كانت تحبس دموعها أمامه، وبمجرد خروجه جلست على الأرض وأخذت تبكي بحرقة. كانت تبكي من ألم جسدها، تبكي من حبها وعجزها، تبكي من ظلمه لها، تبكي من سوء ظنه بها. والأسوأ أنها كانت تبكي من عدم قدرتها على ضرب الحقائق في وجهه. كانت تريد الصراخ في وجهه وإخباره أن آسيا طفلته التي تخلى عنها حتى من قبل أن يعلم بوجودها.
بعد نصف ساعة من البكاء المتواصل، شعرت أنها لا تستطيع التحرك من شدة الألم. كانت حرارتها تزداد ارتفاعًا، وجسدها يرتجف من البرد. رفعت رأسها بكبرياء وهي تنهض، مفكرة بخبث: إذا كان يظن أن آسيا ابنه خالد، فليظن ذلك. حتى أنها الآن فهمت سبب كل تلك المعاملة الباردة معها. فهو يعتقد أنها خانته. بالطبع، فالسيد مراد قد جُرح في كبريائه ولا يتحمل فكرة عدم بكائها على أطلاله، حتى لو كان يحب أخرى.
كانت تشعر بالغضب منه الآن أضعافًا مضاعفة، ولكن الألم كان يأكل رأسها لدرجة لم تستطع التفكير به أكثر. تحركت ببطء في اتجاه الهاتف تطلب خدمة الغرف. طلبت مسكنًا وترمومتر حرارة، ولحسن حظها وصلوا إليها بعد دقائق قليلة. ارتمت على الفراش الوحيد الموجود بالجناح. أخذت المسكن على الفور وقامت بقياس درجة حرارتها لتجدها 39 درجة مئوية. ثم ذهبت بعد ذلك في نوم عميق لا تشعر بأي شيء مما حولها. ***
كانت الساعة قد تجاوزت الحادية عشرة عندما عاد إلى الجناح مرة أخرى. ذهب إلى الحمام مباشرة، يتلمس طريقه في الظلام لتبديل ملابسه، ثم خرج يبحث عنها. أشعل ضوء المصباح الصغير الموضوع بجانب الفراش فوجدها نائمة عليه منكمشة كالأطفال.
تحرك في اتجاهها ثم جلس على طرف الفراش يتأمل ملامح وجهها الرائعة قليلًا، قبل أن تمتد يده بخفة تزيح إحدى خصلات شعرها. فلامست يده بشرتها فشعر بالصدمة من حرارة جسدها. وضع يده على جبهتها يتلمسها برعب فتفاجأ من شدة حرارتها.
رفع عنها الغطاء فوجد ترمومتر الحرارة ملقى بجانب يدها وبجواره إحدى المسكنات الموضعية. أخذه من جوارها ثم وضعه أسفل ذراعها. انتظر دقيقة ثم أخرجه فوجدها تقارب الأربعين درجة. حاول إيقاظها ولكنها كانت نصف غائبة عن الوعي.
ركض مسرعًا، يبحث عن هاتفه للاتصال بدكتور طارق فأوقظه من نومه. شرح له وضعها متعلثمًا، والرعب يتملكه. حاول دكتور طارق طمأنته ووصف له دواء مناسب وأوصاه بعمل كمادات ثلج لها أو الأفضل وضعها تحت الماء البارد مباشرة.
أغلق معه سريعًا، ثم اتصل بخدمة الغرف على الفور يطلب منهم إحضار الدواء المطلوب، وبالطبع لم يكن شيء يطلبه مراد سويدي يُقابل بالرفض أو التأخير. مضت عدة دقائق وهو يجلس بجوارها يحتضن وجهها بيديه وهو ينظر إليها بألم يشعر بالغضب من نفسه بسبب حديثه معها منذ عدة ساعات.
طرق الباب فركض يفتحه على الفور آخذًا الدواء ثم عاد به إليها مجددًا. كان يهتف باسمها بحنان وهو يجلس بجوارها، ثم وضع يده أسفل رأسها يرفعها إليه قبل أن يحتضنها بين ذراعيه محاولًا إيقاظها. فتحت عينيها بوهن بعد عدة لحظات غير واعية. هتفت باسمه بضعف قبل أن تدفن رأسها في صدره مرة أخرى.
حاول إبقائها واعية قدر الإمكان حتى يستطيع إعطائها الدواء. فتح فمها بحنان ووضع الحبة بداخلها وهو مازال يحتضنها، ثم أعطاها بعض الماء وطلب منها ابتلاعها فأطاعته بوهن غير واعية بما يدور حولها. كانت الآن ترتجف بين ذراعيه وهي تدفن رأسها في رقبته تهتف باسمه برقة وهو يدفن رأسه داخل شعرها يقبله ويطمئنها بحنان.
ازداد ارتجافها بين يديه فحملها بين ذراعيه راكضًا بها إلى الحمام. وضعها تحت حوض الاستحمام وهي تترنح ثم ابتعد عنها قليلًا، يفتح الماء. سقط الماء البارد عليها فجأة فزاد ارتجافها. كان ينظر إليها شاعرًا بقلبه يذوب بين ضلوعه من ضعفها وألمها.
مدت يدها في اتجاهه تهتف باسمه بهمس وهي تحاول التمسك به. كانت تلك الحركة التي أسقطت كل دفاعاته فأخذ يلعن وهو يقترب منها مرة أخرى يحتضنها ليصبحا تحت الماء البارد سويًا. تمسكت به بكل قوتها تلف ذراعيها حوله وهي تضغط بكل جسدها على جسده فيستجيب لها بضم ذراعيه حولها أكثر حتى التحما معًا ليصبحا جسدًا واحدًا.
رفعت رأسها تنظر إليه بشغف ثم ترفع يديها تمررها برقة على حنجرته وتفاحة آدم فارتجف من لمساتها تلك. حاول الابتعاد عنها قليلًا للسيطرة على مشاعره التي تعصف به بقوة من قربها، فهو يعلم أنها غير واعية لما تقوم به الآن، ولكنها تمسكت به أكثر تضغط بجسدها عليه مرة أخرى وهي تنطق اسمه بهمس مغرٍ لم يستطع المقاومة أكثر.
فأخفض رأسه يقبلها بقوة فاستجابت له على الفور لتتحول بعد ذلك إلى قبلة ناعمة رقيقة. ظلا هكذا يقبلان بعضهما البعض بشغف ونهم مدة من الوقت حتى ابتعد عنها محاولًا السيطرة على نفسه، يعلم بأنها ستندم على ذلك في الصباح. ظلا ينظران إلى بعضهما البعض عدة دقائق قبل أن يخرجها من تحت الماء ويغلق الصنبور، ثم لفها برداء الحمام وحملها مرة أخرى بين ذراعيه متوجهًا بها إلى الفراش. وعندما وضعها شعرت به يبتعد عنها فتمسكت به قائلة بهمس:
"مراد متسبنيش" مرر يده على خصلات شعرها الرطبة يطمئنها ثم وضع قبلة مطولة على جبهتها وهو يحدثها برقة: "مش هسيبك، دقيقة بس هغير هدومي المبلولة دي وانتي حاولي تقلعى هدومك وهرجعلك" أطاعته على الفور بمجرد ذهابه، خلعت ملابسها المبللة كالآلة ولفت نفسها جيدًا برداء الحمام، ثم استلقت في الفراش مرة أخرى منكمشة على نفسها من الألم. ليعود بعد دقائق يستلقي بجوارها وهو يلفها بكلتا ذراعيه ويحدثها بهدوء بعد أن وضع قبلة
أخرى على جبهتها وأنفه: "أنا هنا متخافيش حاولي تنامي وأنا جنبك" اقتربت بجسدها منه أكثر تستمد الدفء منه وتدفن رأسها في تجويف عنقه ليذهبا كلاهما بعد قليل في نوم عميق يحتضن أحدهما الآخر. فتح مراد عينيه بمجرد دخول أول خيط للضوء الغرفة ليطمئن عليها وهو مازال يلف ذراعيه حولها فوجدها مازالت نائمة بعمق ممسكة بتيشرته بكلتا يديها كطفل صغير ورأسها مدفون في صدره.
أبعد نفسه قليلًا عنها يتلمس جبهتها بشفتيه يستشعر حرارتها فوجدها شبه طبيعية. تنهد بعمق وراحة وهو يتأمل ملامح وجهها ثم مد يده يتلمسها برقة حتى وصل إلى شفتيها الممتلئتين. لم يستطع مقاومة مشاعره فأخفض رأسه يقبلهما بنعومة ثم صعد يقبل انفها وجبهتها وجفونها ووجنتها قبلات صغيرة متتالية. فشعر بها تتململ بين يديه من أثر قبلاته الرقيقة فتحت جفونها تنظر إليه بوهن قبل أن ترفع يدها بحذر تتلمس وجهه وهي تتمتم برقة:
"مراد انت هنا ولا أنا بحلم" أجابها بصوت أجش: "هش، أنا هنا جنبك متخافيش" فعادت تتمسك بتيشرته مرة أخرى كأنها تخشى تركه فيذهب بعيدًا، لتعود إلى نوم عميق مرة أخرى بسبب منوم الدواء وهي تبتسم لوجودها بين ذراعيه القوية.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!