مر أسبوع هادئ على نفس الوتيرة، إلا من تخبط أسيا في مشاعرها من اقترابه المفاجئ تارة، ومن غضبه غير المبرر تارة أخرى. لوت فمها بسخرية وهي مستلقية على الفراش تفكر فيه. فكرت بيأس أنها اعتادت على تقلب مزاجه، حتى أنها كانت تذهب إلى المشفى يومياً، مستعدة لأي رد فعل غريب قد يصدر عنه. كانت تحاول قدر استطاعتها إظهار اللامبالاة في التعامل معه عكس ما يدور بداخلها. فأحياناً يحاول الاقتراب منها دون سبب، وأحياناً أخرى يرمقها بنظرات نارية، وخصوصاً عند تعاملها بود مع الدكتور طارق أو أحد زملائها في العمل.
تحركت من فراشها على مضض، فاليوم هو يوم عطلتها، لذلك قررت قضاءه مع والدتها والسيد كمال. كانا في المطبخ يعدان طعام الغذاء، عندما انتهزت السيدة جميلة فرصة انشغال الصغيرة أسيا باللعب مع السيد كمال في الخارج، لتسأل أسيا بحذر وهي تراقب الممر: -في جديد عن مراد؟ هزت أسيا رأسها بالنفي، فاستكملت والدتها السؤال: -يعني الوضع كويس؟ طب بالنسبة للمستشفيات اللي كلمتيهم، حد رد عليكي؟ أجابتها أسيا عابسة الجبين وهي تزم شفتيها للأمام:
-ولا أي رد، مع إنهم كانوا متحمسين جداً. حاجة غريبة! بس عمتاً مفاتش وقت طويل، يمكن إحنا بس اللي مستعجلين. تنهدت السيدة جميلة ثم حاولت طمئنة ابنتها بهدوء تفتقده: -متقلقيش، اصبري وربنا هيسهلك الحال إن شاء الله.
هزت أسيا رأسها هذه المرة بإيجاب، تطمئنها وهي تدعو بداخلها أن تسير الأمور على خير ما يرام. انقضى ما تبقى من نهارهم بسلام ودفء عائلي، وفي المساء حملت أسيا صغيرتها النائمة في حضنها واتجهت بها إلى منزلهم الصغير لتضعها في غرفتها وتستلقي بجوارها وهي مطمئنة أن صغيرتها تنام في حضنها بالقرب منها.
في اليوم التالي، كان موعد مرورها النهاري قد حان. ومنذ لحظة دخولها المشفى، وهي تلتفت كل دقيقة تقريباً تنظر حولها متسائلة، أهو بالمشفى أم لا؟
فالبارحة كانت موعد عطلتها الأسبوعية، واليوم الذي يسبقه كان بعمل خارج المدينة. وبناءً على ذلك، لم تره منذ يومين. بالطبع، استطاعت معرفة تلك المعلومة من الدكتور طارق بطريقة غير مباشرة. كانت تعلم أيضاً بمدى ضعف إرادتها أمامه، ولكنها كانت فاقدة السيطرة على قلبها بشكل كلي. هذا ما فكرت فيه بسخط أثناء بحثها بلهفة عنه.
أما مراد، فوقف بعيداً يتأملها وهي ترتدي بنطال من الجينز الفاتح وبلوزة سوداء اللون تعكس بياض بشرتها وتزيدها جمالاً بشكل يخطف الأنفاس. أما عن شعرها، فكان مجدولاً بضفيرة طويلة تصل إلى ما بعد منتصف ظهرها. يضاف إلى ذلك الرداء الأبيض الخاص بالأطباء. كانت تسير وهي تتلفت وتبتسم ابتسامة عريضة لكل من يصادفها، فكانت أشبه بالملائكة، كما كان يلقبها دائماً بـ "ملاكي". أوشك على التحرك في اتجاهها عندما أوقفه الدكتور طارق يتحدث معه
عن بعض الأمور التي حدثت البارحة في غيابه. ولكن كان تركيزه في مكان آخر، جعل الدكتور طارق ينظر في نفس اتجاه تركيزه ليرى أسيا. ابتسم بخبث ثم هتف باسمها، فالتفتت على الفور. ازدادت ابتسامتها إشراقاً وهي تنظر إليه. تقدمت في اتجاههم بسعادة، تضع كلتا يديها في جيوب ردائها الأبيض، ثم توقفت أمامهم،
فعلق الدكتور طارق بمرح: -أسيا، واضح إن إجازة امبارح فادتك جداً، الابتسامة الحلوة رجعت تنور المكان تاني أهي. ثم استدار موجهاً حديثه لمراد: -انت تعرف يا مراد إن الموظفين هنا في المستشفى مسمينها "ذات الابتسامة الساحرة" من جمال ضحكتها ليهم.
دوت ضحكتها وهي تعود برأسها إلى الخلف في حركتها المعتادة. أوشكت على التعليق، ولكن أوقفتها نظرته الجليدية التي رمقها بها قبل أن يتحرك بتوتر في مكانه دون التعليق على ملاحظة الدكتور طارق. قطع الصمت بعد قليل مشيراً إليها في حديثه: -دكتورة، لو سمحتي لما يكون عندك وقت فاضي تعالي مكتبي، في كام حالة كنت براجع أوراقهم ولما سألت قالولي إن التفاصيل عندك، فياريت لو نراجعهم سوا. أومأت برأسها على الفور وهي تجيبه باهتمام:
-آه، قصدك حالة الطفل محمد والكام طفل التانيين؟ أوك، حاضر هخلص المرور بتاعي وأطلع لحضرتك على طول. هز رأسه موافقاً، ثم انسحب بهدوء تاركاً طارق يلاحظ كل هذا التوتر الواقع بينهم. سألها بعد انصرافه: -مالك، في حاجة جديدة؟ أجابتها نافية، ثم أكملت حديثها: -كنت خايفة جداً يسألني عن أسيا وهو معانا. انت عارف إني مش عايزاه يعرف أي حاجة عنها، خصوصاً في الوقت الحالي. أومأ طارق برأسه متفهماً:
-مفهوم، مفهوم. مع إني ضد قرارك ده، بس ليا إني أحترمه. خلينا في المهم، لسه مضايقة ومقررة تمشي ولا اتأقلمتي مع الوضع الجديد؟ نظرت إليه بحيرة، ولكن نبرتها خرجت جدية وهي تتأفف: -اتأقلمت وعايزة أمشي. نظر لها الدكتور طارق باستنكار، فأضافت موضحة: -طول ما هو قريب مني، يعني قريب من إنه يكتشف حقيقة أسو. عشان كده لازم أكون بعيدة. أجابها الدكتور طارق بأحباط:
-طيب، أتمنى على الأقل تبلغيني بأي خطوة هتاخديها قبلها. وبالمناسبة، هو مسافر من بكرة بره البلد ولمدة أسبوع كامل. على الأقل فكري تاني على مهلك في الفترة دي وهو مش موجود. أومأت برأسها موافقة، ثم استأذنته في الذهاب. لم تعلم لماذا أحبطها سماع خبر سفره. من الناحية المنطقية، يجب أن تكون سعيدة بذهابه حتى تستطيع الاسترخاء قليلاً. ولكن الحقيقة هي أنها قد اعتادت على رؤيته يومياً. مرة أخرى، وهذا أكثر ما كان يؤلمها.
انتهت استراحة الغداء، لذلك قررت الذهاب إلى مكتبه. طرقت باب غرفته، فأذن لها بالدخول على الفور. كان مشغولاً ينظر إلى أحد الملفات، ولكنه رفع رأسه عندما لمحها وأشار لها بالجلوس على أحد المقاعد، ثم تحرك يترك مقعده ويجلس في المقعد المقابل لها. مجرد استقراره في المقعد، تحدث إليها على الفور بجدية:
-امبارح كنت براجع مع مدير الحسابات الملفات الخيرية واكتشفت إن ملف الطفل محمد مفيهوش أي معلومة. ولما سألته، قال إنك طلبتي إنه يكون على مسؤوليتك وإن المعلومات الكاملة عندك انتي. ممكن أعرف التفاصيل؟ أومأت برأسها بقلق، وفي حركة تلقائية أرجعت إحدى خصلاتها إلى الوراء، ثم بدأت تتحدث بنبرة هادئة، ولكن التوتر كان يكسو ملامحها:
-أنا بصراحة معنديش أي معلومة عنه عشان أحطها في الملف. كنت لسه هتحرى عن الموضوع ده، بس يمكن ملقتش وقت الكام يوم دول. رفع إحدى حاجبيه وهو يضع إصبعه تحت ذقنه وينظر إليها بتعجب: -مش فاهم، إزاي معندكيش معلومة وهو بقاله حوالي أسبوعين هنا؟ أجابته وتوترها يزداد:
-بص، هحكيلك. من حوالي أسبوعين أو أكتر تقريباً، كنت في طريقي للبيت وقررت أتمشى شوية على المضيق قبل ما أروح. وأنا قاعدة هناك لقيت واحدة قاعدة على جنب لوحدها وكانت عمالة تعيط. قررت في الأول إني أتجاهل عياطها ده ومليش دعوة، بس بعد كده لقيته بيزيد بطريقة صعبة، مكنش ينفع أتجاهله أكتر من كده. فقررت أروح أشوف مالها، لقيتها ماسكة في إيديها ملف طبي. بعد ما اتكلمت معاها كتير، اكتشفت إن الملف ده يخص ابنها محمد وإنه عنده مشكلة في
القلب. وللأسف لازم يستنى دوره عشان يدخل في أي مستشفى عام، وهي متملكش فلوس تدخله مستشفى خاص. لأن زوجها سابها ومشي بدون أي مقدمات، ومفيش حد ممكن يعولها هي أو طفلها. لما فتحت الملف فعلاً، لقيت التقرير بيثبت صدق كلامها. فطلبت منها إنها تجيبه تاني يوم أكشف عليه وأتأكد من التشخيص بنفسي. وللأسف طلع التشخيص صحيح ولازم عملية في أسرع وقت، وإلا حالة الطفل هتتدهور عن كده.
توقفت عن الكلام قليلاً، تنظر إليه برقة واضحة، ثم أكملت وهي تمرر لسانها على شفتيها لترطيبها:
-بص، أنا عارفة إن مفيش حاجة تثبت صدق كلامها، بس أنا مكنش ينفع أعرف إن فيه طفل محتاج لمساعدة وأسيبه. أنا وقتها حسيت إن ربنا بعتني ليها عشان أحاول أنقذ محمد. ولو المستشفى مش هتقبله من غير مستندات رسمية، أنا متنازلة عن أي حقوق ليا خاصة بحالته وهتكلم مع الدكتور المساعد والمخدر يتنازلوا هما كمان. ولو على الغرفة، أنا هتكل بيها، تتخصم من مرتبى. المهم إن الطفل يعمل العملية ويتحسن.
كان ينظر إليها باهتمام، ولكن دون أي رد فعل. انتظرت منه أن يتحدث، ولكنه لم يفعل، فقط كان ينظر إليها بتفكر. شعرت بالدموع تتجمع داخل مقلتيها من خيبة الأمل. تحدثت تقطع الصمت بعد فترة، وهي تتحرك من مقعدها، فخرج صوتها متحشرج من أثر الدموع: -فهمت، أنا هحاول أشوفله مستشفى تاني تتكفل بيه.
لم تكمل جملتها، فخانتها دموعها في آخر كلمة لها، لتجد نفسها تجهش في البكاء. تحرك من مقعده وهو يلعن، ثم في الثانية التالية كانت بين ذراعيه يحتضنها بقوة، وهي مازالت تشهق. اشتدت ذراعيه حولها يضمها إليه أكثر وهو يتحدث برقة بالغة: -ششش، أسيا اهدى، بطلي عياط. ثم مسح بإحدى يديه على شعرها، بينما الأخرى مازالت تحاوط خصرها بقوة، وهو يضيف: -أسيا، لو سمحتي اهدى، انتي فهمتي غلط. أنا معنديش أي مشكلة إن الطفل يتعالج هنا.
رفعت رأسها بأمل تسأله: -يعني إيه؟ يعني انت موافق إنه يفضل؟ أجابها وهو لا يزال يحتضنها: -أيوه، معنديش مشكلة. وكل مصاريفه هنتكفل بيها كمان لحد ما يشُفى تماماً. وأنا هدّور على موضوع والده ده بنفسي. لو حقيقة، هدخلهم تحت رعاية شركتي. ثم رفع إحدى يديه يمسح بسبابته دموعها برقة، وهو يتحدث بحنان: -نفسي تبطلي تسرع وتسمعي الأول قبل ما تحكمي.
استقرت يديه على وجنتها، وهو يتنهد بعمق. لم تشعر بيديها إلا وهما تستقران فوق يده تتلمسها بشغف واشتياق. ارتجف من أثر لمستها واسودت عيناه من المشاعر التي تجمعت بداخله، فأخفض رأسه يستنشق رائحة شعرها الذكية مطولاً، ثم طبع قبلة عليه، قبل أن يستند بجبهته على جبهتها ليشعر بأنفاسها الحارة المرتبكة عليه. ثم رفع كلتا يديه يحاوط وجهها، أما هي فحركت كلتا يديها معاً، وهي مغمضة العينين، لتتمسك بذراعيه، ليعطيها القوة وتستمتع بلمسته وقربه منها. كان على وشك أن يطبع قبلة على شفتيها، عندما سمع طرقاً على الباب، فابتعد عنها على مضض، يتركها تستعيد توازنها، قبل تحركها للخارج، مجيباً
للطرق بنفاذ صبر: -ادخل. بعد مرور خمسة أيام، كانت أسيا في طريقها إلى الخارج هي وطفلتها، عندما رن هاتفها الخلوي. أخرجته تنظر إليه، ليظهر اسم والدتها على الشاشة. أجابت على عجل، فجاءها صوت والدتها القلق من الطرف الآخر: -أسيا، اتصلوا بيا من البلد يقولولي إن خالتك تعبانة شوية وإن لازم أسافر لها دلوقتي. متقلقيش، مفيش حاجة مهمة، بس هي عايزاني جنبها. أنا ببلغك عشان تعرفي إني مش هقدر آخد أسيا النهارده. أجابت والدتها تطمئنها:
-لا، متشغليش بالك. أنا هتصرف. روحي انتي وطمنيني عليها ومتنسيش تطمنيني لما توصلي. ثم أغلقت الهاتف واتصلت بالمربية، لتجدها هي الأخرى مشغولة ولا تستطيع الجلوس مع أسو اليوم. قررت التحرك، ثم التفكير في حل مناسب لاحقاً، حتى لا تفقد الوقت. تأخرت قليلاً في الوصول إلى المشفى، فأسرعت بالوصول إلى غرفة الأطباء لتشاهدها عائشة تسألها باهتمام: -أسيا! "اتاخرتي النهارده؟ أجابتها أسيا
بإرهاق بعد تنهيدة طويلة: "متسأليش، ماما اضطرت تسافر ومش لاقية حد يقعد بأسبا بعد الحضانه، وطبعًا المربية مشغولة النهارده لأني فاجأتها ومش عارفة أعمل إيه. عندي عملية النهارده ومينفعش أمشي بدري خالص." "طب بسيطة، ما تجيبيها هنا تقعد معانا لحد ما تخلصي، ما أنتي على طول بتعملي كده لما بتتزنقي." هزت أسيا رأسها رافضة: "لأ مش هينفع خالص المرة دي أعمل كده." "ليه يا بنتي مش هينفع؟
أنا كده كده قاعدة نبطشية لغاية بالليل والدنيا النهارده هادية فمش هيكون ورايا حاجة. هتفضل معايا لحد ما تخلصي عمليتك وتروحي." كانت أسيا بتفكر بيأس إن ده حلها الوحيد، ولكنها لا تريد أن تجازف به. هي تعلم إنه خارج البلاد ولن يصل إلا بعد يومين، ولكنها ما زالت قلقة. نظرت إلى عائشة بقلق، لا أستطيع مشاركتها خوفها، فبادلتها نظرتها بنظرة مشجعة: "يابنتي مالك في إيه؟
أنا هروح أستلمها وأجي بيها وهنقعد في الأوضة وانتِ خلصي شغلك براحتك." وافقت أسيا على مضض، فهي لازالت تشعر إنها تجازف بسرها. ...........
كانت الساعة قد تجاوزت الرابعة عصرًا عندما أخرجت أسيا هاتفها تبلغ معلمة أسيا بذهاب عائشة لاستلامها. بعد أقل من عشرين دقيقة، كانت في الطابق الأرضي تنظر إلى الباب الرئيسي تترقب وصول عائشة وأسيا في أي وقت، فالحضانة لم تكن بعيدة كثيرًا عن المشفى. كانت تمضي أحد الملفات فوق مكتب الاستقبال عندما رفعت رأسها فشاهدته يتحرك في اتجاهها. كاد الدم أن يتجمد داخل عروقها من رؤيته. حاولت بيد مرتعشة إخراج هاتفها سريعًا والاتصال بعائشة تطلب منها عدم إحضار أسيا، ولكن الأوان قد فات. سمعت الصوت
الصغير يهتف لها بحماس: "مامى مامى". فالتفتت ببطء لترى أسيا الصغيرة تركض في اتجاهها وهي تفتح كلتا ذراعيها لتحتضنها. شعرت أسيا بالأرض تنزلق من تحتها والأصوات تتلاشى من حولها من شدة الرعب، فأكبر مخاوفها قد تحقق. فآسيا في مقابلة مراد. ..........
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!