استيقظت أسيا في منتصف الليل فوجدت نفسها نائمة في حضن والدتها. بهدوء، تسللت من جوارها، تسير على أطراف أصابعها متجهة إلى غرفة ابنتها للاطمئنان عليها. كانت طفلتها لا تزال نائمة، فاستلقت بجوارها بهدوء تفكر في حديث والدتها معها البارحة بألم.
بعد مرور ساعتين، كانت قد اتخذت قرارها بترك المدينة بأكملها وبدء حياة جديدة بعيدًا عن الجميع. بالطبع، لن تخبر والدتها بهذا القرار الآن. ستنتظر شفاء أسو أولًا، ثم تنتقل بعد ذلك فورًا. هذا ما توصلت إليه قبل ذهابها في النوم مرة أخرى.
في الصباح، استيقظت مبكرًا كعادتها، فانتهزت الفرصة في تحضير الفطور قبل استيقاظ أسو. كانت أسيا في المطبخ عند استيقاظ والدتها. ألقت عليها تحية الصباح بمرح عند هبوطها الدرج، فبادلتها التحية بحب واضح. سألتها السيدة جميلة باهتمام: -أسيا، أسو عاملة إيه دلوقتي؟ لسه نايمة من امبارح؟ أسيا: -لا، صحيت من شوية. عطيتها الدوا والفطار ورجعت نامت تاني. السيدة جميلة: -طب طمنيني، عاملة إيه؟ أسيا:
-الحمد لله. اشتكت شوية من وجع في ركبتها، ده طبيعي طبعًا. بس لما أخدت المسكن نامت تاني. السيدة جميلة: -طب وإنتي هتعملي إيه؟ هتروحي المستشفى ولا إجازة ولا قررتي إيه؟ نظرت إليها أسيا بقلق وهي تلوّي شفتيها قبل أن تجيبها: -امممم... بالنسبة لموضوع المستشفى ده، أنا نسيت أقولك امبارح في زحمة اليوم، أنا قدمت استقالتي. السيدة جميلة باهتمام: -تمام. في حد كلمك من المستشفيات اللي قدمتي فيها يعني؟ أسيا مترددة:
-لا خالص. حتى لما كلمت كذا حد أسأل تاني، كان ردهم إن منصبي مش فاضي ومش قابلين أروح على حاجة أقل. كنت حاسة إنه بيتحججوا وخلاص، بس ما علينا. السيدة جميلة: -طب هتعملي إيه دلوقتي؟ هتقعدي في البيت؟ أسيا: -مش عارفة ومفكرتش، بس مكانش ينفع أكمل وأنا وهو في نفس المكان. وكان لازم أعمل كده. عمتا، أسو بس تخف وهشوف بعدها هعمل إيه. بالطبع، لم تكن تنوي مشاركة والدتها قرار رحيلها منذ الآن، فاحتفظت بخطتها لنفسها.
بعد مرور الظهيرة، طلبت أسيا من والدتها الذهاب إلى متجرها ومنه إلى بيتها من أجل الاهتمام بالسيد كمال. بالطبع، لم تكن مهمة إقناع السيدة جميلة بالشيء السهل، ولكن بعد إلحاح من أسيا ووعود كثيرة بالاهتمام بأسو والتركيز على مواعيد دوائها وطهو طعام صحي لها والاتصال بها في أي وقت تحتاجها فيه وغيرها من الوعود، ذهبت السيدة جميلة على مضض.
انتهت أسيا من جميع أعمالها المنزلية وطهو الطعام في منتصف اليوم. ثم قررت الاغتسال سريعًا. وارتدت تيشرت قطني أحمر قصير مع بنطال من الجينز الغامق، فأظهر جمال خصرها ووجهها. أما شعرها، فرفعته إلى الأعلى ثم تركته ينساب بنعومة على ظهرها. ثم صعدت بعد ذلك تجلس مع طفلتها بهدوء تقرأ لها إحدى روايات أميرات ديزني.
هاتفها الدكتور طارق وزوجته للاطمئنان على أسو. تحدثت معهم أسو مطولًا بسعادة، تقص عليهم خططها يوم تذهب إلى الملاهي. فكرت أسيا بيأس أنها لم تنس وعده حتى الآن برغم إصابتها تلك.
بعد السادسة بقليل، كان جرس منزلها يرن. بالطبع، كان الزائر هو مراد، ولكنه أتى باكرًا، فعمله لا ينتهي قبل التاسعة. لوّت فمها بسخرية من تفكيرها، فبالطبع هو مالك المشفى ويحق له الذهاب في أي وقت يريده. كان فمها ما زال ملتوياً وتحتجز شفتيها تحت أسنانها وهي تفتح له الباب. كانت تبدو جميلة بتلك الملابس والحركة، هذا ما كان يفكر به عند رؤيتها.
كانت تقف أمامه مترددة، فبادر بإلقاء التحية عليها بملامح مبهمة. هزت كتفها بلامبالاة من تصرفه، فقد قررت منذ يومين تجاهله، وتلك المرة تنوي تنفيذ قرارها بحزم. دعته للدخول، فتقدم على الفور يسألها باهتمام واضح: -أسيا، عاملة إيه دلوقتي؟ أكيد طبعًا صاحية ولا اتأخرت؟ هزت أسيا رأسها بالنفي: -لا طبعًا صاحية، متأخرتش ولا حاجة. هي فوق، تقدر تطلعلها.
أومأ برأسه موافقاً، ثم اتجه فوراً إلى الأعلى حيث غرفة أسو. استقبلته أسيا الصغيرة بسعادة وهي تفتح كلتا ذراعيها لاستقباله، والابتسامة تُنير وجهها. فتقدم منها يحملها بحب وهو يبادلها ابتسامتها ويدور بها في الهواء.
كانت أسيا تقف عاقدة كلتا ذراعيها معاً أمامها، تستند بجسدها على باب الغرفة تراقب أفعالهم بقلب مفعم بالحب. كانت تنظر إليهم مفكرة أن كل من يرى أسو يقرر على الفور أنها نسخة مصغرة منها. ولكن هي فقط من تعلم أن معظم حركاتها وردود أفعالها ورثتها كاملة عن والدها. فالآن مثلاً، لا يدريان أن كلاهما يجلس بجوار بعضهما بنفس طريقة الآخر وينظران إلى بعضهما نفس النظرة.
أفاقت من تأملاتها على صوت أسو تناديها وتطلب منها الجلوس معهم. هزت لها رأسها موافقة وهي تبتسم لها بحب، ثم تحركت تجلس على المقعد الوحيد الموجود بالغرفة. قاطعتها أسو برفض طالبة منها الاقتراب والجلوس معهم داخل الفراش. نظرت إلى مراد مترددة، فوجدته يجلس بعدم اهتمام كأنه لا يسمع حديث صغيرتها. استعجلتها أسو، فتحركت على مضض ترفع كتاب الروايات التي كانت تقرأ منه لأسو، تحمله بين يديها قبل جلوسها على طرف الفراش في الجهة المقابلة له.
كانت تشعر بالتوتر من قربه ورائحة عطره التي كانت تضرب أنفها بقوة فتصيبها بالخدر. قررت إلهاء نفسها بأي شيء لعل ذلك يهدئ من توترها قليلاً، فاخذت تحرك صفحات الكتاب وهو مغلق بين أصابعها. قطعت أسو الصمت عندما التفتت تنظر له متحدثة بصوتها الطفولي: -مراد، إنت عارف إحنا كنا بنعمل إيه قبل ما إنت تيجي؟ مامي كانت بتقرالي قصة. قاطعتها أسيا مؤنبة: -أسو، ينفع نقول مراد كده؟ نظرت إليها أسو معتذرة: -سوري يا مامى، قصدى أونكل مراد.
ثم أكملت حديثها إليه: -عارف كانت بتقرالي قصة إيه؟ قصة سندريلا عشان أنا بحبها. بس إنت عارف بقى مامى بتحب إيه. ثم اقتربت منه تهمس له في أذنه ببراءة: -مامى بتحب الأميرة النائمة. بالطبع، كان صوتها مرتفعاً، فاستطاعت أسيا سماع كل ما تفوهت به، فلم تستطع منع نفسها من الابتسام. أما عن مراد، فقد تسمرت نظرته على أسيا ينظر لها نظرة لم تدرك معناها. أما هو، فكان يفكر أنها ما زالت تحبه برغم كل ما حدث بينهم. تنحنت
أسيا محاولة قطع الصمت: -أسو، يلا نتعشى عشان ميعاد دوا نا قرب. هزت لها رأسها بإيجاب، فتحركت أسيا تتجه إلى الأسفل، تاركة أسو تكمل سرد تفاصيل إصابتها لمراد بتركيز تام. أصرت أسو على مشاركة مراد لها وجبتها وأبت تناول الطعام إلا عندما رأته يتناوله قبلها. بعد انتهاء وجبتهم، تناولت دوائها وأكملت ليلتها تشاركه جميع ألعابها أيضًا.
بعد العاشرة بقليل، كانت أسو تقاوم تأثير النوم من أثر الدواء، ثم بعد قليل استسلمت وهي بين ذراعيه. كانت أسيا طوال أمسيتهم تراقبهم بصمت، غارقة في أفكارها الخاصة ومدى تعلق أسو به في ذلك الوقت القصير. قامت على الفور منحنية، تمسك بأحد الأغطية في نفس الوقت الذي مد مراد يده ليمسك به، فتلامست أيديهم. شعرت أسيا بقشعريرة تمتد على طول عمودها الفقري. سحب يده من فوق يدها ببطء، ولكنه نظره ما زال مثبت عليها مما أصابها بالتوتر. دثرت صغيرتها جيدًا بالغطاء قبل أن تستقيم في وقفتها مجددًا، تشعر أن الغرفة أصبحت صغيرة فجأة. أرجعت إحدى خصلات شعرها إلى الوراء بإصبع مرتعش وهي تنتظر.
كان هو من قطع الصمت تلك المرة قائلاً بنبرة خالية: -الوقت اتأخر وأنا لازم أتحرك دلوقتي. هزت رأسها لها موافقة، ثم ابتعدت عن الطريق، مادة يدها إلى الأمام ترشده، فتحرك مسرعاً يهبط الدرج كل درجتين معاً. أوقفه صوتها عند أسفل الدرج تناديه: -مراد، لو سمحت ثواني. اختفت دقيقة، وفي التالية كانت تقف أمامه تخرج يدها من وراء ظهرها تمدها إليه وبداخلها ورقة. أخذ مراد منها الورقة بأستغراب: -إيه ده؟ أسيا:
-دي ورقة استقالتي، ممكن تفتحها تقرأها وتوقعلي عليها.
أخذ منها الورقة وهو يرفع إحدى حاجبيه بأستنكار. فتحها بالفعل يقرأ ما بداخلها، ثم نظر إليها نظرة خالية من أي تعبير. مسك الورقة بيديه وهو ما زال ينظر إليها، ثم مزقها إلى قطع صغيرة وهو يرفع حاجبيه معًا في تحدٍ. ألقى قصاصات الورق إلى الأعلى، فتناثرت في الهواء لتقع فوق رأسها ثم على الأرض. كان ينظر إليها بغضب وبقايا استقالته منتشرة في كل مكان، ثم استدار يفتح الباب خارجًا دون أي تعليق، تاركًا إياها تشعر كأنها منبوذة.
وصل مراد إلى منزله وهو يتنهد بأرهاق من أثر أفكاره. خلع ربطة عنقه بنفاذ صبر وهو يلقيها إلى أحد الكراسي الموضوعة بداخل غرفة معيشته. ثم فك جميع أزرار قميصه وألقاه على الأرض بغضب، واتجه بعدها مباشرة إلى حمام غرفة نومه يقف تحت الماء البارد وهو يرفع رأسه بألم ويترك الماء ينساب ببرودة على وجهه وبين خصلات شعره، لعله يريحه ولو قليلاً. أغمض عينيه وأدار الصنبور لآخره، تاركًا الماء ينهمر بقوة أكثر على جسده، عائدًا بذاكرته إلى ثالث لقاء بينهم.
كانت تجلس على إحدى المقاعد الخشبية داخل حديقة المشفى، تضحك بمرح وهي تمسك إحدى روايات ديزني بين يديها، وبجانبها طفلة تجلس على مقعد متحرك تبادلها ابتسامتها بوهن. ظل يراقبها بشغف ما يقارب النصف ساعة، وقلبه يكاد يتوقف مع كل ضحكة تخرج منها ومع كل محاولة منها لإعادة خصلات شعرها المتمرده للوراء. قرر التحرك والانضمام لها، فتفاجأت بسعادة من مصادفته. بالطبع، كانت تعتقد أنها مصادفة، ولكنها لم تكن ذلك على الإطلاق، فمنذ لقائهم الأول الذي كان مصادفة حقيقية، وهو يحاول ترتيب الصدف لرؤيتها مرة أخرى.
كانت تنظر إليه ببلاهة واضحة وهي تضم شفتيها معًا بتوتر، قبل أن تلوّي فمها في حركة تلقائية منها جعلت جسده يتصلب في مكانه. بعد دقيقة، حاول السيطرة على مشاعره والعودة للواقع، فتحدث بنبرة طبيعية: -أنا كنت في المستشفى عندي ميعاد مع المدير وكنت خارج، بس لما شفتك قاعدة حبيت أسلم عليكي. أشرق وجهها بابتسامة عريضة تكشف عن غمازتها المحفورة بداخل خدها وهي تجيبه:
-حلو أوي، قصدي حلو إن كان عندك ميعاد. قصدي يعني إن دي حاجة كويسة للشغل طبعًا. ثم أضافت مسرعة محاولة السيطرة على توترها: نسيت أقدم لك الأستاذة رحمه، هي أستاذة بس لدلوقتي، بس لما تكبر هتبقى أكبر جراحة في الدنيا.
أومأت له الطفلة رأسها بخجل تحييه، فأقترب منها منحنيًا، يجلس على ركبة واحدة وهو يستند بأحد ذراعيه على مقعد الطفلة، فأصبح في مستوى أسيا مقابلًا لها وعلى بعد عدة خطوات منها. كان يتأمل انعكاس أشعة الشمس الواقع على عينيها البنية فتتحول إلى لون العسل، فشعر بالامتنان لارتدائه نظارته الشمسية التي كانت تخفي نظراته لها. عاد بأفكاره إلى الطفلة التي كان يجلس بجوارها يسألها بخبث: -ها يا رحمه، بتعملي إيه؟ فأجابته الطفلة بخجل:
-: دكتورة آسيا بتقرأ لي حكاية حورية البحر وبتقول لي إن في يوم هقدر أستخدم رجلي وأعوم زيها. التفت لينظر إلى آسيا التي كانت عيناها تلمع الآن ولكن من أثر الدموع. سارعت تحدثها على الفور وهي تمد يدها تمسح على شعرها بنعومة: -: أيوه طبعًا، أنا متأكدة إن هيجي يوم وقريب كمان وهتقدري تعومي زي أريل وتجري زي سنو وايت والأقزام وتركبي حصان زي بل وتعملي كل اللي نفسك فيه. كانت الطفلة تتطلع إليها بانبهار وسعادة واضحة قبل أن تسألها:
-: وهقدر ألبس فستان زي سندريلا وجزمة من إزاز؟ هزت آسيا رأسها مؤكدة: -: وتقدري تلبسي فستان منفوش وكبيييير وجزمة من إزاز وتمشي وتلفي بيهم براحتك ولما تكبري تقابلي أميرك وأمير حكايتك. -: لم تكن الطفلة فقط هي المبهورة من وصف آسيا. أصاب ذلك الانبهار مراد أيضًا وهو يراها تتحدث بكل هذا الشغف والأمل كأنها مازالت تحتفظ بالطفلة داخلها. أدار رأسه يسأل رحمة وهو يغمز لها: -: طب تفتكري الدكتورة آسيا زي مين من الأميرات؟
أسرعت رحمة تجيبه بحماس: -: الأميرة سنو وايت اللي كل اللي يشوفها يحبها. جوابها مراد وهو يتأمل آسيا بتركيز: -: اممم، بيتهيألي إنها شبه الجميلة النائمة اللي لسه مستنية أميرها. إيه رأيك من دلوقتي نسميها الأميرة النائمة؟ صفقت الطفلة بكلتا يديها فرحًا موافقة على اقتراحه. أما هو فكان لا يزال يتأمل آسيا التي كانت تبتسم له بخجل وهي تعيد إحدى خصلات شعرها إلى وراء أذنها بتوتر.
اخفض رأسه مرة أخرى وهو مازال واقفًا تحت رذاذ الماء البارد يستند بكلتا يديه على الحائط الرخامي للحمام يتذكر بعد زواجهم وهي جالسة داخل حضنه في غرفة المعيشة بعدما أجبرته على مشاهدة فيلم الجميلة النائمة معها. وعندما سألها مستفسرًا عن سر حبها لذلك الفيلم تحديدًا، أجابته بخجل وهي تحاوط وجهه بكلتا يديها:
-: عشان بيفكرني بيك. لما قابلتني في المستشفى وأنا قاعدة من رحمة، كنت ساعتها قاعدة بفكر فيك وبدعي إني أقابلك تاني وبعدها لقيتك واقف قدامي كان قلبي هيقف من كتر الفرحة. ولما وقتها قلت لي إنك الجميلة النائمة اللي مستنية أميرها كنت بقول جوايا انت الأمير اللي كنت مستنياه عشان يصحى قلبي. في ذلك الوقت كان قلبه يفيض من المشاعر والحب تجاهها. لم يكن يخدعها عندما كان يلقبها بأميرته النائمة وكانت تصحح له مازحة:
-: غلط، من بعد ما عرفتك وحبتك مبقتش نايمة، دي عرفت الحياة على إيديك. كانت تلك الأيام أقصى مراحل سعادتهم. كان يرى انعكاس صورته في كل مرة ينظر إلى عينيها. أما الآن فعندما ينظر إليها لا يرى إلا الحيرة والقلق. لم يكن يرى انعكاس صورته في عينها إلا عندما يقترب منها. أغلق الماء وهو مازال واقفًا تحت دش الاستحمام يهتف لنفسه بإصرار: -: دلوقتي وقت خطوتك يا مراد، مينفعش تتأجل أكتر من كده.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!