نظرت أسيا إلى ساعتها لتجدها قاربت على التاسعة صباحاً، اقترب موعد انتهاء مناوبتها. بالطبع لم تكن ليلتها بأحسن منه، ولكنها اعتادت على ذلك. ففي أحسن حالاتها كانت تستطيع النوم خمس ساعات متواصلة وتكون ممتنة إن لم يهاجمها خلالهم كابوس أو اثنان. في الحقيقة لم تكن تتذمر من هذا الوضع، فعلى العكس استطاعت الوصول إلى كل ما وصلت إليه في هذا السن الصغير بسبب طول نهارها. كان النهار لعملها وطفلتها ودراستها، أما الليل فكان لقلبها، أو بالأدق لألم قلبها، وما كان أسوأه من ألم!
انقضت سنوات عمرها الست الماضية وهي تقضي يومها على أمل أن يزول أو يهدأ قليلاً، ولكنه لم يتحسن على الإطلاق، والآن عاد لها من جديد ليزيد من سوءه. تأففت في مقعدها فقد كانت مناوبتها هادئة على عكس ما تمنت، فمناوبة هادئة تساوي تفكيراً أكثر، وتفكير أكثر يعني ألماً أكثر، وقد كان. قررت بدء جولتها الصباحية باكراً، علّ ذلك يعدل من مزاجها ولو قليلاً. كانت قد انتهت من نصف جولتها عندما رأت دكتور طارق يتقدم منها مبتسماً،
بنظرته الأبوية الحنون: "إمبارح مشيت من غير ما أشوفك والنهاردة بقالي ساعتين واصل وملمحتكيش فيهم! انتي بتسخبي مني ولا مبقاش مهم تشوفيني ولا إيه حكايتك بالظبط؟
تجمعت الدموع داخل مقلتيها من أثر تلك الكلمات البسيطة، فظاهرياً يبدو أنه سبب تافه للبكاء، ولكن داخلياً كان يتجمع بداخلها منذ البارحة بركان من المشاعر حاولت كبتها ولكن عبثاً، لتظهر على هيئة انفجار من تلك الكلمات البسيطة المازحة. نظر إليها بقلق وهو يراها تنفجر بالبكاء على هذا النحو، تقدم نحوها ليحتضنها ويمرر يده على شعرها لتهدئتها وهو يحدثها بألم: "بس خلاص اهدى، تعالي نتكلم في أوضتي وقوليلي مين مزعلك كده."
ثم تحرك بها نحو غرفته. انتظر حتى هدأت تماماً، وهو مازال يجلس أمامها بهدوء، ثم بدأ يحدثها: "ها يا ستي، قوليلى بقى مين اللي مزعل بنتي كل الزعل ده وأنا أتصرف معاه." مسحت دموعها وهي تبتسم: "مراد، مراد هنا، مراد هو مالك المستشفى الجديد." انتظرت منه أي رد فعل على ذلك الخبر ولكنه لم يظهر. نظرت إليه بريبة تتحدث بصدمة: "انت كنت عارف؟ من الأول كنت عارف مين ومقولتليش؟
أيوه صح أنا اللي غبية، انت رئيس الأطباء يعني دائماً موجود في اجتماعات مجلس الإدارة وكنت أول واحد يقابله مننا وعشان كده كنت بتهرب مني كل ما أسألك مين المالك الجديد!! عموماً الوضع ده مش هيستمر كتير، أنا هشوف مستشفى تانية في أقرب وقت." ثم قامت بغضب تتجه إلى الباب للخروج ولكن يده أوقفتها: "أسيا من فضلك اسمعيني شوية، انتي إنسانة عاقلة، اسمعي مني كلامي وبعدين قرري موقفك." ثم أعادها إلى مقعدها مرة أخرى وبدأ يتحدث بهدوء:
"أسيا، انتي بنتي اللي أنا وأمل ربنا كرمنا بيها. من أول يوم دخلتي فيه المستشفى واتعاملت معاكي حسيت إن قلبي اتفتحلك وقلت دي البنت اللي لو كنت بتتمنى ربنا يكرمني بيها مكنش هيتمنى أحسن منها. ولما أمل شافتك حست نفس الإحساس ومن ساعتها أنا اعتبرت نفسي والدك اللي ملحقتيش تعيشي معاه وقررت إن حمايتك مسؤوليتي. وخلال السنين اللي فاتت غلاوتك كانت بتزيد عندي يوم بعد يوم، فأوعى تفكري للحظة واحدة إني ممكن أخونك أو أخبي عليكي أو إن
في حد ممكن تكون مصلحته أهم من مصلحتك عندي. كنت عارف، أيوه، انتي حكتيلي كل حاجة عنه ولقيته زي ما وصفتيه بالظبط. لو كنت قلتلك أول ما عرفت مكنتيش هتستني هنا لحظة وكنتي هتضحي بكل اللي وصلتيله هنا عشان تبعدي عنه وكنتي انتي اللي هتخسري وأنا لا يمكن اسمح لبنتي إنها تخسر. عشان كده فضلت إنه يكون أمر واقع تدي لنفسك فرصة وتشوفي هتقدري تتعاملي معاه ولا لأ بدل ما تنسحبي من قبل ما تشوفيه. وانتي طلعتي قدها وأكتر. فكري في بنتك وفي
مجهودك، انتي في السنين اللي فاتت كنتي جزء من نجاحنا هنا متضحيش بده عشان حد، بلاش تسمحيله يهد حياتك من تاني. أسيا من فضلك فكري كويس بعقلك وبعدها قرري، ولو لقيتي نفسك مش قادرة أنا بنفسي هشوفلك مستشفى تانية تتنقلي عليه. بس عايز أقولك حاجة أخيرة، أنا هنا جنبك وطول ما أنا جنبك وعد محدش هيقدر يزعلك أو يجرحك تاني."
لم تستطع تمالك نفسها بعد كلماته الحانية فتحركت ترمي نفسها داخل ذراعيه تحضنه بامتنان. كيف تستطيع الغضب منه وهو يحبها لتلك الدرجة؟ ربت على وجنتها يقول بمزاح: "خلاص أم دماغ ناشفة مش زعلانة مني؟ هزت رأسها نافية. "طب يلا روحي اغسلي وشك واضحكي، محدش يستاهل دمعة من عيون بنتي." كانت تستخدم سلم الطوارئ للهبوط إلى الطابق الأرضي عندما اصطدمت به وهو في طريقه للصعود. كان رد فعلها سريع ومقتضب تمتمت بخفوت وهي تنظر للدرج: "آسفة."
ثم أكملت هبوط الدرج دون النظر إليه. مد ذراعه القوي يوقفها ممسكاً ذراعها وهو يسألها بقلق: "أسيا مالك في حاجة حصلت؟ هزت رأسها بالنفى وهي مازالت تنظر إلى درجة السلم الواقفة عليها فأضاف: "لأ إزاي وانتي شكلك معيطة!!! الراجل ده أبو الطفل مش فاكر اسمه ضايقك تاني؟ لم ينتظر إجابتها وانطلق إلى الأعلى بغضب، فركضت وراءه توقفه بلهفة فتوقف حين لمست ذراعه:
"لأ مفيش حاجة، أنا مشفتهوش من إمبارح لما اعتذرلي، أنا بس مرهقة من أثر المناوبة والسهر." نظر إليها متشككاً، ثم ضاقت عيناه ببطء وهو يتحدث كإقرار: "طول عمرك مبتعرفيش تكدبي، بتبربشي كتير وعيونك بتوسع لوحدها لما بتكدبي عليا." لم تستطع تمالك نفسها فنظرت إليه بحنين تهمس له: "انت الوحيد اللي اكتشفت ده." نظر إليها نظرة ذات معنى غاص قلبها معها قبل أن يقول: "يمكن عشان أنا الوحيد اللي...
ثم توقف عن الكلام فجأة وأخذ يتنحنح ثم تحدث مرة أخرى بعد صمت بصوت عميق: "أسيا، أنا آسف لو كنت ضايقتك إمبارح بردي، أنا بس كنت مرهق شوية وأنا فعلاً مبسوط إنك اتبسطتي باعتذاره."
نظرت إليه مطولاً وعيونها تفيض بكلمات محبوسة، تبتسم دون رد. فلم يشعر إلا وإصبعه يتلمس إحدى وجنتيها، فاخفضت رأسها تنظر إلى موضع إصبعه ثم رفعتها مرة أخرى تنظر له بشغف. اقترب منها ببطء حتى شعرت بأنفاسه الحارة على جبهتها وأنفه. تنهد بألم وهو يزدرد ريقه بصعوبة ثم اخفض رأسه يطبع قبلة طويلة على جبهتها ثم انصرف مسرعاً، تاركاً إياها ضائعة من أثر لمسته وحديثه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!