مر الوقت سريعا وقاربت الساعة على الواحدة ظهرا. انشغلت أسيا خلاله بتفقد بعض المرضى ثم الصعود إلى مكتبها لترتيب أوراق القسم قبل ذلك الاجتماع المزعوم. طرق باب مكتبها فأجابت بانشغال: "ادخل." عائشة: أسيا لو سمحتي كنت عايزة أسألك على البيانات الناقصة في ملف الطفل محمد اللي لسه داخل من يومين على عهدتك. كنتي قلتي لنرمين إن المعلومات الناقصة هتدوري عليها بنفسك وتتأكدي من صحتها قبل ما ندخله تحت بند (الحالات الغير مقتدرة) ...
نبه كلام عائشة أسيا فانتفضت من مقعدها تحدث نفسها: "أيوه صح شئون العاملين، بياناتي كلها هناك، لازم أحذرها." وخرجت تركض مسرعة دون الانتباه لاستغراب عائشة من تصرفها. كان مراد يجلس خلف مكتبه يتحدث عبر الهاتف عندما طرق الباب ثم دخل مساعده أنور يتحدث: "الملف اللي حضرتك طلبته مني جاهز خلاص تحب تشوفه دلوقتي؟ أشار إليه مراد بالجلوس وهو لا يزال يتحدث إلى الطرف الآخر عبر الهاتف بتركيز تام:
"تمام جداً، لا كده كفاية، زي ما اتفقنا، يهمني إني أعرف لو فيه أي مستشفى تاني قدمت فيه. الرفض من غير أسباب يكفي، آه وده ينطبق على أي مستشفى بره المدينة كمان، تمام، أنا واثق فيك." ثم أغلق الهاتف وابتسم برضا قبل أن يحدث أنور: "تمام يا أنور تقدر تسيبه هنا وأنا هبص عليه." فوضعه أنور على طاولة المكتب واستأذنه للخروج.
انتظر مراد حتى خروج أنور ليقوم بفتح الملف الذي أمامه ينظر إليه باهتمام. عبس وجهه واسودت عيناه وهو يغلقه بعنف ثم قبض على يده بقوة حتى ابيضت مفاصلها يحدث نفسه بنبرة يسودها الغضب: "يعني بقى عندك بنت والأهم إنك حملتي بيها بعد انفصالنا بـ 3 شهور بس!!! "ينفع أدخل؟؟؟ رفعت نيرمين مديرة شئون العاملين رأسها لترى أسيا هي من تتحدث فأبتسمت لها بود تقول بنبرة سعيدة:
"ولو مينفعش ينفع عشانك طبعاً، مع إني عارفة إنك مش بتزوريني غير عشان الشغل وأكيد الزيارة دي كمان لكده." ابتسمت أسيا تجيب بخجل: "عندك حق والحق المرة دي عليا كمان، بس أنا عندي طلب واستفسار لو مش هتزعجك." نيرمين باهتمام: "لا طبعاً ياريت تزعجيني كل يوم، اتفضلي أنا تحت أمرك." أسيا: "دلوقتي طبعاً أنا كل بياناتي موجودة هنا وبتتحدث كمان أول بأول صح؟ نيرمين: "صح." أسيا: "طب هو من حق أي حد يشوفها أو يطلع عليها؟
نيرمين باستغراب: "قصدك حد زي مين؟ أسيا: "أي حد مثلاً رئيس قسم أو رئيس الأطباء أو رئيس مجلس الإدارة." نيرمين: "لا بس بيتهيأ لي رئيس مجلس الإدارة بس أو المالك هو اللي يقدر يطلع على البيانات دي." أسيا: "طب عندي منك رجاء، ينفع لو حد طلب منك بياناتي أو إنه يعرف فيها إيه تبلغيني الأول قبل أي خطوة؟ نيرمين بقلق: "فيه إيه يا أسيا قلقتيني؟!
أسيا كاذبة: "لا أبداً مفيش بس فيه حد بيحاول يفرض نفسه عليا وبيحاول يعرف أي معلومة عني زي عنوان بيتي أو تفاصيل شخصية عني يتقرب بيها مني وأنا مش حابة أطلع أي معلومة لحد، فمن فضلك لو أي حاجة زي دي حصلت ممكن تبلغيني الأول." نيرمين بتفهم: "حاضر متقلقيش مفيش أي معلومة هتطلع تخصك لأي حد إلا بعد الرجوع ليكي وهنبه على كل الموظفين بده كمان لو أنا مش موجودة." قامت أسيا تحتضنها بود كبير:
"أنا مش عارفة أشكرك إزاي على مساعدتك وتفهمك ده." نيرمين بصدق: "مهما عملت استحالة أوفيكي حقك، انتي نسيتي إنك كنتي السبب في علاج ابن أختي الوحيد." أسيا وهي تحتضن يد نيرمين: "متقوليش كده، كل دي أسباب ربنا." ثم نظرت إلى ساعتها لتجدها الواحدة إلا ثلاث دقائق فانتفضت بقلق: "نيرمين أنا آسفة بس عندنا اجتماع دلوقتي ولازم أتحرك." ثم ركضت مسرعة تتجه إلى غرفتها تأخذ بعض الملفات قبل دخول غرفة الاجتماعات.
كانت الساعة الواحدة ودقيقة عندما وصلت أسيا إلى غرفة الاجتماعات. وقفت أمامها ترتب من ملابسها وشعرها قليلاً. ثم أخذت نفس عميق يهدئ من توترها قبل أن تطرق الباب وتدلف بداخلها. وجدت الجميع متواجد وعلى رأسهم مراد بهيئته المستبدة ولكن يبدو عليه الانزعاج. فكرت بيأس وهي تجلس في المقعد الوحيد الشاغر بجوار طارق: "ما الذي يزعجه؟ هل بسبب تأخرها؟ أو ربما ندم على ذلك التقارب الذي حدث بينهما صباحاً؟!
" هزت رأسها محاولة نفض تلك الأفكار فربما لديه مشاكل أخرى ليس لها دخل بها. ابتسم إليها طارق بود وهو يضع يده على ذراعها ويضغط عليه مشجعاً. فهو أكثر شخص يستطيع تفهمها وخصوصاً في توترها فتبادلت معه ابتسامته بابتسامة واسعة. رفعت نظرها لتجد مراد ينظر إليها بغضب فزفرت بحنق. إنها تعرفه وتعرفه جيداً. لتعلم أن تلك النظرة الغاضبة كانت لها لسبب ما ولكن ما هو فهي لا تعلمه!!!
بدأ الاجتماع طويلاً لا ينتهي وهم يتناقشون في كثير من الأمور الإدارية وتفاصيل أخرى كنظم للتحديث وغيرها. شعرت بألم في عنقها فرفعت يدها تمسده قليلاً. لتراه ينظر إليها بنظرة لم تفهم معناها ثم تتحول لغضب مرة أخرى!! يا إلهي لو فقط ينتهي هذا الاجتماع حتى تستطيع الهروب بعيداً عن تلك النظرات!!!
نظرت إلى ساعة يدها لتجدها السابعة مساءً. مرت 6 ساعات وهي في ذلك المقعد اللعين تحت نظراته الفولاذية تلك. والأسوأ أنها لا تستطيع التحرك. تنهدت بتعب قبل أن يدوي صوته في الغرفة يتحدث بعمق: "أظن أنكم تعبتم اليوم فكفاية لحد كده وممكن نكمل يوم تاني." كانت أسيا أول من تحرك من مقعدها فرحة بالتخلص من نظراته القاسية ولكن أوقفها صوته الرجولي يقول: "دكتورة أسيا، لو سمحتي ممكن الملفات دي تجيبهالي على مكتبي نتناقش فيها شوية؟
كانت توشك على البكاء من اليأس والتعب ولكنها التفت تجيبه بابتسامة متصنعة يعرفها جيداً: "آه أوك تمام ربع ساعة وتكون على مكتبك." والتفتت مرة أخرى للخروج دون النظر خلفها لتتركه في غضبه. كانت تتلكأ وهي تصعد الدرج تتجه إلى غرفته محدثة نفسها داخلياً بتشجيع:
"تمام، تدخلي بكل ثقة، انسى اللي حصل الصبح معاه، انتي عارفة إنه مضايق بس متخليش ده يأثر عليكي بأي شكل، اتعاملي بمهنية واتكلمي بس في الشغل واطلعي بسرعة، والأهم تحافظي على مسافة بينك وبينه وكده كده الوضع ده مش هيطول وممكن المستشفى اللي قدمتي فيها النهارده تكلمك بسرعة." وصلت إلى باب غرفته أغمضت عينيها أخذت نفس عميق ثم أخرجته ببطء وطرقت على الباب لتسمع الإجابة من الطرف الآخر "اتفضل."
فتحت الباب ودقات قلبها تتسارع. دخلت إلى الغرفة فوجدته ينظر إلى أحد الملفات وقد خلع جاكيته وأرخى ربطة عنقه وحرر الزر الأول من قميصه ليكشف عن عنقه الأسمر وأكمام القميص مطوية بعناية لتكشف عن ذراع أسمر قوي. رفع رأسه ينظر إليها بعبوس وهو يرتدي نظارة طبية جعلت قلبها يتوقف تماماً عن العمل من وسامته. لوت فمها بإحباط فليس من العدل أن يكون وسيم بهذا القدر وهو فقط يرتدي نظارة طبية ويعمل. نهرت نفسها وتذكرت ما حدثت به نفسها قبل قليل "ركزي على الشغل."
عادت إلى الواقع فوجدته ما زال ينظر إليها رافعاً إحدى حاجبيه يقول بنفاذ صبر: "اتفضلي!! أسيا بعصبية: "اتفضل إيه؟ مش حضرتك طلبت مني أسلمك الملفات اللي معايا نتناقش فيها؟ اتفضل إيه بالظبط؟ مراد باستغراب: "تمام، مانا بقولك اتفضلي حطيها على المكتب واقعدي عشان نتكلم." تنحنت أسيا وهي تشعر بالخجل ثم جلست في المقعد المقابل له بحذر.
مراد: "ممكن اختصاراً للوقت تقوليلي فيها إيه وأنا هبقى آخدها معايا البيت أراجعها على مهلي بدل ما أعطلك، أنا عارف إن مناوبتك قربت تنتهي وأكيد عايزة تروحي." ردت أسيا بغضب غير مبرر: "لا أنا النهاردة يوم النبطشية الليلية بتاعتي ومناوبتي تخلص بكرة الصبح." لوت فمها وهي تكمل حديثها: "بس لو حضرتك مستعجل وعايز تروح للمدام أو حاجة ممكن أوفر عليك كل ده وأسجلهالك voice note وتبقى تسمعها في البيت كمان وتراجعها هناك."
التوى فمه بنصف ابتسامة وهو يتحرك من مقعده ليجلس في المقعد المقابل لها وهو يتحدث بمرح: "لا أنا معنديش مدام عشان تضايق إني بشتغل في البيت فمتخافيش من النقطة دي خالص." نهرت أسيا نفسها على ذلك التصرف الغبي منها ما شأنها إذا كان لديه زوجة أو لم يكن!!! أجابته بعصبية بسبب ضعفها:
"بيتهيألي ميهمنيش ولا يخصني إني أعرف حاجة عن حياتك الشخصية أنا قلت كده بس في سياق الكلام مش أكتر ولا أقل ولو هنتكلم في أمور شخصية يبقى اسمحلي أستأذن." شعرت بالغضب يزحف مرة أخرى إلى عينيه ففكرت في أسهل وسيلة للتخلص من ذلك الغضب وهو الهروب!! نهضت من مقعدها فجأة تتحدث بنبرة مفتعلة: "أنا شايفة إن أحسن طريقة لمناقشتهم إني أسجلها كملاحظات زي ما اقترحت وانت تبقى تسمعهم على مهلك، عن إذنك."
همت بالخروج ولكنه تحرك مسرعاً يقف أمامها يسد عليها الطريق فأصبحت محاصرة بينه وبين الطاولة الصغيرة وهو أمامها مباشرة دون أي مخرج للهروب. تحرك قريباً منها حتى شعرت بأنفاسه الحادة عليها وهو يتحدث بنبرة تملؤها الغضب: "بيتهيألي أنا مخلصتش كلامي ولا سمحتلك تخرجي عشان تعملي كده من نفسك!! أحب أفكرك بحاجة لو نسيتيها، أنا هنا مديرك، يعني إحنا قاعدين دلوقتي نتكلم في شغل، مش بنلعب مع بعض قط وفأر!!
لو معندكيش المهنية اللي تخليكي تفرقي بين علاقاتك بره الشغل وجواها يبقى محتاج أراجع قرار رئاستك لقسم كامل من تاني!! شهقت من طريقة كلامه الجارحة وفتحت فمها لتجيبه والشرر يتطاير من عينيها ولكن أوقفتها طرقات الباب فأجاب وهو على نفس وضعيته: "ادخل." دخلت إحدى الممرضات متوترة موجهة حديثها لآسيا بقلق: "دكتورة أسيا، فيه والد طفل مريض في غرفة 303 عامل مشكلة كبيرة مع الطاقم تحت ومحتاجينك فوراً."
تحرك من مكانه ليسمح لها بالمرور أما هي فخرجت مسرعة تركض إلى الطابق السفلي الذي تتواجد به الغرفة غافلة عن ذلك الذي لحق بها دون أن تشعر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!