك وهي تُزيح خُصله من شعرها من فوق جبينها قائله بتعلثم:
"جبت الحديث الفاضي ده منين...."
قاطعها وهو يضع يده فوق تلك العلامة بفخذها قائلًا:
"إنتِ قولتي وإنتِ فى حضني يا ثريا، يوم ما كنتِ مصابة بالرصاص."
إبتلعت ريقها كأنها إرتوت بعد عطش وبررت بإستهزاء:
"أكيد كنت بهزي مش فى وعيي، يعني..."
قاطعها بحزم:
"لاء مكنتش بتهزي يا ثريا، دي الحقيقة، أنا عارف باللى عملوه فيكِ عمتي ولاء وعمتي راضيه..."
إرتعش جسد ثريا وهي تُغمض عينيها تعتصرهما ليس بسبب الدموع بل بسبب أنها لا تود ان تتذكر تلك الذكرى التي نزفت ومازالت تنزف ليس دمًا، بل روحها تنزف وهي تعلم أنها بسبب ذلك أصبحت كالارض الجوفاء التى لا تُثمر. ربما لن تشعر بمشاعر كل إمرأة حين تُصبح "أُمً"، أصبح حِلم بعيد المنال وقد تُحرم لا تنوله. سؤال آخر برأسه: لما الآن تفكرين بذلك، سابقًا لم يشغل ذلك عقلك، ما الذي تغير؟ لما تسيطر عليكِ تلك المشاعر؟ هل هي غيرة أم شعور بالنقص؟ أم شعور آخر مازالت لا تعلمه. فتحت عينيها تنظر نحو سراج تشعر بتوتر سائله:
"وعرفت منين، مش معقول أنا اللى حكيت اللى حصل ده كله وأنا بهزي."
حرر تلك الخُصله المُلتصقه على عُنقها قائلًا بمراوغة:
"قولتلك عرفت منك."
أخفضت وجهها صامته، وضع سراج يده اسفل ذقنها ورفع وجهها تلاقت عيناهم، تحدث بتحريض:
"ثريا إنتِ وغيث..."
قاطعته بصدمة:
"جوازي من غيث كان كامل يا سراج، حتى لو مكنش برغبتي بس أنا وغيث..."
توقفت تبتلع ريقها وهي تخفض وجهها كي لا تسيل تلك الدمعة وتلك الذكرى التى فجعتها وهذا اليوم يُعاد أمامها. "رصاصة فوق بقعة الدم على الفراش، وهي عارية، لولا ذلك المفرش التى تتمسك به، ونظرة عين غيث الظافرة، وهو يضحك بجلجة تهز صوتها أركان الغرفة... وهي تنكمش غير مُصدقة، زوجها حقًا زوجها لكن هو قاتل وسادي، خائن، بل أبشع إنسان قد مر بحياتها... أيام... مجرد أيام زادت فوق عمرها أعمار... نظرة عينيها كانت مُرتعبه وهي تنظر الى بقعة الدم، هي ليست عذراء، كما أن البقعة كثيفة وتلك الرصاصة هل تلميح أم تصريح. تصريح منه حين إقترب منها وهو عاري تمامًا... وهي تعود للخلف بالدثار، جذبها بقوة ينظر الى رهبة عينيها بإستمتاع:
"دي الرصاصة الأولى يا ثريا... هنبدأ جولة تانية وهتبقي ليا وبرضاكِ أو اللى حصل ليلة إمبارح هيتكرر كنت مُميزة أوي وإنتِ بتتذللى تحت رجليا عشان..."
توقف ينظر الى نظرة عينيها الرافضة تهز رأسها، يستمتع بذلك وهو يلعق شفاه بلسانه بتلذُذ سافر، وهي تهطل دموعها، تعاني وهي تتذكر بعض اللحظات وهي حقًا تقترب منه تتود له، كيف فعلت ذلك، لا داعي للتفكير، فمجرد التفكير قد يجعل عقلها يشت وقلبها يكاد ينفجر بداخلها. ضحكته الغليظة وقُربها منها جعلها تشعر أنها ترا وحشًا مُخيف يُبرز أنيابه، ويده التى تمتد نحوها مثل مخالب الثعالب... حديثه الفظ:
"الطلقة الأولى يا ثريا.... حظك حلو عندي شغل كتير النهاردة، بس راجعلك المسا."
قال لك ذلك، وكاد يُقبل وجنتها لكنها تراجعت للخلف، صقك أسنانه بغضب، لكن إمتثل بالبرود، ونهض من على الفراش يخرج من الغرفه ضحكاته تتردد كصدى صوت مخيف ومفزع بليلة شتاء عاصفة". تركها عقلها وقلبها موهومان أنه نالها. نظرت نحو سراج الذي تبدلت نظرة عيناه وهو يضغط على عضد يدها بقوة. تألمت ثريا من ذلك وحاولت سلت يدها من قبضة يده. لكن هو يزداد قوة فى قبضته. نظرت له قائله:
"أنت اللى كنت عاوز تعرف الحقيقة ليه دلوقتي إضايقت، سيب إيدي يا سراج، الحقيقة أوقات بتكون عكس ما بنريد."
نظر لها هو على يقين أن ما سردته كذب، وهي تتمني لو كان حقًا كذب. لكنها حقيقة تجرعت قسوتها.
غفت ثريا بينما سراج لم يغفوا، ليس بسبب ما أخبرته به، بل مازال منظر عُمران بلحظاته الأخيرة يسكن رأسه يشعر بأنفاسه المضطربة. تذكر الحديث الأخير بينهم وهما بسيارة الإسعاف:
"سامحني يا سراج، عارف إني كنت قاسي عليك، بس والله أنت كنت دايمًا الأقرب لقلبي... فاكر يوم ما عرفت إن رحمه حامل فيك، كنت وجتها خدت القرار وهطلقها وأنهي عذابنا إحنا الاتنين، إتفاجئت بفرحتها أنها حبله كنت زي الشريد اللى مش عارف يعمل إيه. أطلقها وأسيبها تواجه مصيرها لوحدها، بس قلبي قالى والجنين اللى فى بطنها هيكون مصيره إيه، هيتشتت بيني وبينها، كنت عارف مستواهم المادي، سبتها وهدمت فرحتها لو كنت فضلت قدامها كنت هضعف وأقول لها كل واحد يروح لطريقه، مشيت فضلت أفكر واتخيل لو سيبتها وخلفت وبعدها هي كمان سابت اللى خلفته وراحت إتجوزت أبني أو بنتِ مصيرهم هيبجي إيه، هيشرد أكيد، غصبت على نفسي وشيلت فكرة الطلاق من راسي، كنت عارف إنها بتتعذب من قسوتي وبتتحملها بس عشانك، خايفه عليك لو أخدتك وطلعت من دار العوامري هتعيش إزاي، كمان خوف تاني إني ممكن أخدك منها، صبرت وسكتت وإتحملت، حتى لما حبلت تاني كانت خايفه تقولى عرفت بالصدفة. حتى إسماعيل كمان عرف بالصدفة، القسوة بنت بينا جدار واعر، حتى عرفت إنها مريضة بالقلب بالصدفة، كل حاجة كنت بعرفها بالصدفة كأننا مش عايشين مع بعض، الحياة سحبتنا فى دوامة غرقتنا إحنا الاتنين... فوقت متأخر كان الوقت انتهى يا سراج، بس الحقيقة عمري ما كرهت رحمه ياريت كنت كرهتها يمكن كنت ارتاحت، أنا كنت معارض جوازك من ثريا لنفس السبب، خايف تعيش اللى أنا عيشته إنها كانت لغيرك قبلك، الفكرة لوحدها بتوجع. هنصحك نصيحه يا سراج إنت بتحب ثريا، إنسي كل الماضي اللى حصل قبل ما تقابلها، عيش معاها على إنك الراجل الوحيد فى حياتها... اسمع لقلبك وبس، سامحني أنا متأكد إن رحمه طول عمرها كانت مسامحة."
على تنهيد ثريا نظر سراج نحو ثريا التى إبتعدت تُعطيه ظهرها، تكتم نفسها حتى لا يعلم أنها مستيقظة مثله، وتلك الذكرى مثل الجمرة تحرق فى جوفها. ماذا لو علم أنها تشعر أن ذلك الـ غيث مازال حيًا، لو أخبرته بذلك سيتأكد من فقدانها لعقله. كادت تشهق وتفضح أنها مستيقظة، حين إقترب منها، يظن أنها نائمة لكنها تشعر كأن جزء من روحها عاد لها، بعدما أخبرته ببعض أفعال ذلك القبيح غيث معها وعرت حقيقة عاشتها كانت خاضعة لجبروت بسببه فقدت الكثير. ربما آن الأوان أن تسترد ثريا نفسها. بينما ضمها لصدره يضع رأسه بعنقه يتنفس، لن يكون مثل عمران ويعيش الندم لاحقًا.
***
بشقة إسماعيل قبل قليل
دخل إسماعيل يشعر بالإنهاك النفسي، يشعر كأن روحه تتألم، يشعر كأنه بلا كيان. تفاجئ بعدم وجود قسمت بالشقة. إستغرب ذلك، ظن أنها ربما مازالت بالأسفل، فكر فى النزول والبحث عنها لكن يشعر بإرهاق. جلس على أحد المقاعد بالردهه وأخرج هاتفه قام بالإتصال على هاتف قسمت. سمع الرنين إلى أن إنتهي دون رد منها. عاود الرنين، لكن هنالك من فتح الخط تفوه إسماعيل بسؤال:
"قسمت أنا فى شقتنا أنتِ فين لدلوقتي؟"
سمع الرد لكن ليس من قسمت بل من والدها الذي قال بتعسف:
"بنتِ عندي فى بيتي يا دكتور مُعززة مُكرمة، لما تبقي ترد لها قيمتها اللى هدرتها عمتك تبقي ترجع، أنا بس سكتت على ما أيام العزاء تخلص، لكن بنتِ مش هترجع لمكان إتهانت فيه."
تنهد إسماعيل قائلًا:
"ممكن تدي الموبايل لـ قسمت."
تعجرف والد قسمت قائلًا:
"قسمت بنتِ وأنا..."
تضايق إسماعيل منه قائلًا بعصبيه:
"بقولك عاوز أكلم قسمت مراتي، أقولك إفتح الإسبيكر عشان تسمع الكلمتين اللى كنت هقولهم لها."
رغم غضب والد قسمت لكن إمتثل وقام بفتح مُكبر الصوت وسمع قول إسماعيل لـ قسمت بنبرة تهديد:
"قسمت أنا إتحملت سخافات كتير من والدك، وانا معرفش إيه اللى حصل وخلاكِ سيبتي بيتي، عالأقل كان قبل ما تمشي تعرفني وأكيد كنت هجيب لك حقك، لكن إنك تمشي بالطريقة دي هقولك كلمة واحدة وراجعي نفسك واللى عاوزاه بعد كده هعمله ليكِ. طول ما والدك متحكم فى قراراتك حياتنا هتدمر، ومن رأيي إننا لسه عالبر والقرار ليك... تصبحي على خير."
لم يقول إسماعيل أكثر من ذلك وأغلق الهاتف وضعه على طاولة أمامه يزفر نفسه بغضب ساحق. كان يتمني أن يجد قسمت تنتظره، ربما نظرة عينيها خففت من ذلك الألم الذي ينتهك قلبه، لكن هي كما العادة تستجيب لرغبة والده. كان يتغاضي سابقًا، لكن الليلة وبهذا الوقت لن يتغاضي، يكفي تنازلات على قسمت الاختيار.
***
بشقة آدم
دلف إلى غرفة النوم، تمدد على الفراش يغمض عينيه يشعر ببؤس. لم يتسنى له رؤية والده للمرة الأخيرة وتوديعه الوداع الأخير. كان غافيًا بسبب إصابته. يشعر بشبه إنهيار داخلي. فتح عينيه حين وضعت حنان يدها على كتفه تشعر ببؤس هي الأخرى وشفقة عليه تسألت:
"آدم هجيب لك بيجامة قوم غير هدومك."
إعتدل جالسًا وطاوعها قام بتبديل ثيابه وعاود يتمدد على الفراش، يغمض عينيه حتى أنه شعر بنوم حنان على الفراش. لكن استغرب حين سمع صوت شهقة خافتة منها. فتح عينيه ونظر نحوها كانت تعطيه ظهرها، جذبها وأدار وجهها له رأى تلك الدموع. شعر بوجع بينما ضمت حنان نفسها له قائله:
"عارفة من يوم ما اتقدمت لي والمصايب نازلة ترف عالعيْلة. هتقول عليّ ضعيفة، كمان نحس زي..."
قاطعها وهو يضمها قويًا قائلًا بإحتياج:
"حنان...."
قاطعته ببكاء وهي بحضنه، كادت تتحدث، لكن هو ضمها بذراعه السليم قبل عنقها. رغم مأساة قلبه لكن تفوه بهدوء:
"مش وقت ضعف يا حنان، بلاش ارجوك انا لغاية دلوقتي مستقوي بيكِ، خديني فى حضنك، ده كل اللى عاوزه دلوقتي... حاسس إني تايه ومش مستوعب ارجوكِ... أنا عرفت اللى عملتيه فى حفظي فى المستشفى، خليكِ كده ده اللى محتاجه."
ضمته حنان قائله بحنان:
"أنا بحبك يا آدم، لو بأيدي كنت بعدت كل الأذى عنك."
ضمه بقوة يضع رأسه على صدرها قائلًا:
"يبقى بلاش كلام فارغ ملوش لازمة."
ضمته بعين دامعة تقول:
"حاضر."
رفع آدم رأسه عن صدرها قبل وجنتها ثم عاد ينام براسه فوق صدرها، ضمته بإبتسامة حنان، وهي تشعر بانفاسه الساخنة التى تخرج من لوعة قلبه. لو بيدها لإنتزعت كل ما سبب له كل هذا الضعف الذي تراه به. بينما هو يريد فقط ضمه تحتويه.
***
صباحًا
كان هنالك بعض النساء لعائلات كبيرة من خارج البلدة جئن لتقديم واجب العزاء بعد إنتهاء الأيام الثلاث حتى يتجنبن الزحام. كان بصحبتهن بعض الرجال، الذي استقبلهم قابيل رغم شعوره الغاضب. خرجت ولاء من المندرة نادت على عدلات وسألتها:
"فين فهيمه."
أجابتها:
"الست فهيمه فى أوضة إيمان بتواسيها."
تهكمت ولاء بسخرية، وتفوهت:
"وفين البومات التلاته."
صمتت عدلات. إستهزأت ولاء قائله:
"طبعًاكل واحد من ولاد عمران نايم فى حضن مراته... أحسن بلاش يستقبلوا الضيوف مش ناقصين شوية أوباش... غوري هاتي قهوة للضيوف."
***
اصرت رحيمه على مغادرة الدار، فقد إنتهي وقت العزاء. طلب من سراج أن يوصلها لمنزلها. بالفعل إصطحبها بالطريق. كان الصمت إلى أن وصلا إلى منزلها فتحت الباب وقالت بأمر:
"تعالى يا سراج..."
دخل خلفها، جلست على أريكة بالردهه، وقامت بالإشارة على فخذها بإشارة فهمها سراج. لبى سريعًا ذهب للنوم على فخذها، ربتت على خصلات شعره قائله:
"ابكي يا سراج هترتاح، بلاش تكتم فى نفسك، عارفك من وإنت صغير، فاكره لما اللى تنشل فى إيديها ولاء ضربتك، مبكتش، انا شوفت عمران يومها مسكتش لها وعطاها كفوفها وقال لها إنه مراعي إنها أخته كان قطع إيديها."
إستغرب سراج ذلك، لكن مازالت دمعته آبية النزول من بين عينيه، لكن شعر ببعض الارتياح وغفى يحاول أخذ هدنة حتى يستعد للعواصف القادمة.
***
بالمركز الرياضي
رغم أن اليوم لا يوجد تمرين للأشبال فهو الأجازة الأسبوعية، لكن لو ظلت بالدار ربما تفقد قلبها من شدة الحزن والوجع على فراق والدها الجائر والمفاجئ بلحظة كيف حدث ذلك. سمعت كثيرًا عن "موت الفجأة" لم تتوقع أن يتعرض أحد قريب منها لذلك وليس أي أحد والدها. كانت إيمان تجلس على أحد المقاعد تبدو شاردة حزينة الوجه. بعد أن تلقت التعازي والمواساة من بعض العاملين، أضجعت بظهرها تضع رأسها على الحائط خلفها، تغمض عينيها. ذكريات وأحاديث لها مع والدها، تمر، ضحكات وإخفاقات. دموع سالت من عينيها بؤسًا. فتحت عينيها حين سمعت:
"البقاء لله، الباقية في حياتك."
إعتدلت جالسة ونظرت إلى تلك اليد الممدودة لها بأحد المحارم الورقية. رفعت رأسها نظرت لوجهه ثم أخذت المحرمة الورقية، جففت دموعها، بينما هو جلس بجوارها يشعر بغصة فى قلبه قوية برؤيتها بهذا الشكل. يعلم قسوة ما تمر به.
ردت عليه بحزن:
"البقاء لله."
صمت لدقائق قبل أن تتحدث إيمان بسؤال:
"إنت مين يا جسار؟"
أجابها ببساطه:
"أنا جسار مدرب الأشبال."
نظرت له بشرز، غضب. إبتسم، فعاودت سؤالها:
"قولت إن سراج يبقى رئيسك."
أجابها وهو ينظر حوله بترقب ثم قال لها:
"مش هينفع نتكلم هنا، هرد على كل أسئلتك بس مش هنا، لو ينفع نطلع بره حتى فى الإستاد بتاع الكورة اللى فى النادي."
أومأت له بموافقة. بعد قليل على ذاك العشب الأخضر الصناعي جلس الاثنان بالمنتصف تقريبًا على مقعدين من البلاستيك. رغم أن البساط الأخضر صناعي لكن اليوم شتوي دافئ بسمش شبه غائبة. بعض الغيوم تسير جوار السحب. بعيدًا عن الأماكن المغلقة، أغمضت إيمان عينيها تتنفس بهدوء ثم فتحت عينيها رأت نظرة جسار لها الذي لم ينكر تلك النظرة. إيمان بجمال خاص وبهاء بثقتها بنفسها لكن كل هذا اليوم كان مطفيًا بسبب الحزن الواضح. لوهلة شعرت بخجل، نظرت أمامها ثم قالت:
"جاوب على سؤالي يا جسار، إنت مين؟"
أجابها بمزح:
"لاول مره أعرف إنك فضوليه."
نظرت له بغضب وكادت تنهض ليس لها مزاج للمجادلة والمناهدة.
مسك يدها قائلًا:
"إقعدي يا إيمان."
نظرت له ثم جلست قائله:
"هتجاوب على سؤالي."
أومأ بموافقه. ثم قال:
"أنا جسار عبد الحميد. ظابط فى الجيش. هنا فى مهمة رسمية ومقدرش أتكلم فى تفاصيلها ولا أقدر أقولك أكتر من كده، ولولا اللى حصل مكنتش هكشف عن حقيقتي قدامك، وأرجوك بلاش نتكلم فى الموضوع ده، لأنه أسرار."
تفهمت إيمان ثم بفضول أو تسرع منها سالته:
"ومراتك وابنك عارفين إنك هنا فى مهمة سرية، وجبتهم بتفسحوا."
نظر لها بإندهاش قائلًا:
"مراتي، وابني! فين دول."
أجابته بتوضيح:
"اللى كانوا هنا فى النادي من فترة."
أومأ لها متفهمًا:
"آه قصدك على اللى كانوا هنا... بس دول لا مراتى ولا ابني... دي مرات أخويا وابنه.. هو بيشتغل مهندس فى الامارات وكنا فى فترة أجازة وجت تغير جو مش أكتر."
إستغربت إيمان بتسرع قائله:
"بس أنا سمعته الولد بيقولك يا بابا."
أجابها ببسمة طفيفة:
"هو فعلًا بيقولى كده، يمكن لانى الاقرب له من باباه اللى مسافر."
تفهمت إيمان ثم صمتت. بينما تفوه جسار بغباء:
"اللى زيي كان مستحيل يفكر فى بيت وأسرة وأطفال، لأني معرض للإستشهاد فى أي عملية بدخل فيها، إنتِ شوفتي على الطبيعة جزء مشابه باللى بيحصل، فى لحظة ممكن رصاصة تصيبني فى مقتل... ليه أدمر حياة إنسانة تانية معايا."
نظرت له بغضب قائله:
"كل شئ قدر، واللى مكتوب للإنسان هيشوفه وليه مش تتفائل، وسراج أهو متجوز."
أجابها:
"مش حكاية تفاؤل او تشاؤم بس دى حقيقة، كمان انا قولت كان مستحيل، سراج كمان كان زيي كده، بس الوقت بيغير، زي ما أنا فكرتي إتغيرت."
نظرت له بإستفهام فأجابها قبل أن تسأل:
"أنا مؤمن بالقدر اللى جابني هنا وفى لحظة حطك قدامي فى الخطر، وفـ لحظة مهتمتش بسرية المهمة اللى أنا هنا عشانها وإدخلت وظهرت حقيقتي قدامك."
نظرت له بعدم فهم وضيقت بين حاجبيها سأله:
"مش فاهمه قصدك إيه."
تنهد يستنشق الهواء البارد قائلًا:
"كل شئ هتفهميه فى وقته... واضح إن السما غيمت وناوية تمطر أنا بقول ندخل جوه."
أومأت له بموافقة، كادت تحمل الكرسي، لكن سبقها قائلًا:
"أنا اللى جبتهم يبقى أنا اللى ادخلهم، دول عُهدة على مدير المركز."
أومأت مبتسمة، سارت جواره كل منهم ينبض قلبه ربما جلسة هادئة صفت ما بقلبهم البائس.
***
ليلًا
بأحد فنادق أسيوط الفخمة، وقفت أمام باب إحد الغرف وقامت بإرسال رسالة:
"أنا قدام باب الاوضة"
سُرعان ما فُتح باب الغرفة، دخلت مباشرةً، بينما الآخر نظر يمينًا ويسارًا بالممر وتأكد من خلوه من المارة ثم دخل وأغلق الباب. نظر أمامه لتلك التى نزعت ذلك النقاب عن وجهها، تنظر له بثقة، تبدلت حين نهرها بغضب قائلًا:
"إيه اللى جابك دلوقتى يا ولاء، سبق وقولتلك ممنوع تتصلي عليا غير عالرقم اللى قولتلك عليه... مش كفاية الغلطات والمصايب بتاعتك الاخيرة بلاش تستفزي غضبي."
تحولت الثقة إلى قلق نظر لها بحسم قائلًا:
"عرفتي مين اللى سرق الآثار، كمان مين اللى اللى عمل الهجوم اللى حصل عالجواز انا قولت سراج يتقتل، اللى حصل فى الفترة الأخيرة يدل إن قوتك خلاص إنتهت، وبحذرك لآخر مرة لو الآثار مظهرتش يبقي بتكتبي نهايتك."
***
بشقة سراج
إستغرب عدم رجوع ثريا إلى المنزل لهذا الوقت، فقد إقتربت من العاشرة مساءًا. بإرهاق توجه إلى غرفة النوم سيتحمم وبعدها إن لم تعود ثريا سيهاتفها. دخل إلى الغرفه أشعل الضوء ودلف ببطء لكن لفت انتباهه ذلك المغلف الموضوع على الفراش. بفضول ذهب نحوه وقام بفتحه. إنذهل وهو يقرأ تلك الورقة، كأن الإرهاق زال عنه، وبلا تفكير أخذ الورقة والمغلف وخرج. دقائق كان يدخل من باب تلك الغرفة بمنزل والدة ثريا، المكتب الخاص بها.
بينما قبل دقائق إنتهت تلك المرأة من سرد قضيتها لـ ثريا وغادرت. لدقيقة فكرت برد فعل سراج حين يقرأ محتوى ذلك المغلف، ربما يهدأ وتنتهي لعنته بها. لكن نفضت عن رأسها حين صدح هاتفها، نظرت له بترقب أن يكون سراج هو المتصل لكن كان رقمًا غير مسجل. كعادتها تغاضت الرد. لكن عاود الصدوح لكن بصوت رسالة قبل أن تفتح الهاتف وتقرأ الرسالة. سمعت صوت إغلاق باب المكتب الخارجي، ثم ذلك الباب الآخر المتصل بالمنزل. رفعت رأسها تفاجئت بإقتحام سراج للمكتب، وقفت مذهولة من إغلاقه للبابين، قبل أن تتحدث ألقى أمامها ذلك المغلف سائلًا:
"إيه ده يا ثريا."
نظرت إلى المغلف ثم إلى سراج وصمتت للحظات ثم قالت بهدوء:
"ده تنازل عن الأرض يا سراج."
إقترب منها بخطوات سريعة قائلًا:
"ما أنا عارف إنه تنازل عن الأرض، الورقة التانية فيها إيه؟"
أجابته:
"تنازل عن جميع مستحقاتي عندك، يعني..."
جذبها من عضدي يديها بقوة لتصطدم بصدره وبسرعة كان يُقبلها بقوة كادت تزهق روحهما الاثنتين. ترك سراج شفاها، وقف يلتقطا انفاسهما. عينيهما تنظران لبعضهما. قبل أن تهدأ أنفاس سراج قام بدفعها بقوة، عادت للخلف تصتدم بالمكتب، قائلًا:
"أنا فاهم قصدك إيه بده يا ثريا."
أجابته بلهاث:
"أنت كان غرضك الأرض من البداية وانا برجعها لك يبقى..."
قاطعها بإستهزاء مؤلم:
"مفكرة إن كان صعب أسترد الأرض سبق وقولتلك بجرة ألم، تعرفي أنا متأكد إن غيث مكملش جوازه منه، هو عيشك الوهم ومش بس حرق فخدك، ده حرق عقلك وروحك، إنتِ ضعيفة يا ثريا، وأسهل شئ عندك الإنهزام والإستسلام."
ضغط بقوة على نقطة ضعفها، نظرت له بأسي وسالت دموع عينيها قائله بإستسلام:
"أنا فعلًا كده يا سراج مُنهزمة وضعيفة، بس مش بأيدي، ده قدر إتفرض عليا."
تهكم ساخرًا بعصبيه قائلًا:
"مفيش حاجة إسمها قدر، فى حاجة إسمها تمرد عالواقع، لكن إنتِ أسهل شئ عندك...."
توقف عن بقية إيلامه لها ينظر لها بـ «غضب سحيق».
رواية عشقت طالبتي الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم منار حسين
تفوه سراح محاولًا إثارة إستفزازها وهو يقوم بتمزيق ذلك المغلف بما يحتويه قائلًا:
من كام شهر قطعتي قدامي الشيك والتنازل قولت شُجاعة لكن كنت غلطان يا ثريا إنتِ اللى بتسمحي لنفسك بالإنهزام... بالإنسحاب، لأنك عاوزة كده وترجعي تقولي الظروف هي اللى جبرتك، لاء الحقيقة إنتِ جبانه يا ثريا... بتستسلمي بمزاجك، عايشه هلاوس كفيلة تدمر حياتك، متأكد غيث وهمك...
اصاب سراج إستفزازها إنتهت من التحمُل
ذهبت نحوه تقوم دفعته بقوة بصدره،
قاطعته بحِده تتحدث كآنها بآلم ينزف من روحها تشعر بإنهيار:
لاه، إنت يا سراج متعرفش اللى مريت بيه فى حياتي، إنت كنت مُدلل، كل اللى بتحتاجه بتوفر لك، إبن عمران العوامري مش زي بنت الحناوي، العامل البسيط اللى كان عايشها يوم بيوم... أنا كان كل اللى بتمناه هو أعيش مطمنة وراحة بال، مفيش حاجه تتفرض عليا وأوافق غصب، أعيش مع إنسان معدوم الأخلاق... غيث حاول يغتصبني مرات، وفى الآخر أنا سلمته نفسي بإرادتى، هددني أرجع معاه وأقبل بيه زي ما هو عاوز سادي خاين شوفته بتلذذ خيانته قدام عيني، إتحملت اللى مفيش ست تتحمله، خوفت غيري يتأذي بذنبي... ياريت كنت سيبتني أموت يا سراج يمكن كنت إرتاحت.
إقترب سراج منها يشعر بآلم ينزع روحه، هل تعتقد أنه أقل منها عذابً، لا تعلم أنه حين يشعر بالإحتياج كان يذهب الى قبر والدته، التى تُشبه ثريا كثيرًا فى الظروف، الإثنين تجمعهم صفات الضعف والإستسلام وقبول الإنهزام... حاول ضمها لكن ثريا عادت للخلف لكن لم يُبالي جذبها عنوة وكاد يضمها لكن هي شعرت بعدم قدرتها على الوقوف على قدميها جلست ارضًا راكعة تبكي،
دنى سراج لمستواها وضمها قائلًا بصدق:
وأنا بحبك يا ثريا، ومستحيل أتخلى عنك غير فى حالة واحدة، إنك تنطفي وتقولى لى "بكرهك"... بصي فى عينيا وإنطقيها يا ثريا...
رفعت وجهها الغارق بالدموع ونظرت لعينيه شفتيها ترتعش وتفوهت بعناد عكس مشاعر قلبها:
سبق وقولتلك.....
لكن قبل أن تنطقها قاطعها سراج وضمها قويًا يضم شِفاها بين شفتيه يُقبلها بإحتجاج وإجتياح، قُبلة كان مذاقها مالحً ترك شِفاها حين إحتاجا للتنفس، لحظة وعاد يُقبلها مره أخري، ثم ضعفت ضمته لها وإرتخت يدها وتركها راكعه ونهض واقفًا ينظر لها بتحدي قائلًا:
دي مش قُبلة وداع يا ثريا.
لم ينتظر وغادر يصفق خلفه باب المكتب الخارجي، الذي إرتج وإنغلق عليها، نظرت نحو ذلك الباب، لأول مره تشعر أنها ذات قيمة، تبسمت بدموع غير مهزومة.
❈-❈-❈
بذلك الفُندق
شعرت ولاء بالتوجس وإقشعرت للحظات قبل أن تقول بتبرير ترمي الفشل على غيرها:
مهمة قتل سراج كانت لـ قابيل وكان المفروض ...
قاطعها بغضب ساحق:
مهمة قابيل أو غيره فى النهايه المهمه فشلت وإنتِ المسؤوله قدامي، كمان اللى حصل فى الفرح كان غلطك...
أجابته بتسرع:
اللى حصل مش من تخطيط قابيل هو قالي إن مش هو اللى كان ورا الهجوم ده... هو بعت واحد يقتل سراج.
ضحك بإستهزاء:
كمان متعرفيش مين اللى ورا الهجوم اللى حصل، ليه شبح اللى بيطاردنا، لازم تعرفي مين الشخص ده، لو مكنش حادثة هجوم الفرح كنت قولت سراج هو اللى إستولى على الأثار وبيلاعبنا عشان يكشفنا، لكن الهجوم اللى حصل غير الفكرة.. ودلوقتي لازم نخلص من سراج، موت سراج هينيم الحكومه عن هنا ونرجع نشتغل براحتنا تاني، فى أكتر من عملية هتم الفترة الجايه وعاوز تركيز وكمان هدوء سواء من الجيش أو الشرطة.
إزدردت ريقها بتوجس ثم سألت:
قابيل من وقت رجوع سراج لهنا كان عاوز يقتله وأنا لما سألتك قولت لي: لاء، ليه دلوق عاوزه يتقتل.
زفر نفسه بغضب ساحق قائلًا:
كان عندي أمل أنه يرجع لـ تالين وقتها كان ممكن أعرف أسيطر عليه وأو أعرف منه معلومات تفيدنا، لكن هو إختار حتة بنت حقيرة مش فى مستوي بنتِ وفضلها عليها غير إنه قهر قلبها، وبنتِ قهرتها غاليه عندي، نفذي اللى قولتلك عليه، سراج يتقتل فى أقرب وقت وكمان تعرفي مين الشبح الخفي اللى ورا المصايب الأخيرة، ودلوقتي يلا إمشي ولما أحتاجك أو أعوز أبلغك أي معلومة.
بسرعه عاودت وضعت ذاك النقاب وإلتحفت بهبينما توجه الآخر الى باب الغرفة فتحه ونظر الى الممر كان خاويًا، دلف نحوها وأماء برأسه ان تغادر سُرعان ما خرجت تسير بتسرع غير منتبه لذلك الذي كان مثل الثعلب يُباري فريسته منذ أن خرجت من دار زوجها الى أن وصلت الى هنا، حتى الى أن غادرت، نظر الى هاتفه وسُرعان ما تبسم بإنتصار:
أخيرًا عرفت مين الراس الكبيرة، "سيادة اللواء عادل عبد الغفار" إزاي فاتت عليا دي قبل كده ده كان هيبقي نسيب عمران العوامري، وحما سيادة الضابط سراج باشا.
ضحك بخباثه وإستهزاء يمدح ذكاؤه الذي بدأ يجني ثماره، فلقد اصبح بدرايه عن هوية من يقود ولاء بل يقوم بحمايتها.
ولاء... قابيل... سراج... ماذا لو علم سراج أنه من عائلة متشعبة الإجرام.. لا يعلم من كان الأول... لكن ولاء كان لها نظرة خبيثة إستطاعت تطويعه هو وقابيل معها... إستغلت نزة الشر والشهوات وحُب السُلطة والسطوة لديهم.
❈-❈-❈
بعد مرور عِدة أيام
بالمشفى
أنهى إسماعيل ذلك الكشف الطبي وذهب الى مكتبه يقوم بتدوين أسباب وفاة ذلك الشخص
أثناء ذلك سمع صوت طرق على باب الغرفه سمح بالدخول، رفع نظره عن ذلك ونظر نحو الباب، سُرعان ما خفق قلبه لكن تمثل بالبرود قائلًا:
خير يا دكتورة أي خدمة أقدر أقدمها لك....
من نبرة صوته شعرت بالتوتر وهي تنظر له بعشق وإشتياق لكن إنحشر صوتها... تذمر إسماعيل ببرود قائلًا:
من فضلك أنا مش فاضي وقتي...
قاطعته بتسرع وحشرجة صوت:
وحشتني يا إسماعيل.
خفق قلبه، لكن أخفي مشاعره خلف تصنُع البرود قائلًا وهو ينظر لها بحنق:
بجد... واضح إنك فاضيه وجايه تتسلي، وأنا زي ما إنتِ شايفه ورايا تقارير لازم تتسلم، جثث بني آدمين لازم تنكرم وتروح لمثواها عشان أصحابها يخدوا العزا، ويتفاجئوا بعد كده إن اللى دفنوه أغلي من العايشين قريبين منه.
فهمت تصريحه الواضح، شعرت بخزي، هي حقًا غاب عقلها فى لحظة وإمتثلت لرغبة والدها ونسيت قيمة حُزنه ووجعه لفراق والده بهذه الطريقه الشنعاء، ما كان عليها الإستماع الى والدها بهذا الشآن حقًا تلك الوضيعة عمته تطاولت عليها لكن كان لابد ان لا تُعطي لحديثها أهميه بهذا الوقت العصيب... وكان عليها البقاء جوار زوجها تواسيه، لكن هي أخطأت، والدليل مجيئها إليه وتخليها عن الكبرياء، بعد أن تجاهل إتصالاتها الهاتفيه ورسائلها التى كانت تُرسلها له بالايام الماضيه... تحاملت على نفسها وإقتربت من مكان جلوسه وإنحنت تمسك يدهُ تنظر ألى وجهه وكادت تتحدث، لكن إسماعيل نهض وقفًا وسحب يدهُ منها بقوة وقبل أن يتحدث سمع طرقًا على باب الغرفه، لم يهتم بوجودها دلف أحد العاملين نظر نحو إسماعيل قائلًا:
فى جثة وصلت المشرحة والنيابة عاوزة تقرير سبب الوفاة بأقصي سرعة.
نهض إسماعيل قائلًا:
تمام أنا جاي وراك.
غادر العامل، نظر إسماعيل لـ قسمت قائلًا:
نأجل كلامنا يا دكتورة زي ما أنتِ شايفه، عن إذنك... إبقى أقفلي الباب وراكِ وإنت خارجه.
غادر إسماعيل بينما فرت الدمعة من عيني قسمت آسفًا وندمً لكن لن تيأس ولن تستسلم.
❈-❈-❈
بتلك البقالة
تبسم فتحي لـ ممدوح الذي أقبل عليه يُلقي التحية، ردها عليه ثم سأله:
جاي منين دلوق.
أجابه ممدوح:
إتأخرت فى المدرسة عشان تجهيزات امتحانات نص السنه قربت.
إبتسم له فتحي قائلًا:
آه فعلًا، دي رغد بتذاكر لأخوها بقالها يومين، كويس إنه هيخلص إمتحانات قبل ما هي تمتحن.
أومأ ممدوح قائلًا:
بدل ما تعطل نفسها عن المذاكرة إبعتوا ليا وانا أذاكر له وهي تركز فى دراستها.
وضع فتحي يده على كتف ممدوح قائلًا:
كتر خيرك يا ولدي، شوف مواعيدك فاضي ميتي، وأنا لما أرجع الدار هقوله.
أومأ ممدوح موافقًابنفس الوقت آتت سيدة الى البقالة تُلقى السلام، رد عليها الإثنين، إبتسم لها فتحي بقبول وهي تقترب منه بعشم قائله:
ها يا حج فتحي، أم رغد جالتلى إنك هترد علي طلبي.
نظر فتحي نحو ممدوح الذي تجنبوا عنه قليلًا، ثم أجابها بهدوء:
إنتِ عارفة إن رغد فى الجامعه والفترة الجايه هتمتحن إمتحانات نص السنه وانا مش عاوز أشغل عقلها بالموضوع ده دلوق لحد ما تخلص الإمتحانات.
تهكمت السيدة قائله:
والموضوع ده هيشغل عقلها ليه، الموضوع لسه هيبجي مجرد خطوبه لحد ما تخلص السنه و...
قاطعها فتحي قائلًا:
مش هيجري حاچه لو أجلنا الموضوع كام يوم.
تذمرت السيدة قائله:
لو هى رافضه قول، بس هتلاقي أحسن من ولدي... ده بيشتغل فى قطر والحمد لله ربنا رازقه من وسع.
أجابها فتحي:
ربنا يزود رزقه، ومش هيجري حاچه لو أجلنا الموضوع، بس عشان تركز وعقلها مينشغلش، واللى فيه الخير ربنا يقدمه.
زفرت السيدة نفسها بضجر وأومأت راسها بحنق:
وماله مش هتفرق كام يوم، عن إذنك هرجع داري سايبه الصنايعيه بيركبوا النجف فى الشقه.
أومأ له وهي تغادر ثم تنهد بإرتياح، عاود يقترب من ممدوح عن قصد قائلًا:
الحمد لله الست ربنا هداها ومشيت.
لم يكُن ممدوح يُركز جيدًا وظن انها تود منه بضاعة، فسأله:
هي كانت عاوزه إيه؟.
عن قصد أجابه فتحي:
جايه طالبه يد رغد لولدها.
تحشرج صوت ممدوح سائلًا بتوجس وترقُب:
وإنت وافقت؟.
أجابه فتحي بلؤم مُترقبًا:
قولت لها تديني مدة لحد ما رغد تخلص إمتحانات نص السنه.
تحشرج صوت ممدوح بتسرع سائلًا:
يعني هتوافق.
ببسمه خاصه أجابه:
مش مهم أنا اوافق المهم صاحبة الشأن هي اللى تقرر... وأنا لسه مقولتلهاش مستني تخلص إمتحانتاها.
شعر ممدوح بغصة فى قلبه... بينما تبسم فتحي بخفاء.. وتأكد من حدسه، لكن لابد أن ينطق ممدوح... بعد قليل بمنزل ممدوح بغرفته تمدد فوق الفراش يشعر بغصة قوية فى قلبه يفكر بعقله يشعر بالخسارة والإستقلال من شآن نفسه حتى وإن كان أصبح مُدرسً بمدرسة ذو مكانة لكنه مازال ببداية الطريق، والعريس الآخر له مُميزات منها شقه خاصه به بمنزل والده، هو ليس لديه ذلك، يعيش بمنزل مع والدته دور واحد يعيشان به معًا، المقارنه خاسرة والقلب يعيش الأسي يخشى سقوطه فى المقارنة.
❈-❈-❈
بـ دار ولاء
كانت تستشيط غيظًا وهي تجلس مع إيناس تنظر لها بعقلها تنعتها بالبلهاء بسبب غيرتها المفضوحة وعقدة النقص التى أصبحت تُسيطر عليها، وضعت الخادمة صنية القهوة ثم غادرت بنفس الوقت جاء قابيل... جلس معهن فى البداية شعر بشمت فى ولاء فهي تقريبًا خلال بضع أيام فقدت جزء كبير من مكانتها وسط العائله، وربما فقدتها كلها هي من كانت ذات الشآن، وذات القيمة العالية، العقل الراجح ، لها مشورة بكل شئ يخص العائله، لكن بعد أن تولى سراج هو شؤون العائله لا يُعطيها قيمة مثلما كان يفعل عمران، كلمته واحدة دون رجوع لأحد، كذالك ما حدث بليلة مقتل عمران والعائلة فقدت الكثير من الأشخاص، عمران كان ضعيف عكس سراج كلمته نافذة بوقت قصير أيام معدودة إستجمع العائله قبل أن تتشتت، رغم شعوره بالغِيرة والحقد... من مكانة سراج الذي كان هو الأحق بها، لكن يخفف من ذلك أن سراج عكس عمران لا يعطي مكانه لتلك الصفيقة المُتعالية الوضيعة، جلس بالمقابل لها يتذكر قبل أيام ليلة مقتل عمران حين أخذته وخرجت الى أحد الاماكن المُظلمة بالحديقة وصفعته على وجهه وحدثته بإستهجان:
قولت لك تجتل سراج، إيه الغباء اللى إنت عملته ده.
وضع يده على مكان الصفعة ينظر لها مثل الذئب الغاضب بصعوبة سيطر علي غضبه وهو يقبض على يديه كي لا ينهش وجهها فى الحال، وتفوة بغضب:
مش أنا اللي خططت للهجوم ده.
نظرتها كانت غير مُصدقة، بغضب تفوهت:
ولما مش إنت يبقى مين؟.
اجابها ببساطه زادت من غضبها:
معرفش مين، ممكن يكون الشبح اللى سرق الاثار من المخزن، أنا كنت مأجر مجرم يقتل سراج، لكن الهجوم مش من تخطيطي.
فزعت قائله بسؤال:
ومين الشبح الخفي ده وإيه مصلحته فى الهجوم اللى حصل... إنت لازمن تعرف مين الشبح ده.
أومأ لها براسه غاضبًا من تلك الصفعه يحلف ذات يوم سيردها صفعات... كان هدفه مثل غيره يود معرفة من هو الشخص الذي يساندها ويعطيها معلومات تُدير بها هؤلاء الرجال الاشقياء، وأصبح هو الآخر يعلم هوية ذلك الشخص، بعدما راقبها تلك الليله وذهب خلفها كظلها... لمعت عينيه بدهاء وهو يتخيل بعدما يتخلص من سراج سيأخذ ليس فقط مكانته وسط العائله ويفوز بـ "الثريا" من ثم سيفضي لها ويرد صفعاتها بأن يأخذ مكانتها هي الأخري لو وصل به الامر بقتلها لن يتردد، وكذلك سيتخلص من بلهاء حياته "إيناس" يضعها مشفى عقلي يُطيح بالباقى من عقلها...
فى ذلك الأثناء صدح هاتف إيناس نظرت له ثم نظرت حولها بترقب ثم نهضت قائله:
ده الجواهرجي كنت موصياه على طقم دهبه طلع ارد عليه من الجنينه الجو فيه هوا جامد والشبكه إهنه بتقطع.
بالفعل وقع بصر قابيل على شاشة هاتف إيناس وقرأ هوية المتصل... خرجت إيناس وتركتهم معًا، تبادل الإثنين النظرات فيما بينهم، نظرات حارقه، مليئه بالبُغض لكليهما... بينما إيناس خرجت الى الحديقة قامت بالرد وتبسمت حين أخبرها الجواهري قائلًا:
كل اللى أمرتي بيه أنا عملته هستني تشرفيني وتاخديه.
ردت ببرود ونبرة تعالي:
تمام بكره آخر النهار هاجي أشوفه، بس لو طلع مش نفس اللى على ذوقي مش...
قاطعها بتأكيد:
لاء متأكد هيعجبك أوي.
-تمام.
بنفس الوقت رأت حنان وهي تسير نحو الخارج، لاحظت بطنها المُنتفخة قليلًا.. التي بدأ يظهر عليها علامات الحمل شعرت بغضب من ذلك وهي تضع يديها فوق بطنها تشعر بخواء، كأن أنوثتها إنتهت، ثار عقلها، لكن سُرعان ما ضحكت وهي تتذكر ثريا التى علمت بوجود خِلاف بينها وبين سراج وأنها تركت المنزل وسط توقع بطلاقهما قريبًا، هذه المرة ستخرج من العائلة خالية الوفاض.
❈-❈-❈
أمام والد حفظي
رغم عدم رغبة حنان لكن والدتها أصرت عليها من باب المودة والذوق زيارة زوجة عمها المريضة، إمتثلت غصبًا رغم معرفتها بطباع زوجة عمها التى داىمًا تقوم بتشيجع حفظي حتى وهي على علم انه مُخطئ لا تنصحه ابدًا بل تتغاضي، حتى عن قسوته مع أخواته البنات الاتي شبه قاطعن والدتهن بسبب فظاظته معهن لا تُبالي بذلك هو الاهم عندها، حتى أخيه الآخر لا تهتم به وهو الآخر كآن إستهواه ذلك وبعد عن هنا إختار ان يعيش بعيدًا إمتثلت لقول والدتها"زيارة المريض صدقة" ذهبن فتحت لهن الخادمة باب المنزل وإستقبلتهن ودخلن الى غرفة الضيوف... تعمدت والدة حفظي تركهن لوقت، شعرت حنان بالضيق والضجر وكادت تنهض وهي تقول بغضب:
شايفه يا ماما أهز سمعت كلامك وجينا نزور مرات عمي وهي سيبانا هنه ومش معبرنا، قومي يلا نمشي وبعد كده...
قاطعتها زوجة عمها التى دلفت ببطئ تشعر بكُره ناحية حنان وتتفوه بنزق:
بعد إكده إيه يا جباحتك بدل ما تحسي بالخزي من اللى عملتيه.
نظرت حنان لها بغضب قائله:
عملت إيه يا مرات عمي.
نظرت بلوم لـ حنان وهي تشعر بحقد حين وقع بصرها على بطنها المُنتفخة قليلًا، وقالت بإستهجان:
عمك مات بسببك بعد ما إتحسر وهو شايف حفظي فى غيبوبه، وياريت إكده بس... لاء كمان شلفطتي وش ابن عمك، عشان خاطر حبيب القلب اللى...
قاطعها حنان بغضب:
فعلا آدم حبيب قلبي وهدافع عنه، وحفظي ولدك ده إنتِ السبب فى فشله وأنه من غير أخلاق ويبطل يطارد ست متجوزة، تعرفي حتى لو مكنتش بحب آدم عمري ما كنت هقبل اتجوز من حفظي كان عندي الموت أرحم من انى اتجوز، إنسان معدوم الاخلاق..
توقفت حنان عن بقية إستهجانها بعدما سمعت صوت تصفيق، نظرت نحوه وهو يُظهر انيابه يصقها بغيظ قائلًا:
برافو يا بِت عمي، قويتي وبقي...
قاطعته بحده وغضب:
طول عمري قويه، سكوتي عن تحرشك بيا قبل كده مكنش خوف منك قد ما كان خوف على مشاعر عمي وإنى أجيب خلاف بينه وبين أبوي، فوق لنفسك يا حفظي قبل فوات الآوان وبحذرك لو قربت من آدم او إتصاب بخدش مش هفكر المره دي اشوه وشك هقتلك بدم بارد وإنسي إننا ولاد عم.
قالت هذا ولم تنتظر ذهبت نحو باب الغرفه كي تغادر لكن حفظي لوهله كاد يقطع طريقها، نظرت له بغضب وقامت بإلتقاط إحد التحف الكيريستاليه ودفعتها نحوه مما سبب له هلع وعاد للخلف، فأنزاح من أمامها عدت من جواره دون مبالاة، بينما أندهشت والدة حفظي من قول وفعل حنان، حنان تلك التى كانت خاضعة حين كانت بكنف والدها تبدلت بأخري شرسة، لكن زاد الغِل فى قلب حفظي، يتوعد بهزيمتها عن قريب وستدفع ثمن ذلك مضاعف.
❈-❈-❈
بـ دار عُمران العوامري
بغرفة إيمان
كانت تنكب على إحد الكُتب الخاصه بالدراسة شعرت بإرهاق وملل من ذلك، لأكثر من يوم تستمر على مُطالعة الكُتب فقط حتى شبه لا تخرج من غرفتها... أزاحت الكتاب جانبًا تزفر نفسها بقوة، عاود شعور الحزن لقلبها وهي تتذكر كلمات عمران الأخيرة وقسوة الفراق التى تشعر بها وتحاول إخفائها من أجل والدتها كي لا تزيد من حُزنها... دوامة حزن ودموع تسيل... أخرجها من ذلك صوت هاتفها جذبت محرمه ورقيه وجففت دموعها ونظرت الى شاشة الهاتف، خفق قلبها حين قرات إسم جسار.. جلت صوتها من إختناق البكاء، وقامت بالرد بعد السلام بينهم تفوه بسؤال:
بقالك كم يوم مش بتجي لمركز الشباب لعله خير.
اجابته:
عندي إمتحانات خلاص الفترة الجايه ولازم اركز دي آخر سنه ليا وعاوزه أتخرج بتقدير عالي زي السنين اللى فاتت زي ما وعدت أبوي.
شعر بإختناق صوتها بالدموع حين جائت سيرة والدها، شعر بغصة، وحاول تشجيعها والتخفيف عنها قائلًا:
إن شاء الله هتتخرجي بتقدير عالي، بس عاوز أعرف بعد ما تتخرجي ناويه تشتغلي معيدة فى الجامعه.
فكرت قليلًا لاول مره يطرق على راسها ذلك لم تخطط لشئ بعد ان تتخرج، سوا أنها ستتفرغ لممارسة رياضة الكارتيه مع أشبال مركز الشباب... أجابته:
مش عارفه انا مخططتش إنى أكون معيدة فى الجامعه،
توقفت للحظه ثم قالت:
ممكن أقدم فى اكاديمية الشرطة النسائيه وأخد منحه وبعدها هبقي ظابطة شرطة.
ضحك بمرح قائلًا:
هتبقي زميله يعني، أهو الشرطة والجيش فى خدمة الشعب.
تبسمت وزال غمها، دار بينهم حديث مُتشعب خفف عنها، ومشاعر جديدة وبداية تنجرف لها المشاعر فى طريق الإتفاق بعد الخناق،
❈-❈-❈
ليلًابالمكتب الخاص بـ ثريا
كانت تجلس وكالعادة الباب الخارجي مفتوح، إبتسمت حين دخل عليها إحد الزبائن، جلست معه تستفهم عن قضيته الى أن إنتهت الجلسة وغادر وظلت هي بالمكتب تعكف على دراسة تلك القضية غير منتبه لبعض الوقت، لكن رفعت رأسها حين سمعت صوت شئ قُذف بالمكتب من الخارج، نظرت نحوه، رأت مُغلف صغير، أثار فضولها بسبب الصوت الحاد الذي أصدره ذلك المغلف، كذالك شعرت بخضه، نهضت من خلف المكتب وذهبت نحو ذلك المغلف إنحنت تلتقطه، رجف قلبها حين تحسست المغلف، وإرتعشت يدها وهي تقوم بفتحه للتأكد من محتواه، كما توقعت الصوت الحاد كان بسبب تلك الرصاصة التى كانت بالمغلف، بيد مرتعشه جذبت تلك الورقه المُرفقة... فتحتها سُرعان ما فقدت الشعور بيديها ووقعت منها الورقه والمُغلف أرضًا تشعر بإنعدام للحظات قبل أن يصدح هاتفها وتعود للوعي تنظر نحو هاتفها الموضوع فوق المكتب، بأرجل مُرتعشه سارت نحو المكتب جذبت الهاتف تنظر لشاشته، زاد الرعب فى قلبها، ذلك الرقم الذي يُرسل لها منه رسائل قذرة بها بعض الألفاظ الدنيئه والوقحه كذالك بعض التهديد، إرتجف جسدها هلعًا، بصعوبه سارت نحو باب المكتب الجارجي وقامت بإغلاقه ولم تستطيع الوقوف إنهارت جالسه خلفه تضع يدها على صدرها تحاول تهدئة انفاسها المتلاحقه، لسوء الحظ وبسبب دخول الهواء الى المكتب سابقًا إنجرفت تلك الورقه التى كانت بالمغلف وأصبحت امام يدها الاخري، لمع الضوء عليها يبرز تلك الكلمه المكتوبه بالدم"سراج" سالت دمعة عينيها المغشيه التى نظرت نحو المُغلف الذي مازال بداخله الرصاصة... زاد الهلع وإنتفض جسدها حين صدح رنين الهاتف مره أخري، لكن لم تستطيع النهوض من مكانها وظلت جاثيه أرضًا يخفق قلبها وتتسارع دموع عينيها.... أصبحت على يقين "غيث" مازال حيًا، وأصبح قريب للغاية، لكن لم تخاف على نفسها، خافت على سراج فالتهديد له... لكن إزداد الهلع بقلبها حين شعرت بمحاولة لفتح باب المكتب التى تجلس خلفه.
❈-❈-❈
قبل لحظات بمكان قريب من منزل والدة ثريا
صعد ذلك الشخص الى تلك السيارة التى كانت تنتظر، ازاح عن وجهه تلك التلثيمه يلهث، يلتقط نفسه ثم نظر بظفر الى ذلك الجالس قائلًا:
تم يا باشا رميت الظرف فى قلب المكتب... ومحدش شافني.
تبسم له بعين ثعلب تلمع يمد يده بمغلف آخر قائلًا:
عفارم عليك، خُد ده اتعابك، ودلوقتي إنزل من العربيه ولما أحتاجك هتصل عليك.
لمعت عين ذلك الشخص وأخذ المغلف فتحه ونظر بداخله ثم سرعان ما لمعت عينيه بطمع قائلًا بترغيب:
وأنا تحت أمرك يا باشا أي وقت إتصل عليا.
أومأ له فغادر السيارة، بينما لمعت أنياب ذلك الجالس بالسيارة وحسم أمره يتقدم بالسيارة خطوات نحو هدفه الذي أصابه بالذعر.
❈-❈-❈
بـ دار العوامري، بغرفة نوم سراج القديمة
مرت أيام إمتثل لرغبة ثريا يُعطيها وقتًا كي تتغلب على ذلك الشعور بالضعف والإنهزام عليها هي إستراد ثقتها ومحاربة ضعفها ومواجهة هزائمها كي تنتصر... لكن الشوق يتغلب علي قلبه، ينظر الى الوسادى جواره، كم شاركته من ليالى بهذه الغرفة، هنا كان أول قُبلة، أول لقاء حميمي تم بينهما، وما تبعه من مشاعر كانت غير معلومة، إشتياق لقُبلات ومشاعر حميمية كان يظنها مجرد مشاعر ورغبات يستطيع كبتها ، إكتشف مذاقها المُختلط، وإستطعمها بقبول بل بإشتياق، الليله بل الليالي الماضيه، فراشه خاوي جواره، حتى الشقه لم يستسيغ البقاء بها... أشواق وتوق وحنين تجعله يغمض عيناه كآنه عاد مثل الصبيان يقع بالغرام لاول مره، فتح عيناه ينظر الى تلك الوسادة الخاليه جواره لا هي موجودة ولا ملامحها مرسومه مثلما كان يسمع، لكن ذكري خلف أخري معها هنا تمر، إبتسامات تئن بالقلب بين وداعه منها وعِصيانأين هي الليله ليتها موجوده تُشعل قلبه بالعِصيان المحبب له...
فاق من ذلك على صوت رنين هاتفه نظر نحوه وجذبه نظر الشاشه، سُرعان ما إعتدل فى الفراش وقام بالرد لينهي الإتصال قائلًا:
جاي حالًا مسافة السكة
نهض من فوق الفراش سريعًا بدل ثيابه بأخري وخرج من الدار، صعد الى سيارته لكن فتح أحد الادراج تاكد من وجود سلاح بالسيارة قبل أن يقود السيارة يستشعر أنه لا يسير«بطريق خاوي»
رواية عشقت طالبتي الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم منار حسين
خوف... رعب... بل هلع.
صوت اهتزاز الباب جعل قلبها يكاد يخرج من بين ضلوعها. كان ذلك الدق الخفيف يقرع مثل الطبول بقلبها، يسبب لها ارتياب ورعشة قوية في سائر جسدها الذي شبه تخدر وهي جالسة خلفه.
في نفس الوقت، زاد الهلع مع رنين الهاتف. لم تستطع النهوض، ظلت جالسة بصعوبة. رفعت يديها تضعهما حول أذنيها كي لا تسمع.
خفق قلبها بقوة وارتياب حين زاد طرق الباب. لوهلة، خشيت أن يفتح الباب عليها. شهقت بقوة وهي تحاول النهوض من خلف الباب، وعقلها يحثها أن تدخل إلى المنزل وتغلق الباب الفاصل، تحتمي.
لكن بمن ستحتمي؟ أخيها أم والدتها؟ تخشى عليهما. كذلك، ارتاع قلبها على سراج. زادت دائرة من تخشى عليه. سراج احتل مكانة خاصة هو الآخر. لن تستطيع تحمل خسارة أحد بسببها.
ليت وليت والعذاب يدق قلبها دقًا قاسيًا. كذلك، تلك الدقات على باب المكتب. لكن فجأة، صمتت. وكأنها سمعت صوت سراج.
ذمها عقلها: لا يا ثريا، قد يكون فخًا.
لكن عاد الصوت بإلحاح.
بالخارج، أثناء سير سراج بالسيارة، لم يفكر حتى قليلًا. هو مشتاق لثريا، حتى لو مر من أمام منزلها، ربما يرتوي الاشتياق. لم يقاوم ذلك الشعور وذهب من ذاك الشارع الموجود به منزل والدة ثريا. خفق قلبه بقوة. لا داعي للتفكير. كان إطارات السيارة ذهبت تلقائيًا.
توقف أمام منزلها. لمح ذلك الضوء الضعيف المتسرب من عقب باب مكتب ثريا. تبسم. بالتأكيد هي مازالت مستيقظة.
ترجل من السيارة. شعر بلفحة هواء باردة. أخرج هاتفه وقام بالاتصال عليها. لكن رغم تكرار الاتصال، لم ترد. تنهد وحسم أمره وهو يضع أذنه على ذلك الباب. يسمع رنين الهاتف الخاص بثريا. قام بالطرق بهدوء على ذلك الباب لأكثر من مرة. ثم توقف وفكر أن يغادر. ربما ثريا ليست بالمكتب.
لكن قبل لحظات، سمع صوت رنين هاتفها. تنهد بتفكير. سيغادر. لكن بلحظة، سمع شهقة ثريا. كأنها خلف الباب مباشرة. تفوه بقلق:
ثريا، افتحي. أنا سراج.
ثريا، أنا اللي بتصل عليكِ عالموبايل.
بصعوبة، نهضت تستند على الحائط. ذهبت نحو المكتب بيد مرتعشة. جذبت الهاتف. قرأت الشاشة. اطمئن قلبها قليلًا. بخطوات متمهلة، سارت نحو الباب. فتحت جزء بترقب. حين تأكدت من وجه سراج، فتحت الباب باتساع. وسرعان ما ألقت بنفسها عليه، تعانقه، تود أن تشعر باطمئنان.
ضمها سراج قويًا، يشعر برجفة جسدها. رفع جسدها قليلًا عن الأرض وهو مازال يعانقها. ودخل إلى الغرفة وأغلق الباب خلفه. بينما ثريا، كأنها تائهة. فقط تشعر بعناقه له وهي متشبتة به. فاقت حين همس:
ثريا، جسمك بيرتعش ليه؟
مازالت تعانقه، لكن عادت بوجهها للخلف. رأت دموع عينيها. شعر بغصة قوية. ورفع إحدى يديه يمسح تلك الدموع سائلًا:
ثريا، بتبكي ليه؟ ليه مردتيش على اتصالي؟
لم يجد منها إلا الصمت. وهي تعود تعانقه مرة أخرى باشتياق وإحساس بالأمان.
غصبًا، تغاضى عن جوابها وضمه بقوة. لحظات، زالت رعشة جسدها. وهدأ خفقان قلبها. تنهد سراج وهو يهمس باسمها. وعاد برأسه للخلف. نظر لوجهها. كانت جفت دموع عينيها. أراد تخفيف الوضع فمزح قائلًا:
للدرجة دي كنت واحشك، ومكسوفة تتصلي عليا؟
غصبًا، ابتسمت ثريا. فضمها سراج مرة أخرى. شعرت ثريا بالاطمئنان كاملًا حين رأت باب المكتب مغلق. لكن عاد وعيها وسألت:
سراج، إيه اللي جابك دلوقتي؟
نظر لها بهيام قائلًا باختصار وصدق:
وحشتيني.
خجلت وأخفضت وجهها للحظات. يخفق قلبها. ثم رفعت وجهها قائلة:
وحشتك في الوقت ده، وفي الطقس العاصف؟
أومأ مبتسمًا وهو يضمها بشوق. يضم شفتيها بقبلة اشتياق. كانت هي الأخرى مشتاقة. لكن سرعان ما تنبهت ودفعته بصدره. ترك شفتيها. يضع جبينه على جبهتها يتنفس من أنفاسها. كذالك هي. لحظات. ورفعت وجهها. كاد سراج يقبلها مرة أخرى. لكن وضعت يدها على شفتيه قائلة:
إحنا في المكتب يا سراج. وأمي زمانها صاحية والباب مفتوح. ممكن...
لم تستكمل حديثها. جذب يدها التي وضعتها حائل. وقبلها. ثم تبسم متنهدًا بتوق. لكن حاول أن يتقبل ذلك قائلًا:
نسيت... خالتي رحيمة كانت اتصلت عليا. بتقول إنها اتزحلقت، وقعت على رجليها وبتوجعها أوي. وكنت رايح لها... ومرت من هنا صدفة... شوفت النور من عقب الباب. قولت أكيد صاحية.
ابتعدت ثريا عنه قليلًا قائلة بقلق:
وكنت هتروح لها دلوقتي؟ الطريق مش أمان. بس كمان زمان رجليها بتوجعها أوي... وهي لوحدها.
ابتسم سراج قائلًا:
إيه رأيك تجي معايا؟ أهو تونسيني عالطريق.
بلا تفكير، أومأت ثريا برأسها بموافقة.
ابتسم سراج وضمها. وأزاح جزء من طرف وشاح رأسها عن عنقها. يدس رأسه في تجويف عنقها وقبله.
دفعته قليلًا قائلة:
دقيقة هدخل أقول لأمي ونمشي عشان الوقت. كمان خالتي رحيمة عمرها ما كانت هتتصل عليك، إلا لو فعلًا موجوعة.
أومأ رأسه موافقًا قائلًا:
تمام. بس هاتي شال تقيل على كتفك. الجو بره برد أوي.
أومأت له. بينما هو ظل بالمكتب ينتظر ثريا. التي غابت دقائق معدودة وعادت له تحمل بيدها وشاحًا ثقيلًا. وضعته فوق جسدها من الأعلى. ابتسم لها. وهي تسير أمامه وأغلقت باب المكتب وذهبت نحو السيارة. لوهلة، عيناها كأنها تراقب الطريق. قبل أن تصعد للسيارة، تنهدت بهدوء وهي تسند رأسها على خلفية المقعد. لاحظ سراج ذلك وهو يصعد جوارها. لم يهتم بذلك. قاد السيارة. ساد الصمت لوقت. نظر سراج نحو ثريا. كانت مغمضة العين. ظنها نامت. فقام بالضغط على أحد الأزرار كي يبسط المقعد خلف ثريا. لكنها شعرت بذلك. فتحت عينيها ونظرت نحوه. ابتسم قائلًا:
فكرتك نمتي.
تبسمت بقلق قائلة:
لأ. بس يمكن الدفا جوه العربية خلاني غمضت عنيا.
ابتسم ومد يده. جذب إحدى يديها يضمها بقبضة يده صامتًا. نظرات العيون بينهم كفيلة ببث الاحتياج كل منهم للآخر بهذا الوقت.
بعد وقت قليل، توقف سراج بالسيارة أمام منزل قديم وصغير نسبيًا. يشبه منزل والدتها. وإن كان منزل والدتها بناء حديث. نظر نحوها قائلًا:
قبل ما تنزلي من العربية، في الشال على جسمك. الجو بره العربية برد أوي.
أومأت له ثريا بامتثال. بينما ترجل سراج أولًا. ثم توجه ناحية ثريا. فتح الباب. ابتسمت وهي تترجل من السيارة. تنظر نحو إشارة يده لها بالسير أمامه. لحظات، ووقف أمام المنزل. أخرج مفتاحًا من جيبه. ثم انزاح جانبًا. دخلت ثريا وهو خلفها. وأغلق الباب. وهمس قائلًا:
واضح إن خالتي نامت.
لكن سرعان ما سمع حديثًا بصوت عالٍ:
لأ. أما مش نايمة. إيه اللي آخرك كده؟ هي دي مسافة السكة؟ ومين اللي معاك بتكلمه؟
ابتسم وهو ينظر لـ ثريا. التي سبقته نحو تلك الغرفة. ودلفت تقول:
ألف سلامة عليكِ يا خالتي.
نظرت رحيمة وتبسمت بإنشراح قائلة:
ثريا. أهلًا يا حبيبتي.
كادت رحيمة أن تنهض. لكن سبقتها ثريا وسرعت بخطواتها واقتربت منها قائلة:
خليكِ مرتاحة.
ابتسمت رحيمة وهي تفتح ذراعيها لها. استقبلت ثريا ذلك بمحبة. وانحنت عليها. ضمتها رحيمة بحنان قائلة:
أنا لما شوفتك مبقتش حاسة بأي وجع. تعالي إقعدي جنبي عالسرير واتغطي. الجو برد.
قبلت ثريا ذلك وجلست بجوارها. ألقت رحيمة عليها الدثار. تبسم سراج الذي دخل للغرفة قائلًا باحتجاج مرح:
طب ثريا، أخدتيها جنبك عالسرير. وأنا بقي كمان الجو مش برد.
ابتسمت رحيمة بحنان وهي تضم ثريا قائلة:
لأ. إنت راجل وتستحمل. أحلى حاجة عملتها إنك جبت ثريا معاك.
تبسم وجلس على طرف الفراش قائلًا:
ورجلك عامله إيه دلوقتي؟
أجابتها:
دهنتها بمرهم كان عندي. ودلوقتي خف وراح خالص لما شوفت ثريا.
تبسم بمرح قائلًا:
كده يعني؟ أمشي أنا بقى.
تبسم وهي تفتح ذراعها الآخر. سرعان ما ضمها بمحبة. جلسوا ثلاثتهم. كانت جلسة ود ومرح بينهم. بعد قليل، تثائبت رحيمة قائلة:
أنا مش متعودة عالسهر. بس وجع رجلي وكمان كنت مشتاقة لـ ثريا. يلا قوموا. في أوضة نوم تانية في الدار. سيبوني أنام ساعتين قبل الفجر.
ابتسم سراج ونهض يمد يده لـ ثريا. التي نهضت هي الأخرى معه. ذهبا إلى غرفة أخرى. كانت صغيرة بها فراش شبه متوسط. نظرت ثريا نحو سراج وقالت:
تصدق نسيت أجيب معايا غيار غير اللي عليا.
ابتسم وهو يذهب نحو دولاب بالغرفة وأخرج دثارًا ثقيلًا قائلًا:
فعلًا. بس مش مهم. ممكن أجيبلك جلابية من بتوع خالتي تنامي فيها للصبح.
ذهب سراج لحظات وعاد بجلباب. بنفس الوقت، تخلصت ثريا من بعض ثيابها وارتدت تلك الجلباب. نظرت لها وهي تصعد تتمدد على الفراش قائلة:
واسعة أوي عليا. بس أحسن ما أنام بهدومي.
وافقها سراج مبتسمًا وهو يطفئ ضوء الغرفة. وترك نورًا خافتًا. ثم تخلص من ثيابه وتوجه للناحية الأخرى من الفراش. تمدد عليه. سرعان ما جذب ثريا وضمها. يدس رأسه بين حنايا عنقها يستنشق عبقها. يشعر كأن الهواء عاد لرئتيه مرة أخرى.
شعرت ثريا بأنفاسه. كذالك لمساته لها. استنشقت كأنها تعود للإحساس مرة أخرى.
وضعت يده فوق كتفه وهمست حين شعرت بلمسات سراج. التي بدأ يقبل عنقها يستحث عاطفتها. التقطت نفسها قائلة بتحذير:
سراج، خالتك في الأوضة اللي جنبنا.
رفع سراج رأسه يتأمل ملامحها. الذي اشتاق إليها على ذلك الضوء الخافت. لم يبالي بتحذيرها. واقترب من شفتيها يضمها بين شفتيه بقبلات شوق وتوق وشغف. لشوقها هي الأخرى له. كأن عقلها نسي الخوف التي كانت تشعر به الليالي السابقة. سطوة مشاعر جذبتهم ليتوغل الغرام بهمسات ولمسات منتشية لقلبيهما. لينتهي الغرام بإرهاق لذيذ. ليغفوا بأحضان بعضهم. كل منهما يشعر بالاكتمال.
***
بعد يومين.
ظهرًا.
بمحل الذهب.
دخلت إيناس. نهض صاحب المحل يرحب بها بحفاوة. كانت كعادتها متكبرة وتلقت حفاؤه ببرود وتعالٍ. ثم قالت:
إنت اتصلت عليا وقولت إنك انتهيت من الطقم اللي قولتلك عاوزه زيه.
أجابها ببسمة قائلًا:
جاهز يا ست الكل. بس الحاجات الثمينة دي مش للعرض هنا في صالة المحل. اتفضلي معايا لمكتبي.
بتأفف، ذهبت معه إلى المكتب. جلست بتعالٍ. استأذن منها قائلًا:
دقيقتين بس أجيبلك الطقم وأرجع.
بتأفف، لم ترد. مر خمس دقائق. شعرت بضيق وكادت تنهض. لكن سمعت صوت فتح باب المكتب. تحدثت بتعالٍ وكبر:
قولت دقيقتين وبقوا خمسة يا...
صمتت. يرفض عقلها ذلك الصوت. التي ظنت أن رنينه انتسى بعقلها. وهو يقول ببرود هادي:
إزيك يا "أنوس".
أغمضت عينيها برفض. وبصعوبة فتحتهما مرة أخرى. أدارت رأسها تنظر خلفها. نهضت بذهول. ترتعش شفتاها وهي تتحدث بتقطع وخفوت:
"غيث"...
قالتها ولم يستطع عقلها القبول. كادت أن تنهض. لكن لقدميها رغبة أخرى. سقطت مغشيًا عليها.
كان على دراية بما سيحدث حين تراه إيناس. وكما توقع. أخرج من جيبه زجاجة عطر. واقترب من ذلك المقعد. أفرغ القليل على راحة يده. وقربها من أنف إيناس. يربت على وجهها بضربات خفيفة. يحثها على الإفاقة. حتى استجابت لذلك. وبدأت تعود للوعي تدريجيًا. حتى استعادت وعيها بالكامل. نظرت برعب تنزوي بالمقعد بعيدًا عنه. تتحدث بتعلثم:
غيث... غيث إنت مش ميت.
جلس على مقعد مقابل لها ببرود. ينظر لها باستهزاء. قائلًا:
لأ يا إيناس. أنا لسه عايش.
ذُهلت من ذلك وتعلثمت بسؤال:
إزاي؟
أجابها:
هقولك إزاي بعدين. دلوقتي في الأهم.
بتعلثم، سألته:
إيه الأهم ده؟
أجابها:
قابيل.
خفق قلبها برعب سائله:
ماله قابيل؟
أجابها وهو يترقب ملامح وجهها:
اللى حاول يقتلني هو قابيل.
نهضت بغباء تقترب منه قائلة:
إنت كداب. قابيل كان أكتر واحد بيحبك وقريب منك. إنت مش غيث أخويا. إنت شخص منتحل شخصيته... وعاوز توقعني في جوزي.
ضحك باستهزاء قائلًا:
لسه زي ما أنتِ يا إيناس. مهووس عقلك بـ قابيل. رغم إنه عارفه. بل متأكدة إنه مش بيحبك. وعقله وقلبه مشغول بغيرك. مش سبق وقلت لي كده؟ أبقى منتحل شخصية إزاي؟ تحبي أقولك على أسرار محدش يعرفها غيرنا عشان تتأكدي إني غيث؟ أول سر... بنتك إنتِ وقابيل. قصدي البنت اللي أنا سرقتها من الحاضنة وحطيتها مكان بنتك اللي ماتت بعد ما اتولدت بسبب اختناق أثناء الولادة. بعد ما كنتِ خايفة إن قابيل وجتها يطلقك أو يلوف على غيرك.
جلست مرة أخرى تشعر بانسحاب روحها وهمست:
"غيث".
ضحك بجبروت وانبساط قائلًا:
أيوه غيث... اللي راجع عشان ياخد حقه. بس هأخر حقي من قابيل للآخر. عندي الأهم الأول... إنتِ كمان بتكرهيها. عكس قابيل المتيم بها.
- مستحيل!
ضحك غيث قائلًا:
كنت زيك كده ومفكر إن مستحيل. بس قابيل حاول يقتلني عشان يفوز بـ ثريا. بس للأسف سبقه "سراج" وخطفها من قدامهم. راته اثنين من رجالة عيلة العوامري مغرمين بها. ولازم ترجع لعندي تحت رجليا.
أجابته بسؤال مستفسرة:
قصدك إيه؟ إزاي هترجعها؟ اللي عرفته إنها بينها وبين سراج خلاف. وسايباه الدار بقالها كام يوم. وعمتك ولاء حاولت تعرف إيه السبب. بس إنت عارف سراج.
أجابها ببساطة:
سراج كداب. متأكد في دماغه هدف.
قاطعته إيناس:
هدف إيه يعني؟ لاء. هو أكيد كشف كذبها وخداعها. وإنها بتلعب على كل راجل شوية. هي أكيد كانت بتلعب على قابيل. ما عندهاش أخلاق. بس...
قاطعها بغضب معنفًا:
بس إيه؟ فوقي يا إيناس. هوسك بـ قابيل ده هيدمر عقلك. متأكد إن ثريا وسراج عاملين لعبة ولهم غرض من وراها. فوقي... فوقي... كفاية أوهام.
صرخت عليه بغضب واحتدت ملامحها قائلة برفض:
إنت اللي فوق. إنت راجع عاوز تنتقم من جوزي. بدل ما تنتقم من سراج اللي اتجوز مراتك. أو حتى تنتقم منها هي. إنها ما صانتش عشرتك وراحت اتجوزت أول واحد دخل مزاجها.
بغضب ساحق، ود لو يخرج سلاحه من جيبه ويطلق رصاصة في منتصف رأس إيناس. لكن حاول تهدئة نفسه وابتلع صراخها قائلًا:
سراج... قابيل... الاتنين طمعوا في مراتي. وكل واحد منهم هياخد جزاؤه. وثريا كمان مش هتفلت من انتقامي. في لحظة هظهر للعلن وهعرف أخد حقي منها. وحق...
صمت وهو يتذكر ذلك الفيديو الذي شاهده لـ ثريا مع سراج وهما هائمان بلذة لقاء حميمي. ما كانت ترفضه معه. فعلته مع غيره بطواعية ورغبة منها. رغم أن الفيديو لم يظهر وجههما. لكن تلك الهمسات والأنات المتلذذة كفيلة بسحقه لهما أحياء. كذالك تذكر كيف دخل إلى شقة ثريا وسراج.
[بالعودة قبل فترة وجيزة قبل مقتل عمران وأثناء غياب سراج...]
كان برفقة ذلك الصائغ بدار عمران العوامري. من أجل عمته ولاء. التي طلبت من الصائغ بعض المصوغات. وذهب إليها تجلس بدار عمران كعادتها. كانت فرصته الذهبية للدخول دون شك بهويته. وضع شاربًا ثقيلًا. كذالك نظارة طبية كبيرة حول عينيه. وقبعة تستكمل بقية التخفي.
ذهب الصائغ مع تلك الخادمة إلى إحدى الغرف. بينما غيث طلب من الخادمة الذهاب إلى الحمام. وجهتها إلى أحد المراحيض بالدار. ثم ذهبت لقضاء عملها. بينما هو راقب تلك الخادمة. كذالك راقب وانتظر إلى أن سنحت له الفرصة. رغم حركة قدميه الثقيلة. لكن صعد السلم مستندًا على السياج الخاص. به بترقب. توقف أمام شقة سراج. كان الباب مغلقًا. لكن ذلك ليس عائقًا لديه. بثوانٍ فتح الباب ودخل وأغلق خلفه الباب. وقف قليلًا يلتقط نفسه. ثم تجول بين الغرف إلى أن دخل إلى غرفة النوم. كان الفراش مرتبًا. وقف قليلًا يتخيل سراج وثريا وهما معًا على ذلك الفراش يستمتعان سويًا بجسديهما. ثار عقله مثل الطوفان الجارف. كان بجيبه سلاحًا. أخرجه وكاد يطلق الرصاص على تلك الوسائد التي تحمل رأسيهما. لكن تمكن من تهدئة غضبه. كذالك الوقت. لو ظل لوقت أكثر قد ينكشف.
سريعًا نظر إلى سقف الغرفة. حدد أحد الزوايا التي يستطيع أن يضع بها كاميرا مراقبة. يستطيع كشف ما يحدث بتلك الغرفة. وبالأخص على ذلك الفراش. حدد الزاوية وقام بوضع تلك الكاميرا خلف لمبات الإضاءة.
وقف قليلًا. وفكر: لما لا يترك لـ ثريا تذكارًا بسيطًا. أخرج قنينة العطر الذي سبق وكادت ثريا أن تختنق منها. وقام برش رذاذ كثير على الفراش. كذالك أخرج كيسًا من الدم وسكب منه على الفراش ووضع الرصاصة. ظل واقفًا لوقت قليل. لكن انتبه على الوقت. خرج مثلما دخل. يترقب حوله. لحسن حظه أنه وقت فضاء لعمل الخدمات. وكأن بإستراحة. عاد ونزل من على السلم. لكن لاحظته إحدى الخادمات. كان قد أصبح ببهو الدار:
إنت مين وعاوز مين؟
غير نبرة صوته قائلًا:
أنا مارون مساعد الحواهرجي. وجاي معاه. وكنت في الحمام والدار كبيرة ومش عارف فين الأوضة اللي قاعد فيها مع الست ولاء.
تفهمت الخادمة وأشارت له على الغرفة. لكن ضغط على هاتفه ليصدح رنين. فنظر له ثم قال لها:
دي مراتي. هرد عليها. فين باب الدار أكلمها من بره الشبكة أحسن.
شاورت له. بالفعل سار نحو باب الدار. وذهب إلى سيارة الصائغ وجلس بها. ينتظر أن ينتهي. مر وقت طويل حتى عاد له الصائغ. وقتها رأى دخول ثريا إلى المنزل. لوهلة فكر أن يترجل من السيارة ويصدمها. لكن رجح عقله أن يمهد لذلك أولًا ببث الرعب في قلبها.
عاد ينظر إلى إيناس. التي نهضت تشعر هذيان تقول:
وإيه السبب إنك تخفي إنك لسه عايش؟ متقوليش الانتقام. فين نخوتك لما عرفت إن مراتك اتجوزت. ومش بعيد تكون حاملة.
وقف يضرب بعصاه الأرض قائلًا:
فعلًا. الانتقام. وكل واحد هياخد اللي يستحقه. وأولهم ثريا وسراج. وإنتِ مغصوبة تساعديني. وإلا هغير خطتي وهيبقى أول واحد أنتقم منه هو حبيب قلبك الخاين قابيل. وهكشف سر بنتك اللي مش بنتك. أنا الوحيد عارف هي بنت مين. واللي بسببها لغاية دلوقتي إنتِ على ذمة قابيل. وكمان بحذرك. حد غيرك يعرف إني عايش مش هيهمني أي حد. وهبقى زي الطوفان بياخد الكل في رجليه.
فكرت إيناس ثم نظرت لـ غيث تحثه:
ثريا لازم تموت. هي اللي زي الخاينة بتغوي رجالة العوامري.
أومأ لها بمهادنة على قدر عقلها. فهو يريد القصاص من الجميع. وتلك الحمقاء هي الجسر الذي سيمده ويسير عليه إلى هدفه.
***
ظهرًا.
بدار زوج ولاء.
كانت تجلس تحتسي قهوتها بإستمتاع فاتر. حتى صدح رنين هاتفها. وضعت كوب القهوة وجذبت الهاتف. لكن انتهى الرنين سريعًا. نظرت للشاشة لمعرفة هوية المتصل. لكن كان أرقامًا فقط. سرعان ما عاد رنين الهاتف. لكن بصوت رسائل. تنهدت الهاتف وفتحت تلك الرسالة الأولى. سرعان ما اعتدلت في جلستها مشدوهة وهي ترى صورًا مرسلة بتبعية خلف بعضها. ثم رسالة أخيرة مكتوبة تنص:
"مش عاوزة تعرفي مين الشبح الخفي، اللي استحوذ على الآثار والبضاعة التانية، ولا سيادة اللواء صرف نظر عنها."
ارتاع قلبها لوهلة. وعاودت الاتصال على نفس الرقم. فتح الخط للحظة ثم عاود غلق الهاتف نهائيًا. بسبب تلك الرسالة الآلية التي جاءت لها بعد أن عاودت الاتصال: "الهاتف خارج الخدمة".
سريعًا بيد مرتعشة أجرت اتصالًا آخر وسرعان ما طلبت منه:
هبعت لك رقم موبايل تعرف هو بتاع مين؟
أغلقت الهاتف ورمته أمامها على الطاولة. تنظر له تشعر بارتياب وحيرة من ذلك الشبح الخفي.
***
عصرًا.
أمام المشفى.
تفاجأ إسماعيل بـ قسمت تقف أمام سيارته الخاصة. تجاهلها وذهب إلى الناحية الأخرى. ذهبت قسمت خلفه وجذبته من كتفه قائلة:
إسماعيل، لازم نتكلم سوا. أرجوك.
أجابها ببرود:
للأسف مش فاضي دلوقتي. بعدين.
برجاء، نظرت له قائلة:
إسماعيل، اسمعني بس...
في نفس الوقت، صدح هاتفه. نظر له ثم لها قائلًا:
للأسف زي ما شايفه. الاتصال خاص بشغلي كطبيب تشريح ومش فاضي وقت تاني.
ابتلعت بروده وقالت:
خلاص. هاجي معاك وفي السكة نتكلم.
وافق بعد رجائها. صعدت بجواره في السيارة. لكن للأسف لم تستطع الحديث معه بسبب انشغاله على الهاتف لأكثر من اتصال خاص. ربما هو من استهواه ذلك وهو يراها هكذا. رق قلبه لها. لكن لابد من اختبار أخير.
***
الفيوم.
منظر رباني يستحق التأمل. وهي جالسة شاردة بهدوء ودفء المكان. عكس عواصف اليومين الماضيين. الشمس ساطعة.
فاقت من ذلك الشرود حين شعرت برذاذ ماء على وجهها. نظرت نحو سراج الذي ضحك وعاد يرش عليها رذاذ الماء. شعرت بضجر قائلة:
رش المايه عداوة يا سراج.
ضحك وهو يجلس خلفها يضمها لصدره. يقبل وجنتيها قائلًا:
عدوتي الحبيبة.
ابتسمت له قائلة:
وإيه سبب التناقض ده؟ شايف الشلال ده يا سراج بيفكرني بفيلم. البطل نط من فوق الشلال بعد حبيبته ما طلبت ده منه برهان على إنه بيحبها. لو طلبت منك تنط هتوافق؟
ضحك سراج ونهض واقفًا يمد يده لها قائلًا:
لأ... تعالي نعدي سوا من فوق الشلال.
ترددت قائلة:
لأ...
قاطعها يحثها على المخاطرة قائلًا:
قوي قلبك يا ثريا وهاتي إيدك... خلينا نغامر سوا. اللي بنخاف منه هو اللي بيحصل. لازم نخاطر سوا. وقتها هتحسي بلذة المخاطرة. حتى لو خسرتي قلبك هيقوى.
بتردد، أعطت يدها له. سارا من فوق ذلك الشلال. شعرت بإستمتاع وجمال آخر للمكان.
***
ليلًا.
استقر الخيل.
ابتسمت حنان لـ آدم الذي دلَف إلى غرفة النوم. تحدثت بهدوء:
أخيرًا خلصت شغلك. أنا كنت خلاص مليت من اللعب عال موبايل والتقليب بين القنوات الفضائية وكنت هنام.
ابتسم لها قائلًا:
عشر دقايق هاخد دُش عالسريع وأجيلك.
أومأت ببسمة. بعد قليل انضم لجوارها على الفراش يضمها لصدره. يضع يده على بطنها التي انتفخت قليلًا سائلًا:
كان عندك متابعة عند الدكتورة النهارده.
ابتسمت وهي تضع يدها فوق يده على بطنها قائلة:
الدكتورة قالت إن الجنين بخير.
قبل عنقها قائلًا:
وبالنسبة للغثيان الكتير.
ضحكت قائلة:
قالت لي فترة وهينتهي. كمان قابلت أبوي في السكة. سلم عليا وقال عنده مشاغل.
ضمها قائلًا:
فعلًا تلاقيه مشغول. أنا كمان هشتغل الفترة الجاية. لازم المخازن تتنضف. عشان الموسم بتاع الكتان قرب.
توقف آدم وغص قلبه بأسى قائلًا:
كان أبوي هو اللي بيقوم بالمهمة دي. صحيح كنت بساعده. بس هو اللي كان بيتابع تنضيف المخازن.
وضعت حنان يديها على وجه آدم قائلة:
عارفة الحزن لسه مالك قلبك. بس يا حبيبي الدنيا كده ولازم نتحمل.
ضمها وتنهد بأسى قائلًا:
فعلًا لازم نتحمل. مفيش في إيدينا غير الصبر.
***
بذلك المكان النائي. بذلك المنزل الذي يختفي به غيث.
صدح رنين هاتفه. قام بالرد ليسمع من يخبره:
سراج سافر القاهرة في طيارة الضهر.
تنهد بسؤال قائلًا:
تمام كويس أوي. وثريا سافرت معاه؟
رد عليه:
لأ. هو اللي سافر لوحده. وهي مخرجتش من دار الست العجوزة.
شعر بانشراح في قلبه قائلًا:
تمام. الليلة عاوز ثريا تكون عندي في المكان اللي قولتلك عليه.
سأله الآخر:
طب والست العجوزة؟
- ميهمنيش. إن شاله تقتلها أو تحرق الدار. اللي يهمني ثريا تكون عندي الليلة.
أغلق الهاتف يضحك يشعر بانتشاء. فقد اقتربت بداية الانتقام. وثريا أولًا.
بنفس الوقت، دلَف إلى المنزل حفظي. الذي جلس على أحد المقاعد يزفر نفسه. نظر له غيث سائلًا باستهزاء:
مالك بتنفخ كده ليه؟ إيه روحت لدكتور التجميل وقالك إن العلامات اللي في وشك هتفضل لها أثر؟ أصلها من إيدين ناعمة.
نظر له حفظي بغضب قائلًا:
بتتريق؟ عالأقل أنا مش متخفي وعامل ميت ومراتي على ذمة راجل تاني.
نظر له باحتقار وصمت قليلًا. ثم تحدث بتحريض:
أنا عندي حل يرجع لينا ثريا وحنان راكعين.
اعتدل حفظي سائلًا:
إيه هو؟ أوعي تقول لي أخطف حنان.
ضحك غيث قائلًا:
وليه لاء. وأهو يمكن الخطف يجي بمصلحة والجنين يسقط وترجع لك خالية. بس قبلها لازم تتخلص من آدم. وده سهل أوي.
سأله حفظي:
سهل إزاي؟
أجابه ببرود:
الفترة الجاية هيبقى تنضيف المخازن عشان الموسم الجديد من الكتان. وطبعًا بيبقى في بواقي قش وعيدان كتان. وماس كهربائي يحصل ينضف المكان. ومعروف إن آدم هو اللي كان بيساعد عمران. يعني هيبقى مكانه في المخزن.
لمعت الفكرة بعين حفظي وتبسم بخبث. كذالك عين الثعلب الغادر غيث.
***
بمنزل ولاء.
سمعت رنين هاتفها. سرعان ما قامت بالرد لتسمع حديث الآخر:
رقم الموبايل اللي بعتيه ليا الضهر طلع صاحبه اسمه "ممدوح الحناوي".
صدمة لجمت عقل ولاء. وعاودت السؤال بتأكيد:
قولت مين؟
أكد لها:
"ممدوح الحناوي".
***
ليلًا.
بذلك المنزل الصغير بالفيوم.
نظرت نحو باب الغرفة. ثم نظرت إلى حقيبة الملابس بتذمر قائلة:
مش عارفة هو ملقاش في الدولاب الهدوم غير دي. كلها قمصان نوم عريانة. ياريت كنت روحت أنا بنفسي وجبت هدوم ليا.
في نفس الوقت، دلَف سراج إلى الغرفة ونظر إلى ثريا. التي تتحدث بتذمر. ضحك على معرفة لسبب تذمرها. رفعت وجهها ونظرت له قائلة:
وإنت بتجيب هدوم مكنش قدامك غير دي.
مسك أحد الثياب شبه العارية قائلًا:
أنا جبت اللي عجبني.
نظرت له باستهزاء قائلة:
جبت اللي عجبك ومش عاجبني. الهدوم دي أساسًا ملبستش منها قبل كده ومستحيل ألبسها. يعني في دار خالتي رحيمة صحيح كانت هدومها واسعة عليا وقصيرة. بس كانت أرحم من دي. عالعموم سهلة. ألبس بيجامة من بتوعك.
ابتسم وهو ينهض. وقف خلفها يضمها يهمس جوار أذنها قائلًا:
بيجامتي هتبقى عليكِ تجنن. بس للأسف أنا محبتش لنفسي بيجامات مش محتاج لها.
زفرت نفسها بضيق سائلة:
وأنا هلبس إيه دلوقتي؟
ضمها يهمس بحرارة:
مش محتاجة لبس يا حبيبتي.
همسه بتلك النبرة الرقيقة جعلها تجفل لبعض الوقت. أدارها ليبقى وجهها لوجهه. كأنه يتحكم بها. بسرعة كان يقبلها بعشق وشغف. يضمها أكثر لصدره. وهي الأخرى كذالك راغبة به. رفعت يديها تعانقه. استمرت شفتيهم بقبلات شغوفة وملحمة عشق تتلاحم بين جسديهما. يلتقي السراج والثريا بـ«عناق عاصف».
رواية عشقت طالبتي الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم منار حسين
عِناق عاصف، عصف بكثير من الآلام.
لمسات حنونة بشغف، همسات رقيقة يهمس بها بحرارة تجعل قلبها يتفتح مثل الزهرة بالربيع حين تستقي الندى.
كأنها صبية ببداية صِباها وهي ترى زميلاتها يتهامسن ويتغنجن، وأنهن أصبحن فتيات يشعرن بالسعادة من نظرات الفِتيان لهن، ومغازلتهن بمرح.
رغم أنها جميلة، لم يكن يهوى عقلها ذلك الغنج السافر من بعض الفتيات. لم تشعر بصِباها مثل باقي الفتيات. إنشغالها كان بدراستها، تود أن تنتهي وتعمل بالمحاماة.
لترحم أصابع يدها وكذالك اصابع والدتها من وخز تلك الإبر التي يقومن بلضم القطع اللامعة بألاثواب شبيهة أثواب الغوازي.
رغم أن وقتها كانت تمقت غنج الفتيات وتعتبره نقص تربية، لكن عقلها إختزل تلك المشاعر الأنثوية وأرادت الشعور بها مع رفيق حياتها.
لكن أغرق تلك المشاعر سيل سطوة زوج قاتل وسادي خائن دمر مشاعرها الأنثوية.
لكن...
الآن سراج يسرج يُضئ عتمة الضباب، ينتشلها من سيل ذلك الطوفان، يُغدقها بقطرات نهر عذبها.
هي بين يديه راغبة تواقة لتلك المشاعر والأحاسيس الخاصة، جعلها تعود بقلب صبية تعيش الحب لأول مرة. أجل، أول مرة... بمشاعر بريئة.
قُبلات.. لمسات جريئة... همسات بغنج واشتهاء مُحبب وعطاء طواعية... وقُبلة امتنان تنهي تلك العاصفة بضمة غرام من سراج.
وهو يتمدد بظهره على الفراش يجذبها لصدره، يزيح تلك الخصلات عن وجهها الذي أخفته بصدره.
تبسم وهو يرفع ذقنها، ينظر لوجهها. تلاقت عيناهم بحوار صامت.
فماذا سيقول أحدهم وهو أخذ البرهان من الآخر؟
غفت عقل ثريا وعيناها تنظر نحو سراج.
كانت في البداية تضجر من أفعاله، لا بل كانت تكرهه. والدليل كان موافقتها على الزواج منه انتقامًا لسوء حظ من يقترب منها هي بلا روح.
مثل الأرض الجدباء. وهو بأفعاله الخسيسة معها آنذاك كان يستحق امرأة مثلها.
لكن مع الوقت ومع اقترابها منه، ماذا حدث؟ تبدلت مشاعرها بالتدريج معه. من البغض أصبحت تهواه.
حتى العلاقة الحميمية معه لم تجبرها من البداية رغم تواقحه معها، لكن لم يضغط عليها حين استسلمت له كان برغبتها.
تنفست بقوة حين تملك من العقل وحذرها وقلبها يعارض:
فكري كويس، أنتِ استسلمتي له في البداية بدون مشاعر.
- لا، مشاعري كانت مش مفهومة.
- ثريا، سراج قدم براهين كتير وقالها صريحة إنه بيحبك، كفاية خوف وعيشي حياتك. سراج هو السند اللي كنتِ بتتمنيه.
هكذا استراح قلبها وأراح عقلها الذي هدأ ونفض الخوف وهي بحضن سراج التي تشبثت به وهي تضع يدها فوق عنقه بنعومة.
تلمع عينيها بوميض خاص.
تبسمت حين اقترب سراج من رأسها ووضع قبلة دافئة بين حاجبيها.
ثم عاد يبتسم لها هو الآخر وضمها لجسده، وشعر بعناق يديها لجسده... دفء منبعه هو قلبه.
لأول مرة يشعر به. حياة عسكرية اختارها بإرادته هربًا من وسط عائلة العوامري.
يشعر أن تلك العائلة ظلمت والدته. مازال يتذكر حنانها عليه ولمسة يدها فوق خصلات شعره وهي تهدئه بعد أن رأى والده ينهرها دون سبب.
بعقل طفل ثار على والده ذلك اليوم، لكن جذبته والدته وضمته تخبره أنها هي حقًا المخطئة.
وحتى إن لم تكن مخطئة فهذا ليس من شأنه ولابد أن يحترم والده.
ذكرى كانت بعيدة لكن مازالت مترسخة في عقله.
النسر الشارد بإرادته هرب. عاد لمهمة، لكن يبدو أن القدر يرسم دائمًا المصير.
أجل... مصيره كان تلك التي تقبع بين يديه يضمها بتملك وعشق. لو برغبته لألصقها بجسده.
ضحك باستعجاب.
كان في البداية يظنها حقًا محتالة عنيدة قاسية.
لكن هي عكس صفتين فقط: عنيدة.. وقاسية.
بل هي مستسلمة.. وهشة.
لكن حقًا محتالة. احتلت قلبه منذ اللقاء الأول له مع حورية الشمس.
برغبته سار من ذلك الطريق وقتها.
أراد الاقتراب من حورية الشمس. ظن أنها قاسية حارقة، لكن كان ذلك مجرد شعاع سميك سرعان ما تلاشى وظهرت حقيقة تلك الحورية المتعطشة للندى.
شعر بأنفاسها فوق صدره العاري.
تبسم سائلًا:
ليه التنهيدة دي كلها؟
رفعت رأسها فقط عن صدره بينما جسدها مازال ملتصق به ونظرت لعيناه بصمت للحظات.
وجذبت بعد خصلات شعرها خلف أذنها وأخفضت وجهها تنظر إلى حركة عروق عنقه.
ثم تفوهت بسؤال:
سراج، إنت ليه فسخت خطوبتك من تالين؟ رغم إن واضح إنها لسه بتحبك كمان بنت لواء فـ....
قاطعها بحركة سريعة كان جسدها ممدد على الفراش وهو يعلوها بنظرة عين لملامحها المشدوهة بسبب فعلته.
تنفست بتسرع وتبسمت قبل أن يضم شفتيها بين شفتيه بقبلات رقيقة.
ثم ترك شفاها ومازال ينظر لوجهها بشغف وجاوبها وأنامله تداعب عنقها بحركات ناعمة:
أنا كنت مقرر إني مش هتجوز أساسًا. خطوبتي من تالين كانت زي ضغط من أبوي إني لازم أتجوز. وتالين والدها أصله من الصعيد. ضغطت على نفسي استجبت له. بس لما لقيت نفسي مش هقدر أتحمل وأكمل معاها....
توقف للحظة يتذكر فيما فكر وقتها وجعله يتخذ قرار إنهاء ذلك الارتباط قبل أن يتزوج ويصبح صورة من جفاء والده مع تالين.
مع الفرق، والده عشق والدته كما أخبره رغم عدم تقديره لذلك العشق. هو لن يكون مثله ويعيش نفس البؤس مع زوجته. الأفضل عدم زواجه.
وكان هذا قراره بالفعل. لكن ظهور حورية الشمس جعله يتخلى عن قراره وتزوج بها.
تجولت عيناها على ملامحها وهو يضع إبهامه فوق شفاها يلمسها برقة قائلًا:
شغلي في الجيش له خطورة، ممكن في لحظة...
قاطعته ثريا، وضعت يدها على فمه واليد الأخرى عانقته بها.
نظر نحو عينيها وتبسم قائلًا:
إنتِ فكرتي كنت هقول إيه؟ أنا كنت هقول مين اللي هتقبل جوزها يفضل بعيد عنها طول الوقت في عمليات عسكرية مع مجرمين وإرهابيين وممكن...
قاطعته مرة أخرى بيدها على فمه واستطردت هي الحديث:
ممكن يسيبها ليلة فرحهم ويروح عملية عسكرية ويرجع بعد الفجر هدومه كلها دم.
رفع يده وأمسك يدها التي على فمه وقبلها قبلات رقيقة.
ثم نظر لوجهها سائلًا باستفسار:
أكيد وقتها قولتي ياريت ما كنت رجعت.
تبسمت وهي تومئ برأسها بنعم ولا في نفس الوقت.
ضحك وهو يومئ برأسه مثلما فعلت قائلًا:
أفهم من كده إيه؟
رفعت يديها وضعتها حول عنقه قائلة:
هقولك بصراحة، أنا مقدرتش أحدد مشاعري ناحيتك بالظبط. إن كانت كره ولا غضب بسبب مطاردتك ليا. فاكرة أول مرة اتقابلنا في الشارع قدام دار أمي. أنا عرفتك لأني شفت لك صورة مع تالين وقت خطوبتك ليها. طبعًا كانوا بيفتخروا بالنسب العظيم اللي جابه سراج العوامري.
توقفت للحظة تشعر بغصات قوية في قلبها، لكن ربما آن الأوان أن تنتهي تلك الغصات وقالت:
قصاد نسب "غيث العوامري" وبنت الحناوي العامل اللي كان شغال عندهم. طبعًا المقارنة كانت محسومة لمين. هتصدقني وقتها مكنش فارق معايا ونفسي أنفصل عن العيلة دي وأنسى إني عشت وسطهم.
توقفت تتنهد بقبول، وهي تبتسم حين وضع سراج إصبعه على أنفها قائلًا:
بس واضح إن قدرك تعيشي وسط عيلة العوامري.
ابتسمت وأومأت رأسها قائلة بدلال:
غصب عني طبعًا.
ضحك وهو يترك جسده فوق جسدها يمسد وجنتيها بأنامله قبل أن يقبل شفاها قائلًا:
غصب ورضا.
أومأت رأسه وهي تستقبل قبلاته باشتياق يذهبان لغفوة غرام.
بمنزل ولاء.
مازال عقلها لا يستوعب ما سمعته عبر الهاتف.
تهمس لنفسها وهي تصك أسنانها تكاد تفر من مكانها بسبب عدم التصديق.
جلست على أحد المقاعد يكاد عقلها يذهب.
حتى أن عينيها توحشت بوجهها وهي تهمس:
مستحيل.
وعقلها يعطي تبريرًا:
ليه مستحيل؟ مش يمكن غيث قبل ما يموت خده تحت جناحه؟
وتعود للنفي:
مكتش بينهم عمار، بالذات بعد ما ثريا رجعت من المستشفى على هنا.
وتعود للتأكيد:
يمكن كان تمويه عشان...
والسؤال:
عشان إيه؟ مستحيل.
بذاك المنزل المتطرف.
صفعة قوية، صفعة حقد وخسارة.
من غيث لذلك الذي هاتفه قبل وقت قليل وأمره باقتحام دار رحيمة.
بسبب قوة تلك الصفعة ارتج جسد الآخر للخلف، يترقب بقية رد فعل غيث العاصف بقوة قائلًا:
إزاي دخلتوا لدار خالة سراج ولقيتوها فاضية؟ إنتم كنتوا نايمين ولا إيه؟ وإزاي خرجوا ومشوفتهمش؟ هو ده التفسير الوحيد. كمان مش قولت شوفت سراج وهو بيركب الطيارة؟
أجابه الآخر برعب:
إحنا مراقبين الدار ومحدش خرج منها وأنا بنفسي مشيت ورا سراج من أول ما طلع من الدار بعربيته ودخل المطار. مرجعتش غير لما شوفته ركب الطيارة.
بغضب إعصار نظر له باستخفاف قائلًا:
لازم نط من الطيارة بالبراشوت؟ ورحيمة وثريا اتبخروا ولا لبسوا طاقية الإخفاء؟
توتر الآخر قائلًا:
لاء يا باشا، لما دخلنا دار خالة سراج شوفنا في باب تاني بيفتح على شارع حارة ضيقة متر في مترين تقريبًا والشارع ده آخره مفتوح.
صُدم غيث ولم يستطع الوقوف فجلس على أحد المقاعد، يفكر قليلًا.
وإهتدى عقله لشك.
أيكون سراج علم بأنه مازال حيًا؟
نفي عقله ذلك ثم أكد:
ممكن ثريا تكون قالت له. هي شافتني ليلة الفرح.
عاد عقله للنفي:
حتى لو قالت له مستحيل يصدقها.
بين التأكيد والنفي زفر غيث نفسه بغضب هادر. وعقله بطوفان.
نظر نحو الآخر قائلًا:
غور من وشي، وده آخر إنذار ليك. المخزن يتأمن كويس.
هرع الآخر هربًا، فهو خُلق له عمر آخر.
بينما ظل غيث يفكر ويربط رؤيته لـ سراج وهو يدخل بيت والدة ثريا تلك الليلة. أطاح بمخططه لتلك الليلة فقد كاد ينجح اختطاف ثريا من بيت والدتها. كان على يقين أنها مرعوبة بهذا الوقت. لكن مجيء سراج جعله يتراجع.
فكر: أ تكون ثريا هي من هاتفته وأخبرته؟
شك ويقين يملآن عقله.
والنهاية أن القرار قد صدر بظهور الشبح الخفي ليسترد ما سُلب منه. وأول ذلك هو تلك الخائنة العاهرة... ثريا.
بإسطبل الخيل.
قبل قليل.
تبسمت رحيمة لـ آدم وحنان اللذان يقفان جانب تلك السيارة في استقبالها.
إقتربا منها حين ترجلت من السيارة مبتسمة.
أمسكت حنان يدها. تبسمت رحيمة وهي تضمها بمحبة.
حتى ضمت آدم هو الآخر الذي قال لها:
لو مش كتفي لسه بيوجعني كنت شيلتك، اسندي عليا.
تبسمت له بحنان قائلة:
لاء يا حبيبي، وجع رجلي خف الحمد لله بقيت بقدر ادوس عليها، بس بلاش نوقف كتير. كمان الجو هنا هوا بارد جوي. خلينا ندخل لجوه الاستراحة.
شعرت بسعادة حين سمعت صوت إسماعيل من خلفها قائلًا:
آدم مش هيقدر يشيلك بس أنا موجود يا رحومة.
تبسمت له وهو يقترب منها وعانقها ثم حملها ودخلوا إلى الداخل حتى وصلوا إلى بهو تلك الاستراحة.
وضعها إسماعيل على أحد المقاعد. اعتدلت تلتقط نفسها بهدوء.
ونظرت نحو حنان مبتسمة تقول بسعادة:
والله وحشاني جوي يا حنان، أخبارك إيه والواد اللي جوه ده أخباره إيه؟ أوعي يكون شقي وتعبك، أنا عارفة آدم كان أهدى واحد في ولادي، عمره ما عمل مشكلة مع حد.
ابتسمت حنان وهي تضع يدها على بطنها قائلة:
والله تاعبني أوي يا خالتي.
تبسمت رحيمة قائلة بتنهيدة:
الأمومة مش بالساهل.
لوهلة تدمعت عينيها. لاحظ آدم وإسماعيل ذلك وجلس كل منهم على مسند مقعدها يربت على كتفها يضمها وقبلا رأسها وتحدث قائلًا:
وإنتِ أحلى وأغلى أم في الدنيا.
رفعت وجهها له بدمعة مبتسمة قائلة بمرح:
زمان عشت مع جوزي عشر سنين مفيش رمضان جه علينا غير وكنت ببقى حبلى فيه. ربنا كان له حكمة، كان شايل ليا خير أكتر. ولاد رحمة أختي، سراج ساعة ما اتصلت عليه وجولت له إني وقعت على رجلي، مغابش وجت ولجيته داخل عليا ومعاه ثريا بنت حلال كانت تحت رجليا وتقولي أعملك وأعملك. ربنا بيداوي القلوب باللي تستحقه وأكتر. بس أنا شورت على سراج وقولت له خُد مراتك وروحوا اتفسحوا يومين سوا بعيد عن هنا. قالي هنسيبك لوحدك. من هنا لهنا قولت له هروح أقعد مع آدم في الاستراحة بتاع الإسطبل. مش هطيق أقعد مع ولاء اللي يتخسف بها الأرض زي فرعون في مكان واحد. كفاية اتحملتها لحد ما اطمنت إن ولادي وصلوا لمرحلة كبروا وبقوا يعرفوا الصح من الغلط والحمد لله ربنا هداهم والتلاتة أجدع من بعض. بس الواد إسماعيل عقله طاقق شوية بس يتحب. ربنا يهدي له الحال مع مراته هي بت حلال بس أبوها عنده شوية غباء، بس أكيد مش هيفرح لو بنته خابت.
اومأ لها إسماعيل موافقًا. نهضت واقفة تقول:
أنا ماليش في السهر، خدني يا إسماعيل للأوضة اللي هنام فيها. يلا تصبحوا على خير.
رد عليها آدم وحنان، بينما اصطحبها إسماعيل إلى إحدى الغرف. ابتسمت له بحنان وهي تجلس اعتدلت على الفراش ومددت ساقيها بمساعدة إسماعيل. جذبته قائلة:
تعالى نام على رجلي حاسة بيك.
وافقها إسماعيل وبالفعل تسطح على الفراش واضعًا رأسه على ساقها وهي تربت على رأسه بحنان. شعرت بتنهيدته قائلة:
بص يا ولدي أنا مش مع اللي عمله أبو قسمت. أنا شوفت الموقف اللي حصل. ولاء غلها وحقدها كافيين أوي. من زمان وأنا فاهمها. قولتها لـ رحمة في يوم العيلة دي كانت عاوزة واحدة شرانية زيي مش في طيبتها.
ضحك إسماعيل وقبل يدها قائلًا:
أحلى شرانية، ياريت كل الأشرار زيك.
تبسمت له وأكدت ذلك بمرح:
زمان ولاء مكنتش بطيقني ولا أنا بطيقها لله في لله. المهم حبت تعمل حركة جدعنة وإنها هي الحنونة العطوفة اللي هتربي ولاد أخوها الأيتام. فكرت إنها تطردني. قمت جبتها هي وعمران وجولت له إنت لو حرمتني من ولاد أختي أنا هحرمك من دخول الجامع بيت ربنا. همشي وراك زي المخبرين وكل جامع تدخل فيه هفضحك وأقول عاوز يحرمني من ولاد أختي مش كفاية جاب لهم مرات أب. بس الشهادة لله فهيمة كانت زي رحمة مغلوبة على أمرها. هدخل وراك الجامع. قام خاف، أو مش خاف. قال ياخدني على هوايا ووافق يسبني أبقى معاكم بس بشرط أقعد معاكم في الدار. وافقت. هو عمره ما صرف عليا مليم. ربنا يرحم جوزي عشت في خيره وربيتكم وعيشتوا في خير أبوكم. كل أب يا ولدي عنده ضناه غالي. صحيح أبو قسمت عنده تحكمات زايدة بس في النهاية خاف على بنته متبقاش قاسية. كمان متبقاش خرع وعرفها غلطها وسامحها، عشان ده يرتاح.
أومأ إسماعيل موافقًا يبتسم حين شعر بيدها فوق قلبه، ونهض عن ساقها وتمدد بجوارها قائلًا:
الاستراحة مفيهاش غير أوضين نوم، آدم ومراته في أوضة ومش هيهون عليك أنام في الصالة.
تبسمت له بحنان قائلة:
لاه مش هيهون عليا، بس لو اتشاقيت ورفست برجليك زي زمان هنيمك عالأرض.
ابتسم وهو يغمض عيناه بإرهاق قائلًا:
لاء اِطمني أنا هلكان طول اليوم مهصدق أحط دماغي ومش هتحرك من مكاني.
تنهدت براحة وهي تتعدل نائمة على الفراش تشعر بإكتمال أمومتها وانسانيتها التي لم تفقدها بمرارة ما مرت به يومًا من فقدان كان دواءً مر ليشفي قلبها بعد ذلك بأبناء أختها.
بعد مرور أسبوع.
بالمركز الرياضي.
كان جسار يعكف على تمرين بعض الأشبال بخصوصية كي يرفع من كفاءتهم وقدرتهم البدنية كي يجهزوا لإحدى البطولات المحلية.
منشغل معهم، لكن تبسم لوهلة حين تذمر أحد الأشبال قائلًا:
كابتن إيمان عندها رحمة شوية، إمتي ترجع للتمرين؟
خفق قلبه ببسمة قائلًا:
واضح إنه فرهود يا كابتن والكارتيه رياضة عنيفة محتاجة أبطال قلبهم قوي وشجاع.
واقفته تلك التي دخلت إلى حلبة التمرين قائلة:
فعلاً اللي بيقوله كابتن جسار مظبوط. الرياضة محتاجة شجعان. وبدل ما تتذمر من التمرين بطل مشاغبة في الشوارع مع أصحابك وتستقوي عليهم وتجي التمرين تفرهد.
شعر بالخزي فتنحى جانبًا يقول:
أنا مش بستقوي على صحابي. أنا سمعت كابتن جسار مرة أتكلم معاكِ إنه كان في ماتش "قتال شوارع" وهما اللي استفزوني أضربهم.
زفرت إيمان نفسها وهي تنظر نحو جسار بلوم وعنفت ذلك الطفل قائلة:
أولاً التصنت عيب، كمان "قتال الشوارع" ده أسوأ شيء إنك تستقوي بقوتك. وكمان وقتها شوفت الكابتن جسار كان متشلفط ومكسر كمان يعني شيء زي ما بتستقوي في غيرك بيستقوي عليك ومش كل مرة هتبقى كسبان. ودلوقتي بطل رغي وعقابًا لك هتلف التراك حوالين النادي لمدة عشر دقايق جري وهقف في الشباك أتابعك.
تذمر الفتى وغصبًا من نظرة عينيها عليه نفذ ما قالته. بالفعل ذهب ينفذ ذلك.
توجهت نحو ذلك الشباك ووقفت خلفه، تنظر للفتى.
بينما أعطى جسار للبقية استراحة لمدة دقائق وذهب نحو ذلك الشباك وقف جوار إيمان التي زفرت نفسها قائلة بلوم:
شايف تأثيرك على الأشبال.
ابتسم قائلًا:
والله ما كان قتال شوارع، ده كان مهمة قتال عصابات. تعرفي إني مبسوط وكان قلبي حاسس إنك هتجي للنادي النهارده.
تركت النظر لذلك الفتى ونظرت نحو جسار للحظات ثم استحت وعادت تنظر إلى الخارج، وأجابته:
أنا مكنتش هاجي على فكرة، بس صدفة قابلت مدير النادي وأنا راجعة من الجامعة وقالي إنك من كنت سافرت من أسبوع لمدة يوم ورجعت بسبب إن في بطولة وفي أشبال من النادي هيدخلها. قولت يمكن كنت مسافر لحاجة مهمة، وإنك ممكن تكون محتاج لمساعدة إني أدرب الأشبال.
ابتسم بغرور قائلًا:
فعلاً كنت سافرت ليوم تقريبًا، بس مش محتاج مساعدة في تدريب الأشبال أنا عندي كفاءة عالية.
نظرت له بسخط وحنق. ضحك قائلًا بافتخار:
أنا معايا بطولات عالمية مركز أول كمان. ممكن أسألك سؤال.
زفرت بحنق أجابته باختصار:
لاء.
ضحك بإصرار سائلًا بمدح:
أنا شايف إن مستواكي عالي في التدريب، ليه مفكرتيش تدخلي بطولات عالمية، بالذات إنك من عيلة ميسورة يعني المصاريف مش هتبقى عقبة لذلك.
أجابته:
أنا واخده الكارتيه هواية مش احتراف، كمان أن بحب التدريب أكتر ومش في دماغي أدخل بطولات رغم إني بجيب فيديوهات لأكبر مدربين الكارتيه وبنفذ الحركات بكل سهولة. تعرف أنا كان مجموعي يدخلني جامعة أعلى من كلية التربية بس أنا بحب التدريس، وعارفة ممكن تضحك عليا وتقولي هتبقي مدرسة ألعاب، بس لأ هبقى مدرسة في الجامعة.
نظر لها بإعجاب شديد، فلو أخرى مكانها كانت فضلت الدلال بسيط عائلتها، لكن تلك شبيه أخيها "مقاتلة". كيف يخبرها أنه مغرم بها فهذه اللحظة. بينما هي الأخرى هناك نظرات عيون بينهم كيف تخبره أنها جاءت اليوم لاشتياقها له.
أغلق جسار الشباك ثم نظر لـ إيمان وتنحنح:
العشر دقايق خلصوا وزمانه راجع يكمل تدريبه. إيمان في موضوع مهم عاوز أتكلم فيه معاكِ بس مش هينفع هنا، لو ممكن نتقابل في أي مكان إنتِ تختاريه.
خفق قلبها بحيرة وأومأت برأسها موافقة. تسمرت عيناهما للحظات يتطلعان لبعض بشعور خاص. سرعان ما تبسم الاثنان حين نظر نحو مدخل صالة التدريب حين رأيا ذلك الفتى يدخل لاهثًا وجهه أحمر كذالك شبه خارت قواه. اقترب منه زملاؤه لكن نظرة تحذير من إيمان جعلتهم ينفضون خوفًا أن يتعاقبوا مثله. كذالك نظرة جسار لهم. ثم عاد ينظرا لبعض ليندفعا بالضحك وهما متوافقان لأول مرة.
في وقت عودته من المدرسة كالعادة قبل أن يذهب إلى منزله يمر بـ بتلك البقالة الخاصة بالعم فتحي.
اقترب وقبل أن يلقي السلام رأى رغد تقول بصوت عالٍ نسبيًا:
إنزل من على السلم وأنا اللي هطلع أرض البضاعة على الرفوف وأنت ناولني العلب. إنت مفيش منك مصلحة عاوز تجري تلعب مع أصحابك ومش مهم ترص البضاعة غلط وتقع فوق دماغنا وتبوظ.
بتذمر استسلم ذلك الفتى ونزل من على السلم قائلًا:
أهو نزلت إما أشوف هترصيها إزاي.
نظرت له قائلة:
هتشوف وياريت تتعلم وشيل اللعب من دماغك إنت مبقتش صغير والمفروض تريح أبوي.
سخط منها الفتى وبدأ في مناولتها بعض العلب كانت تصفها بطريقة صحيحة. تبسم ممدوح قائلًا:
فين عم فتحي ومش عاوزين مساعدة أنا فاضي.
خفق قلب رغد ونظرت نحوه. كذالك الفتى تبسم لـ ممدوح واستغل ذلك قائلًا:
أنا كنت مواعد أصحابي هنروح نشوف زميل لنا عيان. تعالى ناول رغد العلب وأنا هروح لأصحابي قبل ما يوصلوا هنا ورغد تطردهم زي العادة.
لم ينتظر وفر هاربًا.
علت رغد صوتها قائلة:
إستني عندك.
لم يسمع منها وذهب مسرعًا. ضحك ممدوح بينما تذمرت رغد. لكن عاود ممدوح سؤاله:
فين عم فتحي؟
أجابته:
أبوي راح يشتري بضاعة وأنا قولت أساعده وأرص البضاعة دي على الرفوف، بس زي ما أنت شايف أخوي هرب، وهضطر أنزل.
قاطعها ممدوح وهو يدفع ذلك الباب الصغير ودخل إلى داخل البقالة قائلًا:
خليني أساعدك.
خفق قلبها بشدة وأومأت له ببسمة موافقة. بالفعل بدأ في مساعدتها في وضع العلب على الرفوف. حتى انتهيا.
نزلت رغد من فوق السلم. بتلقائية من ممدوح مد يده لها. بحياء منها مدت يدها له بمجرد أن أصبحت على الأرض جذبت يدها من يده. وقفت أمامه لحظات صمت. ولو كان همس القلوب يُسمع لأخبر كل منهم مدى تقديره لأهمية الآخر.
بنفس الوقت قطع ذلك الصمت تلك السيدة التي دلفت تسأل:
الحج فتحي فين؟ يا مشاء الله مين ده كمان اللي واقفة معاه جوه الدكان.
توترت رغد. بينما تلك السيدة بحقد وبصوت أعلى تود جذب المارة:
الحج فتحي فين وسايب الدكان زي التكية للي يدخل يوقف مع السنيورة ويبصوا لعنين بعض و...
قاطعها فتحي من خلفها:
أنا أهو موجود، والدكان مش تكية، وبنتي مش واقفة مع حد غريب، ده الأستاذ ممدوح خطيبها.
شعرت السيدة بغضب أقوى قائلة باستنهاز:
ده اللي بنتك رفضت ابني عشانه. يلا يبقى ياخدها ويقعد في خزانة الفراخ.
نظر لها ممدوح وكاد يتحدث لكن إشارة يد فتحي له جعلته يصمت ورد فتحي:
وماله لما ياخدها ويعقدوا في خزانة الفراخ المهم يصونها ويقدر قيمتها مش يسترخص ويقلل من قيمتها ويعيشها في عذاب وفي الآخر يرميها ويقول شغل سنة وراح.
غضبت السيدة وغادرت. بينما نظر ممدوح لـ فتحي بذهول. ضحك فتحي قائلًا:
الست نجيه طلبت إيد رغد مني وأنا وافقت ويشرفني نسبك يا ممدوح، بس ليا شرط.
خفق قلب ممدوح بتسارع وظن أنه سيطلب منه شيئًا فوق طاقته سائلًا:
إيه هو شرطك؟ إنت عارف إمكانياتي.
أجابه:
الشرط إنك تبطل تبقى متخاذل.
على تلك المياه العذبة بـ شلالات الفيوم.
كان سراج وثريا يسيران بالأعلى. كادت قدم ثريا أن تنزلق لكن بسبب تشبثها بيد سراج جذبها نحوه وضحك.
تذمرت وهي تنظر له قائلة:
الصخرة بسبب الميه بقت ناعمة وبتزحلق.
ضحك وهو يضمها يكملان سير إلى أن وصلا للناحية الأخرى جلسا على صخرة. ضمها سراج تبسمت له وهي تضع رأسها على كتفه.
تنهد سراج قائلًا:
للأسف الوقت بيمر بسرعة وهنرجع المسا لـ دار العوامري. أكيد هلاق مشاكل قد كده. أنا حكاية كبير العيلة دي مش مبلوعة عندي وكلمت آدم وقولت له إنت بتفهم في الشؤون دي أكتر مني. رفض وقالي إنت الكبير.
إبتسمت ثريا وهي تضم يد سراج بين راحتي يدها قائلة:
آدم عنده حق، وإنت قد الشؤون دي بغض النظر إن طبع العسكرية متغلغل فيك وأوقات مش بتفكر وتتسرع في القرار.
نظر لها سائلًا:
قصدك إيه؟
أجابته وعينيها تلمع ببسمة:
أفتكر كويس بداية تعارفنا لما نزلت تهددني في قلب الأرض، وبعدها النسوان اللي خطفوني. أسلوب تسرع. كان سهل ترسم عليا الحب يمكن كنت قبلت ولينت معاك.
ضحك وهو يضمها قائلًا:
لكل شيء تفسير يا ثريا ولما يجي وقته هتعرفي أنا ليه عملت كده. دلوقتي لازم نرجع لدارنا.
بمكان صحراوي قريب من الجبل.
ترجلت ولاء من سيارتها وذهبت نحو تلك السيارة الأخرى التي تقف قريبًا. فتحت باب السيارة ودخلت.
جلست جوار عادل الذي سألها:
ها إيه آخر الأخبار عندك؟ وصلتي لمكان البضاعة وعرفتي مين هو الشبح الخفي؟
أجابته:
للأسف لاه. الموبايل اللي اتبعت منه الرسالة زي ما قولت لك قبل كده ده لـ أخو مرات غيث اللي هي مرات سراج دلوقتي. وبقالي أسبوع مراقبة ممدوح ومفيش أي شيء غريب ده من المدرسة اللي بيشتغل فيها للدار، وأوقات القهوة اللي كان بيشتغل فيها قبل كده. أنا فكرت إن ممكن غيث يكون جنده قبل ما يتقتل، بس اتراجعت مستحيل. ده كان بيكره غيث وشوفت غيث هدده في الوحدة الصحية. ده ملعوب أكيد.
تنهد بنرفزة وترجل من السيارة وهي خلفه قائلًا باستفسار مستهجن:
تمام هو ملعوب بس مين اللي وراه؟ لازم تعرفي بأسرع وقت، لأن خلاص زهقت من أعذارك. واضح إنك كبرتي ولازم يبقى في كبير غيرك. وزي ما خدتي إنتِ مكان ابن عمك بعد قتله، سهل أجيب غيرك.
ارتعبت بارتباك قائلة:
أكيد هعرف مين الشبح الخفي، هي مسألة وقت. كمان سهل أحبط ملعوب الشبح وقتها ممكن يكشف نفسه؟
أجابها بسؤال:
وده إزاي بقى؟
أجابته بترقب:
نقتل ممدوح.
نظر لها بغضب قائلًا:
زي زمان ما قتلتي أبوه لمجرد شك. وفى الآخر طلع الجاسوس شخص تاني. قدامك أسبوع ولو موصلتيش للشبح الخفي ده أنا اللي هتصرف وأشوف غيرك يبقى مكانك هنا.
بذلك البيت.
نظر غيث إلى تلك الصور عبر الهاتف تكشف بوضوح ولاء هي وعادل وهما بالسيارة معًا، كذالك حين ترجلا سويًا. ضحك بصخب قائلًا:
والله وعرفت إن حاميها هو حراميها يا سيادة اللواء. أكيد زمان هديتي الخاصة وصلت لك. كده مبقاش في داعي إن الشبح يفضل متخفي، لازم يظهر ويزرع الرعب. ويسترد كل اللي كان من حقه.
توقف ثم تنهد بقوة وهمس بغضب ساحق:
ثريا.
ليلًا.
بالفناء أمام دار العوامري.
ترجل سراج من سيارته، وذهب نحو ثريا أمسك يدها تبسمت له وهو يجذب يدها يتجهان إلى الداخل.
لحظات ودخلا إلى داخل الدار مازال يضم يد ثريا التي تشبثت بقبضة يده الدافئة.
نظر نحوها بتلقائية وتبسم لها. بادلته البسمة ببسمة تأكيد أنها لن تضعف مرة أخرى تتخلى عن مكانتها كزوجة "سراج العوامري" كبير العائلة.
بذلك الوقت كانت ولاء تتحدث بتجبر وعجرفة وتعالي مع عدلات. التي بمجرد أن رأت ثريا وسراج يدخلان تركتها ولم تبالي وذهبت نحو ثريا ترحب بعودتها بحفاوة تخبرها بمكانتها التي تستحقها.
بينما ولاء شعرت بغضب شديد ونظرت نحوهم بقنوط تشعر بإعصار يضرب رأسها وقلبها غلًا وحقد.
غضب عاصف لو أطلقت أنفاسها فقط ربما تعتصر ثريا تسحقها مثل ورقة شجرة جافة. كذالك سراج ذلك المتمرد.
تعلم بيقين أنه يبغضها منذ صغره. حاولت جذبه إليها بطرق كثيرة لكن فشلت. كان كاسمه سراجًا يحلق بعصيان كالنسر الثائر يجوب بالسماء، يهبط للأرض فقط لاصطياد فريسته. لكن هي ليست فريسة بل صائدة مخضرمة.
نظرت لهما باستنكار واقتربت منهما بغضب قائلة:
أخيرًا رجعتوا من شهر العسل، بس مش شايف إن ده مكنش وقته إن يبقى أخويا لسه ممرش على موته أربعين يوم وإنت واخد مراتك اللي سابتك ومحترمتش موت أخويا ورايح تفسحها وتصالحها. مش عارفه فين نخوتك وحزنك على أبوك. ولا هلومك ليه ما ثريا زي الخية بتلعب بعقولكم. في الأول كان غيث ودلوقتي إنت.
قاطعتها ثريا ببرود وهي تتمسك بيد سراج قائلة:
احترمي نفسك وإنتِ بتتحدتي معاي. سبق وقولتلك مكانتي هنا أعلى منكِ. تلتزمي حدودك بعد كده تتحدتي وياي على إني مرات "سراج العوامري" كبير عيلة العوامري. أنا منستش اللي عملتيه فيا إنتِ وأختك قبل كده.
إرتبكت ولاء وقالت ببجاحة:
واضح إنك نسيتي أنا مين. بس العيب مش عليكي العيب على سراج اللي واقف يسمع وساكت. سايب حرمة تتحكم فيه. لو كان غيث...
قاطعه سراج بنهي:
عمتي كفاية. من هنا ورايح حديدي أنا اللي هيمشي على الكبير قبل الصغير في عيلة العوامري.
تهكمت ضاحكة باستنهاز:
وه... لساك بتعرف تتحدت بالصعيدي؟ أنا جولت نسيت لغوتنا.
أجابها بإغاظة:
لاه منستهاش يا عمتي ومن هنا ورايح زيك زي بقية حريم العوامريه أخرك بيت جوزك هو اللي تتحكمي بيه. هنا في حريم ولاد عمران العوامري وده بيتهم وهما اللي يتحكموا فيه، واولهم ثريا مراتي.
غضب ساحق لو تركت لعقلها التنفيذ لقتلت سراج في الحال بيديها دون رأفة.
ندمت أنها لم تنفذ قتله منذ أن عاد لهنا.
بينما ثريا نظرت نحو سراج وتبسمت وهي تضم يده ليدها بلمعة عين.
بادلها نفس البسمة يضغط على يدها بقوة وذلك كان...
«برهان الغرام»
رواية عشقت طالبتي الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم منار حسين
مضى أكثر من عشرة أيام شتاء دافئ صباحًا.
فتح سراج عينيه، وقع بصره على تلك الغافية جواره. تبسم حين وقعت عيناه على تلك العلامات الداكنة حول عنقها وجزء من صدرها ظاهر بسبب إزاحة الدثار عنهما.
تذكر لحظات عشقهم ليلة البارحة، كذلك إلحاحه عليها بارتداء أحد تلك القمصان شبه العارية وهي ترفض بخجل. بصعوبة أقنعها ترتديها كهدية منها له في ذكرى مولده. كم كانت فاتنة بذاك الزي ذي اللون الأخضر اللامع مثل ورقة شجر يانعة. ضحك على خجلها وتذكر كم كانت واضحة في بداية تعارفهما، عكس تلك التي تزم طرفي ذلك المئزر الحريري القصير الذي بالكاد يغطي فخذيها.
اقترب منها يضمها، يُغدقها بقبلاته التي انسجمت معها ونسيت ذلك الرداء وتجاوبت مع غرامه وهيامه بها، وليلة تُضاف لليالي الغرام الهادئة. بقصد منه تعمد وضع قبلة قوية على كتفها العاري. شعرت بأنفاسه الدافئة، كذلك تلك القبلة. جذبت كتفها وتأوهت بخفوت. ابتسم على ذلك وعاود نفس القبلة.
ابتعدت ثريا بقليلًا، كذلك أعطت له ظهرها. ضحك واقترب منها يضمها، يضع يده على خصرها وهي نائمة، ثم همس بجوار أذنها:
"صباح الخير يا حبيبتي، مش كفاية نوم."
تنهدت بنعاس وجذبت الدثار على كتفها قائلة:
"سراج، سيبني أنام."
حاول إزاحة الدثار قائلًا:
"اصحي، بقينا الساعة تمانية ونص."
تشبثت بالدثار قائلة:
"إن شاء الله تبقي عشرة، سيبني أنام."
ابتسم بمشاغبة قائلاً:
"مفيش وراكِ قضايا في المحكمة النهاردة ولا إيه؟"
أجابته بنعاس:
"لأ، معنديش قضايا."
ابتسم وهو يضمها:
"مش المفروض إنك مرات الكبير؟ ومرات الكبير لازم تهتم بيه وتحضر له فطور وتشوف طلباته."
أشرأبت برأسها تنظر له بنعاس تتثاءب قائلة:
"لأ، مرات الكبير المفروض ترتاح، وفي شغالين في الدار يشوفوا طلباتك. سيبني أنام."
ضحك وهو يقبل وجنتها قائلاً:
"طب احتياجاته الشخصية مش ملزومة من مرات الكبير؟"
تنهدت بلا حيلة واستدارت له وفتحت عينيها قائلة:
"سراج، بلاش إزعاج. أنا مش هقوم من عالسرير. أنا حاسة جسمي كله بيوجعني، كمان أنا قررت آخد راحتي في النوم النهارده بما إني فاضية ومش ورايا قضايا، وأي حاجة محتاج لها عندك شغالين في الدار."
تبسم وهو يقترب يضع قبلة على جانب شفاها. كاد يضم شفاها لكن عادت رأسها للخلف تُغمض عينيها قائلة:
"سراج..."
لم يُعطِ لها فرصة للاعتراض وقبلها هائمًا، ثم ترك شفاها قائلاً بمغزى:
"بس اللي محتاج له عندك إنت بس يا حوريتي."
فتحت عينيها باتساع مذهولة حين ترك شفاها ينظر لوجهها مبتسمًا يقول بصدق:
"مالك مذهولة كده ليه؟"
نفضت الذهول قليلًا وسألته:
"قولت إيه؟"
نظر يتشرب من ملامح وجهها المذهولة وأعاد قوله بمراوغة:
"قولت اللي محتاج له عندك إنتِ..."
توقف ينظر لملامحها المترقبة، عبث بمرح وأكمل بخباثة:
"عندك إنتِ بس."
لوهلة سئمت ملامحها، غص قلبه ثم تفوه أمام شفتيها بصوت أجش:
"حوريتي."
لمعت عينيها واتسعت بسمة شفاها وهي ترفع يديها تحاوط عنقه. اتسعت ابتسامته هو الآخر وهو يُشرف على جسدها بجسده، مقبلًا وجنتيها ثم ذقنها وأسفل عنقها ومقدمة صدرها. حاولت ثريا دفعه بأنفاس مسلوبة قائلة:
"سراج، مش عندك شغل مهم ولازم تخلصه قبل..."
قاطعها يلتقط شفتيها بقبلات عاصفة. تجاوبت مع قبلاته رغم قوتها، كأنها إعصار يعصف بالماضي، يرسم حاضرًا مميزًا تعيشه بين يديه في دقائق مفعمة بالعشق. تشعر كأنها نبتة تُزيح الرمال وتترعرع بخضار. هو كذلك كان سراجًا مضيئًا بقوة، لكن ليس غاضبًا بل يشع ضياءً للقلب.
بعد تلك الدقائق المنعشة اللذان غابا فيها عن الوجود، انتهت العاصفة بقبلة شفتيهم. انزاح سراج عنها نائمًا بظهره فوق الفراش، جذب جسدها لتتوسد صدره، يضمها بين يديه، يقبل جبينها منتشيًا بسعادة، وهو يشعر بأنفاسها الصاخبة على صدره حتى هدأت. رفعت رأسها تنظر إلى وجهه، تلاقت عيناهما، تبسم لها وهو يشد في ضمها. تبسمت هي الأخرى تضع يدها فوق صدره ورسمت بأناملها عدة حروف. تبسم قائلاً:
"بحبك."
رفعت رأسها ونظرت له تهز رأسها بنفي. فضحك قائلاً:
"يبقى بعشقك."
هزت رأسها بنفي أيضًا.
ضحك، فعادت تخط نفس الحروف فوق صدره. تبسم قائلاً:
"سراج."
أومأت رأسها ببسمة موافقة. ضمها تتنفس على صدره قائلة:
"كنت ناوية أكمل نوم للضهر. متنساش المسا قراية فاتحة ممدوح."
ضمها مبتسمًا يقول:
"مش ناسي."
رفعت رأسها ونظرت له قائلة:
"أنا مقدرة حزنك على والدك، وعارفة إنه مش وقت حاجة زي دي. بس دي قراية فاتحة بس وهتبقى عالضيق في بيت عم فتحي بعد العشا لو مش..."
قاطعها وهو يقبل رأسها قائلاً:
"فاهم يا ثريا، وممدوح زي أخويا، وزي ما بيقولوا الحزن في القلب."
أومأت له تشعر بغصة من ملامح وجهه التي تبدلت. لا تعرف دون دراية منها، أو هكذا أراد قلبها حين وضعت قبلة فوق موضع قلبه. ثم رفعت رأسها ونظرت له، تبدلت ملامحه، كأن تلك القبلة ضمادًا وضعته فوق جرح قلبه.
بالقاهرة
بـ فيلا بمنطقة راقية
بذلك المكتب دلف إحدى الخادمات بيدها مغلف كبير قائلة:
"صباح الخير يا عادل باشا."
فرد من الأمن اللي على البوابة عطاني الظرف ده وقال للباشا.
أخذ منها عادل المغلف مندهشًا بذكاء قائلاً:
"تمام، اعملي لي فنجان قهوة."
ذهبت الخادمة بينما جذب عادل مبضعًا صغيرًا وغرسه بالمغلف، قام بفتح جزء صغير، وضع المبضع ثم أكمل فتحه. كان هنالك مغلف آخر أصغر غير مغلق. فتحه وسرعان ما ذُهل من تلك الصور. برد فعل تلقائي ضغط بقوة على ذلك المغلف، شعر بملمس شيء صغير صلب. فتح المغلف وأخرج ذلك الشيء الصلب. كانت "فلاشة صغيرة". نظر لها بفضول. ألقى المغلف بالصور وجذب هاتفه الخاص، وضع تلك الفلاشة بالهاتف. سرعان ما زاد ذهوله وهو يرى فيديو خاص له وهو برفقة ولاء بذلك المكان. أكمل مشاهدة الفيديو لينصعق وهو يرى ذلك الهجوم على مخزن وقتل الرجال، من ثم سرقة محتويات المخزن بأكملها. ظهور رجل من ظهره يستند على عكاز... ثم رفع رأس ذلك العكاز ليظهر بوضوح رأس ثعلب ملتصقة برأس العكاز.
شعر بغضب جم وهو يفكر. عاد جذب الصور مرة أخرى يتأمل فيها من وجهها وظهرها. كما توقع، هناك رسالة خلف إحدى الصور.
رسالة تهديد مباشرة: "تفتكر لو نسخة خاصة من الصور دي وصلتلـ....، وصلت لـ 'سراج العوامري' أبو نسب السابق... لو عايز تعرف أنا مين هتلاقي رقم موبايلي في ضهر صورة من الصور. هرد عليك لو كنت فاضي أو حسب مزاجي يا باشا."
بغضب هادر عاد يفر خلف الصور بتركيز حتى رأى تلك الأرقام المصفوفة. جذب هاتفه وقام بكتابة تلك الأرقام وظل ينظر إلى الهاتف منتظر رد، لكن لم يأتيه. ألقى الهاتف على الطاولة. بنفس الوقت دلفت الخادمة بالقهوة. رأت عصبيته وهو يأمرها:
"مين الحارس اللي عطاكي الظرف ده؟"
أعطته اسم الحارس ثم غادرت. جذب هاتف أرضي وقام باتصال حتى سمع رد الآخر وقال بأمر لرئيس الحرس:
"تعالى لي دلوقتي مكتبي ومعاك الحارس اللي استلم الظرف."
أخفى الصور والفلاشة بأحد أدراج المكتب ولم ينتظر سوى ثوانٍ وكان رئيس الحرس ومعه ذلك الحارس يدخلان إلى المكتب. نهض من خلف المكتب بعصبية سائلاً:
"مين اللي عطاك الظرف ده؟"
أجابه الحارس:
"ده شخص كان راكب موتوسيكل وقال الظرف ده مهم للباشا نفسه، وأنا حطيت الظرف تحت جهاز الإنذار قبل ما أعطيه لرئيس الحرس."
نظر نحو رئيس الحرس الذي وافق الحارس سائلاً:
"ده اللي حصل يا أفندم."
أشار عادل للحارس بالانصراف قائلاً:
"عاوز سجلات الكاميرات وقت ما استلمت الظرف ده."
أومأ الحارس ثم خرج، بينما نظر رئيس الحرس في أثر الحارس حتى غاب عن عينيه، ثم عاد ينظر إلى عادل سائلاً:
"خير يا باشا."
زفر عادل نفسه قائلاً:
"مش خير. قول لي إنت واثق في الحارس ده؟"
أجابه باستفسار:
"واثق فيه يا باشا، ده من كان من أكفأ الحراس اللي اتدربوا عندنا في شركة الحراسات الخاصة... بس خير إيه اللي في الظرف ضايق سيادتك أوي كده."
بثقة فتح عادل درج المكتب وجذب تلك الصور وألقاها فوق المكتب. جذبها الآخر وبدأ ينظر لها ثم سأله باستفسار:
"فيها إيه الصور دي يا باشا؟ يعني عشان سيادتك مع ست في الصور، واضح إنها بمكان مفتوح كمان أنت والست واقفين بعيد عن بعض."
تنرفز عادل وجذب إحدى الصور قائلاً:
"الصور دي جايباها من الصعيد، وفي صورة فيهم أهي مكتوب على ضهرها رقم موبايل. عاوزك تعرف لي تحركات الموبايل ده، ومين صاحبه قدامك ساعة."
أومأ له رئيس الحرس موافقًا، وغادر، بينما ظل عادل يعاود النظر في الصور بتعمق وأعاد الفيديو بتعمق لعله يرى أي ثغرة. وقد كانت الثغرة "رأس الثعلب".
عاود لرأسه حديث سابق وقديم مع ولاء حين أمرها بقتل....
صدح لرأسه مقولتها آنذاك: "ده عامل زي التعلب المكار اللي بيرقد لفريسته، ولازم نتخلص منه قبل ما يغدر بينا." هو... هكذا رجح عقله. جذب هاتفه سريعًا وقام باتصال برقم خاص. سرعان ما سمع الرد كان السؤال:
"قولي فاكر إن كان في شخص طلبتي الإذن بقتله من حوالي سنتين ده كان قريبك، كان اسمه إيه؟"
أجابته بتوتر:
"غيث العوامري."
أغلق الهاتف دون انتظار، وفكر وفكر... وجحظت عيناه يرفض عقله... مستحيل.
بأحد الأماكن القريبة من الصحراء
أعطى جسار زجاجة مياه لسراج. ارتشف منها القليل ثم أغلقها وأعطاها لجسار مرة أخرى. ثم تحدث:
"المعلومات اللي وصلت لينا لحد دلوقتي فيها ثغرة ناقصة. لو الثغرة دي وصلنا لها يبقى وصلنا للعقل المدبر اللي مشغل الشبكة هنا. متأكد إن الشخص ده له مركز كبير."
أومأ جسار موافقًا، ثم قال:
"التحقيقات في الهجوم اللي حصل..." توقف للحظات ثم أكمل: "ليلة فرح أخوك. العربية زي ما توقعنا مسروقة وصاحبها كان مبلغ من فترة. كمان في حاجة لاحظتها في التحقيقات. الكاميرات اللي قدام القاعة صورتها أثناء الهجوم. الكاميرات دي كانت عطلانة مش شغالة من بعد المغرب، رغم إن مدير القاعة قالي إنه ملاحظش إنها مش شغالة. والا كان طلب الصيانة، لأن الكاميرات دي بتساعد مصورين الفرح ياخدوا منها مشاهد كدعاية لاسم القاعة."
تساءل سراج:
"معنى كده إن كان في ترتيب عالي. تمام والمخزن الجديد اللي اتنقل فيه الآثار طبعًا تحت مراقبتك. مش عاوز أي ثغرة. متأكد إن الوقت قرب جدًا."
أومأ جسار قائلاً:
"أنا متابع بنفسي وفعلًا واضح إن الميعاد قرب، لأن الحراسة كانت قليلة ورجعت زادت على المخزن."
تنهد سراج ينظر أمامه وسمع حديث جسار:
"العملية دي مهمة جدًا. تقريبًا أكبر كمية آثار ومخدرات هتم هنا. بس متأكدة المفاجأة بتاعتنا هتبقى أقوى."
أومأ سراج وبداخله تحدث:
"آخر عملية هيقوم بيها النسر الأشول."
بينما تنحنح جسار قائلاً:
"سراج في موضوع شخصي خاص بيا بعيد عن الشغل ولازم أتكلم معاك فيه."
أومأ له سراج مصغيًا. تنحنح جسار قائلاً بهدوء:
"إنت عارف إني هنا في مهمة سرية وبسببها بشتغل مدرب كاراتيه في مركز الشباب... واتعرفت على أخت سيادتك إيمان. في البداية حصل بينا خلاف وبعد كده بدأ إحساس تاني على الأقل من ناحيتي. أنا معرفش مشاعرها إيه من ناحيتيها. بس أنا بصراحة مكنتش عامل حسابي للمشاعر دي، بسبب ظروف شغلنا وخطورته طبعًا. بس..."
تفهم سراج قول جسار، هو الآخر كان مثله لم يضع احتمال لوجود قلبه، كان عقله المتحكم. بينما توقف جسار للحظات وعاد يستطرد حديثه:
"أنا طلبت من إيمان نتقابل وهي وافقت، وأكيد هقول لها على مشاعري ناحيتها، وقلت إنك لازم تعرف."
لمعت عين سراج ببسمة ارتسمت على شفتيه ثم تحدث باستغراب:
"زمان كنت أسمع عن حكاية النداهة اللي بتسحر الناس بصوتها لما بتنادي عليهم. حاسس إن ده حصل معانا. أنا رجعت لهنا المفروض دي أرضي بس زمان اخترت أعيش بعيد بين الخطر. كان أبعد شيء عن تفكيري هو إني في يوم قلبي يضعف. حاسس إن شيء غريب حصل معايا فجأة. في وقت من الأوقات حاولت أقوم. حياتي في الجيش معروف أنها خطر، بس فجأة حسيت إني بنجرف مع الإعصار. أول مرة أحس إني عندي نقطة ضعف في قلبي. ثريا... وقت ما كانت بين ضرب النار، قلبي اترعب... واضح إن المهمة دي كان قدرنا مكتوب فيها نتصارع مع قلبنا قبل المجرمين... أنا عندي ثقة فيك يا جسار. كمان يمكن معاشرتش إيمان كتير بسبب غيابي عن هنا، لكن شخصيتها واضحة... متمردة زي..."
كاد ينطق اسم ثريا لكن تبسم. ثريا ليست متمردة بل محتالة ضعيفة.
عصرًا
أمام المشفى
خفق قلب إسماعيل حين رأى قسمت تجلس على مقدمة سيارته ظهرها له. لوهلة تبسم لكن أخفى ذلك وادعى عدم الاهتمام، وذهب نحو باب السيارة بعدما قام بالضغط على زر التحكم عن بعد. في ذلك الوقت كانت قسمت شاردة. شهقت بخضة حين سمعت صوت إنذار السيارة، وانتفضت واقفة بعيد عن السيارة، ونظرت خلفها وجدت إسماعيل يتجه نحو باب المقود. ذهبت نحوه وهي تحاول تهدئة جأشها قائلة:
"إنت مش شايفني قاعدة على كبوت العربية كده تخضني، عاوزني أقطع خلف ولا إيه."
تحكم بسخرية قائلاً:
"تقطعي خلف، مش لما تبقي تتجوزي الأول."
شعرت بالخجل وتوهت قائلة:
"بقالى ساعة مستنية حضرتك هنا، إيه آخرك."
تهكم قائلاً:
"والله شغلي معروف إنه مش مرتبط بورديات وميعاد معين. وبعدين إيه أساسًا اللي مقعدك كده على عربيتي."
ابتسمت بوداعة قائلة:
"قاعدة عشان أخطفك يا إسماعيل."
ضحك باستهزاء قائلاً:
"تخطفيني... لو..."
قاطعته قسمت قائلة:
"أيوه هخطفك يا إسماعيل. إنت مش عاوز تسمعني بمزاجك يبقى تسمعني غصب عنك، وهخطفك دلوقتي."
ضحك أكثر قائلاً:
"واضح إنك فاضية أو مش في وعيك يا دكتورة. أنا..."
قاطعته بحدة ورجاء:
"إنت إيه؟ إسماعيل من فضلك بلاش الأسلوب ده معايا. إحنا لازم نقعد مع بعض ونتكلم."
تنهد بامتثال:
"تمام بـ..."
قاطعته بأمر:
"لأ دلوقتي."
لم تنتظر وذهبت نحو الباب الآخر للسيارة وصعدت بداخلها. بداخل إسماعيل سعيد من ذلك لكن مازال يرسم الجمود وصعد للسيارة. جلس خلف المقود. تنهدت قسمت ببسمة قائلة:
"أنا جعانة خدنا على أي مطعم."
نظر لها متهكمًا بسخرية:
"ليه مش سبق وقولت لي إنك مش بتحبي لقاءات المطاعم والكافتيريات."
امتثلت قسمت قائلة:
"إسماعيل من فضلك لازم نتكلم بهدوء مع بعض و..."
قاطعها قائلاً:
"أعتقد كلامنا مش هينفع في مكان عام."
نظرت له باستفسار قائلة:
"قصدك إيه؟"
أجابها بمكر وهو يشغل السيارة قائلاً:
"هتعرفي لما نوصل."
حاولت قسمت جذب الحديث مع إسماعيل لكن كان يرد باقتضاب إلى أن أوقف السيارة، وفتح الباب المجاور له، ثم نظر نحو قسمت قائلاً:
"انزلي."
بالفعل امتثلت ونظرت حولها قائلة:
"ليه نزلنا هنا؟"
تنهد قائلاً:
"مش قولتي عاوزة نتكلم. أعتقد هنا أفضل مكان."
نظرت حولها قائلة:
"هنتكلم في الشارع."
تهكم قائلاً:
"طبعًا لأ، بصي وراكِ كويس."
نظرت خلفها وقرأت تلك اللوحة المعلقة كانت لفندق كبير.
فهمت قائلة:
"أه مخدتش بالي... هنقعد في مطعم الفندق، أحسن برضه الجو ساقعة."
هز رأسه بتهكم وحنق ساخرًا وسار نحو داخل الفندق وهي خلفه. ذهب نحو الاستقبال وقف قليلًا ثم أخذ بطاقة ممغنطة ونظر لها قائلاً:
"خلينا نركب للاسانسير."
نظرت له ببلاهة قائلة:
"هنركب الاسانسير ليه؟ هو المطعم في الروف."
نظر لها بسخط وجذبها من يدها للسير خلفه. صعدا بالمصعد الكهربائي إلى أن توقف. فتح إسماعيل الباب وجذب يدها وترجلا من المصعد متجهين إلى إحدى الغرف. قام بفتحها وتجنب لها قائلاً:
"ادخلي."
بالفعل امتثلت ودخلت، دخل خلفها وأغلق الغرفة. نظرت بالغرفة استغربت كانت عبارة عن غرفة نوم واسعة مصحوبة بجزء صغير به بعض المقاعد وطاولة صغيرة. نظرت له باستفسار:
"ليه جينا هنا؟"
اقترب منها وزفر بضجر قائلاً:
"مش قولتي عاوزة نتكلم. أظن المكان هنا مناسب."
توترت قسمت قائلة:
"طب أنا جعانة نتغدا الأول وبعدها نتكلم براحتنا."
تنهد بضجر وجذب هاتف الغرفة طلب لهما طعام. ثم نظر لها:
"طلبات تاني؟"
هزت رأسها بنفي. وظلت صامتة، بينما إسماعيل هو الآخر ظل صامتًا، لكن ذهب نحو الفراش وتمدد عليه يضع إحدى يديه فوق عينيه يتنهد بإرهاق.
نظرت له شفقت عليه، اقتربت منه بخطوات مترددة إلى أن أصبحت بجوار الفراش. بتردد منها مدت يدها وضعتها فوق يده. بمجرد أن لمست يده فك يده وجذبها. تمددت على الفراش، نظر لها وهي تلتقط نفسها بصعوبة وشفاها ترتعش ونبضات قلبها الواضحة بعلو وانخفاض صدرها. خفق قلبه هو الآخر بتسارع وتنحى العقل والتهَم شفاها بقبلات شغوفة، وهي الأخرى كأن عقلها فصل نهائيًا، تشعر بشفاها تُسحق بين شفتيه، ورعشة جسدها من لمسه لجسدها رغم أنها بثيابها. مفاجأة جعلت عقليهم تنحي ولحظة غرام وقبلات تتجانس بشفاههم. لكن قطع ذلك صوت طرق على باب الغرفة. غصبًا فاقا وبصعوبة نهض إسماعيل وقف لثانية يلتقط أنفاسه إلى أن شعر بهدوء نسبي. لم ينظر إلى قسمت التي تتنفس بلهث وشعور مميز ورغبة بعقلها ليته استمر وما نهض عنها. فتح باب الغرفة تنحى جانبًا دخل عامل الفندق بعربة الطعام ثم انصرف. بينما هدأ تنفس قسمت وبخجل نهضت من فوق الفراش. حين دلف إسماعيل نظر إليها وهي تعدل هندامها بخجل. تهكم إسماعيل قائلاً:
"الغدا بره."
أومأت رأسها بعدما تحشرج صوتها. تبسم على ذلك، وبداخله أراد إلتهامها هي، لكن ضبط نفسه.
جلست خلف طاولة الطعام وجلس هو الآخر. رغم شعورها بالجوع لكن تناولت القليل ونهضت قائلة:
"شبعت."
نظر لبقايا الطعام وتنهد قائلاً:
"تمام، أعتقد كده تتكلمي بقى لأن مرهق."
جذبت يده نهض هو الآخر وقف أمامها. نظر إلى كف يده الذي بين يديها وهي تتحدث برجاء:
"إسماعيل، اسمعني. بعترف إني غلطت و..."
قاطعها يجذب يده من قبضة يديها قائلاً:
"كويس إنك معترفة بكده و..."
انقطع بقية الحديث حين تمسكت قسمت بيدها وبسبب قوة جذبه ليده كادت تنزلق، لكن جذبها عليه فتمسكت به وبنفس الوقت ضمها لصدره، ينظر إلى شفاها اللتان تذمهما، وتحكم شوق قلبه وشوقه شوقها له. قبلها بقسوة في البداية كأنه عقاب منه، لكن سرعان ما لانت قبلاته وهي تستجيب لها، يسير بها للخلف وهي مغيبة مثله. لحظات وأصبح الفراش خلفها. لم تفكر وهي تحني جسدها تتمدد أمامه على الفراش وهو الآخر لم يفكر. انحنى عليها، كل منهم نزع عن جسد الآخر ما كان حائل بينهما. لمسات حنونة وشغوفة وقبلات ملتهبة تزداد حرارة وشهقة كانت تضيع بين تلك القبلات، تعلن املاكه لها، قلبًا وجسد. لم يكتفِ منها، مازال يشعر باحتياج المزيد لكن راعى أنها لاول مرة تمر بهذه التجربة. تمدد فوق الفراش وضمها لصدره ينظر إلى خجل وجهها. لوقت ساد الصمت أنفاسهم الصاخبة ونظرات عيونهم. لحظات دقائق. جذبت قسمت يده وتنحنحت أكثر من مرة تجلي صوتها وتحشرجت نبرتها حين قالت:
"إسماعيل أنا آسفة، عارفة إن الوقت مكنش مناسب، بس والله أنا اتضايقت من كلام عمتك أوي لما قالت عليا قدم النحس."
انتهت السكرة وآتت الفكرة. بعدها إسماعيل عنه برفق ونهض من فوق الفراش يعاود ارتداء ثيابه ونظر لها بجمود قائلاً بلوم:
"للأسف عذر أقبح من ذنب يا قسمت. تعرفي كام مرة عمتي قالت لـ ثريا وحنان نفس الجملة، ومافيش واحدة فيهم سابت جوزها في أكتر وقت هو محتاج لأيد تتحط على كتفه وحضن يبكي فيه. عارفه إحساسي لما دخلت الشقة وملقتكيش وبعدها اتفاجأ إنك سبتي الدار كلها."
ضمت قسمت دثار الفراش حول جسدها وكادت تتفوه، لكن وقع بصر إسماعيل على تلك البقعة الظاهرة فوق الفراش. شعر بسخرية بالغة، لكن نظر إلى قسمت بجمود وحدة قائلاً:
"شوفتي وصل بينا الأمر لأيه، بنام مع مراتي في أوتيل، زي..."
قطع بقية حديثه يشعر بأسف من دموع قسمت التي لم تثير شفقته. ثم استطرد بقية حديثه:
"قسمت أنا احترمتك لما قولتي لي أنا مش للتسلية، ودخلت البيت من بابه، واتحملت سخافات والدك الكتير، بس يا قسمت دلوقتي المفروض يبقى لينا حياة خاصة بينا من غير تدخل والدك، لأن صدقيني لو استمر الوضع بينا كده، جوازنا مش هيستمر فترة صغيرة. أنا مش بحطك في اختيار... أعتقد تعرفي عنوان دار العوامري ومعاكِ مفاتيح."
توقف يلتقط نفسه ثم أكمل:
"معاكِ مفاتيح الشقة وقدامك الاختيار يا قسمتو أي قرار تاخديه أنا مش هعترض. هستناك في العربية تحت."
لم ينتظر إسماعيل وغادر، بينما قسمت بكت بحرقة، تشعر بتشتت والاختيار لا قيمة له فإختيارها محسوم، من قبل أن تصبح زوجته فعلًا.
بعيادة طبيبة نسائية
تبسمت حنان وهي ترى نوع جنينها الذي أظهر عن نفسه بأنه صبي. كذالك أخذت بعض الصور الشعاعية من الطبيبة تشعر بسعادة وهي تتوقع رد فعل آدم لاحقًا. غادرت هي ووالدتها بتلك السيارة غير منتبهات لأعين صائدة تتعقبهما بخباثة مثل الثعبان. سارت السيارة بالطريق وتوقفت أمام إحدى محلات ملابس الأطفال. ترجلن هي ووالدتها من السيارة ودخلن إلى ذلك المحل تجولن لانتقاء بعض الثياب. كانت عينيها تلمع بسعادة وهي تختار بعض القطع. تبسمت والدتها قائلة:
"لسه بدري على ولادتك يا حنان، خلينا نستني لآخر شهر ونبقى نشتري اللبس بتاع الولد."
أومأت لوالدتها موافقة، لكن اشترت بعض القطع التي أعجبتها وغادرن المحل ومازال هناك من يتربص بهما. زفر نفسه قائلاً:
"حامل في ولد. لاه وولد العوامري طلع راجل عكس الحديث اللي كان داير عنه، بس مستحيل الصبي ده يجي عالدنيا. بس قبل ما أحرق قلبها عالصبي هحرقه على آدم اللي فضلته عليا."
بشقة إيناس
فتحت هاتفها تتحدث بصوت شبه منخفض عن عمد حاولت إثارة غضب غيث قائلة:
"الليلة قراية فاتحة ممدوح أهو ثريا وبالتأكيد سراج هيحضر معاها."
اغتاظ غيث قائلاً:
"ده أبوه لسه مكملش أربعين يوم."
تهكمت إيناس:
"ثريا ناعمة دي نست الدنيا كلها. أصلك مشوفتهمش وهما مع بعض تقول عصافير العشق. لاه وبتتعامل معاه كأنها مسبق لها الجواز. هو كمان مدلعها ده هب في خالتي ولاء وبسببها بقت نادر لما تروح دار عمي عمران."
استشاط غيث قائلاً:
"وماله خليهم يشوفوا يومين، و...."
أغلقت إيناس الهاتف سريعًا حين دخل قابيل على غفلة منها. نظرت له بارتباك. لاحظ قابيل ذلك فسألها:
"مالك وشك أصفر كده، لما شوفتيني، كنتِ بتتحدتي ويا مين؟"
أجابته بارتباك:
"ولا حد، كنت بلعب بالموبايل."
نظر لها قابيل بترقب من ملامحها التي تبدلت، فقال بقصد:
"بس أنا سمعت اسم ثريا."
توترت قائلة:
"لأ تلاقي سمعت غلط، ده مسلسل أجنبي بتابعه عالنت. وبعدين بلاها سيرة ثريا دي أنا مش بطيقها، ولا إنت لك رأي تاني."
صمت قابيل، بينما نظرت إيناس إلى ملامحه بدأ الشك بتصديق حديث غيث، أن قابيل يهواها. اتخذت القرار الصح حين أخبرت غيث بغرام ثريا وسراج. كان تحريض مباشر منها. لابد أن تتخلص من ثريا. بأقرب وقت ويعود غيث للقصاص منها على خيانتها له.
بينما ألقى غيث هاتفه على تلك الأريكة بغضب من ما سمعه من إيناس تلك الحمقاء تقصد وضع النار فوق البنزين. هو يكبت غضبه غصبًا لكن يكفي. انتهى وسيخرج الثعلب من مكمنه وبداية النهاية ليلة الأربعين. سيسترد الثعلب مكانته ويسترد كل ما كان ملك له.
بمنزل العم فتحي
تمت قراءة فاتحة ممدوح ورغد بحضور سراج. وأصر فتحي على تناولهم للعشاء معًا. تقبل سراج ذلك، كانت نظرات عيناه لـ ثريا المبتسمة تنتشي بقلبه. انتهوا من تناول العشاء. نهضت ثريا تساعد رغد بفض العشاء. وقفن الاثنتين بالمطبخ لحظات. تفوهت رغد بدون قصد:
"حضور سراج بيه الليلة واضح إنه بيحبك أوي أوي، لما أبوي اتحدت معاه عشان ممدوح متأخرش."
استفهمت ثريا سائلة:
"قصدك إيه سراج عمل إيه عشان ممدوح؟"
تبسمت رغد وأخبرتها أنه لولا وساطة سراج ما كان عثر ممدوح على وظيفة مدرس بتلك المدرسة الخاصة. انشرح قلب ثريا أكثر وأكثر.
بعد قليل انصرف سراج وثريا، وبداخلها شعور تود حضن سراج وتقبيله، لكن حين دخلا إلى الدار تفاجئا بـ ولاء التي كانت تنتظر عودة سراج. وحين رأت ملامح وجهه هادئة اغتاظت وسألته:
"مساء الخير، جاي منين دلوقتي."
أجابها:
"كنت بجيب ثريا من دار حماتي."
تهكمت بسخرية لا تود الجدال وإثارة غضب سراج عليها التحمل قليلًا. وقالت:
"شكلك نسيت الأربعين بتاع المرحوم عمران بعد بكرة و..."
قاطعها سراج وعبست ملامحه قائلاً:
"أنا فاكر مش ناسي يا عمتي واتفقت مع مقرئ وهنعمل خاتمة قرآن لأبوي."
تهكمت ولاء وهي تنظر نحو ثريا قائلة بإيحاء:
"طب زين، أنا فكرتك نسيت أصلك مشغول جوي الأيام دي."
فهم تلميح ولاء قائلاً:
"لأ إطمني مش ناسي يا عمتي ومهما كانت مشغولياتي مش هتنسيني أبوي، ولا دم أبوي. وهوصل للي عمل المجزرة دي في أقرب وقت وهياخد جزاؤه."
ارتابت ولاء وارتبكت وتعلثمت قائلة:
"إنت وصلت للي عمل كده."
أجابها بنفي:
"لو كنت وصلت له كان زمانه بياخد جزاؤه، لكن قريب أوي هوصل له."
ازدردت ولاء ريقها وقالت بتهرب:
"أنا كنت مستنياك عشان أفكرك، هروح داري تصبح على خير."
نظر لها سراج متعجباً يقول:
"لأ مش ناسي يا عمتي، وإنتِ من أهل الخير."
غادرت ولاء بل هربت من أمام سراج، بينما تنهدت ثريا بارتياح قائلة:
"بحس بخنقة لما بشوف عماتك الاتنين."
رسم بسمة قائلاً:
"خلينا نطلع لشقتنا أنا مرهق أوي."
ابتسمت بنعومة وصعدت معه إلى شقتهم.
بعد دقائق. تبسمت حين رأت سراج يغلق هاتفه ويتوجه ناحيتها، يضم خصرها بين يديه. ابتسمت له وقامت بوضع قبلة على إحدى وجنتيه. تفاجئ بذلك وسألها:
"وإيه سبب البوسة دي."
أجابته بدلال:
"أنا عاوزة أعمل كده."
ابتسم لها ورد القبلة قبلات، تقبلتها منه بشوق وأعطته حنانًا وغرامًا وهيامًا وليلة غارقة بالعشق. بعد قليل جذبها على صدره تبسمت له، وهي تضمه. ثم رفعت رأسها بسؤال:
"لسه برضوا مش عاوزنا ننام في أوضة النوم التانية، مع إن سريرها أوسع."
ضمها لجسده قائلاً:
"ما هو عشان السرير هنا يادوب على قدنا مفيش مجال تبعدي عني."
ابتسمت وهي تقبل عنقه قائلة:
"عارفة إن المفروض مكنتش تحضر فاتحة ممدوح، طبعًا حاسة بوجع قلبك على أبوك."
سئمت ملامح سراج مازال مازال يشعر بألم من رحيل والده. لكن ببسمة ثريا الصافية، كان مفعولها واضح بقلبه. لولا وجود ثريا معه ربما ما كان استطاع تخطي ذلك الحزن الجم الكامن بقلبه على والده. لمسات ثريا وضمها له كانت له مثل الجذع القوي الذي تمسك بها وسط العاصفة.
رواية عشقت طالبتي الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم منار حسين
بـ دار نجيه
كانت هي والدة ممدوح، مرحة ومزاحة وهي تحتضن ممدوح.
وهو يتعامل معها هي وزوجها بود، فهما دائمًا كانا معهم بالضراء قبل السراء.
تتبسم، تهتف بسعادة بعض الأغاني الفلكلورية بصوت منخفض.
نهتها نجيه بتحذير: "كفاية يا سعدية، ناسيه إن حمى ثريا لسه مكملش الأربعين ميت... الناس تقول علينا إيه."
نظرت لها سعدية بنزق قائلة: "وأنا عملت حاجة، مش كفاية حتى مفرحتش بزرغوطة... والله لو مش الناس تلوم لكنت رقصت في الشارع... بس عشان خاطر سراج جدع."
ربتت سعدية على فخذ نجيه قائلة بأمل: "إن شاء الله ربنا هيعوض صبرك في ولادك خير، وربنا بيرد الظلم أهو. أخوكِ عمال يبيع الأرض حتة حتة، يسد ديون وخساير ابنه. الأرض اللي طمع فيها وكال حقنا فيها، ربنا مش هيباركله عشان خاطر اليتامى اللي كانوا محتاجين."
نهض ممدوح يتثاءب قائلاً: "ابن خالي طول عمره مدلّع وخالي هو اللي فسده. هروح أنام، عندي مدرسة بكرة ولازم أبقى فايق."
ابتسمت له وقالت سعدية بمودة: "تصبح على خير يا عريس وعقبال الفرحة الكبيرة ياااارب."
ابتسم لها وأمّن على دعائها.
غادر ممدوح، بينما نظرت سعدية لأختها قائلة: "أنا قلت لك البنت رغد عاجبها ممدوح وعندها قبول له. روحي اخطبيها له، أهو شايفه الفرحة اللي منورة وشه، وترهنيني هو مش داخل ينام، ده رايح يكلم خطيبته."
أومأت لها نجيه ببسمة قائلة: "والله كنت خايفة إن فتحي يستقل بنسبنا ويقول لي: 'بتي بتتقدم لها زينة الشباب وهتوافق على ولدك'."
قاطعتها سعدية: "وممدوح زينة الشباب، أدب وأخلاق ومش فقير. الفقير هو اللي عينه باصة للي في يد غيره وطمعان فيه، وممدوح قنعان. وفتحي ابن سوق وخابر الناس زين، وهو وافق على ممدوح عشان عارف إنه هيصون بنته. بالك العريس اللي كان متقدم لها ورفضته، سمعت إن أخلاقه بايظة يعني فلوسه ما كانتش هتنفع بنته لمن يفرط فيها ويخليها خدامة لأمه وأخواته. إنما هو عارفك زين إنتِ وممدوح، حتى ثريا، عارف إنها هتعيش هنا معززة مكرمة، ست البيت مش خدامة. لو ما عجبتش أمه يطلقها ويجيب لها غيرها."
أومأت نجيه قائلة: "معايا قرشين ممدوح لما كان بيشتغل في القهوة وكمان جمعية كنت قبضتها من مدة. ثريا كانت عاوزانا نعمل بها تسقيفة على السلم عشان الشتا، وأنا كنت حطاه على جنب قلت للزمن يمكن نحتاجهم لحاجة أهم. كنت بخاف على ثريا أكتر من ممدوح، والله كنت بقول هي حظها خايب، بس الحمد لله ربنا استجاب لدعانا ليها، وسراج مش زي اللي مش هيشوف من ربنا رحمة. أهو لو واحد غيره كان أقل شيء منعها تيجي قراية الفاتحة، لكن ده جه معاها. ربنا يريح قلبها."
ابتسمت سعدية قائلة: "أنا عرفت إن سراج عاشق ثريا يوم ما انضرب عليها نار وفتنت له وحكت اللي عملوه فيها. لو شفتي ملامح وشه وقتها، لو شافهم قدامه وقتها كان قطع أياديهم اللي امتدت على ثريا."
وافقتها نجيه وأكملت: "كمان أنا رجعت اتحدت ويا ثريا عشان تتعالج، يمكن ربنا يكمل سعدها ويرزقها بالذرية الصالحة اللي تسعد بيها قلب سراج."
آمنت سعدية قائلة: "والله يا أختي قلت لها، الطب دلوقتي مبقاش فيه حاجة اسمها مبتخلفش. ناس ما كانوش مصدقين وربنا رزقهم من وسع بعيل واتنين، وفيهم اللي بقى معاه خمسة. وهي شكلها اقتنعت... بصي بقى الأهم دلوقتي ممدوح. القرشين اللي معاكِ نجيب بيهم الشبكة لـ رغد، هي بنت ناس ولازم تتقدر برضك، واللي يفيض نجهز بيه الدور التاني نكمل بنائه وربنا يرزق بالتشطيبات والعفش. أنا دبرت جمعية كبيرة واتفقت مع ممدوح يدخل بمرتبه كله فيها، وأول واحد هيقبضها هو. أهي الجمعية زي قسط بيدفعه كل شهر."
أومأت نجيه بدمعة سالت من عينيها وهي تنظر لسعدية بإمتنان. رأت نجيه تلك الدمعة فسألتها: "ليه بتعيطي دلوقتي؟"
أجابتها بإمتنان: "طول عمرك كنتِ جانبي، حتى لما خدت الفلوس من أخوك ملومتيش عليا، ولا قلت بأخذ بنط على قفاكِ عند أمك وأخوكِ."
تنهدت سعدية وهي تربت على فخذ نجيه بإعطاء مبرر لها: "ربنا يعلم معزة ولادك في قلبي. ربنا مرزقنيش ببنات، والله رغم إني أنا وثريا مش بنتفق، بس بحسها بنتي، ونفسي أشوف ولادها. دول هيبقوا أول أحفادي إن شاء الله. وبعدين، الحاجة مرة يا أختي، وإنتِ كنتِ محتاجة، وربنا مش هيسامح ولا هيبارك لأخوكِ في اللي أخده من ورثنا. وأمك ميجوزش عليها غير الرحمة. أنا سمحتها هي اللي قوته علينا، وكانت عارفة إننا محتاجين وإنتِ كنتِ أكتر. بدل ما كانت تاخد ثواب في يتامى، هو ضحك عليها وخدها لصف وقسى قلبها علينا. أنا مسامحاها."
وافقتها نجيه قائلة: "أنا كمان مسامحاها، هي كانت مغصوبة منه."
توقفت نجيه ثم تنهدت تشعر بسعادة وأمل قائلة: "حاسة ربنا هيعوض ولادي خير."
بـ دار ولاء
في غرفة نوم خاصة بها، أغلقت باب الغرفة بالمفتاح. تركت الضوء مفتوحاً وجلست خلف مرآة الزينة، تقوم بمتابعة تلك الرسائل على هاتفها، تربط الأحداث برأسها. تتذكر الماضي الذي شكل قسوة قلبها هكذا. أم كانت جاحدة القلب تعتقد أن الولد هو ذو القيمة والفتاة مصيرها لزوجها دون امتيازات، سوى للؤم والخباثة أن تكون خبيثة تستطيع معايشة من حولها وتطويعهم لما تريد. لكن عمران كان ذو دلال، فهو الذي أكمل تعليمه وأصبح ذا شهادة عالية، كانت تتباهى بها وسط بقية نساء العائلة، فهو ذو العقل المتنور. لكن رغم ذلك لم يسلم من خبثها. كان ذا إرادة خاصة، أدار شئون العائلة وقام بتوسيعها أكثر وأكثر. حتى حين أراد الزواج لم يمتثل لاختيار والدته، بل اختار هو بنفسه. لولا خطأ لم يعلمه، أن رحمة كانت أرملة وسبق لها الزواج، كانت أصبحت هي سيدة العائلة ذات الشأن العالي. لكن لم يكتشف ذلك إلا وقت عقد القران، وكان قبل الزواج بليلة واحدة. صدمة بدلت حياته. لو كان علم بها سابقاً ربما كان أنهى الزواج. تهكمت: "بل ربما كان التمس العذر لها وعشقها أكثر." وهو ظن أنهم خدعوه لإتمام الزواج بها، وتلك كانت الهفوة التي دخلوا له منها وأبقوه تحت سيطرتهم. بعد وفاتها ظل الندم ساكناً بقلبه وهو يتركها تفعل ما تشاء تحت غطاء سيادته، لكن الآن سراج ليس كوالده. هو ذو هيبة أكبر، كذلك سطوة. كذب حين قال إنه قدم استقالته، ظنت أنها نجحت حين أرسلت له من يتهمه باستغلال مكانته. كان خداعاً. سراج ما زال بالخدمة وهي أصبحت على يقين بذلك. والسؤال بعقلها الآن: هل سيترك سراج منصبه بالجيش ويبقى هنا لإدارة شئون العائلة ويسحب كل سلطتها، أم يعود لمنصبه بالجيش ويرحل مرة أخرى، ويأخذ تلك المحتالة معه؟ أم تظل هما وهي أصبحت سيدة العائلة وتأخذ مكانتها بين النساء؟
"لاااا"، قالها عقلها بقطع. لن تستطيع تحمل ذلك. وماذا إذا اكتشف سراج أنها على صلة ببعض مطاردي الجبل، وأنها طوّعت كل من غيث وقابيل لمصلحتها؟
"لااا"، عقلها يرفض. تخشى أن يفتضح أمرها على يد سراج وتُشمت وتتشفي بها تلك المحتالة ثريا.
شعور بغيض ورهبة بل رعب أصبح هاجس برأسها. لابد من القضاء على سراج قبل أن يكشف ذلك.
فشل ذلك الأحمق قابيل كلفها الكثير، كذلك الشبح الخفي، الذي يرسل لها الرسائل. الهاتف كيف مسجل باسم "ممدوح الحناوي".
"الحناوي"، ذلك الجاحد الذي رفض عشقها له. لوهلة شعرت بنبض قلبها. تذكرت حين كانت ببداية صباها. رأت شاباً كان وسيماً بملامح سمراء اكتسبها من قسوة العمل تحت الشمس. كان عاملاً بمصنع الكتان التابع لهم. عيونه التي تشبه خضار ورقات الصفصاف الجافة. كان ذا هيبة رجولية. لكن صدفة علمت أنه متزوج ولديه طفلان. رغم فقره كان راضياً. كانت حياته معهم بسيطة، رزق يوم بيوم. لكن بسمة طفليه حين يعود إليهم مساءً بقليل كانت كافية تُغنيه عن النظر لما لا ينفعه. لكن كلما رأته كانت تشعر بهوس الانجذاب لها. أرادت رجلاً يضحي من أجلها، ليس فقط بتلك العائلة الصغيرة. فسُهل أن تعوضه بذلك. لكن أرادت رجلاً يحارب من أجلها، مثلما سمعت عن أبطال خاضوا معارك من أجل العشق. هي الثرية بنت الأغنياء، أرادت أن يتحدى تلك السطوة ويفوز بها. لكن كلما تقربت منه كانت تجد النفور. حتى حين سنحت لها فرصة ضاعت بسبب تعنته وتمسكه بأولاده وزوجته التي تزوجها عن حب. هي أيضاً كانت من عائلة ميسورة حقاً، ليست بثراء وسط عائلة العوامري، لكن ذو شأن أيضاً وتزوجها. حقاً كانت أجمل منها، تشبه ثريا كثيراً، عدا العينان. عينا ثريا تشبهان عينا والدها. كلما نظرت لهما تذكرت خيبة الماضي، بالحب الوحيد الذي سكن قلبها، وقتلته بيديها. ذكرى أخرى وعينيها تنصهر وهي تتذكرها. كيف دخلت خلفه لمخزن بالمصنع وهو يقوم بالمتابعة بعد انتهاء العمال عملهم بتنفية بذور الكتان، ليلاً كي يتمم على المخزن ويغلقه. كانت تراقبه وتلك فرصتها. دخلت خلفه تعرض نفسها بمجون عليه، تحاول إغراءه مادياً وجسدياً. لكن لم ينفع ذلك معه. تضايقت من قوة رفضه لها. لم تدرِ كيف جلبت وشاح رأسها وتحكمت عليه بقوة وهي تضعه حول عنقه تضيق الخناق عليه، وهو حاول دفعها بقوة فوقعت على قش الكتان. تنظر له بكره وحقد وهو ينزع عن رقبته وشاحها يقول: "احتراماً لقمة عيشي مش هتكلم لكن لو..."
قبل أن يكمل حديثه كان هنالك قطعة معدنية طويلة تشبه العصا لكن ضخمة الرأس (شومة). جذبتها وقامت بالضرب على رأسه ضربة واحدة بقوة الكره الذي تحكم منها. شعر الحناوي بألم ساحق برأسه ودوخة وصار يترنح إلى أن سقط فوق قش الكتان غافياً. لكن ما زال يحاول المقاومة. جنون امتلك عقلها، وهي تسحبه حتى خرج من المخزن وألقته سقط على الأرض. نظرت له وهو يقاوم ليقف لكن لم تتركه. عاودت خنقه بالوشاح حتى نجحت ولفظ آخر نفس. سحبت وشاح رأسها. رأت ذلك الزاحف على الأرض يخرج لسانه من فمه يبحث عن فريسة. وها هي فريسته، جثة ملقاة أرضاً. اقترب يلعقها بلسانه. ما زال الدم ساخناً بجسد الحناوي. صيد لذلك الزاحف الذي التف على جسده واستلذ بالدم الدافئ من جسد الحناوي الساكن. فرصة، عقلها استلذ ما حدث والقتل ليس صعباً، بل سهل. وكان هذا أول ضحاياها التي سجلت بعد ذلك بموت الحناوي بلدغة ثعبان، وجرح رأسه. ربما بسبب مقاومته لذلك الزاحف. والضحية الثانية كان خطيبها وابن عمها الذي سلمته نفسها قبل الزفاف، فقد كان معقود قرانهما. وحاول التملص منها بعدما نال غرضه منها. لكن هي علمت بسره، أنه يعمل بتجارة الآثار. لضمان صمتها أشركها معه ووافق على إتمام الزفاف وحفظ كرامتها. تمكنت من الاقتراب من الرأس المدبر الذي يديرهم هنا وأخذت مكانه. استغلت شجار بسيط بين عائلة العوامري وعائلة السعداوي وقتله، ليظهر ذلك على أنه ثأر بين العائلتين. لكن تم تصفية ذلك لعدم ثبوت قتل خطيبها على يد أحد أبناء السعداوي. لتنتهي الخصومة بنار باردة. بعدها رفضت الزواج بحجة الحزن على خطيبها الشاب. لكن امتثلت بعد ذلك تزوجت أحد أبناء العائلة بعد وفاة زوجته. زوج بلا مزايا، حتى لم يعلم أنها لم تكن عذراء. أعطته نوعاً من البرشام جعل عقله يتغيب ويصدق ما أمامه دون شعور منه. مرت الأيام وكادت تنكشف على يد ابن زوجها الذي كان يدرس الطب. أرغمته على استنشاق كمية كبيرة من المخدرات. أنهت حياته. ذكريات إجرامها تمر أمام عينيها عبر شاشة ذلك الهاتف، وهي ترى تلك الصور التي تجمعها بـ عادل. نفى عقلها تماماً أن خلف ذلك ممدوح. لو كان هو ما كان أفصح عن نفسه بتلك السهولة. رفعت عينيها عن الهاتف ونظرت لانعكاسها في المرآة، ترى نفسها الأحق بالمكانة والقيمة الكبيرة، ولا أحد سينافسها. يحسم عقلها: "نهاية ثريا مع نهاية سراج."
بـ دار عمران العوامري
بعد مرور يومين، يوم الأربعين.
صباحاً، بشقة آدم.
خرجت حنان من الحمام تشعر ببعض التقلصات في بطنها. بنفس الوقت كان آدم في الغرفة ولاحظ اصفرار وجهها، كذلك انحناءها قليلاً ووضعها يدها أسفل بطنها.
اقترب منها بلهفة سائلاً: "حنان مالك؟ إنتِ تعبانة؟ خلينا نروح للدكتورة."
وضعت يدها على معصمه قائلة: "لأ ده مغص عادي، سبق وحسيت بيه وسألت للدكتورة قالت لي، أوقات بيحصل كده. نقلق لو فضل لوقت طويل، وخلاص دلوقتي تقريباً راح. هرتاح شوية في السرير وبعدها هبقى أنزل عشان النهاردة الأربعين بتاع عمي عمران وأكيد هيجي ضيوف كتير. متقلقش عليا أنا كويسة."
تنهد آدم باستسلام قائلاً: "تمام، عارف إن النهاردة اليوم هيبقى طويل وفيه شغل كتير، بلاش تجهدي نفسك."
أومأت له قائلة: "من غير ما تقول. أساساً خالتي رحيمة هنا ووقت ما تشوفني تقول لي: 'اقعدي ارتاحي'. اطمن يا حبيبي، إنت اللي بلاش تتأخر عشان ترجع بدري المسا."
وافقه قائلاً: "هروح أشوف المخازن والمخزن الكبير هخليه لبكرة."
شعرت بالقلق قائلة: "ربنا معاك يا حبيبي."
ابتسم لها بسمة ممغوصة وهو يقبل وجنتها ثم غادر. نظرت في أثره، شعرت بالأسى عليه، هو يحاول إخفاء حزنه خلف انخراطه في العمل الكثير. تنهدت بنفس اللحظة عاد ذلك المغص. وضعت يدها أسفل بطنها وذهبت نحو الفراش، جلست عليه وجذبت هاتفها. قامت بالاتصال على طبيبتها أخبرتها ما تشعر به فأجابتها: "لأ متقلقيش الأعراض اللي بتقولي عليها ممكن ما يكونش لها تأثير على الحمل وهبعت لك اسم برشام خدي منه، ولو المغص فضل مستمر تعالي لي العيادة بكرة."
"- تمام يا دكتورة متشكره."
أغلقت الهاتف وحاولت التنفس بهدوء وهي تتحمل ذلك المغص الذي شبه هدأ تأثيره.
عصراً.
استغلت ثريا ذلك الوقت القليل، قبل آذان المغرب، وخرجت من الدار خلسة. بعد قليل كانت بعيادة تلك الطبيبة النسائية. نظرت لمساعدتها وقالت لها: "أنا كنت حجّزت ميعاد بالموبايل."
سألتها المساعدة عن اسمها، أجابتها. ابتسمت المساعدة قائلة: "تمام، دورك بعد الست اللي جوه مع الدكتورة."
أومأت ثريا، وجلست.
بنفس الوقت بـ دار عمران العوامري.
يدخل سراج، تقابل مع عدلات التي رحبت به فسألها على ثريا، فأجابته: "كنت شيفاها رايحة ناحية باب الدار من شوية، يمكن طلعت تجيب حاجة."
شعر بقلق، بينما تفوهت عدلات: "محتاج مني حاجة؟"
هز رأسه بنفي، غادرت عدلات بينما القلق ساكن عقل سراج. أخرج هاتفه وقام بالاتصال. انتظر رد ثريا، رغم أنها لم تتأخر وقامت بالرد سريعاً، لكن القلق ينهش قلبه. حين سمع صوته، تنهد بتسرع سائلاً: "ليه خرجتي من الدار؟ إنتِ فين يا ثريا؟"
أجابته بهدوء: "أنا في مشوار ومش هتأخر، قدامي ساعة، ساعة ونص بالكتير وأرجع الدار."
تساءل بقلق: "وليه ما خدتيش العربية بالسواق معاكِ؟"
أجابته: "المشوار قريب، ومتقلقش قبل المغرب هكون في الدار قبل ميعاد خاتمة القرآن بتاع الأربعين."
تنهد باستسلام: "تمام، متتأخريش."
بنفس الوقت رأت إشارة مساعدة الطبيبة أن دورها قد حان. حاولت الهدوء كي تنهي الاتصال قائلة: "لأ مش هتأخر ومتقلقش، يلا لازم أقفل الاتصال."
أغلقت الاتصال وحاولت تهدئة ضربات قلبها العالية وهي تتوجه نحو غرفة الطبيبة.
بينما سراج أغلق معها الاتصال، وقام باتصال آخر سرعان ما رد عليه، فسأله بقلق ولهفة: "المدام فين؟"
أجابه: "المدام دخلت عيادة دكتورة نسا."
هدأ سراج قليلاً قائلاً: "تمام، عينك عليها ممنوع تبعد عنها، مفهوم؟... تبقى زي ضلها."
أغلق الهاتف، وقف يتنهد يحاول نفض ذلك الشعور السيء الذي يعرف له سبباً. لديه يقين بأن هناك غدار ربما يستغل اليوم بندالته وخسته.
بينما بداخل غرفة الكشف، انتهت الطبيبة من معاينة ثريا، ثم ذهبت نحو مكتبها. هندمت ثريا ثيابها ثم توجهت هي الأخرى نحو المكتب. أشارت لها الطبيبة بالجلوس فجلست.
تنهدت بعملية قائلة: "بصي يا ثريا، هصارحك بحالتك كاملة... ممكن العلاج ياخد وقت كبير و..."
شعرت ثريا بغصة قوية وقاطعتها: "يعني ممكن مخلفش؟"
تبسمت الطبيبة بعملية قائلة: "كل شيء في إيد ربنا، وده مش معناه جزم إنك مش هتخلفي. أنا شفت حالات أسوأ من حالتك والحمد لله اتعالجت والنهاردة بقى عندهم ولاد كتير. بس بقول لك كده عشان عارفة إحساسك إيه، وعشان كده مش عاوزاكِ تستعجلي. الحكاية مجرد وقت."
قاطعتها ثريا مرة أخرى: "وقد إيه الوقت ده؟"
أجابتها الطبيبة: "مقدرش أحدد الوقت. كمان ممكن نلجأ للحقن المجهري وده نسبة نجاحه عالية جداً، فيه ستات كتير خاضت التجربة وبقت نسبة نجاحها فوق التسعين في المية."
فكرت ثريا ثم سألتها: "يعني ممكن أستبدل العلاج بعملية الحقن المجهري؟"
أومأت الطبيبة لها قائلة: "ممكن، بس في الحالة دي مش بس إنتِ اللي بتاخدي علاج، كمان زوجك."
فكرت ثريا: ماذا لو أخبرت سراج بذلك؟ هل سيوافق؟ شعرت بغصة في قلبها. ربما وقتها يرفض.
بعد المغرب.
كان هناك تجمع بـ دار عمران. تم توزيع أجزاء القرآن الكريم على الموجودين من أجل قراءته ترحماً على عمران. ظل لوقت ليس بطويل، انتهوا بعد العشاء تقريباً.
بـ شقة سراج.
كانت ثريا جالسة على الفراش، عقلها شارد. تفكر هل تخبر سراج بإجراء تلك العملية، أم تلتزم الصمت وتخوض رحلة علاج وحدها. لم تنتبه لدخول سراج إلا حين دخل إلى الغرفة وتنحنح وهو يقترب منها يشعر بأن هناك ما يزعجها. لم يسألها، بل هي نهضت نحوه قائلة: "أنا حضرت لك الحمام، أكيد اليوم كان مرهق جداً."
تفاجأت حين جذبها واحتضنها بقوة وهو يضع رأسه على كتفها، يزداد ضمة يديه لها. وعقله يتخيل لو أصاب ثريا مكروه. حين علم بخروجها جن عقله، وحين علم من الحارس أين هي أرسل سيارة حراسته بالمكان، لكن هدأ حين علم بعودتها سالمة. ضمته بقوة تشعر أنها تحتاج إلى ذلك الحضن. فكرت في إخباره بما تريد لكن أرجأت ذلك. فالليلة كانت صعبة، قررت تأجيل ذلك.
شقة إسماعيل.
رغم أنه يشعر بالإرهاق النفسي، لا يعلم سبب إصرار خالته عليه الصعود والمبيت بشقته. فهو كان بالفترة الماضية يمكث بغرفته القديمة. دلف إلى الشقة، استغرب. كان هناك ضوء متسرب من غرفة النوم. بتلقائية ذهب إلى الغرفة لكن تسمر واقفاً على باب الغرفة حين رأى تلك التي نهضت تقترب منه قائلة: "تعيش وتفتكر يا إسماعيل."
باستغراب وتسرع تفوه بسؤال: "قسمت، إيه اللي جابك هنا؟"
غص قلبها وهي تقترب منه قائلة بعتاب: "هي دي مش شقتي؟ ولا إنت خلاص مبقتش عاوزني؟"
أجابها إسماعيل: "لأ مش قصدي، بس..."
قاطعته وهي ترفع يديها حول عنقه بدلال قائلة: "بس إيه؟ فكرت إني مش عاوزاك؟ رغم الأسلوب اللي اتبعته معايا كان جاف، بس أنا رجعت عشان هنا مكاني جنبك، مش نتقابل في الأوتيلات زي ما قلت. على فكرة مش هنسالك اللي قلته، لو مكنتش مشيت كنت هقولك خدني معاك، لشقتنا. أنا بحبك يا إسماعيل، يمكن في لحظة طيش سمعت لكلام بابا، كمان كنت مضايقة وفعلًا حاسة إني وش نحس، خوفت إنت كمان تقول لي نفس الكلمة."
تهكم إسماعيل قائلاً: "أنا واحد شغال معظم وقته مع الأموات وعارف إن الموت مش بعيد عن أي إنسان، ومؤمن بالله وعارف إن كل شيء قدر. صحيح الإحساس لما يكون الشخص عزيز غير لما يكون معرفوش، وده مش أي شخص، ده أبوي."
تنهدت بألم وهي تضمه تهمس جوار أذنه: "بحبك يا إسماعيل."
لوهلة خف ألم قلبه وعاد برأسه ينظر لها. تعاملت بلؤم: "بس برضه زعلانة منك ومن اللي عملته معايا، كان إيه هدفك؟"
تنهد قائلاً: "بدون هدف يا قسمت، حياتنا إحنا اللي نتحكم فيها، والطريق السهل مفيش أسهل منه."
أومأت له ببسمة، فاقترب من شفاها. وضعت كف يدها حائل قائلة: "لأ أنا. لسه مضايقة من إنك سبتني في الأوتيل."
تنهد بضجر قائلاً: "إنتِ مجرد ما سبتك في الأوتيل أضايقتي، وأنا اللي سبتني في أكتر وقت محتاجك فيه..."
قاطعته وضمته قائلة: "خلاص كفاية عتاب يا إسماعيل، خلينا ننسى ونبدأ حياتنا من غير ما نشيل من بعض."
أومأ لها مبتسماً، ضمها بقوة وهي الأخرى ضمته وهمست: "أنا بحبك يا برجوازي."
تنهد في البداية بضجر وحين ضمته وقبلت وجنته تبسم كالطفل الذي عثر على هدية قيمة.
بذلك البيت.
ضحك غيث يصدح، هو ماكر. يعلم أن سراج الليلة لن يكون غافلاً، يتوقع أن تكون الضربة الثانية الليلة. لكن هو نجح أن يتلاعب بـ سراج الليلة. كان من السهل عليه اليوم خطف ثريا وهي خارجة من عند الطبيبة. تبدلت الضحكة لضجر وغليل، وهو يفكر: لماذا ثريا كانت عند تلك الطبيبة؟ أتكون حامل؟ نفى ذلك سريعاً وتذكر إخبار الطبيبة لهم قبل خروجها من الوحدة أن النزيف أثر على حالة الرحم وأصبح من الصعب الحمل بسهولة، قبل العلاج. إذن لماذا كانت عند الطبيبة؟ شعر بقهر. بالتأكيد تود الإنجاب من سراج. هنا أصبحت شرايينه متدفقة مثل فيضان عاصف. لا، لن يحدث ذلك. فتح ذلك الحاسوب ونظر إلى شاشته. ظهر الفراش واثنين نائمين عليه جوار بعضهما، لكن لاحظ شيئاً كأنه لا يوجد حركة رغم إضاءة الغرفة الخافتة، كذلك لا يوجد صوت. وذلك تكرر.
عاود التركيز، الصورة نفسها التي كانت بالأمس. تأكد حين عاود استرجاع فيديو الأمس. نفس الفرش ونفس طريقة النوم على الفراش والصوت صامت. هنا أيقن أن هناك خدعة، وهو وقع بها.
باليوم التالي.
صباحاً، بشقة قابيل.
ما زال هناك شك يتوغل بعقله من أفعال إيناس بالفترة الأخيرة. كذلك يشعر بالغضب من توبيخ ولاء المستمر له، لكن لن يستسلم وسيفعل أي شيء. انتهى الصبر لديه. صفعة ولاء الأخيرة له كانت النهاية. دخل إلى غرفة النوم، لاحظ ارتباك إيناس. ربما ليس ارتباك، بل مثل هذيان عقلي، وهي شبه تتحدث مع نفسها، لكن انتبهت حين دخل فصمتت. نظر لها قائلاً: "أنا خارج وهتأخر، عندي كام مشوار وهرجع المسا."
أومأت له. استغرب عدم فظاظتها وعادتها في سؤاله إلى أين سيذهب ومتى سيعود وترجيها له بألا يتأخر.
غادر مترقباً.
لحظات وخلعت إيناس ثيابها، بدلتها بأخرى وتسحبت من المنزل، تسير بترقب تتلفت حولها حتى وصلت إلى مكان تلك السيارة التي كانت تنتظرها. صعدت لها، لم تنتبه إلى تلك السيارة الأخرى التي سارت خلف السيارة، لكن السائق لاحظ ذلك، فقام بإرسال رسالة مضمونها أن هناك من يتبعه، فأجابه الآخر: "تمام، تعالى لي عالبيت، والضيف يشرف وراك."
بعد قليل.
ترجلت إيناس من تلك السيارة، هوس النظر حولها يلازمها، حتى دخلت إلى الداخل. استقبلها غيث بهدوء بارد وفتور منه.
بينما ترجل قابيل من السيارة الأخرى، نظر إلى المنزل من الخارج كان قديماً. تساءل عقله ما الذي أتى بـ إيناس إلى هنا. شك في البداية أن هذا المنزل ربما مملوك لأحد المشعوذين. إيناس سبق حدثته عن إيمانها بتلك الخرافات. لم يتوانَ كثيراً، دلف إلى الداخل يدور حول المنزل. كان الطريق ممهداً حتى وصل باباً خلفياً قديماً، بمجرد أن وضع يده عليه انفتح. بحرص منه دخل من ذلك الباب، يترقب بذهول المنزل من الداخل عكس الخارج. حتى توصل إلى صوت إيناس التي تتحدث بصوت عالٍ يشبه الخناق. تتبع الصوت، ودخل إلى ذلك المكان.
بينما إيناس واقفة تصرخ على غيث الذي جلس بهدوء يسمع لها بضجر، لكن ينتظر وصول ذلك المتسلل. بالفعل وصل، وتفوه: "إيناس!"
نظرت له بذهول يكاد قلبها أن يتوقف.
بينما غيث ينظر ببرود. بينما وقع بصر قابيل على ذلك الجالس، ولم يتعرف عليه، إلا حين تفوه ببرود: "أهلاً بأخويا في الرضاعة، ولا أقول أخويا اللي طمع في مراتي وقتلني عشان يوصل لها."
بذهول خرج صوت قابيل متحشرجاً: "غيث!"
بمنزل والد حنان.
نهضت قائلة: "الحمد لله الدكتورة طمنتني إن المغص ملوش تأثير على الحمل وإنه عرض جانبي."
تنهدت والدتها براحة: "الحمد لله، بس امشي عالعلاج اللي كتبته لكِ وبلاش تطاوعي نفسك على قلة الأكل."
ابتسمت حنان قائلة: "حاضر يا ماما. همشي أنا بقى، عشان أنا مقلتش لـ آدم إني هاجي لهنا، كان هيقلق، ويعرف إني هروح للدكتورة."
تبسمت لها قائلة: "الحمد لله. ابقي سلمي لي عليه."
تبسمت حنان وهي تغادر نحو تلك السيارة التي كانت تنتظرها أمام المنزل. صعدت إلى الخلف مباشرة وأغلقت الباب. جلست تسند ظهرها للخلف، لكن قبل أن تتحدث سمعت صوت إغلاق أبواب السيارة إلكترونياً، وآخر صوت قبيح تقول بارتياب وذهول: "حفظي!"
بعدها غابت عن الوعي أمام نظر ذلك المغفل الوضيع.
أمام إحدى المحاكم.
اقتربت تلك السيدة من ثريا. بسمت ثريا، فهي تعرفها جيداً، فهي نفسها التي صفعتها قبل أشهر حين تعمدت خسارة قضيته.
تحدثت السيدة برجاء وشبه توسل: "أستاذة ثريا أنا جايه لكِ عشان تتوسطي ليا عند سراج بيه؟"
استغربت ثريا وسألتها: "أتوسط لك في إيه؟"
أجابتها: "سراج بيه حكم على ابني يدفع النفقة بتاعة ولاده مضاعفة، لما جالنا الدار وقال ده عقاب يعني، يعني عشان ضربتك بالقلم."
ذهلت ثريا من قول السيدة، لكن سرعان ما خفق قلبها وتبسمت باشتياق لذلك الذي مع الوقت تكتشف عنه أشياء كانت مخفية عنها.
بنفس الوقت توقفت سيارة نقل كبيرة أمام المكان. أخفت ثريا خلفها.
في ذلك المنزل كان حديثه آمراً عبر الهاتف: "تكون عندي النهاردة. لو فشلت الأفضل تضرب نفسك برصاصة في دماغك."
مساءً.
بـ دار العوامرة.
يسأل سراج عدلات عن ثريا، أجابته أنها لم تعود منذ الصباح منذ أن خرجت. ظن أنها بالتأكيد ذهبت لمنزل والدتها، قام بالاتصال على هاتفها.
انتظر حتى نهاية الرنين الأول، ثم عاود الاتصال.
منتصف الرنين فُتح الخط، تفوه سريعاً: "حبيبتي أنا في الدار."
صُعق حين سمع ذلك الصوت البغيض: "للأسف حبيبتك رجعت."
رواية عشقت طالبتي الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم منار حسين
قبل وقت قليل
بذلك المنزل
وقف قابيل مذهولًا يكاد عقله يفر من رأسه وهو يعاود نطق اسم غيث بصوت خرج منه شبه مرتجف:
إنت إزاي لسه عايش مستحيل!
ضحك غيث متهكمًا بنبرة غيظ:
عُمر الشقي بقى، يا ابن عمي ولا... أقول أخويا بالدم اللي طمع في مراتي و...
قاطعه قابيل بحِده:
افكر كويس مين اللي طمع في مين، أنا اللي عرفتك مكان ثريا عند المحامي، قولت لك إنها عجبتني، لكن انت زي عادتك غدار طمعت فيها عشان أتجوز من أختك...
وسط احتداد نظراتهم وحديثهم حول تلك اللعينة ثريا شعرت بالغيرة والحقد وهي تنظر نحو قابيل:
خية وقدرت تلعب بيكم انتم الاثنين وتوقعكم في بعض وتتصارعوا عشانها، وفي الآخر راحت اتجوزت سراج، طبعًا عشان....
قاطعها قابيل باندفاع:
انت اللي طول عمرك غلاوية وأنانية كنتِ عارفة إن عمري ما قلبي مال ناحيتك، لكن إزاي لازمن تفوزي في النهاية، رغباتك لازمن تتحقق حتى لو عيشتي مع راجل عمره ما كان بيجمع بينكم غير السرير، حتى ده كنت بحس بقرف واشمئزاز منك.
اقتربت إيناس من قابيل تضرب على صدره بتكذيب:
كذاب انت بتحبني، ثريا عاهرة هي اللي دايما بتعرف تدخل للرجالة منين، والدليل غيث وسراج...
توقفت لوهلة تضحك بهستريا قائلة بجنون:
دلوقتي هي متجوزة من اتنين، أكيد هتتسجن، ولا أقولك يا غيث... اقتلها ونضف شرفك اللي دهسته برجليها، مكفاهاش خدت الأرض لاه كمان، لفت على سراج واتجوزته، معندهاش أخلاق، وانتم بريالة عليها زي العيال الصغيرة.
اُغتاظ غيث منها بغضب بينما دفعها قابيل بالقوة عنه، حتى أنها بسبب قوة الدفعة كادت تقع أرضًا لولا اصطدامها بأحد المقاعد. جلست عليه تلتقط نفسها كأنها تشعر بنار تجتاح رئتيها. بينما نظرات غيث وقابيل لبعضهما مثل ألسنة اللهب، قطع الصمت استهجان قابيل بضحكة استهزاء وغِل:
قبل كده انت خطفتها مني واتجوزتها وياريتك عرفت توصل لها متأكد إن اللي كنت بتحكيه إنك بتعمله فيها كذب، بدليل اللي حصل بعد كده، وقفت واتحدت العوامرية كلياتها وخدت منهم الأرض... اللي تعمل كده مستحيل تكون زي ما قولت عليها خاضعة ليك، انت....
نظر غيث بجحود وغباء يزمجر مثل الثعلب الغاضب:
لو مكنش غدرك، كنت فرجتك عليها... دلوقتي...
قاطعه قابيل مستهجنًا:
دلوقتي هي متجوزة من سراج لو تشوف وشها اللي بقى يبتسم كنت عرفت إنك ولا حاجة، زي أي طيف عابر مر في حياتها... خيانتك ليا وطمعك فيها خسرك... ودلوقتي راجع تنتقم من مين ولا مين....
توقف قابيل للحظات وتذكر أمر مخزن البضاعة ثم نظر له بيقين غاضب ومتغضن الملامح:
انت اللي سرقت البضاعة من المخزن.. أوعى تفكر إنك هتعرف تصرفها.. البضاعة دي مرصودة.
ضحك غيث بزهو وهو يرفع قبضة يديه عاليًا قائلاً:
مرصودة من مين، من الجان، ناسي... أنا الشبح الخفي، كل خطوط اللعبة بقت في يدي من الكبير للصغير أنا اللي بقيت بتحكم فيهم.
ضحك قابيل قائلاً:
طول عمرك عندك غرور وجنون العظمة.
تهكم غيث قائلاً بوعيد:
طبعًا لازم أخلص تاري منكم كلكم، وانت حظك كنت الأول...
بلحظة أشهر غيث سلاحه ناحية قابيل الذي كأنه قرأ أفكاره هو الآخر وجه فوهة سلاحه ناحية غيث... وكل منهم يسمع صوت فتح صمام الأمان. ذُهلت إيناس بل جُن عقلها ونهضت واقفة تتبادل النظر بينهما وصرخت بقوة قائلة بهزيان:
للدرجة دي السافلة ثريا لعبت بعقولكم وهتقتلوا بعض عشانها.
نظر لها غيث باستهزاء، فهي لا تفكر سوى بـ ثريا لا تعلم أن هناك حسابات أخرى، لكن لم يهتم بها، بينما قابيل نظر لها بسخط قائلاً:
هوس ثريا هيضيع عقلك...
اقتربت إيناس من قابيل شبه تتحدث بتوسل:
انت بتحبني أنا... رد عليا، ثريا دي عاهرة، نزوة وأنا...
قاطعها صوت رصاصة خرجت بالخطأ من سلاح قابيل حين حاولت إيناس حضنه، أقل من سنتيمترات كادت تصيب غيث، الذي غضب وبلحظة كانت رصاصة من سلاحه يطلقها، لكن أخطأ الهدف حين أصابت الرصاصة كتف إيناس التي حاوطت قابيل بجسدها، أمام رصاصات غيث الغادرة والهادرة، أخذها قابيل درعًا واقيًا وهو يتراجع للخلف، يحاول الفرار من الرصاص، حتى ألقى جسدها أرضًا بعدما فاضت روحها وهي تبكي تنظر إلى قابيل وعقلها مثل المسحوب كأن الرصاص الذي اخترق جسدها مثل المطاط فقط تتمعن النظر إلى وجه قابيل تشعر بنار تسري في جسدها وعينيها تتأمله لآخر لحظة كأنها تستحث منه أن يقول لها أن عشقه لـ ثريا كذب وهي من عشقها، لكن فاضت روحها دون سماع ذلك... أصبحت جثة ملقاة أرضًا، وما زال رصاص قابيل نحو غيث الذي توقف عن إطلاق الرصاص وهو يختبئ هو الآخر من رصاصات قابيل، ذلك الأحمق ظن أن الرصاص لديه قد انتهى... بل هو ثعلب غير متوقع ماذا يفكر وهو يراوغ فريسته الغبية... انتهى الرصاص بسلاح قابيل، نظر نحو باب الخروج من ذلك المنزل، وهل ذلك سهل... لكن لا يمتلك سوى المجازفة هرول سريعًا وكاد يصل إلى باب الخروج، لكن أصابته رصاصتان بقدميه جثا أرضًا، اقترب منه غيث متهكمًا بسخط وتحدث بنبرة وعيد:
كان سهل عليا أقتلك، لكن كان هيبقى رحمة ليك، انت حسابك ابتدا يا قابيل، هخليه تصرخ وتطلب الموت يرحمك.
في أكبر المخازن، ذلك المخزن شبه ملعون سبق وحدث به أكثر من حريق سابقًا كما أنه نفس المخزن الذي توفي فيه والد ثريا، حدث أكثر من حادث مؤسف، حتى أن معظم العاملين يتشائمون منه لكن لقمة العيش... دلف آدم إلى المخزن ينظر بجوانبه ورسم بسمة قبول للعاملين الذين يشعرون أنه ذو ود عكس عجرفة والده الراحل، كانوا يعملون بجد ونشاط لإنهاء أعمال التنظيف بيوم واحد ولقصر نهار الشتاء أيضًا، حتى حل شبه الظلام، ليس لنهاية النهار بل بسبب سوء الطقس الذي فجأة انقلب إلى أمطار غزيرة لم تستمر سوى دقائق، بنفس الوقت فجأة انقطعت كهرباء المخزن، كاد يذهب أحد العاملين إلى مكان مولد الكهرباء الخاص بالمخزن، لكن منعه آخر وأخبره أنه سيذهب هو، بالفعل ذهب وعاد بعد دقائق، لكن فجأة سمعوا صراخ أحد العاملين أن هناك مسًا كهربي وأصدر أكثر من شرارة ولقربه من بواقي أعواد الكتان الجافة اشتعلت نار لكن ليست قوية كذلك هي قريبة من مولد الكهرباء، خاف العمال وهرولوا إلى الخارج حفاظًا على حياتهم، كذلك آدم الذي اتجه نحو ذلك الحريق، لكن جذبه أحد العمال وأبعده عن النيران التي بدأت تشتعل قائلاً بتحذير:
آدم بيه المخزن فاضي مفيش حاجة يتم عليها والنار مش هتنطفي بسهولة، بس الدخان ممكن يختقنا، خلينا نطلع برضو نتصل بالمطافي بسرعة.
وافقه آدم وخرج مع العامل وهاتف المطافي التي جاءت سريعًا وقامت بالسيطرة وإطفاء الحريق بالفعل بعد قليل انخمد الحريق والخسائر كانت بعض المعدات ليس أكثر... لكن خرج أحد الموظفين بالنيابة قائلاً:
واضح إن الحريق رغم عدم تأثيره الكبير، بس الكهربا كان فيه سلوك ملمسه لبعضها عن قصد وده السبب في الحريق.
استغرب آدم ذلك، وفكر ثم صافح المختص بعد قليل، بمخزن آخر دلف أحد العمال إلى آدم ومعه آخر، ارتاعب حين أشار آدم له بالمغادرة وأغلق الباب خلفه... نهض آدم واقترب من ذلك الشاب قائلاً بهدوء:
ليه لمست سلوك الكهربا في المخزن لبعضها.
نفي العامل ذلك، تعصب آدم على غير عادته قائلاً:
تمام في لجنة من النيابة هتحقق في الحريق، وانت اللي كنت رحت تشوف مولد الكهرباء، يعني المتهم الأول.
فزع العامل واقترب من آدم قائلاً:
والله يا بيه...
قاطعه آدم بعصبية:
الموضوع خرج من إيدي...
توقف قليلاً يتلاعب بأعصاب العامل الذي سرعان ما اعترف:
أنا جالي واحد وعطاني فلوس وقالي ألمس سلوك الكهربا لبعضها، وأنا والله دوب لمست سلكين.
تهكم آدم:
لمست سلكين... والحريقة اللي حصلت، وافرض المخزن كان ولع بالعمال اللي فيه، انت تستحق تتسجن، بس أنا ممكن أسامحك لو خبرتني مين اللي عطاك الفلوس.
أجابه العامل بتردد:
حفظي بيه السعداوي... أنا عامل غلبان وشقيان على لقمتي...
قاطعه آدم بتعسف موبخاً:
لو كنت غلبان وشقيان على لقمة عيشك كنت حافظت عليها بالحلال، دلوقتي في تحقيق في النيابة هتدلي بأقوالك باللي قولته وإلا...
قاطعه العامل بتوسل:
نيابة لا يا آدم بيه.
نظرة عين آدم جعلت العامل يصمت، بينما سمع آدم صوت رنين هاتفه، فنهض واقفاً وقام بالرد، ليقول بفزع:
قولي مكانك فين، وأنا جاي فورًا.
بأحد الأماكن العامة
جلست إيمان خلف أحد المقاعد، نظرت حولها وسرعان ما ارتسمت بسمة طفيفة على شفتيها، لاحظها جسار الذي جلس بالمقابل لها، بفضول سألها:
بتبتسمي ليه؟
انفرجت شفاها ببسمة واضحة وأجابته:
ببتسم على نفسي، تعرف إن دي أول مرة أقعد من مكان مفتوح ويكون مع شاب.
لم يفهم من إجابتها سوى أنها تجلس معه، ظهر عدم الفهم على وجهه:
ابتسمت قائلة:
لما دخلت الجامعة، عمتي ولاء كانت معترضة كان نفسها مكملش تعليمي، أو على الأقل أدخل كلية للبنات وبس، عشان خايفة زمايلي الشباب يعرفوا أنا بنت مين ويضحكوا على عقلي بالحب طبعًا، طبعًا ده تبرير غير مقنع وأبوي مقتنعش بيه، وقال أنه واثق إني مش ضعيفة ولا سهل حد يضحك عليا، بس أبوي كمان كان غلطان... صحيح أنا مش ضعيفة، بس اتقدم قدامي مغريات كتير، تقدر تقول عليا زي ما بعض زمايلي الشباب اللي حاولوا يتقربوا مني في منهم اللي بلع غطرستي طبعًا عشان هدف في دماغه وأنا كمان كان في هدف في دماغي... أنا داخلة الجامعة بس عشان أتعلم يعني مفيش مشاعر، وده اللي حصل معايا، حتى لما كنا بنبقى زملاء وجه شباب قعدوا معانا في مكان عام كنت بضايق وأول واحدة تقوم وتفركش القاعدة "هادمة اللذات" يعني.
ضحك جسار بفهم قائلاً:
بس أنا مش زميلك في الجامعة ولا غاوي لعب على وتر القلوب، بالعكس آخر شيء كنت أفكر فيه هو الموقف اللي إحنا فيه دلوقتي، كذا مرة حاولت أمي ومرات أخويا يقنعوني أقبل بس أقعد مع بنت هما معجبين بيها، وكنت برفض عشان من يوم ما دخلت الأكاديمية الحربية عرفت إن مسؤليتي تجاه بلدي أقوى من أي مسؤولية تانية في حياتي، يبقى ليه أدبس غيري في حياتي... بس واضح إن القدر زي ما قالي سراج القدر جابنا هنا لهدف إحنا منعرفوش، مشاعر لأول مرة نحس بيها، في الأكاديمية كنا بندرس إن في لحظة بتكون قدام اختيار ولازم تاخد قرار، ونتيجة القرار ده غير معلومة... وده اللي حصل معايا، انا كنت حاضر زفاف إسماعيل مش كمدعو بدعوة منك، رغم متأكد إن وقت الدعوة كان غصب عنه بسبب إحراجي ليكِ قدام مدير المركز.
توقف لحظة فابتسمت إيمان بإيماءة، فاستطرد حديثه:
أنا كنت حاضر الزفاف بكياني الحقيقي كضابط في الجيش، كان متوقع حدوث شيء غير مألوف، صحيح اللي حصل كان خارج توقعنا، بس كنت بأدي مهمة تأمين الزفاف، بدون ما أكشف عن هويتي العسكرية طبعًا، وده اللي حصل فعلاً، رغم إني ساهمت في الحماية وقتها غصب بسببك لما طبعًا حضرتك عندك تمرد وفضول، بس طبعًا ده مكنش وقت لا التمرد ولا الفضول... فاكر نظرة الخوف عليكِ اللي كانت في عين والدتك، كمان نظرة التعجب والاستفهام في عينك بعد ما شوفتيني في إيدي سلاح.
أومأت بغصة وتغضنت ملامحها مازال الحزن يجعل قلبها يئن على فراق والدها بتلك الليلة المشؤمة.
شعر جسار بالأسف فقال معتذراً:
متأسف، عارف إن مكنش فيه لازمة للمقدمة اللي قولتها، بس يا إيمان أنا لما طلبت نتقابل كان هدفي شيء تاني، أنا راجل عسكري ماليش في المقدمات التمهيدية أو الرومانسية.
رغم حزن قلبها لكن تبسمت شفاها قائلة:
أنا كمان، مش بحب اللف والدوران، كمان طبيعة شخصيتي أحب الطرق المختصرة.
تنهد جسار قائلاً:
من الآخر يا إيمان تقبلي تكملي معايا طريق حياتي.
مهما كانت قوتها وغرورها واعتزازها، لكن تظل أهم سمة في معظم البنات هي "الخجل".
خجلت فصمتت... لم يستغرب جسار من ذلك الخجل ولا الصمت، لكن شعر بحيرة من صمتها، دقائق، قطع الصمت النادل الذي وضع تلك الأكواب أمامهم ثم غادر، لم يستمر الصمت حين قطعه جسار بذكاء ومراوغة:
عارف إنك عندك طموح تبقي معيدة في الجامعة ممكن...
قاطعته إيمان بخجل:
أنا موافقة يا جسار.
ماذا سمع... نظر لها مشدوهاً، وود لو نهض وقام باحتضانها... مشاعر مجنونة تسيطر عليه، بينما هي بسمة خجل على غير عادتها... لكن فجأة نحت الخجل وقالت:
طبعًا عندي شروط لازم توافق عليها.
أومأ لها مستمعاً:
أولاً... والدتي بعد وفاة أبوي مقدرش أبعد عنها.
سألها بعدم فهم:
بمعني؟
أجابته:
يعني هفضل عايشة هنا في الصعيد.
نظر لها قائلاً باعتراض:
بس أنا طبيعة شغلي مش مرتبطة بمكان.
نظرت له بتصميم قائلة:
ده شرطي.
نظر لها قائلاً:
ده شرط تعسفي يا كابتن.
بهاتف قابيل تمت بقية مهمة الانتقام
بصفح ذلك الجبل
دخلت ولاء وهي تعتقد أن في انتظارها قابيل بعد أن هاتفها أنه عثر على هوية الشبح الخفيها هي تدلف إلى داخل الكهف لكن تسمرت قدميها كأنها التصقت بالأرض وهي ترى قابيل معلقًا على جدار ذلك الكهف ينزف وهو يتألم، بصعوبة نطقت اسمه بارتجاف وصوت مهزوز:
قابيل! مين اللي... عمل... فيك كده.
هو أصبح يغيب فقط يرى غشاوة خيال أمامه، ربما سكرة الموت وصعوبة ألم خروج الروح من جسده بعالم آخر يئن بخفوت...
لكن أجابها صوت غليظ من خلفها:
الشبح الخفي... اللي عمل فيه كده.
لم يستطع جسدها الاستدارة ورؤية من يجيبها، بالتأكيد ذلك الصوت ليس سوى وهم... بصعوبة ووتعلثم كأنها طفل يتهجى الحروف لأول مرة:
غ..ي..ث.
ضحك ساخراً يقول:
غيث يا عمتي.
لم ينتظر وظهر أمامها برقت عينيها هي بكابوس مستحيل ذلك وكيف لكن عقلها عاود الاستيعاب واتصال عادل عليها وسؤاله عن ذلك الشاب الذي قُتل منذ عامين... الآن فهمت سبب ذلك السؤال... غيث هو الشبح الخفي.
لكن كيف ما زال حيًا، عيناها تكاد تلتهم ملامحه وتلك العصا الذي يستند عليها وهو يسير نحو جسد قابيل المعلق على الحائط مثل الإطار الموضوع بداخله صورة، لكن ليس هذا إطار بل إنسان ينزف لا تعلم من أين، يهذي بألم جم... بخفوت نطقت:
انت إزاي لسه عايش؟
ضحك باستهزاء صوت ضحكاته يهز صداها الكهف بصوت يترك رعبًا بالقلب قطع ضحكاته وأجابها:
هو كل ما أشوف حد يسألني نفس السؤال... للدرجة دي موتي كان مريحكم، للأسف يا عمتي، على رأي المثل "عُمر الشقي بقى" وما فيش أشقى مني تربيتك بقى.
برعب نظرت له سائلة:
قصدك إيه؟
أجابها بهدوء بارد:
يعني عندنا في الصعيد، مش بنقبل العزا قبل ما ناخد بتارنا... وأنا تاري مع كتير أوي، باخده واحدة واحدة كده عالهادي.
ارتعبت وهي تنظر له قائلة بتعجرف وهي:
انت مش عارف أنا مين؟
ضحك باستهزاء قائلاً:
عمتي وخالتي اللي نمت نزعة الإجرام عندي، كنت نواية صغيرة لكن وقعت في إيد مدرب ماهر طوع النزعة دي لحد ما بقت النواية هي المدرب الأول، وجه وقت ياخد مكانه ومكانته، أنا خلاص وصلت للراس الكبيرة وبقي بينا اتفاق رسمي إني أكون أنا الكبير هنا، بس طبعًا لازم نحتفل بتقاعد المدرب السابق ونعمل له أحلى... صمت قليلاً يتلاعب وهو ينتشي من رؤية الرعب في عينيها قبل أن يستطرد حديثه:
حفلة وداع.
رعب كفيل بأن يتوقف قلبها لكن نطقت بخفوت:
قصدك إيه، انت ناوي على إيه افتكر...
قاطعه بصرامة:
افتكري انت إني التعلب اللي ربيتيه على إيدك وخدت منه الطبع الأول وهو... الغدر.
مع نهاية كلمته شعرت ولاء بأيادي تمسكها من يديها ترفعها عن الأرض وهي في البداية لا تشعر بجسدها، لكن سرعان ما شعرت بأحبال قوية من الخيش الخشن تخدش في يديها حاولت المقاومة لكن هيهات فقد مضى ذلك وهي تشعر بتلك الأحبال تلتف حول جسدها ترتفع قدماها عن الأرض قليلاً، ثم نظرات غيث لها المنتشية من صراخها، وهو بداخلها برود يقول:
من يوم الحكومة ما هجمت عالجبل ده وبقي فاضي بقى وكر للديابة والتعالب الضالة، تعرفي يا عمتي رغم غدرك بيا، بس هتفضلي دايمًا صاحبة فضل عليا، وجهتيني للطريق اللي مناسب لذكائي الحاد، هستأذن أنا وأسيبك مع الخاين قابيل، يمكن بينكم حديث خاص مش عاوزني أسمعه... أشوفك في الجحيم يا عمتي.
صرخت عليه بقوة تكاد أحبال صوتها تنقطع تشعر بجروح من تلك الأحبال التي تسببت في نزف يديها بسبب حركتها وهي تتلوى، ربما تستطيع فك تلك الأحبال، لكن صوتها لم يكن سوى جاذبًا لتلك الحيوانات الضارية.
بالعودة إلى سراج
الذي لوهلة خفق قلبه بهلعًا ليس خوفًا من ذلك البغيض بل خوف على ثريا ورد فعلها الغير متوقع، تمالك نفسه بقوة وحدثه بأمر:
ثريا لم يصابها خدش صدقني يا غيث مش هيكفيني أمثل بجثتك حي.
ضحك غيث بغلظة قائلاً بإغاظة:
عيب عليك توصيني على مراتي.
قال ذلك وأغلق الهاتف... متعصبًا ينظر إلى تلك الغافية نظرات كراهية وحقد وغِل... لو ترك لجام عقله لقتلها بوابل من الرصاص، لكن لا ذلك لن يشفي غليله بعد أن رآها بين يدي سراج تبادله الغرام بقبول واستمتاع، لم تفعل ذلك معه، حتى تلك الليلة الذي أعطا لها فيها ذلك المنشط المثير شعر وقتها أنها كانت تستجيب له غصبًا بلا إرادة عقلها، ومنعه من تكملة امتلاكها ذلك الهاتف اللعين... نظرات وحدها تعريها أمام عيناه لكن ما الفائدة من ذلك الآن.
على الجهه الأخرى...
نظر سراج الهاتف وتأكد من إغلاق الاتصال سريعًا فتح أحد البرامج على هاتفه وانتظر لحظات حتى ظهرت إشارة بالهاتف، خرج من الدار سريعًا، وقاد سيارته بسرعة في ذلك الوقت قام بالاتصال على جسار سُرعان ما رد عليه فأمره:
جسار عاوزك تجهز ليا قوة فورًا الشبح الخفي ظهر نفسه، وخطف ثريا، كمان عاوز شخص موثوق فيه يجيب الكاميرات اللي كانت قدام المحكمة، غيث واضح إنه خاطف ثريا في عربية، لأن الإشارة عندي متحركة مش ثابتة أكيد هياخدها لمكان ثابت، مش عاوز يستغل الموقف ويؤذي ثريا.
أجابه جسار:
تمام، حاول تهدأ، هو مش من مصلحته يأذي المدام.
أجابه بقلق:
ده مجرم وغير متوقع رد فعله، عاوزك تهجم على المخزن اللي فيه الآثار دلوقتي حالًا... هي دي الضربة اللي هتجنن عقله.
وافق جسار:
تمام يا أفندم.
أنهى سراج الاتصال وما زال ينظر إلى تلك الإشارة بهاتفه، ما زالت غير ثابتة، خفق قلبه بقلق يتمنى أن يكون رد فعل ثريا عكس توقعه وتتحلى بالشجاعة... القلق يجعل من قلبه ينتفض، لكن تذكر تلك الليلة التي ذهب فيها لـ منزل والدة ثريا بعد أن تركت له تنازل عن الأرض...
بالعودة لتلك الليلة
كانت جاثية منهارة تبكي بحرقة تنتحب، جثا بجوارها حاول ضمها لكن هي تمنعت وقاومت ودفعت يديه، لكن هو صمم على ضمها، ضمها بين يديه وصدره يسمع شهقات قلبها وهي تبكي، تذم نفسها، هو متأكد أن ذلك بسبب رعبها من غيث الذي ظهر لها أكثر من مرة وآخر مرة كان ليلة مقتل والده... لقد رآه في تسجيل الكاميرات الداخلية للقاعة كان حاضرًا بالزفاف ولابد أثناء ضرب النار كان بالداخل وبالتأكيد ظهر لها، وهي من وقتها ازداد الهلع في قلبها، ضمها لصدره بقوة وبقرار قائلاً:
ثريا غيث عايش.
رفعت رأسها جحظت عينيها تكاد تخرج من مقلتيها وقلبها ينتفض يكاد يتوقف من قوة نبضاته، تحشرج صوتها بعذاب وهي ترفع يديها تكاد تلطم وجنتيها، فقد تأكدت من ما كان عقلها يحاول تكذيبه، حقيقة غير قادرة على استيعابها، لا ليس استيعابها، بل تحمل مرارتها... بصعوبة هتفت بدموع وشِفاه ترتعش، لا بل جسدها بالكامل ينتفض تتحدث بتقطع:
هو راجع عشان ينتقم مني، هينفذ تهديداته اللي كان بيهددني بيها... أنا شوفته هو اللي ضرب عليا نار... كان عاوز يقتلني... ياريتني كنت متت وارتحت.
أمسك يديها قبل أن تصل لوجنتيها ضمها قائلاً بنهي:
بعيد الشر عنك يا ثريا.
رفع يده يمسح دموع عينيها واستطرد حديثه:
ثريا انتِ غالية عندي ومستحيل أسمح يصيبك أذي.
- أذي. وهل هناك أذي أكثر من عودة ذلك المجرم، الذي ظنت أنها استراحت من العذاب برحيله، كان مجرد وقت قليل وعاد يلاحقها العذاب... وكذلك عاود عقلها الانتباه أنها تزوجت بـ سراج.
نظرت له بنظرة ضعيفة وتلجلجت بقولها:
يعني أنا دلوقتي متجوزة اتنين!
ضمها لصدره أكثر بتملك قائلاً بتأكيد ملكيته:
انتِ مراتي أنا وبس يا ثريا.
نظرت له باكية تهزي برعب:
هينفذ تهديديه أمي.. أخويا.. خالتي وولادها... هيقتلهم...
صمتت للحظة ثم ضمت سراج بخوف قائلة:
وانت كمان يا سراج، هو معندوش قلب و....
قبل أن تستكمل نحيبها، تبسم سراج وضمها ثم عاد ينظر لوجهها سعيدًا أنه ذو أهمية لديها وخافت عليه... بثواني كانت شِفاه تُعانق شفتيها بقُبلة وديعة بثّت بقلبها الطمأنينة نظرت له تبسم لها قائلاً:
ثريا أنا هسيبك كام يوم تريحي أعصابك عارف جو الدار مش هيساعدك تهدي، بس اتأكدي إنك دايمًا تحت عيني، أنا بحبك ومستحيل أتخلى عنك وخلي عندك تأكيد انتِ ملكي أنا وبس.
أنهى قوله بقُبلة قوية متملكة ثم ترك شفتيها ونظر لها قائلاً "مش قُبلة وداع".
عاد من تلك الليلة على إشارة هاتفه تُعطي أنها بمكان ثابت... تنهد وهو يرى المكان متوجهًا نحوه، وبداخله يتمنى أن يخيب توقعه وتواجهه ثريا المحتالة المتمردة.
بالجبل
حمل أحد رجال غيث ثريا وتوجه إلى أحد الكهوف، وضع ثريا أرضًا وقام بربط أحد ساقيها، بأصفاد حديدية مغروسة بحائط الجبل.
ساعات قليلة وبدأت ثريا تعود للوعي تشعر بيبس في جسدها، حاولت الحركة لكن شعرت بتقييد، فتحت عينيها كان تحاول التنفس بعد أن دخلت إلى أنفها رائحة تعلمها بل تكرهها، في البداية شعرت بخفقان زائد في قلبها وهي تفتح عينيها على أسوأ كوابيسها لكن للغرابة الآن لا تشعر بالخوف منه بل بالغثيان من نظرات عينيه، نظرت نحو جسدها كان ثوبها انزاح قليلاً عن ساقيها ولسبب ارتداء البنطال لم يظهر منها شيء، لكن خفق قلبها حين تنحنح غيث وهو ينظر لها بغضب قائلاً:
أخيرًا اتقابلنا تاني يا ثريا...
شعرت برهبة لكن تمثلت بالقوة الواهية قائلة:
لأ مش تاني يا غيث مش عارفة عدد المرات اللي اتقابلنا كذا مرة الفترة اللي فاتت ليلة ما ضربت عليا الرصاص، وكمان ليلة فرح إسماعيل.
لمعت عينيه بإعجاب وهو يقترب منها بعينيه يفترسها وجثى لجوارها قائلاً:
تعرفي إن انت الوحيدة اللي لما ظهرت لها مستغربتش، ولا خافت عكس ما كنت متوقع، لأ واضح إنك اتغيرتي عن قبل كده الخوف كان بينط من عينك مجرد ما تلمحيني، بس يا ترى إيه هو سر التغيير ده...
- الحب.
كانت كلمة يسمعها غيث من خلفه من ذلك الذي تسلل إلى المغارة، وأكمل باستقلال من شأن غيث:
التعلب دائمًا بيعيش منبوذ.
استدار غيث ينظر له لوهلة برهبة لكن سرعان ما ضحك قائلاً:
سراج العوامري وصلت بسرعة أوي.
ضحك سراج وهو ينظر له بإغاظة قائلاً:
لما يكون التعلب غبي سهل توصل له بطُعم هو بيتشاه ومش طايله، والطُعم ده كان..... ثريا.
الصياد الماهر هو اللي يعرف يحط الطُعم المناسب لصيدته في شباكه، وانت كل رغبتك بتتشاهي توصل لـ ثريا وأنا كنت صياد ماهر وعشان كده قربت منها واتجوزتها عشان أوقع التعلب الغبي في الفخ عشان يرجع يظهر من تاني بكل سهولة لما يشوف فريسته اللي راغبها في إيد غيره.
ضحك غيث بغضب وغيظ، فقد استطاع سراج استزازه بسهولة لكن هو ثعلب ماكر، ضحك ولمعت عينه وهو يقول:
مش عيب على سراج العوامري يتجوز بواقي غيره، لأ وكمان على ذمة راجل تاني، دلوقتي كده هي اللي هتختار بينا، تؤتؤ يا سيادة القائد المغوار... موقف مش لصالحك بالتأكيد.
ضحك سراج باستهزاء:
انت اللي غلطان يا غيث، كل اللي بيحصل لصالحي، انت متعرفش إن ثريا عارفة مفيش أي اختيار بيني وبينك مش عشان بتحبني.... لأ عشان حتى بظهورك تاني ثريا أنا جوزها الوحيد وده مثبت شرعًا وقانونًا... وانت دلوقتي قانونًا مجرد مجرم خاطف مراتي.
من نظرات أعينهم لبعض كان هناك احتداد يؤكد أن «المواجهة ما زالت مستمرة».
رواية عشقت طالبتي الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم منار حسين
بمنزل والد رغد
إبتسم ممدوح لذلك الصبي بعدما أنهي له شرح أحد الدروس. تبسم له الصبي قائلًا بمدح:
"والله يا ممدوح إنت شرحك سهل عليا الدرس. أنا مكنتش فاهمه حتى من المدرس في الدرس. بعد كده مش هروح دروس وأجيلك تشرح لي."
دخلت والدته تذمه قائلة:
"إيه ممدوح دي؟ تقوله يا أستاذ ممدوح بعد كده. إنت فاهم."
نظر الصبي إلى ممدوح قائلًا:
"ممدوح صاحبي و..."
قاطعته والدته بتعسُف وزم قائلة:
"إيه صاحبك دي؟ كان بيلعب معاك في السايبر اللي بتروح له مع أصحابك العيال الصايعة. بعد كده تقوله يا أستاذ ممدوح. إنت فاهم."
تذمر الصبي قائلًا:
"فاهم."
بينما غمز له ممدوح فإبتسم.
رحبت بـ ممدوح بحفاوة. بعدها دلفت رغد تحمل صينية عليها مشروب دافئ. وتبسمت لوالدتها وهي تنسحب وتترك باب الغرفة مفتوح. كان حديثهم بعدة مواضيع تنحدر خلف بعضها إلى أن مضى الوقت. تنحنح ممدوح بحرج وهو يخرج تلك العلبة المخملية الصغيرة من جيبه وبتردد مد يده بها نحو رغد قائلًا:
"بكرة عيد ميلادك. أنا عارف إن الهدية صغيرة و..."
قاطعته رغد وهي تأخد منه العلبة بخجل وفتحتها واظهرت انبهار قائلة:
"السلسلة دي ذوقها حلو أوي."
تبسم ممدوح، لكن لوهلة انسأت ملامحه في البداية، ثم عاد يبتسم حين قالت:
"بس... بس يا أستاذ ممدوح، إنت ناسي إن عندك طلبات والتزامات كتير الفترة الجاية. يعني مش وقت هدايا خالص. المفروض تفكر في الأهم وبعدين الهدايا. أنا لو مش أول هدية منك كنت قولت لك خدها رجعها ونستفاد بتمنها بشيء أهم. كنت رجعتها. بس هحتفظ بها، كمان ذوقها عاجبني أوي. بس بعد كده مش هقبل منك هدايا."
انشرح قلبه وتفتحت ملامحه قائلًا:
"دي هدية صغيرة يا رغد. كمان عامل حسابي أجيب لك شبكة حسب مقدرتي."
ابتسمت له قائلة:
"مش عاوزة أكتر من دبلة بس يا ممدوح. كفاية بس تكون عليها اسمك."
جخلت من ما تفوهت، ضمت شفتيها بحياء. بينما تبسم ممدوح قائلًا:
"إنتِ اللي كفاية عليا يا رغد. إنتِ اللي رجعتي ممدوح يحلم ويصدق إن حلمه ممكن يتحقق."
بدار والد إيناس
شبه فقدت زوجته عقلها وهي تصرخ بنواح. عقلها غير مصدق ذلك الخبر الذي وصل لهم باستدعاء من الشرطة. في البداية قالوا إنهم وجدوها ملقاة أمام أحد المشافي. في البداية ظنوها مصابة، لكن في الحقيقة هي قتيلة فارقت الحياة. تهذي بغياب ولاء. ربما لو جوارها الآن لأخبرتها أن ذلك كذب. كيف تفقد ولديها وهي مازالت حية؟ كيف تتجمع حولها النساء يرثيها؟ كانوا لابد أن يكون رثائها هي. لثاني مرة والألم أقوى وأبشع. ولديها "غيث، إيناس" قُتلا. وأين ولاء.
قبل وقت قليل بأحد المشافي
دلف آدم إلى إحدى الغرف متلهفًا ومخضوضًا. لم ينظر نحو مجدي الذي يجلس جوار سناء على أحد المقاعد بالغرفة، بل توجه نحو تلك الراقدة على الفراش موصول بيدها بعض الأنابيب الطبية. انحنى يُقبل رأسها. سمع نحنهة والدته. فنظر نحوهم يسأل مباشرة:
"إيه اللي حصل لـ حنان."
أخفض مجدي وجهه للحظات ثم نظر نحو زوجته التي شعرت بالأسف. لاحظ آدم نظرهم لبعض. تفوهت والدة حنان:
"حنان الحمد لله بخير. والدكتورة طمنتنا عليها هي والجنين."
نظر آدم نحو مجدي الذي يشعر بالأسف والندم. أنه يومًا ما فكر بحفظي كزوج لحنان. تأكد أن آدم هو الأفضل. لم يكن عقله يصدق أفعال حفظي الدنيئة أن تصل إلى هذا الحد.
وتذكر
[قبل ساعات]
صدفة أو ربما تدبير القدر، أثناء دخول أخو حنان، بدراجته النارية إلى المنزل، رأى حفظي وهو يصعد إلى تلك السيارة التي يعلم أنها لزوج أخته. كاد يذهب إلى السيارة ويسأله، لكن جاءه اتصال هاتفي. تجنب وقام بالرد على صديقه. قبل أن ينهي اتصاله، رأى حنان تتوجه إلى السيارة وصعدت من الباب الخلفي إلى داخلها. سرعان ما انطلقت السيارة. دخل الشك برأس أخيها. هو على دراية بأخلاق حفظي السيئة. لقد رآه مرة يتحرش بحنان وحذره، لكن حفظي استخف به. أغلق الاتصال وعاود تشغيل دراجته النارية ولحق بالسيارة. سار خلفها. لاحظ ابتعاد السيارة عن طريق دار العوامري. ازداد الشك برأسه. لوهلة فكر بزيادة سرعة الدراجة. ربما استطاع قطع الطريق عليه، لكن سرعة السيارة كذلك الطريق واسع سهل أن يتجنبه ويتخطاه. ظل خلف السيارة بترقب وتركيز إلى أن توقفت السيارة بمكان جديد شبه تحت الإنشاء وترجل حفظ. دلف إلى داخل تلك البناية الحديثة للثواني، وعاد مسرعًا يتوجه للباب الخلفي وجذب حنان حملها ودلف مرة أخرى. في ذلك الوقت وصل أخوها بالدراجة وتوقف ينظر حوله. المكان يبدو منطقة سكنية جديدة وهناك القليل من السكان. فكر أن يقتحم ويذهب نحو حفظي ويأخذ حنان منه، لكن على دراية أن قوة حفظي تفوقه. وكذالك بالتأكيد معه سلاح ناري. سبق وأن تباهى أنه لا يسير بغير سلاح معه. ربما لو تهور يتصرف حفظي بغضب ويؤذي حنان، بل يؤذيهما معًا. لم يفكر وفتح هاتفه قام باتصال. سمع رد مجدي بضجر:
"بتتصل علي دلوقتي عاوز إيه."
بلهاث أجابه:
"حنان يا أبوي."
ترك مجدي متابعة تلك الأوراق وانتبه بلهفة لحديث ولده سائلًا:
"مالها حنان."
أجابه:
"حفظي... " توقف لوهلة ثم استطرد مرة أخرى: "حفظي خطف حنان يا أبوي."
انصعق مجدي ونهض واقفًا يقول باستهجان:
"بتقول إيه."
أجابه بتوضيح:
"حفظي يا أبوي خطف حنان من قدام دارنا وأنا مشيت ورا العربية بالموتوسيكل، وهو دلوقتي وقف العربية ونزل منها وشال حنان ودخل بيها لعمارة..."
تلهف مجدي سائلًا:
"فين العمارة دي، وإزاي مجولتش من أول ما شوفته."
أجابه:
"العمارة في منطقة جديدة قريبة منا. خوفت أكلمك العربية تتوه عني. أنا في نفس المكان دلوقتي، بفكر أدخل وأحاول..."
قاطعه مجدي بنهي:
"أوعاك تتدخل. خليك مكانك وأنا جاي فورًا."
بالفعل لم يمر وقت طويل وكان مجدي أمام تلك البناية ومعه اثنين من العاملين لديه. ترجل من السيارة وتوجه نحو وقوف ولده. سأله:
"عرفت هما في انهي شقة."
أومأ له قائلًا:
"أيوة يا أبوي، في أول شقة على اليمين في الدور الثاني."
سريعًا أشهر مجدي سلاحه وأشار للعاملين أن يتبعوه، كذلك ولده.
بينما بتلك الشقة، قبل دقائق، وضع حفظي حنان فوق ذلك الفراش، وجلس ينظر لها بشهوانية مغرضة. تلمع عيناه بظفر. كانت خطته محكمة حين ارتدى زي نسائي واستدرج ذلك السائق خارج السيارة وقام بضربه وقيده بأحد الأشجار خلف المنزل، وأكمل بقية خطته الذي يسعى لها منذ وقت. يراقب زيارات حنان لمنزل والدها. كي ينتهز فرصة كهذه. استغلها. يمدح عقله ذكاءه الباهر. لمعت عيناه بتفكير، لما لا يعري حنان من ثيابها ويقوم بنيلها وهي دون وعي، فتصبح طوعًا حين تعود للوعي خوفًا من أن يفضح أمرها، بعد أن يقوم بالتقاط صور حميمية مميزة لهما معًا. لكن حين وقع نظره على بروز بطنها شعر بضيق. ذلك هو الحائل بينهم ولابد أن ينتهي. لكن أمام مرأى حنان كعقاب لها. تنهد مطولًا، وجذب قنينة العطر وقام بتقريبها من أنفها. لحظات وبدأت تعود حنان للوعي تدريجيًا، إلى أن فاقت على صوت حفظي البغيض وهو يقول بسخرية:
"إيه يا حنون مش عاوزة تفوقي. مش عاوزة تشوفي وشي. أنا أحلى من العبيط آدم اللي فضلتيه عليا."
فتحت عينيها تنظر له بذعر. ازداد حين تجولت عيناها وعلمت أنها بغرفة نوم فوق الفراش. وضعت يدها فوق بطنها باهتمام. تنهدت لثوانٍ براحة، قبل أن تشعر بجفاف خلقها وهي تتنفس بصعوبة. تتحدث بتلعثم:
"حفظي! اللي إنت عملته مش هيفوت بالساهل. بلاش..."
قاطعه بضحكة قوية يقهقه باستمتاع قائلًا:
"إيه اللي مش هيمر بالساهل. أنا خلاص يا حنان مبقتش باقي على حاجة. إنت ليا من الأول. ابن العوامري خطفك مني، وأنا رجعتك من تاني. بس في عقبة قدامنا دلوقتي لازم نتخلص منها."
لم تفهم حديثه إلا حين نظر نحو بطنها. اترعبت هي تشهق. لفت يديها حول بطنها بحماية. قهقه حفظي قائلًا بجحود:
"هي عملية بسيطة خالص نتخلص من ابن العوامري وترجعلي من تاني خالية. هتصل على دكتور."
حاولت النهوض من فوق الفراش وهي تصرخ عليه بتهديد:
"كفاية يا حفظي. عمري ما هكون لك. قولت لك..."
قاطعها وهو يقترب منها يمسك فكيها يضغط بقوة قائلًا:
"هتنسي ابن العوامري وابنه اللي في بطنك. هترجعلي، وهتنسيه نهائي. إنتِ حقي و..."
قاطعته بضربها بيديها على صدره بقوة تكاد تكون ضعيفة. يستقبلها بغضب. ترك فكيها ومسك يديها بقوة يضغط عليها، وقام بدفعها فسقطت على الفراش أمامه. بتلقائية منها شعرت بألم طفيف. وضعت يديها حول بطنها، تقول بنهجان:
"حفظي أرجوك كفاية. بلاش تسلم عقلك لشيطانك. افتكر أنا بنت عمك و..."
قاطعها وهو ينحني عليها بغضب قائلًا بصراع:
"بنت عمي اللي فضلت غريب عليا وراحت اتجوزته وهي عارفة إني الأحَق بها. نصرت الغريب عليا."
تفوهت برجاء مبررة:
"ده النصيب يا حفظي. كفاية أرجوك صدقني أنا وهم بالنسبة لك. فكر بعقلك. إنت شاب من عيلة كبيرة وأي بنت تتمناك و..."
قاطعه بقوة وهو يضرب جوارها على الفراش بيديه بغضب ثم استقام يجذب شعره للخلف قائلًا:
"بس أنا مفيش بنت اتمنيتها غيرك. ليه مش حاسة بيا. الأعرج ابن العوامري فيه إيه مش فيا خلاكي تفضليه عليا. أنا... أنا... أنا..."
ظل ينظر لها بلوم، وهي تهز رأسها برعب، فيبدو أن عقله قد انسحب وترك محله الهوس. رعب انزرع في قلبها لا شيء سينقذها من براثن شر حفظي. لكن لن تستسلم. نهضت تسير بسرعة نحو باب الغرفة تصرخ ربما سمعها أحدًا. خرجت من الغرفة وصلت إلى الردهة قبل أن يجذبها حفظي من وشاح رأسها فطار في يده. ألقاه أرضًا وعاود هبش خصلات شعرها بقوة متهكمًا:
"مهما تصرخي المنطقة مقطوعة محدش هيسمعك."
حاولت سلت خصلاتها من قبضة يده لكن هو يزداد قوة وبغضب صفعها بقوة، وترك شعرها، سقطت أرضًا، تشعر بألم يضرب بطنها، وشعور الرهبة يجعل قلبها يكاد يتوقف. حتى أنها شعرت كأن دقات الباب هي دقات قلبها. وزاد الخوف بداخلها وهي تنكمش على نفسها كأنها تحمي جنينها. لكن عاد الأمل حين سمعت صوت عاليًا جهور يتحدث بأمر وهو يطرق الباب:
"افتح الباب يا حفظي. لو أذيت بنتي مش هيكفيني عمرك، ولا هقول ولد أخوي، وهمثل بجثتك."
لوهلة ارتاعب حفظي ونظر حوله مثل المعتوه. حاولت حنان الوقوف على قدميها. سارت نحو الباب تصرخ:
"أبوي... أبوي."
شعر مجدي بالغضب قائلًا:
"بعدي عن الباب يا حنان."
ابتعد عن الباب، بينما قام مجدي بإطلاق الرصاص على مقبض الباب فانفتح. بينما حفظي شعر بالرعب من نظرة عمه وهو يشهر سلاحه نحوه، قائلًا بزم غاضب:
"بِت عمك بدل ما تحمي شرفها وصل بيك الدناءة إنت اللي تأذيها. ياريتك كنت مت قبل أخي."
تهكم حفظي بجبروت وبسرعة قبض على شعر حنان يجذبها نحوه قائلًا بتهكم:
"من إمتى الحنية دي يا عمي. طول عمرك بتختار مصلحتك على حساب أي حد. كان فيه اتفاق إن حنان تبقى ليا، لكن عشان مصلحتك فضلت ولد العوامري الأعرج."
زفر مجدي بإطلاق نفسه غاضبًا، وهتف بنبرة أمر:
"سيب حنان يا حفظي وإلا هنسى إنك ولد أخي ومالكش عندي غير طلقة والمرة دي هتبقى في وسط راسك. إنت العضو الفاسد في عيلة السعداوي."
تهكم حفظي وهو يضحك بسخرية، يسحب حنان عنوة للسير معه إلى أن وصل إلى تلك الشرفة التي بالردهة، وهي تبكي. حاولت سلت شعرها لكن هو كان الأقوى. شبه خصلات من شعرها أصبحت بين يديه متقطعة، بينما يسير مجدي وهو يشهر سلاحه يحاول ضبط غضبه كي لا يطلق عليه الرصاص. لا يود قتله بالنهاية ابن أخيه، لكن حنان ابنته مهما كان قاسيًا، لكن بالنهاية يظهر حنان الأب وحمايته. تفوه بغضب وهو يمد يده يجذب حنان:
"بعد يدك عن بنتي يا حفظي. والله ما هراعي إنك ولد أخي."
تهكم حفظي فقد اتخذ القرار ونظر أسفل الشرفة. كان هناك بقايا مواد بناء سواء قطع من الطوب وبعض أجزاء الحديد وكذلك الرمال المتحجرة. عاد ينظر ناحية مجدي قائلًا باستبياع:
"إنت استخسرتها فيا، لكن..."
قاطعه مجدي بغضب وهو يكاد يفهم تلميح حفظي وكذالك اقترابه من سياج الشرفة قائلًا بحنكة وهو يضع سلاحه بجيبه يوهم حفظي:
"حفظي، ارجع. تمام اللي إنت عاوزه هعمله لك، بس..."
قاطعه حفظي بنبرة صراخ آمر:
"هتعمل لي إيه يا عمي. أنا خلاص مش محتاج لحاجة تانية. حنان هتيجي معايا، وإنت وابن العوامري هتخسروا."
ضحكة غِل، أم جنون ضحكها حفظها وهو يتطرف ناحية الشرفة أصبح المانع هو السياج فقط. بسرعة انحنى حفظي فوق السياج وهو يتشبث بجسد حنان مستسلمًا لنزعة الشيطان، ظنًا أنه سينهي حياتها معه، لكن تدخل أخو حنان وتمسك بها وساعده مجدي، وقوتهما مقابل قوة حفظي الذي فقد السيطرة بعدما أصبح على حافة السياج سقط وبسبب تشبثه مقابل تشبثهم تهوا جسده وحده مع بعض خصلات حنان، حنان التي سيطر عليها الرعب وهي تشعر بضربات قوية في ظهرها هاجس يمتلكها نحو فقدان جنينها. هلعت وهي تضع يديها فوق بطنها، وتفصل عن الواقع رافضة أن تفقده.
ضمها مجدي بقوة حنان الأب، وسالت دمعة عيناه آسفًا على ذلك الذي سقط وسمعوا صراخه المتألم بسبب ارتطام جسده بالأرض الصلبة. بينما حمل مجدي حنان وخرج سريعًا يتوجه إلى المشفى، وهاتف زوجته التي ذهبت إلى المشفى.
[عودة]
على سؤال آدم مرة أخرى عاد مجدي ينظر نحو حنان نادمًا، بينما عاود آدم السؤال:
"حنان إمبارح كانت بتحس بمغص وقالت راح. قولولي إيه اللي حصل."
أجابته والدة حنان بتردد بما حدث. ضغط آدم على قبضة يداه بقوة تكاد تسحق أصابعه، بينما بخزي تحدث مجدي:
"مكنتش أعرف إن شر حفظي يوصل للدرجة دي. أهو خد جزاءه. الدكتور بيقول إن جسمه كله تقريبًا متكسر وفيه ضلع مكسور ودخل في الكبد بتاعه."
تعصب آدم قائلًا:
"نفذ من عقابي، وراح لعقاب ربنا الأقوى."
أومأت والدة حنان قائلة:
"طمع في اللي مش له وخد جزاءه اللي يستحقه. والحمد لله الدكتورة طمنتنا على حنان، والجنين. هي نايمة ولما هتفوق هتبقى بخير."
بدار نجيه
استقبلت سعدية ببسمة وجلسن. تحدثت سعدية بسؤال:
"أمال فين ممدوح وثريا."
أجابتها:
"ممدوح راح عند رغد، وثريا مجتش المكتب النهاردة، يمكن معندهاش قضايا بكرة."
ابتسمت سعدية قائلة:
"خسارة كنت عاملة شوية كحك بعجوة وقولت البت ثريا بتحبه. قولت أجيب لها حبة تاكلهم صابحين، وكمان أشوفها بقالي يجي أسبوعين مشوفتهاش ولا اتخانقنا مع بعض، حاسة حاجة ناقصاني."
ضحكت نجيه قائلة:
"ناقر ونقير دايمًا."
ابتسمت سعدية قائلة:
"استني أجيب نمرتها من عالموبايل وأشوفها هتجي ولا لأ. إن مكنتش هتيجي أبعتهم لها مع حد من عيالي."
كانت نجيه ستفعل ذلك قبل قليل لا تعلم سبب لشعور القلق على ثريا، لكن مجيء سعدية أرجأت ذلك. هاتفت سعدية ثريا، لأكثر من مرة، ثم نظرت نحو نجيه قائلة:
"موبايلها بيقول خارج الخدمة."
شعرت نجيه بقلق. لاحظت سعدية ذلك فتنهدت قائلة:
"يمكن مع جوزها وهي اللي قافلة موبايلها. بنتك بقت قليلة الأدب يا نجيه."
غصبًا ضحكت نجيه، بينما كل منهن تخفي على الأخرى شعورها بالقلق على ثريا.
بمغارة الجبل
استدار ينظر لـ ثريا التي تنظر لـ سراج كأنها وجدت مأمنًا. لكن تهكم باستهزاء من تبادل النظر بينها وبين سراج، وشعور بالغضب الهادر بعقله من تلك النظرة التي تنظر بها لـ سراج، نظرة هيام لم يراها منها سابقًا. لكن في الحقيقة كانت نظرة ثقة من ثريا لـ سراج الذي كاد يقترب منها، لكن غيث بحركة ندالة وخسة أشهر سلاحه ووجه ناحية رأس ثريا قائلًا:
"خطوة كمان وهنسف راسها."
توقف سراج ليس خوفًا بل مماطلة. عيناه على ثريا. كأن نظره لها أعطاها شجاعة واطمئنان. بينما تهكم غيث وهو يزداد غضبًا قائلًا:
"قدرت توصل للمكان هنا بسرعة يا ترى إيه السبب؟ مركب لـ ثريا جهاز تعقب، يا ترى فين؟"
أنهى غيث قوله ونظر لـ ثريا بوقاحة وبغضب بفوهة السلاح نزع طرف ثوب ثريا من الأعلى ولسوء حظه وسوء الطقس البارد لم يظهر جسدها. تهكم غيث بينما ثريا تحاول السيطرة على ذلك الهلع الذي بداخلها، تستقوي بنظرة سراج. لكن حديث ذلك المجرم دائمًا يحاول بث وزعزعة الثقة بداخلها، حين تعمد البوح بوقاحة:
"أكيد ثريا كانت زي الفرسه، ولا مكنتش مسيطر عليها. أنا ظبطها..."
قاطعه سراج بغضب:
"فكر في كلامك يا غيث، متأكد إنك ملمستش ثريا."
تهكم غيث بغضب ضاحكًا باستفزاز:
"وإيه عرفك؟ كنت ويانا بأوضة النوم وشوفتها وهي راكعة تحت رجليا تتوسل رضاي. أنت بالتأكيد كنت حنين معاها في السرير. آه ما أنا شفتكم بعيني."
يعلم سراج أنه يحاول استفزازه. رغم شعوره بالغضب الساحق، لكن دموع ثريا التي تسيل ورأسها تهتز نفيًا على كذب ذلك المجرم، أثرت في قلبه أكثر من حديث غيث السافر. لكن حاول كبت ذلك وتحدث بهدوء زائف وهو يضحك مرغمًا ساخرًا باستفزاز:
"طول عمرك يا غيث كنت غبي وبتتظاهر بالذكاء. تفتكر إني كان ممكن أسمح أن شعراية من شعري تتعرى وأنا عارف أن فيه كاميرا مستخبية في أوضة النوم. فكرت إنك ممكن تدخل دار عمران العوامري وتنتهك حرمة الدار كده بالساهل. أنا اللي سهلت لك الطريق عشان تجيب آخرك. تحب أقولك الكاميرا كانت محطوطة فين بالضبط، بس إيه رأيك في الفيديوهات اللي كنت بتشوفها؟ أكيد كانت بتحسسك بالنقص بعد ما...."
غضب ساحق شعر به كان نتيجته صفعة كادت تصيب وجه ثريا، لكن ابتعدت عنه لخطوة. ضاق سراج منه ذرعًا وكاد يقترب من ثريا، لكن غيث كان شيطانًا وبسرعة قام بتطويق جسدها بأحد يديه واليد الأخرى كان السلاح برأس ثريا. لسبب تقيدها سهل عليه تطويقها. نظرت نحو سراج الذي حاول الهدوء قائلًا:
"اللي بتعمله مش هينفعك يا غيث. ابعد عن ثريا وسلم نفسك. بلاش تزود التهم عليك بخطف ثريا."
ضحك غيث باستهزاء قائلًا باستبياع:
"هيحصل إيه يعني؟ هتعدم مرتين. وبعدين ثريا مراتي وفي حد بيخطف مراته."
استفز غيث سراج في المقابل دموع ثريا ورعشة جسدها الذي يستمتع بها غيث أسفل يده، بينما سراج واجهه قائلًا:
"ثريا مش مراتك. بلاش تكذب على نفسك."
تهكم غيث بوقاحة وسفور قائلًا:
"لأ مراتي ودلوقتي هي هتختار بينا." توقف وهو ينظر لوجه ثريا وأكمل: "أكيد هتختاريني صح."
كاد يقبل وجنتها لكن ثريا ابتعدت بوجهها للخلف. بينما استشاط سراج قائلًا:
"لأ إنت اللي موهوم يا غيث. استغنيت عن دينك ووطنك وبعت إنسانيتك وسلمت نفسك بمزاجك لسكة للشيطان يسيطر عليك. افتكر كويس إنت دلوقتي "مارون". غيث رسميًا ميت. كمان متأكد إنك منستش، إنك كنت طلقت ثريا."
جحظت عين غيث بذهول، بينما استطرد سراج حديثه:
"أيوه وده مثبت في الأوراق الرسمية. أنا لما اتجوزت ثريا مكتوب في عقد الجواز إنها مطلقة مش أرملة."
لم تستغرب ثريا من قول سراج، بينما حاول غيث نفي ذلك قائلًا:
"أكيد ده تزوير."
تهكم سراج قائلًا:
"لأ إنت عارف إنه مش تزوير. إنت طلقت ثريا الليلة اللي انضرب عليك في رصاص، بس اتفقت مع المأذون إنه موثقش الطلاق في الأوراق الرسمية غير لما تديه الأمر بده. طبعًا كان لك هدف في دماغك، يمكن أو مساومة إنها تفضل تحت سيطرتك، لكن للأسف القدر فسد خطتك. كمان المأذون لما عرف إنك اتقتلت قال يخلص ذمته وسجل الطلاق بنفس اليوم اللي إنت طلقت ثريا فيه، وده إثبات رسمي إن انتهى زواجك من ثريا فعليًا بالطلاق."
ذهول غضب هادر، كيف علم سراج بكل ذلك.
بينما دموع ثريا تسيل وهي تتذكر تلك الليلة الأخيرة لهما في الفيوم. كانت ليلة قمرية رغم طقس الشتاء لكن القمر كان وحيدًا بالسماء. على أريكة عريضة خلف خلفية زجاجية تطل على حديقة ذلك المنزل، وأيضًا نافورة مياه متدفقة تلمع مياهها بسبب ذلك الضوء القريب منها. كانت ثريا تضع رأسها على صدر سراج تنظر إلى ذلك القمر. سحبت نفسًا طويلًا، شعر به سراج وضمها بين يديه يقبل كتفها العاري. شعرت بأنفاسه فابتسمت قائلة:
"القمر وحيد في السما، السحاب مغطيه عالنجوم."
نظر نحو القمر لاحظ حركة السحاب تنهد قائلًا:
"في نجمة أهي ظهرت وقريبة من القمر."
لاحظتها ثريا فابتسمت وأومأت برأسها، ثم رفعت رأسها عن صدر سراج ونظرت له باستفهام سائلة:
"سراج سبق وقلت لي إنك تقدر تاخد الأرض مني بجرة قلم، معناها إيه."
ابتسم سراج وضم وجه ثريا بين قبضتي يديه وقبلها قُبلة ناعمة، تجاوبت ثريا مع قُبلته. ترك شفتيها ووضع إبهامه يداعب أنفها ضاحكًا، استفز ثريا، فضجرت من صمته وضحكه وارادت استيفزازه فقالت:
"كمان قولت لي إن غيث عايش وإزاي أبقى مراتك إنت وبس وهو..."
قاطعه بقُبلة أخرى لكن كانت حادة بعض الشيء كأنها قُبلة مِلكية. ترك شفتيها، نظرت له بغضب، فضحك وهو يضمها لصدره. قائلًا بتوضيح:
"ثريا إجابة السؤالين واحدة. غيث كان طلقك قبل ما ينضرب عليه رصاص وده مثبت في الأوراق الرسمية. بس للأسف اتثبت بعد إعلام الوراثة اللي حصل قبل أقل من أسبوع من كذبة موت غيث. يعني لو مش استعجال عمتي في إنهم يطلعوا إعلام وراثة، كان ممكن يتثبت إنك خارج الوراثة فبالتالي الأرض مش من حقك."
ذهلت ثريا وسألته:
"وإنت كنت تعرف كده، طب ليه كنت بتطاردني وإنت سهل تاخد الأرض بإثبات الطلاق."
نظر لها لحظات صامتًا، أيخبرها أنه كان يشك فيها وأنها ربما تعلم أن غيث حي وهو من يساندها وأنه اتخذها طُعمًا كي يستدرجه ليظهر مرة أخرى، لكن كل ذلك كان قبل ليلة لقائهم الحميمي الأول، ووقتها شعر أن لديه بداية مشاعر، وتأكدت تلك المشاعر بتلك الليلة التي أصيبت بها بالرصاص. رأى ظهور غيث وهو من صوب عليها الرصاص وقتها، كذالك سمع هزيانها وقولها "أنا مش خايفة من الموت أنا خايفة أقابل غيث هناك". جملة قالتها بهزيان أثبتت له أن ثريا ليست داعمة لـ غيث، بل هو خصم عتيد لها. ضعفها بعد تلك الليلة التي كان في تزايد بدأت تضعف حتى أصبحت على شفا الانهيار بأي لحظة وهذا ما حدث بالفعل وانهارت ثريا وأكدت له أنه عشق المحتالة، التي كانت أول وأضعف ضحية لذلك المجرم.
انتبهت له حين وضعت يدها على وجنته قائلة:
"إزاي عرفت إن غيث لسه عايش."
مسك يدها من على وجهه ووضع قُبلة براحة يدها قائلًا:
"دي أسرار المهنة بقى."
ابتسمت قائلة:
"أسرار المهنة ماشي يا سيادة القائد المغوار، أنا مش عاوزة أعرف، بس جوايا سؤال واحد: ليه يا سراج اتجوزتني."
ضمها مبتسمًا يقول بصدق:
"في البداية مكنتش عارف بس مع الوقت عرفت السبب هو إني عشقت تمردك، رغم كل ده طلع قشرة هشة."
ضمت نفسها بقوة له قائلة:
"فعلاً كنت قشرة هشة، بس استقويت بيك."
ابتسم وهو يضمها قائلًا:
"ثريا إحنا هنرجع بكرة لدار العوامري ولازم تكوني جنبي ومعايا."
ضمته مبتسمة تقول بدلال:
"طبعًا هبقى جنبك ومعاك مش مرات كبير العوامرية."
ابتسم بمكر قائلًا:
"مكنتش أعرف إنك بتحبي المظاهر."
ضحكت قائلة:
"فعلاً مكنتش بحبها، بس هي جت لحد عندي وأنا مش ناوي أتخلى عنها ولا..."
صمتت، فابتسم سراج وضمها بلا سؤال، فقد يشعر بترقب بالتأكيد غيث لن ينتظر كثيرًا.
على شهقة ثريا حين تعمد غيث وضع يده فوق مكان تلك العلامة بفخذها انتبه سراج، تعذب بسبب دموع ثريا، كذلك بدأ غيث باستفزازه وسراج يلجم غضبه كي لا يثور ويسحق ذلك المجرم الوضيع، لكن تهديده بـ ثريا هو المانع، اتخذ طريقه وبدأ يستفزه، واستفزاز سراج أقوى، وفي المنتصف ثريا تسمع للإثنين، تشعر أنهما يتعاملان على أنها مثل قطعة من الجماد يتنازعون عليها بلا مشاعر. سراج وغيث وهي بلا أهمية فقط نقطة الصراع بينهم. لكن دموعها التي تسيل تشفي غليل غيث الذي ينتشي من رجفة جسدها، بينما تغص في قلب سراج الذي اتخذ قرار النهاية وعليه المخاطرة الآن. أشهر سلاحه بوجه غيث بغضب قائلًا:
"سلم نفسك يا غيث، إنت انتهيت، متأكد إنك عرفت إن المخزن الجيش هاجم عليه، وأصبحت خلاص مكشوف، الشبح الخفي بقى معلوم هويته."
ضحك غيث بغرور، قائلًا:
"عادي مش هموت لوحدي هاخد ثريا معايا." بلحظة سمع سراج وثريا صوت إغلاق صمام الأمان لسلاح غيث وبنفس اللحظة أعاده فتحه مرة أخرى مراوغة قبل أن يقوم بإطلاق رصاصة نحو سراج أصابت كتفه ورصاصة أخرى يوجهها نحو ثريا، لكن سبقه سراج ولم يهتم بألم كتفه، حين نظر إلى ثريا وبكلمة واحدة جعلها تنتبه له فقط وتفهم نظرة عيناه وتخفض رأسها لتدوي رصاصة تخترق رأس غيث ورصاصة غيث تصيب كتف ثريا. ثريا التي انتهت قدرتها على التحمل، بمجرد أن تهاوت قبضة غيث عنها سقط جسدها أرضًا.
هلع سراج وهو ينظر إلى جسد غيث الذي تردى، يذهب سريعًا نحوها ونظر إلى وجهها الشاحب اطمئن أن الرصاصة ليست بمكان خطير، رغم أنه تألم من ذلك. بصعوبة ضمها لصدره وأطلق الرصاص على حلقات تلك الأصفاد ونزعها عن ثريا وقام بحملها بين يديه ونهض واقفًا بنفس الوقت كان هنالك جسار يدلف وخلفه قوة عسكرية.
بعد وقت قليل بأحد المشافي
وقف سراج أمام ذلك الفراش التي ترقد عليه ثريا، رغم أن إصابتها لم تكن خطيرة، لكن عقلها اختار الانسحاب حتى بعد أن فاقت. عادت تغفو مرة أخرى بسبب المهدئات الذي أعطاها لها الطبيب. مازال عقلها يسبح بآثار تلك المواجهة وما سمعته من استفزاز بين سراج وغيث. ربما بداخل عقلها الباطن صدقت أنها بلا أهمية لدى الطرفين. تنهد وهو يجلس على الفراش جوارها، يعلم أن هناك مواجهة ثانية بينه وبينها وهذه المرة الاختيار بالتأكيد لها. انتهى وقت فرض قراره عليها. جذب يدها يضع قبلة على راحة يدها ثم استقام برأسه ونظر لوجهها متفوهًا بصدق:
"فاكر لما قولت لي إني آخر قضية في حياتك ومستحيل تخسريها. أنا بعترف يا ثريا أنا انهزمت في التحدي وعشقتك. وإنت الفائزة."
رواية عشقت طالبتي الفصل الأربعون 40 - بقلم منار حسين
في الجبل قبل وقت قليل
كان هنالك تمشيط للمكان. لاحظ جسار تجمُّع بعض الذئاب بالقرب من أحد المغارات، فتحدث للقوة المرافقة له:
"أكيد، طالما في ذيابة يبقى في مجرمين هنا في الجبل. خلونا نقرب بحذر."
بالفعل اقتربوا من تلك المغارة. إطلاق الرصاص جعل الذئاب تهرع وتهرب. بينما كانت المغارة مُعتمة، نورت على ضوء بعض الكشافات. شعر جسار ومن معه بالتقزُّز حين وقع بصرهم على جسمين لبشر، لرجل وإمرأة. جسديهما مُعلّقان على الحائط بأحبال قوية. لسبب ذلك، أكلت الذئاب أقدامهم إلى المنتصف تقريبًا. هنالك دماء تنزف من جسديهما. بحذر اقتربوا منهم يبحثون داخل المغارة، لكن كانت خاوية.
عاد جسار مرة أخرى، نظر إلى جسماني قابيل وولاء الموضوعان على الأرض بعد أن أنزلوهم. لكن سمعوا هزيان ولاء تهذي بصوت خافت يُشبه العويل.
زفر جسار نفسه مُتقززًا يقول لأحد العساكر:
"واضح إن الست فيها الروح لسه، خلى الإسعاف يدخل ياخد الجسمانين."
***
بالمشفى باكرًا بعد الفجر
لم تذق عينيه النوم وهو ماكث مع ثريا بالغرفة. ثريا اختارت الغفيان تهربًا أو راحة لعقلها. بينما هو، رغم ألم كتفه الذي شبه لا يشعر به بسبب المُخدّر، رغم تأثير ذلك المُخدّر على جسده، لكن فشل في التأثير سواء على عقله الذي يثور بترقب لرد فعل ثريا لاحقًا، وقلبه الذي يشفق عليه من أنينه.
نهض واقفًا، توجه نحو ذاك الشباك. أزاح تلك الستارة جانبًا. نظر نحو البعيد وتلك الشمس المُختنقة خلف الظلام تحاول السطوع على استحياء. رغم أنهم بنهاية الشتاء، لكن الغيوم واضحة. يبدو أن اليوم سيكون به عواصف. وها هي بشرت بضربة رعدية واختفت الشمس خلف الضباب، وضياء الرعد يسرج.
الضباب... هل يعود لحياته؟
بنفس الوقت سمع صوتًا كأنه همس من ثريا. ترك الستارة ونظر نحوها. كانت غافية. سمع همس مرة أخرى لم يستطع تفسيره. اقترب من الفراش.
عادت تهمس فسر جملة واحدة:
"أبوي أنا إتوحشتك. إنت جاي تاخدني معاك زي ما وعدتني آخر مرة."
غص قلب سراج. ثريا سمعت كل حديثه مع ذلك المجرم الاستفزازي. يعلم أنه وقع بفخ استفزازه غصبًا بسبب تماديه في إرهاب ثريا وهو يحاوطها بجسده. ربما انشغاله في خوف عين ثريا جعله لا يفكر في ردوده على ذلك المجرم. كذلك اقترابه منها لهذه الدرجة كان يشعل غضبًا جم في عقله وقلبه. لم يفكر فيما سيحدث بعد ذلك. كان لديه اختيار واحد وهو مراوغة ذلك الوضيع. حقًا أخطأ ما كان عليه زيادة الحديث والترهات معه، لكن كان يحاول مراوغته. كي يعترف أمام ثريا أنه خسيس كاذب ولم ينالها كما تعتقد. كان أسلوبًا خاطئًا أُجبر عليه. الآن ينتظر أن تعود ثريا للوعي، وقرار غير معلوم.
نظر إلى ذلك الضماد الملفوف فوق جبين ثريا، بسبب جرح برأسها بعد أن اصطدمت رأسها بأحد الصخور قبل يلتقطها بين يديه. نظر نحو معصم يديها. رأى ذلك السوار الذهبي. تذكر يوم أن وضعه بيدها تلك الليلة وهما بالفيوم. أبعدها عن صدره وجلس فوق الفراش. فتح أحد الأدراج بطاولة جوار الفراش وجذب تلك العلبة المخملية. فتحها.
اعتدلت ثريا هي الأخرى وجلست جواره. جذبها مرة أخرى لصدره، ثم جذب يدها وحاول إدخال ذلك السوار بيدها، لكن كان شبه ضيق. حاول بقوة لكن تألمت ثريا قائلة:
"إيه ده يا سراج."
أجابها ببساطة:
"إنسيال عجني واشتريته ليكِ."
ابتسمت قائلة:
"بس ده واضح جدًا إنه هيبقى ضيق على إيدي."
حاول سراج إدخاله بالقوة. بالفعل دخل لبداية معصم ثريا. تبسمت قائلة:
"هو ده إنسيال ولا كلبش؟ ده دخل بالعافية. هقلعه أنا إزاي دلوقتي."
نظر لها سراج بأمر قائلًا:
"ممنوع تقلعيه من إيدك يا ثريا."
ضيقت عينيها باستفسار وتغنجت بدلال قائلة:
"أوامر سراج باشا العوامري دي ما تمشيش عليا، وليه ممنوع أقلعه."
قبل يدها قائلًا بغزل:
"ده أمر مش من سراج باشا يا حبيبتي، ده أمر من عاشق. كمان عشان هدية مني ليكِ، وعاوزك دايمًا تفتكريني بها كل ما تبصي في إيدك."
ضحكت قائلة:
"طب ما دبلتك أهي في صباعي بتفكرني بـ..."
صمتت قبل أن تتفوه وتكمل أنها كانت لا تضعها في إصبعها في بداية زواجهم، كأنها لم تكن تشعر بأن ذلك الزواج مجرد وقت ولن يستمر كثيرًا. لكن مع الوقت انجرفت بمشاعر وتعلق قلبها رغمًا عنها بسراج رغم معاملته الفجة معها في بداية زواجهم حتى قبل ليلة إصابتها بالعُرس. تبدلت مشاعرها تدريجيًا بين التمرد والاستسلام لتلك المشاعر التي غصبًا توغلت لقلبها. قلبها التي ظنت أنه أصبح صلبًا يابسًا، لكن كانت قشرة هشة سرعان ما تجرفت وظهر أنها مازالت خصبة وقطرات الندى قادرة على أن تروي ظمأ جوفها.
تبسمت له بعين لامعة سائلة بمرح:
"طب والفصوص اللي مرصعة في الآنسيال دي بقى ماس ولا زمرد."
ضحك قائلًا:
"لا ده ولا ده، ده إزاز."
مطت شفتيها بغنج وهي تبتعد عنه قليلاً قائلة بعتاب:
"قيمتي إزاز."
ضحك وهو يجذبها يضمها بقوة يحاول تكبيل جسدها بسبب حركتها القوية، حتى أنها تمددت فوق الفراش وهو فوقها مازال يضحك، وهي تتذمر وتدفعه بيديها. لكن استطاع السيطرة عليها بسهولة بعد أن قبلها. في البداية تمنعت لكن تجاوبت مع لهفة قُبلاته. ترك شفتيها ليتنفسا. نظر لوجهها وهي تسحب الهواء لصدرها الذي ينتفض. وضع إبهامه فوق ذقنها قائلًا:
"قيمتك أعلى وأغلى من حياتي يا ثريا."
بتلك اللحظة استشعرت صدق مشاعره. لكن بداخلها ما زال هناك استفهام تود العثور على جواب له:
"سراج، إنت كنت عارف إن غيث عايش وإنه طلقني، يبقى ليه كنت بتطاردني عشان الأرض مع إن في معلومة إنت متعرفهاش إن طالما المفروض إن غيث توفى وأنا في شهور العدة يبقى أورث. يعني ما كنتش هتقدر تاخد الأرض."
بسمة استهزاء زينت شفتاه. يعلم قانونية حديثها، لكن لا يفرق معه. رغم غصة قلبه وهو لا يريد أن يجيبها بالحقيقة أنه كان يفعل ذلك لشكه أن غيث من يساندها بالتحدي والتمسك بتلك الأرض وأنها قد تكون مساعدة له. لو أخبرها بذلك هل ستتتفهم أنه فقط يؤدي مهمته الذي جاء بسببها لهنا. لم يكن العشق في حساباته، وبالأخص لها هي، ليس لأنها كانت متزوجة قبله، لكن لأنها كانت زوجة غريمه المجرم، وتزوجها خصيصًا كي يقهر قلبه وينتفض ويجبره أن يعود للظهور مرة أخرى، ويكشف خداعه. هي حقًا كانت الطُعم، لكن تبدل ذلك وأصبحت هي المالكة لقلبه الذي لم يشعر بالحياة سوا جوارها. ليس بفراش يجمعهما، بل بمأوى يضمه كالوطن. من هناك هاجر لشعوره بأن البلدة والمنزل ليسا سوى جدران فقط يستطيع استبدالها بالبراح والعيش بين البراري والصحاري يسعى خلف الأوغاد. لكن برحلة البحث عن وغد قابلت لك الثريا. لا يعلم إن كانت ثريا كنجمة مشعة في السماء، أم ثرى... مثل أرض الوطن للمتغرب. بذلك الوقت القليل اكتشف أنها الاثنين معًا. نجمة اخترقت عاصفة السرج، وثري يبتلع غضب السرج.
نفض كل تلك المنغصات عن رأسه حين تذمرت ثريا يدها من قبضة يده القوية، بسبب ضغطه عليها بقوة. خفف قبضة يده التي انقبضت غصبًا دون دراية منه بسبب ذلك الشعور المتألم بقلبه. نظر نحو ذلك السوار. ذلك السوار هو ما جعله يعلم مكان ثريا سريعًا وتتبع إشارة جهاز التعقب الموضوع بأحد تلك القطع الزجاجية. استطاع معرفة مكانها قبل أن يؤذيها ويتمكن غيث من إرهابها، والسيطرة عليها وبث الفزع داخلها. كان على يقين أن ثريا لم ينتهي رهابها من ذلك الوغد. ربما قل، لكن ما زال هناك هاجس الخوف منه بداخل قلبها. كان على يقين أن ثريا تحتاج إلى بث الثقة بداخلها قبل مواجهة غيث. وهذا ما فعله برحلة الفيوم. كانت أيام، لكن كان يعزز الثقة بداخلها، والقوة أنه لن يسمح بأذيتها. وهذا ما فعله. لم يسمح بذلك، لكن ذلك الوغد واستفزازه له أمامها، بالتأكيد سيكون له رد فعل من ثريا.
بخضم ذلك صدح رنين هاتفه. ترك يد ثريا ونهض يفتح هاتفه ليسمع:
"صباح الخير، بعتذر أنا عارف وضعك كويس و..."
قاطعه سراج قائلاً:
"خير يا جسار، أكيد متصل عليا عشان حاجة مهمة."
أجابه جسار:
"بعتذر، فعلاً حاجة مهمة. الموبايل بتاع غيث إحنا فتحناها وقدرنا نوصل للمعلومات وتسجيل المكالمات والرسايل الخاصة بيه. في مفاجأة لازم تحضر هنا بنفسك، مش هينفع التفاصيل على الموبايل."
نظر سراج نحو ثريا التي ما زالت غافية وتنهد قائلاً:
"تمام، ساعة ونص وأكون عندك في المبنى."
أغلق سراج الهاتف. نظر نحو ثريا وفكر لثواني. ثريا قد تستعيد وعيها بأي وقت ولابد من وجوده جوارها. أو ربما من الأفضل أن يبتعد قليلاً. لكن لن يتركها وحدها. فتح هاتفه وقام باتصال هاتفي. يعلم أن الوقت ما زال باكرًا. رغم ذلك لم يغيب الآخر في الرد حين سأل مباشرة:
"سراج بتتصل عليا بدري كده ليه، ثريا بخير؟"
تنهد سراج بأسف قائلاً:
"اطمن ثريا بخير يا ممدوح، بس كنت عاوزك تجيلي حالًا..."
قاطعه ممدوح:
"قول الحقيقة يا سراج، ثريا مش بخير..."
قاطعه سراج:
"أنا مع ثريا في المستشفى وصدقني هي بخير، جرح بسيط. مش عاوزك تقلق والدتك."
سأله ممدوح بلهفة:
"قولي اسم المستشفى إيه."
أجابه سراج باسم المشفى، وأغلق الهاتف. ما زالت عيناه تتأمل ثريا. تنهد بإرهاق وهو يفرك جبينه. ذهب نحو الشباك ينظر للخارج. هدأ الرعد بعدما تساقطت زخات من المطر الغزيرة والسماء شبه انزاح الضباب وعادت الشمس تجاهد لشُق الظلام. صفى قلبه بأمل وتبسم وجلس على أريكة بالغرفة. اضطجع بظهره يسند رأسه على مسند المقعد. غصبًا أغمض عينيه. لم يشعر إلا حين صدح رنين هاتفه. فتح عينيه بفزع واعتدل جالسًا ينظر للهاتف الذي كان بيده. تنهد وهو يحاول نفض النوم عن عينيه وقام بالرد على ممدوح الذي أخبره أنه وصل إلى المشفى ولا يعلم رقم الغرفة. أعطاه رقم الغرفة وأغلق الهاتف. وقف يتمطى بإحدى يديه ينفض ذلك النعاس الذي لا يعلم متى سيطر عليه. توجه نحو ثريا ينظر لها فقط كأنه يشبع عينيه منها. أزاح بصره عنها حين سمع صوت طرق على باب الغرفة. نظر نحو الباب. وقبل أن يسمح بالدخول دخل ممدوح متلهفًا بقلق:
"ثريا فيها إيه يا سراج."
نظر نحو الفراش قائلاً:
"ثريا بخير يا ممدوح، إصابات مش خطيرة، ومش هقدر أتكلم معاك كتير. أنا اتصلت عليك عشان تيجي تقعد مع ثريا لأن لازم أخرج حالًا."
نظر ممدوح نحو الفراش لثريا. رغم أنها غافية، لكن ملامح وجهها صافية. لكن خفق قلبه بقلق حين رأى الضماد حول رأسها. في البداية لم يلاحظ إصابة كتف سراج إلا حين عاد ينظر له ليسأله، فسأله باستفسار:
"إيه اللي حصل يا سراج، إيه اللي جرى لثريا وانت كمان رابط إيدك على صدرك."
رد سراج:
"بعدين هقولك يا ممدوح، أنا لازم أمشي دلوقتي..."
أمسكه ممدوح من يده قبل أن يغادر سائلًا:
"رايح فين، قولي إيه اللي حصل."
تنهد سراج بصبر قائلاً:
"قولتلك بعدين، لازم أمشي دلوقتي. وما كنتش عاوز أسيب ثريا لوحدها."
حاول ممدوح الاستفهام، لكن أصر سراج على المغادرة.
ذهب ممدوح وجلس جوار ثريا على طرف الفراش وتنهد بأسى قائلاً:
"يا ترى إيه اللي حصلكم يا ثريا."
فتحت ثريا عينيها وتدمعت من الألم الذي تسبب في استيقاظها قبل دقائق قليلة. وقبل أن تئن من الألم سمعت سراج يتحدث على الهاتف. خمنت أن الحديث بالتأكيد خاص بما حدث. تألمت حين سمعته يخبر الآخر أنه سيذهب له... سيتركها وهو يعتقد أنها غافية. لكن تهكمت بسخرية حين هاتف ممدوح. عقلها يسخر من قلبها الذي ظن أنه وجد السند والسعادة أخيرًا. لكن ما سمعته من ترهات في الجبل يعيده عقلها. ترهات... أم حقائق؟
تُبارى بها الاثنين كأنها مثل الدمية الذي يتنازع عليها اثنين. وباحتدام الصراع بينهم حطماها. يطن برأسها جملة قالها سراج بزهو أنه الأذكى:
"عصام كان الراجل بتاعك بس للأسف كان وضيع وخاين وبيلعب على الجانبين. وأكيد وصلك لما خطفت ثريا. في نفس اليوم اللي إنت كنت مرتب تخطفها فيه دايمًا كنت بسبقك، كنت دايمًا سابقك وخطفتها أنا. كنت متأكد إن عطشك لثريا هو اللي هيجبرك تظهر من تاني."
ورد من غيث لم يكن ذو تأثير عليها:
"عصام خاين فعلاً بس كمان قالي إنك أمرته تغتصب ثريا... تفتكر كان ممكن يقدر يلمسها وهو عارف إني كنت هقطع إيده. ثريا ملكي... وإنها تخصني و......"
قاطعه سراج بغضب:
"فوق بلاش أوهام. إنت اتأكدت إن الفيديوهات اللي كنت بتشوفها من أوضة النوم كلها متفبركة. بس غبائك في البداية خلاك تفكر إني مغفل. إنت دلوقتي خاطف مراتي ودي كمان قضية زيادة على جرائمك. ناقص تقول لي مين اللي غدر بيك وسبب لك العجز يا 'مارون' أو الثعلب الغبي... اللي فكر إن النشر مش شايفه وراصد تحركاته. بس بعترف إني ما توقعتش إن الإجرام يوصل بيك إنك عاوز تبيد عيلة العوامري كلها. للدرجة دي الحقد متوغل من قلبك."
بتلك اللحظة استفز غيث سراج حين وضع يده فوق مكان تلك العلامة بفخذ ثريا. يزمجر بغضب، لكن أنفاسه القريبة من ثريا مثل شرارات ساخنة تحرق عنقها. لمسة يده على فخذها جعلت جسدها يرتعش غصبًا. زاد ذلك من زهو غيث وهو يتمادى بوقاحة يضغط فوق مكان العلامة قائلاً باستفزاز:
"بترتعشي، خاينة عاهرة."
كلمتان لو طلقان من الرصاص اخترقوا رأسها. ما كانت شعرت بذلك الألم. زادت خفقات قلبها. أثار ذلك غرور وتباهي غيث الذي تباهى ببعض الأفعال الذي كان يفعلها بكذب أن ثريا كانت تتجاوب معه وتحدث عن تلك الليلة وهو يتعمد أن تخترق أنفاسه فوق وجنة ثريا. هنا هطلت دموعها تهز رأسها بنفي:
"فاكرة يا حبيبتي آخر ليلة لينا مع بعض كنتِ فرسة جامحة و..."
بعض الكلمات البذيئة جعلتها تشعر بغثيان وتقزز. نفس الكلمات البذيئة والدنيئة تسمعها منه. ليته يضغط على زناد ذلك السلاح ويخلصها من كل ذلك الشعور المهين.
غاظ ذلك سراج وغضب وكاد يقترب وهو يشعر بالندم أنه تركها لتقع بفخ ذلك الوغد. كم كان هذا سيئًا وهو يرى اقتراب ثريا من الانهيار بيد غيث. سمعت صوت فتح غيث لصمام الأمان وإغلاقه وإعادة فتحه مرة أخرى. أغمضت عينيها مستسلمة لنهاية قد تكون الأفضل لراحة قلبها. لكن عادت تفتح عينيها حين سمعت دوي رصاصة ولم تشعر بألم. ما زال غيث يكبل جسدها. نظرت نحو سراج. ارتجف قلبها حين رأت دماء بالقرب من صدره. فزع قلبها ونسيت ما أباح به غيث من سفالة. لكن جسدها أصبح هلامًا. استغل ذلك غيث وزاد في تكبيلها. لكن نظرة عين سراج المتألمة، وموقف سابق حدث لها مع حفظي كان بنفس المنظر باختلاف حفظي لم يكن مثل ذلك المجرم متشبت بها. لكن فهمت نظرته وبكلمة منه أخفضت رأسها. بلحظة وكأنها مشهد بالعرض البطيء وغيث يخفف تكبيله لها ويتردى. لم تراها فقد عقلها الإدراك مع شعور بارتطام رأسها. بعد ذلك غابت عن الوعي نهائيًا. لم تشعر إلا الآن حين بدأ مفعول المخدر أن ينتهي. خشيت أن تظهر ذلك ليست راغبة في أن تتحدث معه. تحملت حتى مغادرة سراج. فتحت عينيها. بنفس الوقت كان هناك طرق على باب الغرفة. سمح ممدوح بالدخول. دخلت ممرضة قائلة:
"صباح الخير... آسفة اتأخرت عن ميعاد العلاج كنت في أوضة العمليات."
أومأ لها ممدوح. أعطت لثريا العلاج الذي أهدأ ألم جسدها. لكن لم تهدأ ثورة قلبها وعقلها.
***
بمشفى آخر صباحًا
نظر مجدي لآدم الذي شعر بغضب جم من ما علمه من أفعال حفظي المشينة. تمنى ألا يموت حفظي لسبب واحد، أن يعطيه حفنة من اللكمات. لا ليس لكمات، بل تمزيق جسده على ما اقترفه وبسببه كاد يفقد "حنان". حنان هي الأهم من ذلك الجنين. غضب لو تركه يتحكم به لنهض وذهب إلى تلك الغرفة الذي يمكث بها حفظي، بعدما شبه انتهت حياته. فلو نجا، وما زال له عمراً سيقضيه راقداً بالفراش بلا حركة وربما بلا وعي أيضًا.
نهض آدم بقلق حين سمع بعض همهمات حنان. اقترب من الفراش يشعر بأسى من آثار أصابع ما زالت متبقية على وجنة حنان.
حنان التي بدأت تعود للوعي وعقلها يسترجع ما حدث مع حفظي وآلم بطنها. للحظات ارتجف قلبها وهي تخشى على ما برحمها. وضعت يدها على بطنها تتحسسها بترقب وخيفة. لكن تنهدت براحة حين شعرت بسُمك انتفاخها.
بنفس الوقت شعرت بيد توضع فوق يدها على بطنها. يد تعلم ملمسها جيدًا. فتحت عينيها حين سمعت همسه الحنون:
"حمد الله على سلامتك يا حنان."
أتبع قوله ولم يبالي لا بوجود مجدي ولا سناء بالغرفة. وضع قبلة اطمئنان على جبين حنان. التي فتحت عينيها وسرعان ما تلاقت عيناهما. نظرة عين آدم الحنونة وهمسه وهو يخبرها:
"ابننا بخير يا حنان."
ابتسمت ولمعت بعينها دمعة خرجت من بين أهدابها. جففها آدم بأنامله، وعاد يقبل رأسها. لكن استقام حين سمع صوت نحنة مجدي، الذي نظر لسناء التي تدمعت عينيها هي الأخرى. بينما زاد تقدير مجدي لذلك النبيل الآدمي. توجه مجدي وسناء نحو الفراش. ابتسمت سناء بحنان قائلة:
"حمد الله على سلامتك."
أجابتها حنان:
"الله يسلمك يا ماما."
بينما نظر مجدي لها بحنان في قلبه آسفًا وسؤال ماذا لو تأخر وفقد... نفض ذلك عن تفكيره حين شعر بيد حنان تجذب يده توجهها نحو فمها وقبلتها باحترام ومودة وامتنان قائلة:
"ربنا يخليك لينا يا أبوي."
دمعة عين تلألأت بين مقلتيه واقترب يقبل جبينها بحنان أبوي. ثم جلس جوارها على طرف الفراش يبتسم لها بداخله يشعر بندم يومًا فكر بذاك الوغد حفظي الذي كان ينوي تزويجها له لولا أن حسبها بمبدأ المكسب وأعطاها لآدم العوامري طمعًا بقوة وسيط عائلة العوامري أن يعززا قوته. لكن ذلك لا قيمة له الآن. فقط يود سعادة ابنته الذي كاد يفقدها. فبماذا كان سينفعه ذلك. كان اختبارًا كي يعلم أن القوة والسلطة ليسا كل ما يعطي شعور بالقيمة العالية. قبلة حنان على يده قبل لحظات كانت أعلى وأغلى قيمة اكتسبها بصدق المشاعر.
***
بمبنى خاص تابع لقيادة الجيش
بأحد الغرف تابع سراج مع جسار وشخص آخر متخصص يقوم بتفريغ المعلومات والاتصالات التي كانت على هاتف غيث النقال عبر شاشة حاسوب. تفاجأ سراج بأول معلومة، أن ذاك الرقم الهاتفي مسجل باسم ممدوح. فكر عقله لماذا فعل غيث ذلك. بالتأكيد ممدوح لم يكن يعلم بذلك، وذلك كان سببًا لعدم استطاعة مراقبة ذلك الرقم. كم كان وغدًا بلا أخلاق. كذلك سجل الهاتف كان مفاجئًا لسراج. بداية من أصحاب تلك الأرقام التي كان يتواصل معها. أولهم... عمته ولاء. أيُعقل أن تكون على دراية بأنه ما زال حي؟ وصولًا إلى أكبر مفاجأة.
نظر جسار إلى سراج. الاثنين مندهشان بل مذهولان. تفوه جسار:
"معقول سيادة اللواء هو..."
أكمل سراج:
"هو الراس الكبيرة اللي كان بيدعم المجرمين. عشان كده طول السنين اللي فاتت الجبل كان محمي من الحكومة نفسها. كده المهمة خلصت بنجاح."
أومأ جسار قائلاً:
"لو مش المجوهرجي عنده ضمير، يمكن كنا ما قدرناش نوصل لهدفنا."
أومأ سراج قائلاً:
"فعلاً، بس كمان فيه وجه تاني للحقيقة. المجوهرجي يعتبر اشترى نفسه بمساعدته لينا من البداية."
تذكر سراج قبل عدة أشهر بالقيادة العامة للجيش بالقاهرة. نهض القائد العام قائلاً:
"مهمتك الجاية يا سراج هتبقى في بلدك قنا. فيه إثنين دلوقتي هيدخلوا."
لحظات فعلاً ودخل جسار ومعه شخص آخر. تعرف سراج على جسار من لقاء سابق، لكن الآخر لم يتعرف عليه. أشار القائد لهم قائلاً:
"خلونا نقعد هناك عشان كل واحد يعرف مهمته إيه."
بالفعل جلسوا الأربعة. في البداية تحدث القائد معرفًا:
"سراج هو قائد المهمة. جسار هيبقى المساعد له وإنت يا 'ريمون' راجلنا من سنين هناك."
أومأ له قائلاً:
"يشرفني يا أفندم."
نظر القائد نحو سراج وألقى صورة. قائلاً:
"تعرف مين صاحب الصورة دي."
تأمل سراج الصورة ثم قال ببساطة:
"أيوه، أعرف صاحب الصورة دي يبقى 'غيث العوامري'. في مقام ابن عمي. بس ده توفى من فترة يقرب على سنتين."
تبسم القائد قائلاً:
"غيث العوامري عايش."
انشد وجه سراج. تبسم القائد قائلاً:
"ده له حكاية وأكيد له هدف في دماغ غيث. الأول خليني أعرفك على ريمون. كان بيشتغل في محل جواهرجي معروف في قنا. كان عامل تصليح لحد ما في يوم دخل عليه 'غيث العوامري' وفكر إنه سيطر عليه وغواها بالجاه قصاد إنه يساعده. ريمون قبلها بفترة كان في الجيش بيأدي حق الوطن وكان قريب من أحد الضباط اللي استشهد على يد جماعة تكفيرية. المهم النفس البشرية بطبعها مزروع فيها الطمع. لكن ريمون فكر إن ممكن نهاية الطمع ينكشف. غيث بشغله مع المجرمين في البحث عن الآثار وبيعها. لقى كتلة دهب كبيرة في الجبل. طبعًا، ده دهب خام مش هيعرف يصرفه زي الآثار. كمان الطمع. طبعًا دور في الصاغة هناك. ريمون كان له سيط كويس إنه صنايعي شاطر راح له وبدأ يتعرف عليه ويتصاحب معاه وقرب منه لهدف. مع الوقت وثق بـ ريمون وطبعًا خده لمخزن وفرجه على كتلة الدهب وبدأ يطمع فيه. إنه هياخد نسبة كبيرة قصاد تحويل كتلة الدهب دي لمصوغات سهل بيعها بشكل قانوني. ريمون قال في البداية أنه كان هينجرف فعلاً معاه، بس فكر إن ممكن ينكشف غيث وهو وقتها اللي هيضيع. جه لمبنى المخابرات وطلب يقابل شخص مسؤول واقابلته وحكى له على اللي غيث طلبه منه. المخابرات حولت القصة للجيش يبقى مسؤول عنها. الدهب من حق البلد. كان سهل نقبض على غيث بالجُرم المشهود. لكن كان هدفنا أكبر من كده أكيد مش غيث لوحده هو العضو الفاسد اللي هناك. رصدنا أكتر من محاولة تهريب آثار. كمان قطاع الطرق اللي واخدين من الجبل مأوى لهم. لازم ننضف الجبل هناك. كمان لازم نعرف مين الشبكة اللي بتدير العمليات دي هناك."
أومأ سراج قائلاً:
"طب وليه غيث عاوز يبان إنه ميت، وإشمعنى راح لـ ريمون بالذات."
نظر القائد نحو ريمون الذي تحدث بتفسير:
"أولًا غيث عنده ثقة كبيرة فيا لما ساعدته في تشكيل الدهب. عرف إني مش طماع لأني ما جادلتش معاه في النسبة اللي عطاها لي، واللي كانت كبيرة فعلاً. كمان فاكر إني حافظت على سر الدهب، قصاد إني بقيت من عامل بيصلح الدهب لجوهرجي عنده محل جواهرجي خاص بيه. وفكر أكيد هيحتاجني بعد كده. المقابر اللي بينهشوها بيبقى فيها سبايك دهب وأحيانًا كمان دهب خام. وكمان ممكن الدهب يصهره لأشكال تانية غير اللي لقاها في المقابر لتسهيل بيعه يعني. فضل على علاقة بيا لفترة، وبعدها عرفت إنه اتقتل. نسيته لحد فترة قريبة اتفاجئت بيه زارني في محل الدهب كان متنكر في شكل راجل أجنبي، حتى اسمه. في البداية فكرته سايح واتعاملت معاه. واشترى إنسيال دهب فرعوني الشكل وأنه مهتم بالحضارة الفرعونية. لكن بالليل قبل ما أقفل المحل اتفاجئت به جالي مرة تانية بصراحة شكيت فيه وقولت أنه شخص أكيد نصاب لغته الأجنبية كانت شبه ضعيفة. بس فجأة لقيه قلع النضارة اللي كانت على عينه والشنب والدقن، كمان العدسات اللاصقة اللي كانت في عينه. عرفته بسهولة بصراحة قلبي كان هيوقف. وهو ضحك على منظري وناولني الماية شربت وسألته بخوف إزاي هو لسه عايش؟ جاوبني... إن عمر الشقى بقى. ولما سألته ليه هو عاوز يبان إنه ميت، قالي إنه له تكتيك في دماغي. طلب مساعدتي. كان معاه سبايك دهب ومحتاج سيولة مادية وإنه يعرف تاجر آثار يوناني وعلى تواصل معاه وعرض يشتري الدهب ده بس يكون مصنوع على أشكال فرعونية. خوفت منه بصراحة. رجعت لهنا تاني وقابلت سيادة القائد وعرفته باللي قاله ليا غيث. طلب مني أتعاون معاه وكملت معاه، صنعت له الدهب وعرفت بعد كده أنه فعلاً باعه للتاجر اليوناني اللي طلع له باسبور بإسم جديد وجنسية يونانية وكمان غير ديانته على الأقل في الأوراق الخاصة بيه."
تهكم كل من جسار وسراج الذي قال:
"واللي زي ده يفرق معاه ديانة ولا وطن."
تنهد سراج قائلاً:
"تمام أنا كده عرفت أبعاد مهمتي، بس إزاي هنرغم غيث إنه يظهر، أو نعرف عن طريقه بقية الشبكة اللي هناك."
أجابه ريمون:
"غيث كان متجوز."
أومأ سراج قائلاً:
"أيوه أعرف كده، بس ده دخله إيه."
أجابه ريمون:
"غيث مجنون ومفتون بالست اللي كان متجوزها. لمح لي أنه هيقرب منها. كمان في حاجة حصلت قبل كده كان في مبالغ مالية كبيرة هو كان بياخدها وما كانش يقدر يدخلها البنوك ومتأكد إن المبالغ دي ممكن يكون حطها باسم مراته. سهل تعرفوا من سجلات البنوك... أو ممكن يكون شاري عقارات باسمها. فلازم يرجع لها عشان يقدر يسترد الأموال دي. كمان فيه عرج في رجل غيث ولما سألته قال لي دي حالة مؤقتة."
فهم سراج وفكر. إذن لابد لإخراج الثعلب من جحره، والطُعم هو تلك المرأة.
[عودة]
عاد سراج من شروده حين سمع صوت هاتفه. أخرجه من جيبه ونظر له، ثم نظر إلى جسار قائلاً:
"ده القائد العام."
تجنب سراج قام بالرد عليه وإخباره بكل المعلومات كذاك عن فساد ذلك اللواء. أغلق الهاتف واقترب من جسار قائلاً:
"في هليكوبتر هتوصل كمان ساعة ونص بالكتير لازم تجهز عشان أنت المفوض بالقبض على سيادة..." توقف. فبماذا ينعت ذلك الخائن؟ هو عضو فاسد. وأكمل: "على عادل."
أومأ جسار قائلاً:
"تمام، في حاجة كمان إحنا عملنا مداهمة عالشقة اللي كان عايش فيها غيث وحرزنا اللابتوب الخاص بيه وده كمان كان عليه معلومات."
أومأ له سراج قائلاً:
"تمام هتابع أنا هنا بقية الإجراءات وانت روح نفذ مهمتك في القاهرة."
ابتسم جسار قائلاً:
"تمام هروح أقبض على الباشا الكبير، وأرجع لهنا تاني. واضح إن هنا قدرنا."
بسمة طفيفة على شفاه سراج يومئ له بفهمه. هنا حقًا القدر ارتسم.
***
بالمشفى مساءً
أظلمت السماء. كان معها بالغرفة ممدوح إلى أن دخل الطبيب يفحص جرح كتفها. تبسم قائلاً:
"الإصابة سطحية، المدام ممكن تكمل علاجها خارج المستشفى، وطالما أعطت أقوالها للنيابة تقدر تخرج، بس تهتم بصحتها وبلاش إجهاد."
أومأ له ممدوح موافقًا. وخرج مع الطبيب.
بعد قليل عاد للغرفة. كانت ثريا بدلت ثيابها بأخرى. تبسم لها قائلاً:
"أنا اتكلمت مع سراج عالموبايل وقولت له على اللي قاله الدكتور، وقالي هو قدامه ساعة بالكتير ويرجع هنا..."
قاطعته ثريا التي تشعر بألم نفسي وتهكمت باستهزاء:
"مش هقدر أتحمل أفضل هنا، خدني على دارنا."
ضيق ممدوح عينيه قائلاً:
"دارنا."
أجابته ببساطة:
"أيوه دارنا، مالك مستغرب كده ليه؟ ومن فضلك أنا مش متحملة أسئلة، كفاية. لو مش عاوزني أروح دارنا، أروح دار خالتك."
نظر لها بأسف قائلاً:
"دي دارنا إحنا الاتنين يا ثريا، أنا بس مستغرب إنتِ بتردي بالعافية. قولي لي إيه اللي حصل، سراج كمان مصاب."
ردت بغضب:
"قولت لك مش قادرة أتكلم، لو سمحت."
امتثل ممدوح وغادر معها إلى منزل والدتهم.
***
بـ القاهرة ڤيلا عادل
علم أنها النهاية وهو يتذكر لقاءه قبل يوم واحد مع ذلك الخائن الذي بالتأكيد هو من وشى به. قابل غيث بأحد الأماكن المنعزلة. أعطى له تفويضًا أنه سيصبح هو الكبير هنا في مقابل أن يتخلص من تلك الحمقاء التي كثرت أخطائها وجعلت من ذلك الثعلب أن يعرف هويته. كان لابد من إغراء له كي يصبح تحت سيطرته التامة. لكن قبل ذلك عليه أن يقدم عربون الولاء له وهو التخلص من ولاء. وهذا ما أخبره به قبل ساعات أنه تم بالفعل. بذلك الوقت دخل عليه مساعده يقول:
"في ضابط من الجيش معاه قوة، القوة استنت بره ودخل هو لوحده... منتظر قدام باب الأوضة."
أومأ له عادل برأسه أن يتركه يدخل. بنفس الوقت فتح أحد أدراج مكتبه وجذب ذلك السلاح وقام بفتح الخزنة الخاصة به وتأكد بوجود الرصاصات. فتح صمام الأمان. بمجرد أن دلف جسار، تفاجأ بـ عادل يضع السلاح بجانب رأسه. قبل أن يتفوه، كانت طلقة تنطلق برأس عادل.
ذهل جسار من فعله، لكن سرعان ما تذكر أنه خائن، فهل يصعب عليه الانتحار.
***
بعد مرور يومين
بمكتب القائد العام بـ قنا. كان هناك مديح كبير لـ سراج. الذي لا يشعر بأي زهو بذلك، فقط مهمة انتهت بنجاح ظاهريًا. لكن جوهريًا قلبه يئن. يومين لم يتفاجأ بذهاب ثريا إلى منزل والدتها. حتى حين ذهب لها كانت غافية. وبعد ذلك وكلما هاتفها كان ردها باقتضاب، كأنها لا تود الحديث معه. لكن هو لن يستسلم.
بعد قليل صافح القائد وهو يشعر ببعض الخزي. بالنهاية ثلاثة من عائلته أثبت تورطهم بأعمال مشبوهة. منهم من رحل كالجرذان، وأخرى بالمشفى ما زالت تنازع. ربت القائد على كتفه بفخر:
"كنت خير جندي يا سراج. أديت مهمتك بنجاح. العسكرية المصرية دايمًا بتفتخر بأمثالك... انتظر الترقية... إنت وجسار."
أومأ له مبتسمًا هو وجسار، لكن بداخله تناقض وقرار يتوقف على كلمة من ثريا. إما أن يرحل من هنا، أو البقاء والاستغناء عن الكنية العسكرية.
***
بالمشفى
وقف سراج مع ذلك الطبيب ومعهم إسماعيل الذي فهم من حديث الطبيب، أن ولاء شبه ماتت إكلينكيًا، بعدما قال:
"المريضة مفيش أي استجابة، وقت ما جت للمستشفى كان تقريبًا المخ فصل بسبب نقص الأوكسجين. دلوقتي القرار لزوج الحاجة، إننا نشيل المجسات والأوكسجين عنها."
أومأ له إسماعيل متفهمًا. بينما غادر الطبيب، بقى سراج وإسماعيل، اللذان دخلا إلى تلك الغرفة. ينظران إلى تلك الراقدة. بداخلهما لا مشاعر نحوها. فهي لم تكن لهما سوى جاحدة. تذكر إسماعيل أنها يومًا كانت جبروتًا يسير على الأرض. الآن مجرد نفس يتحرك وليس نفسها، بل نفس صناعي. لو أغلقوه لماتت في الحال. بينما سراج تذكر صفعتها له، وما أخبرته به خالة ثريا عن ما فعلته بها وجعلتها تعاني إلى الآن. لكن شفق عليها. شيطانها أوصلها إلى هلاكها المحتوم.
***
بـ دار والدة ثريا
كانت شبه جالسة على الفراش. عقلها يعقد مقارنة وتقييم لما وصلت له. تذكرت فترة خطوبتها من غيث. كم كان مخادعًا بجدارة. لا، لم يكن ذلك يا ثريا. كان واضحًا أنه كاذب وغشاش. نظرة عيناه التي كانت تشعرك بالتقزز كأنها تخترق ثيابك وتعري جسدك. لكن عطش قلبك كان يرسم غشاوة على عينيك وعقلك. قلبك لم يشعر به يومًا. كان زواج العقل. هذا ما كنتِ دائمًا تبغين "سند داعم". لكن غيث كان "ظلًا واهيًا" كطوفان ثائر وساحق خلف دمارًا بقلبك.
وآه تخرج من قلبها الموجوع بالعشق لـ سراج. سراج الذي لم يتجمل أمامك كان من البداية واضحًا. كان كغضب الطبيعة الثائر يهدأ مع الوقت. وهذا ما حدث. لم يتلاعب بالغرام بل كان يتوعد ويتمرد بأحاسيس تسربت وترسبت. ودلائل واضحة.
كان هنالك ذنب بعقلها. أغمضت عينيها بحسرة. إلى الآن غير مدركة سوى أنها كانت طُعم لنزاع أعاد قلبها يئن من خيبة الأمل.
***
بخارج الغرفة
فتحت نجية باب المنزل وتبسمت لـ سراج ترحب به. دلف يرسم بسمة سائلًا:
"ثريا فين."
أجابته ببسمة:
"ثريا في أوضة النوم صاحية لسه، يا دوب بالعافية غصبت عليها تاكل. ادخل لها وأنا هعمل شاي."
أومأ له موافقًا. ذهب نحو تلك الغرفة التي أشارت له عليها. دخل. كانت ثريا جالسة تضجع على الوسائد، تغمض عينيها. تنحنح. فتحت ثريا عينيها ونظرت نحوه، وهو يدخل إلى الغرفة ينظر إلى ملامحها بشوق. كذالك هي خفق قلبها بألم حين رأت يرفع يده بحامل طبي مثلها. نظرات العيون كانت تتحدث.
بندم وعتاب. ندم سراج... على ما تفوه به. ما كان عليه الوقوع بذلك الاستفزاز.
عتاب ثريا وسؤال. لماذا؟
والجواب من سراج:
"لم أكن أظن أنني سأقع بغرامك يومًا."
والعذاب يصنع من دموعها سيلًا. توجه نحوها يشعر بعذاب. جلس على طرف الفراش صامتًا للحظات، قبل أن ينطق اسمها بلوعة:
"ثريا."
توقف للحظات قبل أن يستطرد حديثه:
"أي قرار هتقولي عليه هنفذه ليكِ يا ثريا، بس قبل ما تقولي قرارك هقولك إني فعلاً من البداية كنت بقاوم بكل طريقة إني ما أقعش في غرامك، بس مش ندمان إني عشقتك يا ثريا، وكنت أتمنى أقابلك بعيد عن اللي حصل كله، ما كنتش هتردد لحظة أعشق حورية الشمس."
غصبًا دموعها تسيل وهي تنظر له. في البداية كانت تشعر بمرارة وقهر، لكن تبدل ذلك مع نبرة صوت سراج الصادقة. كانت قبل لحظات بداخلها قرار والآن قرار آخر. بل أمنية. صمتت للحظات تبتلع ريقها. ما زالت دموعها تهطل وتفوّهت بنبرة رجاء وتمني:
"عاوزة أبقى أم ولادك يا سراج."
ربما تسمع دقات قلبه. جوابها مثل النسمة الهادئة التي لجمت عواصف قلبه. ابتسم وبلحظة كان يجذبها يضمها بقوة. حتى أنه نسي ألم كتفه. لكن خفف من ضمته حين آنت ثريا وقبل جانب عنقها هامسًا:
"الموضوع ده مش سهل ومش مستحيل... هتبقي أحلى أم يا حورية الشمس."