قضت أسيا ما تبقى من رحلتها إلى المنزل وهي تتذكر لقاءهم الأخير. تنفض رأسها محاولة التخلص منه ليعود إلى ذاكرتها مرة أخرى. كانت تتلوى داخل مقعدها بألم وهي تتذكر كيف أمسك بها! كيف ظهر لها من العدم! والأسوأ كيف تغلغلت رائحته في كل حواسها لتشعرها بالخدر! كيف كان رأسها يصل إلى صدره لتشعر بحركة أنفاسه تحت رأسها!
كل ما أرادت فعله تلك اللحظة هو الاستناد على صدره القوي لتستمد منه القوة دون التفكير بأي شيء آخر. نهرت نفسها بضيق تحاول التخلص من أفكارها نحوه، فكيف ما زالت تحبه بعد كل تلك السنوات؟ بعد كل ما فعله بها! بعد كل ما جعلها تمر به من ألم! لم تكن لتخدع نفسها، فهو كان يسكن ذاكرتها ومحفور داخل قلبها حتى في غيابه.
دخلت إلى المنزل تشعر بهم العالم يتجمع فوق أكتافها. أول شيء أرادت القيام به هو الاطمئنان على طفلتها الصغيرة. دخلت الغرفة فوجدتها نائمة بهدوء في حضن جدتها، فقامت بتقبيل كل منهما وخرجت بهدوء تغلق الباب خلفها. وصلت إلى غرفتها مقررة الاستحمام، لعل ذلك يهدئ من بعض توترها، فتوجهت إلى دولابها أولاً لتأخذ منه ملابس للنوم وتتجه إلى الحمام مباشرة. بعد بضع دقائق كانت قد خرجت منه تتجه إلى فراشها في محاولة منها للنوم، ولكن بمجرد أن وضعت جسدها عليه حتى تجمعت كل أحداث اليوم أمام عينيها، مما جعلها تنفجر باكية. أخذت تبكي بصوت مكتوم حتى لا توقظ والدتها، لتعود بالذاكرة ستة أعوام بالتحديد إلى ذلك اليوم الذي قلب حياتها وسعادتها رأساً على عقب.
استيقظت أسيا في ذلك اليوم تبتسم بسعادة كالبلهاء ورأسها يتوسط صدره، يحيطها بكلتا ذراعيه، رأسه مستند على رأسها باسترخاء. تشعر بأنفاسه المنتظمة عليها لتعلم أنه لم يفق بعد. تململت تحرك رأسها لتدفنها في ثنايا عنقه تستنشق رائحته التي أصبحت كالمخدر بالنسبة لها، تتلمس عنقه وتفاحة آدم تلك التي تصيبها بالجنون، ثم تتلمس برقة ذقنه النابت وهي تبتسم. كانت تتأمل ملامح وجهه الرائعة عندما ابتسم لها بكسل وهو يقول بصوت ناعس:
"صباح الخير." ثم يقبلها برقة على مقدمة أنفها ويحك أنفه بأنفها، وهي تبتسم بخجل متمتمة: "صباح النور. نمت كويس امبارح؟ ليجيبها بتلك الابتسامة الساحرة: "طب ده سؤال؟ حد يفضل نايم في حضن الملاك ده ومينامش كويس؟ طبعاً نمت، مع إني كنت أفضل حاجات تانية عن النوم." وغمز لها بخبث، فدفنت رأسها في صدره بخجل متمتمة: "مراد." فدوت ضحكته عالية وهو يجيبها: "أهو مراد ده هيجي يوم ويتجنن من كسوفك وجمالك ده." رفعت رأسها إليه تتلمس
وجنته برقة تقول متأثرة: "متقولش كده بجد، بعد الشر عليك." تنهد بعمق وهو ينظر إليها كأن عينيه تتحدث بما لا تستطيع كلماته التعبير عنه. وضع سبابته على طرف شفتيها يحركها بلطف، فتحركت مشاعرها معها، تنظر بوهن وعيون ناعسة وتبدأ شفتيها في الانفراج، لتدمر هذه الحركة كل دفاعاته وهو يقول بمرح: "قلتلك قبل كده مية مرة بلاش النظرة دي، ما دام بصيتلي البصة دي متلوميش غير نفسك."
ثم يأخذها بين ذراعيه هو يلتف بها ليصبح فوقها ويبدأ تقبيلها بنهم، لتكون هذه فقط البداية لمشاعر تعلمها جيداً. بعد فترة من الوقت لم يشعرا به، كان يتمطى بكسل وفخر، وهي تحثه على التحرك: "يلا هتتأخر على الاجتماع بتاعك." فأجابها بكسل: "مش مشكلة، يقدروا يستنوا شوية." مدت يديها تدفعه من فوق الفراش ليتحرك، فأستجاب لها بمرح وضحكته تدوي حتى اختفى داخل الحمام.
كانت أسيا في الطابق الأرضي تنتهي من وضع الفطور على طاولة المطبخ، حتى وجدته يهبط مرتدياً بذلة زرقاء وتحتها قميص أبيض وربطة عنق زرقاء حريرية، وشعره رطب من أثر الاستحمام. تجمدت من وسامته الطاغية، تتأمل ذلك الوسيم زوجها وحبيبها وهو يقترب منها بابتسامته المشعة، يحتضنها وهي ترتدي إحدى قمصانه معلقاً: "امممم انتي بتغريني عشان متحركش من جنبك صح؟ دوت ضحكتها وهي ترجع رأسها إلى الوراء بفرح، تجيبه بخبث:
"أنا مش فاهمة انت بتتكلم عن إيه." رد عليها بنبرة تهديد لذيذة، ضاغطاً على كل حرف يخرج منه: "متخلنيش دلوقتي أثبتلك أنا بتكلم على إيه وهنا كمان. وبالنسبة لضحكتك دي لو شفتك بتضحكيها لحد غيري مش هيحصل كويس." شهقت بفزع وهي تضع يدها على فمها مجيبة: "خلاص بهزر، ممكن بقى تفطر بسرعة عشان متتأخرش." رفع يده ينظر إلى ساعة معصمه وهو يتمتم بعبوس:
"أنا فعلاً اتأخرت ولازم أتحرك دلوقتي، بس وعد إني مش هتأخر عليكي بليل عشان عندي شوية إثباتات محتاج أعرفها لك." ثم قبلها سريعاً وتحرك إلى الخارج، وهي تبتسم من خلفه.
لم تكن أسيا تشعر أن معدتها بخير منذ الصباح، لذلك ألغت فكرة الفطور وقررت التحرك مباشرة إلى المشفى والانتهاء من بعض الملفات التي تخص رسالتها التمهيدية. في أثناء وجودها بالمشفى شعرت بذلك الدوار يعود إليها مرة أخرى، فقررت الذهاب إلى أحد المعامل الخاصة لإجراء ذلك التحليل الذي تؤجله منذ عدة أيام، والآن تشعر بضرورة القيام بتلك الخطوة. تحركت على الفور لا تريد فقدان الوقت. ذهبت إلى أقرب مركز لها، فبالطبع لم تكن لتقوم به في مكان عملها للحفاظ على خصوصيتها. قامت بعمل الفحص، ولضيق وقتها لم تستطع الانتظار لظهور النتيجة، فاتفقت مع الأخصائية، ولحسن حظها أنها كانت على معرفة بها، أن تبلغها بالنتيجة هاتفياً.
عادت إلى المنزل تبتسم بفرح، فهي تعلم النتيجة مسبقاً، ولكنها تريد التأكد لإخبار مراد بهذا الحدث السعيد. كانت تفكر برد فعله وهي تبتسم كالبلهاء، فهي تعلم كم سيسعده مثل هذا الخبر. قررت عمل عشاء رومانسي على ضوء الشموع وانتظار مراد لتفاجئه بهذا الخبر بعد الحصول على النتيجة النهائية.
كانت تنتظره وهي ترتدي إحدى فساتينها المفضلة له ولها بالطبع، فهو هدية منه. تنظر إلى ذلك المنزل الفخم، منزلها السعيد الذي قررت أن يكون مملكتها بدون تدخل أو مساعدة من إحدى الخادمات. سمعت صوت سيارته في الخارج فتحركت مسرعة لاستقباله بابتسامتها المعتادة وهي تحتضنه، فأنتفض من لمستها! نظرت إليه لتجده مشعث الشعر، ربطة عنقه مرخية بعشوائية، والزر الأول من قميصه مفقود. سألته بقلق وهي تتفحص ملامح وجهه: "مراد مالك؟ في حاجة حصلت؟
لم تتلقى أي إجابة على سؤالها هذا، فأعادت السؤال مرة أخرى برعب، ولكن وجهه ما زال على جموده. تحدث بنبرة خالية: "أسيا لو سمحتي تعالي نتكلم شوية." كان قلبها ينبض بعنف وقلق وأعصابها تتداعى، تفكر في كل الاحتمالات السيئة معاً. جلست أمامه بهدوء، ولكنه لم يتحدث. نظرت إليه بقلق لتلاحظ أن وجهه يعكس صراع مشاعره. تحرك فجأة للوقوف يضع يديه في جيبه بتوتر يقول لها باختصار وبدون أي مقدمات: "أنا عايز انفصل." كان رد فعلها
الأول هو الضحك بسخرية: "مفهمتش يعني إيه؟! ليعاود كلامه هذه المرة بحزم ونبرة مستاءة: "عايز انفصل! يعني عايز نطلق! أنا بصراحة زهقت من الحياة دي واكتشفت أنها رتيبة ومملة، فعايز نطلق."
شعرت بمعالمها تنهار من حولها وإقدامها لم تعد تقوى على حملها، فارتمت على المقعد مرة أخرى تبكي وتبكي وتبكي، وهو يقف أمامها جامداً بلا حراك. لم تعلم كم مضى من الوقت قبل أن تجد صوتها وتشعر أنها قادرة على تحريك أطرافها. تحدثت بما وجدته من صوتها ليخرج ضعيفاً، متقطعاً: "لو انت عايز تنفصل معنديش مشكلة، بس على الأقل احترم ذكائي وقولي سبب مقنع." نظرته كانت خالية من أي مشاعر وهو يتحدث باقتضاب:
"هكون صريح معاكي، كان في واحدة أعرفها قبلك بسنين وانفصلنا وافتكرت إن خلاص نسيتها لحد ما قابلتها تاني من يومين واكتشفت إن مشاعري ناحيتك كانت وهم وإنها هتفضل هي الحقيقة الثابتة في حياتي، فمكناش ينفع أكمل معاكي وأنا قلبي في مكان تاني." ثم نظر إليها بأسف مضيفاً: "أنا آسف إني بقولك كده، بس إنتي طلبتي الحقيقة. وطبعاً كل حقوقك هتتحط في اسمك بالبنك والبيت ده اعتبريه هدية مني أو تعويض للي حصل."
ثم خرج بهدوء دون الالتفات إليها، ليتركها مصدومة جامدة تشعر كما لو أنها في كابوس ولكن لا تستطيع الإفاقة منه. رن هاتفها الخلوي فأجابت بهدوء لتسمع الطرف الآخر يتحدث: "مدام أسيا: مبروك حضرتك حامل من شهر تقريباً...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!