مر يومها دون أن تشعر به، فالعادة أن يوم الاستقبال يكون مضغوطًا بالنسبة إليها، ولكن في هذا اليوم بالتحديد كانت ممتنة لذلك الضغط الذي أخرجها من أفكارها وأعاد إليها شيئًا من هدوئها وتوازنها. فكما كانت دائمًا، بمجرد أن تصل إلى العمل وتتعامل مع هؤلاء الملائكة الصغار، تنسى كل ضغوط حياتها وتندمج معهم. نظرت إلى ساعة يدها فوجدتها تشير إلى الثامنة والنصف. إذا، أمامها فقط نصف ساعة وتنتهي مناوبتها. التفتت على صوت
إحدى الممرضات تقول لها: "دكتورة أسيا، دكتور طارق كان بيسأل عليكي. هو طلبك في مكتبه فوق." ابتسمت لها أسيا بود كعادتها في تعاملها مع جميع الموظفين قبل أن تقول: "أوكي، هطلعله على طول."
تحركت على الفور في اتجاه مكتبه وهي تبتسم لمجرد التفكير به. كان طارق هو رئيس الأطباء في المشفى، رجل في منتصف الخمسينات من العمر، متوسط الطول والجسم، ذو وجه أبيض مستدير وعينين سوداوين. بدأ شعره بالانحسار إلى الوراء بفعل السن. كان متزوجًا من قريبته السيدة أمل التي تشبهه في الملامح، ولكن للأسف لم يرزقا بأطفال، لذلك كان يتعامل مع أسيا كما لو أنه والدها الذي فقدته منذ صغرها. فمنذ أن وضعت قدميها في ذلك المشفى، وهو يعاملها
كابنته، يساندها دائمًا ويشجعها ولا يبخل عليها بأي معلومة. بالعكس، فهو حريص على تعليمها كل ما تعلمه خلال سنوات حياته، كما أنه يستمع ويهتم إلى كل تفاصيل حياتها بلا كلل أو ملل، مما جعله والدها وصديقها المقرب وكاتم أسرارها الوحيد، بالرغم من فارق السن بينهما الذي يتجاوز العشرين عامًا.
طرقت أسيا على الباب برفق ليأتي إليها الرد من الطرف الآخر: "ادخل." فتحت أسيا الباب وهي تبتسم لتتفاجأ بذلك المتسلط يجلس على أحد المقاعد المقابلة لطارق. كان يجلس بتملك واسترخاء وهو ينظر إليها بكسل. تراجعت خطوة إلى الوراء، فالتوى فمه بنصف ابتسامة ساخرة. قررت التقدم برأس مرفوع متجاهلة وجوده ونظراته، تتحدث لطارق بابتسامة مشرقة: "حضرتك طلبتني؟! تحرك طارق من مقعده بود واضح في اتجاهها:
"أيوه يا أسيا، إنتي الوحيدة اللي لسه متعرفتيش على السيد مراد." تحدث لمراد بفخر واضح في نبرته: "أستاذ مراد، أقدم لك دكتورة أسيا، أصغر وأكفأ رئيسة قسم عندنا. وبالمناسبة، هي رئيسة قسم الأطفال. أسيا، أقدم لك السيد مراد، الـ owner الجديد للمستشفى." تجاهلت أسيا ذلك التعريف والتفتت إلى طارق تحدثه: "آه معلش، وقت التعريف وصلت حالة طارئة واستدعوني." خاطبها طارق بمرح: "وطبعاً، مادام استدعوكي فلازم تنسي نفسك."
ابتسمت من انتصارها الصغير، فهي تعتقد أنها تخلصت من أولى مواجهاتها معه. لم تنتهِ من فكرتها تلك حتى وجدته يتحرك من مقعده بكسل وثقة، يقف أمامها يمد يده بابتسامة ساخرة وفم ملتوي: "دكتورة أسيا، اتشرفت بمعرفتك."
نظرت إليه برعب فوجدت أنه يرفع إحدى حاجبيه ويده ما زالت ممدودة في اتجاهها. مدت يدها على مضض تتلمس يده بتوجس، فأخذ يدها بكلتا يديه يخفيها داخلهما وضغط عليها برفق. فسرت رعشة في يدها امتدت على طول عمودها الفقري من أثر لمسته البسيطة. ابتسم بانتصار لرده فعلها تلك، فسحبت يديها بعنف، توجهه كلامها مرة أخرى للدكتور طارق: "لو حضرتك مش عايز مني حاجة تاني، اسمح لي أنزل عشان عندي حالة تحت." أجابها طارق باستنكار:
"لا أبداً، اتفضلي. أنا كنت بحسب مناوبتك خلصت عشان كده طلبت منك تطلعي. بس تقدري تتفضلي. وأه يا أسيا، بكرة عندنا اجتماع الساعة واحدة كرؤساء أقسام مع السيد مراد عشان نناقش شوية قرارات جديدة، حبيت أبلغك من دلوقتي." هزت أسيا رأسها موافقة وهي تضيف: "إن شاء الله، وعن إذنك حضرتك." خرجت وأغلقت الباب خلفها، آخذة نفسًا عميقًا تملأ به رئتيها، فهي تشعر كما لو أنها كانت تركض منذ ساعة.
كانت أسيا في طريقها إلى الطابق الأرضي عندما لمحت عائشة قادمة إليها تنظر بقلق وتتحدث بلهفة: "إنتي فين من الصبح بدور عليكي، مش عارفة أمسكك؟ روحتي فين وسبتيني لوحدي؟ عندي نميمة تكفي أسبوع. شفتي المدير الجديد مزاز إزاي؟ وأنا اللي كنت فاكرة قصير وبكرش. أنا بقول نشد حيلنا بقى وكفاية علينا خيبة لحد كده. أنا ركزت معاه وأخدت بالي إنه مش لابس دبلة في إيده. تفتكري واحد زي ده متجوزش لحد دلوقتي ليه؟
ولا تفتكري متجوز ومن الناس اللي بتخبّي دبلتها استهبال؟! ردت أسيا ببرود موضحة عدم رغبتها في استكمال هذا الحديث: "عائشة، معلش أنا تعبانة مش قادرة أتكلم ومناوبتي كمان خلصت. هتروحي معايا ولا إيه؟ عائشة متذمرة: "مانتي عارفة إن النهاردة النبطشية بتاعتي. وبعدين إنتي مالك من الصبح فيكي حاجة مش طبيعية!! في حد ضايقك؟ أسو كويسة طيب؟! أسيا مبتسمة:
"متخافيش، أسو كويسة وزي الفل وبتسأل عليكي كمان. أنا بس اللي مصدعة شوية واليوم كان مرهق ومضطرة أروح دلوقتي. معلش خلينا نكمل كلامنا بكرة." ثم قبلتها مودعة وانصرفت بعد خلع معطفها الأبيض وأخذ حقيبة يدها.
بمجرد عبورها باب المشفى الخارجي، عادت إليها كل تلك الأفكار المرعبة التي تحاول تجاهلها منذ الصباح. حاولت طمأنة نفسها قليلاً، فكل ما عليها فعله هو تجاهله وعدم التواجد معه في نفس المكان قدر الإمكان، وبالطبع ألا يعرف شيئًا عن حياتها الخاصة، وخصوصًا صغيرتها.
كانت تعبر الشارع وهي غارقة في كل تلك الأفكار حين شعرت بيد قوية تسحبها وشخص تصطدم بصدره وصوت أبواق إحدى العربات يدوي من خلفها. نظرت برعب حولها قبل أن ترفع نظرها ترى من أمسك بها، فوجدته مراد ينظر إليها باهتمام ويسألها بصوت رقيق وهو خافضًا رأسه باتجاهها، قابضًا عليها بكلتا يديه يمنعها من التحرك: "إنتي كويسة؟! قامت بدفعه بكلتا يديها تتحدث بقوة لم تعلم من أين أتت بها، تقول بحزم:
"ملكش دعوة، وبيتهيأ لي ما يهمكش في حاجة أكون كويسة ولا لأ. ابعد إيديك دي عني ومتفكرش تقرب مني ولا بأي شكل. وطول ما إنت بتتعامل معايا تحط بينك وبينى مسافة." ثم أضافت بنبرة أكثر حدة: "حتى لو إنت بقيت مدير عليا، ده مش هيفرق معايا وصدقني في أقرب فرصة هتخلص من الوضع ده!!! ثم تحركت بكبرياء مبتعدة عنه، توقفت إحدى سيارات الأجرة، وترمت نفسها بها دون النظر خلفها، لتتركه فارغًا. يقول بتحدٍ بعد استعادة وعيه:
"هنشوف يا أسيا، هتعرفي تتخلصي من الوضع ده إزاي!!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!