بمجرد وصول آسيا إلى الطابق الثاني، سمعت صوت صراخ والد الطفل يملأ الطابق والممرات. أسرعت في خطوتها أكثر حتى وصلت إلى باب الغرفة، وجدته مفتوحًا. وداخل الغرفة اثنتان من الممرضات، ودكتورة مقيمة، ووالدة الطفل المريض، وبالطبع الطفل ممدد على سريره. كان أول رد فعل صدر من آسيا هو أنها طلبت من والد الطفل الخروج من الغرفة:
"لو سمحت مبدئيًا، ممكن نطلع من الأوضة نتكلم بره وبهدوء، لأن الأسلوب ده هيأثر أول حاجة على نفسية طفلك، وده أكيد مش في مصلحته." نظر الوالد إلى زوجته التي أومأت له برأسها موافقة. فتحرك معها على مضض، ولكنه بقى على حالته الانفعالية. آسيا: "دلوقتي نقدر نتكلم مع بعض بهدوء، ومتنساش حضرتك إننا في مستشفى، فممكن أعرف إيه المشكلة؟
وبكرر طلبي تاني بهدوء، لأن العنبر هنا كله أطفال، ومش حاجة كويسة أبدًا إنهم يسمعوا زنق حضرتك بالمنظر ده." لصدمتها، والد الطفل أجابها بنبرة أعلى مما كان يتحدث بها وبأسلوب أكثر همجية: "دلوقتي الهانم دي (وأشار بيده إلى إحدى الممرضات التي بجوارها) شايفة ابني عمال يتوجع ومش هاين عليها تديله مسكن ولا أي حاجة تريحه بيها! عايزاني أعمل إيه؟ أطبطب عليها؟ ولما بترد عليا بتقول لي: أنا أديته جرعته ومقدرش أزود عن كده!
أسيبه يموت قدام عيني عشان ترتاح هي وجرعتها؟ سارعت الممرضة بالتبرير لها: "دكتورة، أنا عطيته جرعتين مسكن في أقل من ساعة، غير مضاد حيوي 500 مجم، مقدرش أديله أي مضاد تاني قبل 8 ساعات. لو عطيته أي حاجة زيادة عن كده مش كويس عليه أبدًا." هزت آسيا رأسها بتفهم للممرضة، وعادت مرة أخرى للتحدث لوالد الطفل الذي صدمها من طريقته في التعامل. فأخذت نفسًا عميقًا محاولة الحفاظ على هدوئها، قبل أن تتحدث بنبرة صوتها الهادئة:
"أولًا، للمرة التالتة بطلب من حضرتك توطي صوتك، لأننا في مستشفى والزنق ده مينفعش وحوالينا مرضى. ثانيًا، أنا مش هسمح لحضرتك إنك تتعامل مع أي حد من الطاقم بتاعي بالأسلوب ده أو إنك تشاور عليهم بالطريقة دي. تالت حاجة بقى وده الأهم، إن ابن حضرتك زي ما شرحتلك مينفعش نديله أي جرعة زيادة عن اللي أخدها. أنا مقدرة إنك مضايق لألمه ده، وصدقني كلنا هنا عندنا نفس الإحساس، بس لو حضرتك صبرت ربع ساعة كمان هتلاقي الألم ده بيقل. هو ده تكنيك الدوا بتاعه للأسف. وأنا بطلب من حضرتك تتفضل معايا فوق في المكتب نتكلم شوية وأشرحلك تفاصيل أكتر عن أسلوب العلاج الخاصة بيه عشان تتفهم حالته."
ثم مدت ذراعها تحثه على التقدم، لتتفاجأ به يلوح لها بعصبية ويتحدث بنبرة تصم الآذان: "أنا مش رايح معاكي في حتة، وبعدين إنتي مين أصلًا عشان تكلميني؟ أنا عايز المدير هنا." فتحت آسيا فمها للتحدث، ولكنه أوقفها بذراع قوية تمتد أمامها كموضع حماية. حركها مراد بيده لتقف خلفه، ثم تحرك ليقف أمامها بجسده الطويل. كانت كل عضلة من عضلات جسده منتفضة. تقدم ليقف أمام والد الطفل يتحدث والغضب واضح في نبرته وهو يضغط على كل حرف يخرج منه:
"إنت عايز المدير؟ اتفضل أنا مدير المستشفى، بس أولًا، زي ما الدكتورة طلبت منك صوتك ده يوطى، إنت مش بتتكلم مع ناس مبتسمعش! إحنا هنا في مستشفى محترم مش قاعدين في الشارع! تاني حاجة، الدكتورة آسيا هي رئيسة القسم هنا، يعني هي المسؤولة الأولى عن أي حاجة تخص القسم بكل محتوياته. وأعتقد إنها شرحتلك الوضع وإن مفيش في إيديهم حاجة يعملوها تاني!
أما تالتًا ورابعًا وخامسًا وعاشرًا، فأياك ثم إياك تفكر تتعامل معاها بالأسلوب ده تاني، أو طول فترة إقامتكم هنا إيديك تتحرك بحركة زي اللي حصلت من شوية دي وانت بتتكلم معاها." ثم تحرك خطوة أخرى إلى الأمام جعلت والد الطفل يتراجع في حركة تلقائية منه. ثم أضاف بنفس النبرة الحاسمة: "احمد ربنا إن مريضك اللي هنا هو طفل صغير، لأن ده السبب الوحيد اللي بيمنعني إني أرميك بره دلوقتي حالًا."
أنهى مراد حديثه واستدار مبتعدًا عنه، ثم عاد بعد تحركه ليضيف وهو يتقدم منه مرة أخرى: "آه، وحاجة أخيرة، هستنى أسمع إنك اعتذرت لها عن أسلوبك معاها هي والممرضة." ثم تحرك مبتعدًا عنهم دون الالتفات وراءه. كانت آسيا تراقب كل ذلك بفم مفتوح من الصدمة والفرح معًا، وهي تشاهد والد الطفل ينسحب إلى غرفة طفله، لتتحرك هي الأخرى والسعادة تملأ عينيها.
كانت تتحرك والابتسامة البلهاء مازالت على وجهها من أثر تصرفه مع والد الطفل. كانت الساعة تقارب العاشرة مساءً عندما انتهت من فحص جميع الغرف ما عدا غرفة 303. كانت قررت نسيان كل ما حدث من أجل الطفل الصغير، ففي النهاية كان الأب في وضع لا يحسد عليه وهو يرى صغيره يتألم أمامه. دخلت الغرفة تبتسم لذلك الصغير الساكن من شدة تعبه، تربت على يده وتقبل جبينه قبل البدء بفحصه. جلست ما يقارب الربع ساعة تمزح معه وتحاول التخفيف عنه قليلاً. ثم ابتسمت مطمئنة لوالدته واتجهت للخارج، لتتفاجأ بوالد الطفل يظهر أمامها من العدم، يبدو متوترًا. تحدث على عجل محاولاً
إيجاد صوته: "دكتورة، أنا آسف إني اتعاملت كده من شوية. أنا عارف إن أسلوبي كان غلط، بس أتمنى تعذريني وتقدري موقفي." ابتسمت له آسيا مطمئنة وهي تربت على كتفه وتقول بعاطفة حقيقية: "حصل خير، مفيش حاجة وربنا يطمنك عليه. انسى الموقف كله." ثم انسحبت من أمامه بهدوء.
بدأ الهدوء يعم المشفى مع بداية دخول منتصف الليل، وبالطبع هناك شيء واحد كان يشغل بالها. كانت في مكتبها وقد انتهت تقريبًا من كل أعمالها الإدارية إلى جانب جولتها المسائية، فتململت في مقعدها بضيق تتساءل بفضول: هل ما زال بالمشفى أم لا؟ لقد كانت إجابته واضحة، إذاً، فهو ليس لديه زوجة. إذاً ماذا حدث لتلك الفتاة التي تركها من أجلها؟ أتركها أم أنها ما زالت معه؟ لماذا لم يتزوجها؟ أم أنها عشيقته؟
لا، إنه يعرفه جيدًا، فهذا ليس طبعه. إذا ما الذي حدث لها وأين هي؟ فتحت عينيها بصدمة وهي تفكر: أيعقل أنها تركته من أجل رجل آخر؟ لا، فمراد لا يقارن بأحد، وخصوصًا إذا أحب. تأففت وهي تأنب نفسها بصوت مرتفع: "يسيبها، أول شيء ميخصكيش، خليكي في حالك وفي بنتك." ثم تحركت من مقعدها وقررت الهبوط إلى الطابق الأرضي، لعلها تجد ما يشغل أفكارها عنه.
كان الهدوء يعم الطابق الأرضي أيضًا، فقررت التحرك إلى الحديقة بجوها المنعش، لعل مشاعرها تهدأ قليلاً. وبالطبع إذا حدث شيء مهم فيمكنهم استدعائها من خلال الجهاز. كانت تتمشى ببطء غارقة في أفكارها، حتى لمحته يتجه إلى الخارج متجهاً إلى سيارته. فركضت خلفه مسرعة تهتف باسمه: "مراد، مراد." توقف مراد على الفور بمجرد سماعه صوتها واستدار ينظر إليها، ليجدها تبتسم بسعادة عارمة وبدأت تتحدث على الفور باندفاع:
"اعتذر لي على فكرة، وأنا طالعة من الأوضة لقيته جاي بيعتذر لي على اللي عمله معايا من شوية." نظر إليها مطولاً وهي تتحدث بسعادة وحماس كطفلة صغيرة. كان يفكر بيأس أنها تمتلك أجمل ابتسامة رآها يومًا. إنها تقف أمامه الآن تبتسم بتلك الطريقة الرائعة والعفوية، ولا تدري كم هي مدمرة تلك الابتسامة لدفاعاته. وجد نفسه يبتسم بالمقابل أمام سعادتها الواضحة. مراد بابتسامة واضحة: "طب دي حاجة كويسة، مبسوط إنك اتبسطتي باعتذاره."
خفضت رأسها قليلاً بخجل وهي تقول: "بس إنت السبب، لولا اللي إنت عملته مكنش هيعتذر. وكمان أنا كنت حابة أشكرك إنك وقفت معانا النهارده من قبل ما تعرف المشكلة فين." هز مراد كتفيه بعدم اهتمام وهو يتذكر ارتمائها بأحضان رجل آخر: "أنا معملتش حاجة مهمة، بيتهيأ لي ده واجبي كمدير، ولو كان الموقف ده حصل مع أي حد من الموظفين كان هيبقى ده موقفي برضه." اختفت ابتسامتها من وجهها وبدت خيبة الأمل تظهر واضحة على تعابيرها. ابتسمت بخفوت
ونبرة صوتها خرجت ضعيفة: "احم، فهمت، بس في كل الأحوال شكرًا ليك بصفتك مدير على تصرفك الإيجابي معانا. عن إذنك." ثم استدارت عائدة إلى الداخل دون انتظار. سارت وهي تنهر نفسها والدموع بدأت تتجمع داخل مقلتيها: "غبية، إنتي افتكرتي إيه؟ عشان موقف إداري منه إنك بقيتي مهمة عنده؟ بطلي تعشمي نفسك بحاجة مش موجودة غير في خيالك وبس."
ثم اختفت داخل المشفى تحاول السيطرة على دموعها، فـأمامها ليلة طويلة تعلم أن أفكارها لن تتركها تمر عليها بسلام.
دخل مراد منزله الجديد وهو عبارة عن شقة سكنية في أفخم مباني وسط المدينة. كان يقع في الطابق الثالث والعشرين، يرى المدينة بأكملها أسفله عندما ينظر من نافذته الكبيرة. أما عن الشقة فكانت مؤثثة على أحدث طراز لتشعر ساكنها بالراحة والفخامة معًا. قرر الاستحمام أولاً، فاتجه إلى الحمام ثم خرج بعد دقائق قليلة وهو يرتدي تي شيرت أسود وبنطال رياضي مريح من نفس اللون. رمى بجسده على الأريكة الكبيرة التي تتوسط غرفة المعيشة. فتح ملفها مرة أخرى يتفحصه وهو ينظر بعبوس. لم تستخدم المنزل الكبير الذي تركه لها!!!
ولكنها فضلت عليه ذلك البيت الصغير في الحي المتواضع بجوار منزل والدتها!!! حسابها البنكي الذي أنشأه لها أيضًا لم تستخدمه على الإطلاق!! كل تلك الملايين التي وضعها تحت تصرفها لم تلمس منها قرشًا واحدًا. أما أسوأ ما في الأمر هو أنها ارتمت في أحضان رجل آخر بعد طلاقهم بثلاثة أشهر!! فقط ثلاثة أشهر!!
بينما كان قلبه يتمزق من الألم والقلق عليها كانت هي تخطته تمامًا وعاشت مع رجل آخر ما كان يعيشه هو معها. زفر بألم وهو يعود بذاكرته إلى ذلك اليوم الذي ظنوا فيه أنها حامل وكيف كانا سعيدان بأحلامهم وتخيلاتهم عن طفلهم المنتظر.
كانت تمازحه بسعادة: "أنا عايزة بنت على فكرة، اممم لا أنا عايزة ولد يكون شبهك في كل حاجة، شكلك وشخصيتك وتفاصيلك كل حاجة. بس أنا برضه نفسي في بنت عشان البنات حنينة وبصراحة عايزة أعمل أنا وهي عصابة عليك، بص أنا قررت خلاص أنا عايز ولد وبنت سوا." ليبادلهما هو ابتسامتها وسعادتها مجيبًا
بحب وهو يحتضنها: "لا أنا عايز بنت ويكون ليها نفس عيونك ونظرتك والأهم إني عايز أسميها آسيا على اسمك، عشان كل ما أشوفها افتكرك وكل ما أنادي عليها افتكرك. وتبقى الوحيدة اللي دخلت قلبي من بعدك هي (آسيا) قطعة منك."
عاد إلى حاضره يفكر بسخرية: لقد فعلت ما طلبه منها ولكن مع تغيير واحد فقط هو أن الطفلة ليست ابنته إنما ابنة رجل آخر. أغلق الملف واتجه إلى غرفة نومه محاولاً النوم ولكنه كان بعيدًا كل البعد عنه. فأخذ يتأفف وهو يتحرك في مخدعه حتى الصباح.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!