صرخ مراد اسمها بفزع وهو يراها تسقط أمامه. مد يده يحيط بها على الفور قبل أن تسقط أرضًا، ثم حملها وتحرك بها نحو الأريكة يضعها برفق. همس باسمها فزعًا، محاولًا إفاقتها وهو يضع إحدى زجاجات العطر حول أنفها ويدلك بيده الأخرى معصمها برفق، غافلاً عن تلك التي تقف خلفه تتأكلها الغيرة من فزعه على زوجته.
بدأت آسيا في استعادة وعيها. فتحت عينيها ببطء تنظر حولها فوجدت مراد يركع بجانبها وهو ممسك بيدها، وخلفه تقف تلك المرأة بجسدها الممشوق وتنورتها القصيرة. أجبرت آسيا نفسها على رفع عينيها لتنظر عن قرب لتلك التي استطاعت سلب قلبه منها. شعرت بالدموع تتجمع داخل مقلتيها بكثرة، فقد كانت جميلة حقًا.
ذكرت نفسها بحزم: "لن أبكي أمامه. سيكون لدي الكثير من الوقت لأبكي بمفردي. أما الآن فيجب علي استجماع قوتي والذهاب من أمامهم". أبعدت عينيها عنها فقد كانت تنظر إليها بعدائية واضحة، مما جعل آسيا ترتجف تلقائيًا. قاطع أفكارها صوت مراد بقلق، شاعرًا بارتجافها: "آسيا، انتي كويسة؟ هزت رأسها له بوهن وهي تتحرك من فوق الأريكة، فأوقفتها يده معترضة: "متحركيش من مكانك لحد ما الدكتور يوصل." أبعدت يده عنها بجفاء وهي تجلس على الأريكة
تحاول إيجاد صوتها لتعترض: "لا مفيش داع، مش مستاهلة دكتور. تلاقي بس ضغطي نزل شوية، هروح المستشفى دلوقتي وهبقى كويسة." ثم نهضت من فوق الأريكة وهي تترنح، حاوطها مراد مرة أخرى بذراعيه يسندها وهو يتحدث بنبرة قاطعة: "لا طبعًا، مستشفى إيه! احنا هنتحرك على البيت على طول وبعدين نشوف دكتور." هزت رأسها معترضة وهي تحرك يديها لازاحة يده من فوقها، محافظة على نبرتها الجافة معه:
"لا هرجع على المستشفى وبعدين أنا كويسة. كمل انت اللي بتعمله وأنا همشي." زفر بحنق وهو يتحرك نحو مكتبه يأخذ أحد الملفات المفتوحة، ثم يعود يقف أمامها مرة أخرى موجهاً حديثه لتلك المرأة بنفاذ صبر: "ياسمين خلينا نكمل بكرة، هراجع الملفات لوحدي في البيت وهسجلك كل ملاحظاتي." ثم التفت دون انتظار إجابة، يوجه حديثه لآسيا مهددًا: "آسيا لو متحركتيش معايا دلوقتي هشيلك لحد العربية."
هزت رأسها برعب، فهي لا تريد أن تحتك به بأي شكل من الأشكال. أرادت مجادلته والصراخ به حتى تفرغ كل غضبها، ولكنها شعرت أنها تختنق مرة أخرى من وجودها بجانب تلك المرأة، وكل ما أرادت فعله هو الذهاب من أمامها واستنشاق هواء نقي. تحركت بوهن، فمد يده على الفور يحتضن يدها. كانت تريد إفلات يدها من يده عندما رأت نظرة الغضب تكسو ملامح تلك المدعوة ياسمين وهي تنظر نحو أيديهم المتشابكة، فتراجعت.
تحرك بها مراد إلى الخارج دون وداع، وحتى دون أن يلتفت وراءه. بمجرد خروجهم من المكتب سحبت آسيا يدها من يده بعنف واضح. استنكر مراد رد فعلها، ولكنه برر ذلك لمرضها. طوال الطريق إلى المنزل لم تنطق آسيا بكلمة واحدة، إلا عندما قطع مراد الصمت يسألها باهتمام: "آسيا، انتي كويسة؟ حاسة نفسك أحسن؟ هزت له رأسها موافقة دون حديث، فأضاف وهو يرى شحوب وجهها: "على العموم نوصل البيت بس وأكلم الدكتور طارق يبعتلنا أي حد من المستشفى يطمنا."
هزت رأسها برعب، فهي غير مستعدة لمواجهة طارق وإخباره بما حدث. يجب عليها ترتيب أفكارها أولاً. حاولت إخراج نبرة صوتها طبيعية قدر الإمكان، فتحدثت كاذبة: "مراد أنا فعلاً كويسة، أنا بس مأكلتش حاجة لدلوقتي فتلاقي ضغطي نزل أو جالي هبوط، لكن صدقني مفيش أي مشكلة أنا عارفة المشكلة فين." هز رأسه لها مستسلمًا، فهو يرى توترها ولا يريد أن يجادلها وهي في تلك الحالة.
دخلت إلى المنزل بمجرد وقوف السيارة أمامه دون انتظاره، ومنه إلى غرفتها مباشرة. دخلت إلى الحمام لتبديل ملابسها وخرجت منه ترتمي على الفراش. دخل مراد وراءها الغرفة، وجدها تستلقي على الفراش بعشوائية وهي ترتدي منامة قطنية ذو حمالات رفيعة تكشف عن جسدها الناعم وتنحصر إلى ما بعد ركبتها بكثير، وشعرها مفرود يحيط بها وينسدل على كتفيها ووجهها والوسادة. كانت تبدو أمامه مغرية إلى أقصى درجة. أغمض عينيه قليلاً، محاولًا تصفية أفكاره قبل أن يتقدم منها يجلس على الفراش مقابلاً لها ويمد يده يزيح خصلات شعرها من فوق وجهها.
أجفلت من لمسته وسحبت نفسها بعيدًا عن يده. حدثها برقة واضحة في نبرته: "آسيا انتي كويسة؟ هزت رأسها إيجابًا بحدة. زفر بيأس قبل أن يضيف: "أنا طلبت منهم يحضرولك الغدا ويطلعوه هنا، بلاش تتعبى نفسك وتنزلي." تحدثت فخرجت نبرتها حادة أكثر مما توقعت: "مش عايزة أكل، ينفع أنام؟ توتر جسده من طريقتها في الحوار، فتحرك مترددًا وهو يقول: "براحتك اللي انت حباه."
أبعدت وجهها عنه عندما حاول طبع قبلة على جبهتها، فتوقف على الفور، ثم أضافت وهو يتحرك خارجًا: "ممكن محدش يدخل الأوضة ولا حتى أسو." التفت ببطء على جملتها يهز رأسه وهو يضع كلتا يديه داخل جيوبه، ينظر إليها مطولاً، محاولًا إيجاد كلماته قبل أن يستدير مرة أخرى مترددًا إلى الخارج دون تعليق.
ظلت تنظر إليه مراقبة، وبمجرد خروجه دفنت رأسها في الوسادة وانهارت في البكاء. عادت بذاكرتها إلى ذلك اليوم الذي ذهبت فيه لاسترجاعه وأخباره بحملها بعد توسلها للسيد كمال زوج والدتها بالبحث عنه. ذهبت والأمل يملؤها بأنه ما إن يعلم بحملها حتى يعود معها مباشرة. تحركت إلى الفندق الذي أعطاها عنوانه السيد كمال وهمت بدخوله عندما رأته يخرج بجانب تلك المرأة محتضنًا يدها وهما يمرحان معًا بسعادة، قبل أن تقف تلك المرأة لتحتضنه بقوة ويستانفا طريقهما نحو الشاطئ المقابل للفندق ويصعدا في أحد القوارب. علمت في تلك اللحظة أن كل ما تفوه به كان حقيقة وأنها هي حبه الحقيقي، وقررت حمل مسؤولية طفلتها بمفردها.
ظلت تبكي من تلك الذكريات وتبكي وتبكي وهي تشهق بقوة حتى خارت قواها وشعرت بأن الدموع داخل عينيها قد جفت من كثرة البكاء. لم تعلم متى غالبها النوم، ولكنها كانت ترى كابوسها المعتاد، ولكن هذه المرة كانت ترى تلك المرأة تمشي بجوار مراد وهي ممسكة بيد أسو معهم. كانت تصرخ بكل قوتها وهي تركض محاولة اللحاق بطفلتها.
كان مراد خارجًا من غرفة آسيا عندما سمع صراخها تهتف باسم طفلتها، فركض إليها مسرعًا ليجدها نائمة وهي تتلوى وتبكي وتصرخ باسم أسو. قفز على الفراش يمسكها من ذراعيها يهزها بقوة لإفاقتها. فتحت عينيها وهي ترتجف وتتوسل له: "مراد آسيا لا، بنتي لا، كله إلا آسيا، مراد عايزة بنتي."
كان ينظر إلى انهيارها وقلبه يعتصر من الألم عليها. حاول تهدئتها ولكنه كانت تدفعه بقوة. لم يجد حلاً آخر سوى أن يصرخ بها لإعادتها لوعيها. فتحت عينيها بقوة تنظر إليه بفزع وهي ترتجف عند سماعها لصراخه. همس لها وهو يمسح شعرها: "متخافيش، آسيا هنا، آسيا نايمة في أوضتها، انتي بس كنتي بتحلمي. اهدى وأنا هجبلك."
حاولت السيطرة على ارتجاف جسدها، فارتمت مرة أخرى على الفراش بتعب والدموع تنساب من عينيها. حاولت إغماض عينيها لتمنع دموعها من الانهمار أمامه، فشعرت بأصابعه يلمس وجنتها ليمسح دموعها المنهمرة برقة. كانت تلك الحركة التي أفقدتها رباطة جأشها. انفجرت في البكاء وهي تشهق بقوة. حاولت السيطرة على نفسها ولكنها لم تستطع. شعرت به يلف ذراعيه حول خصرها يرفعها ليحتضنها، حاولت مقاومته بادئ الأمر ولكنه كان يهمس في أذنها بحنان وهو يقترب منها، فأقتربت منه تدفن رأسها في عنقه وهي تبكي بقوة. ظلت هكذا تبكي وهو يمسح على شعرها وظهرها حتى هدأت تمامًا. رفعت رأسها تنظر إليه فوجدت أن قميصه قد تبلل من كثرة بكائها. رفعت يدها تمسح دموعها، ثم تحركت من أمامه تحدثه
وهي ترفع رأسها بكبرياء: "هنام مع آسيا." ثم خرجت من الغرفة تصفق الباب خلفها، تاركة إياه ينظر في أثرها بذهول وحيرة من ردود أفعالها غير المفهومة.
استلقت آسيا بجوار طفلتها وهي تحتضنها بقوة تطمئن نفسها قبل محاولة التفكير بهدوء بكل ما مرت به اليوم من أحداث. أول شيء خطر ببالها هو طلب الطلاق. لن تنتظر الماضي لكي يعاد أمام عينيها مرة أخرى. أنسب حل هو الانفصال عنه. ولكنها فكرت بيأس في خالد، سيحطم مستقبله في الحال دون أدنى شعور بالذنب. لا، لن تسمح بذلك. ستخبره الحقيقة بأن آسيا ليست طفلة خالد. لن يصدقها بالطبع، ولكنها ستقنعه بكل طريقة ممكنة، حتى لو اضطرها ذلك لعمل
تحليل إثبات أبوة. انطفأ الأمل داخل عيونها على الفور وهي تتذكر أن خالد يبعد عنها أميال، وأثناء محاولتها البائسة في الوصول إليه سيتحرك مراد قبلها كعادته. ثم أنها تخشى إذا أثبتت له عدم أبوة خالد أن تحرك الشك بداخله ويسعى وراء أسو، وفي ذلك الوقت وعشيقته بجواره لن يحتاج إليها وسيكون حكم القضاء لصالحه بالطبع. فكرت في أخذ طفلتها والهرب أيضًا، ولكنها تراجعت، فهي تعلم مدى قوته ونفوذه، سيصل إليها بسهولة. كانت تتلوى داخل الفراش
بيأس. لم تستطع الوصول إلى أي حل يرضيها دون تعرضها أو تعرض أي شخص تحبه للخسارة. قررت الاستمرار في لعبتها إلى حين إيجاد مخرج يناسبها.
استيقظت في الصباح في موعدها المعتاد، أو بالأصح تحركت من الفراش، فلم يزرها النوم تلك الليلة رغم كل محاولاتها البائسة. تحركت بإحباط تساعد أسو في ارتداء ملابسها والاستعداد للذهاب، ثم خرجت على مضض تستجمع طاقتها وشجاعتها لمواجهته. فتحت باب الغرفة تتجه إلى غرفتها بقلق لتستخدم الحمام. فتحت باب الغرفة بتوجس. تنفست الصعداء عندما وجدتها فارغة. توجهت إلى الحمام مسرعة وهي تأخذ ملابسها معها كاملة. خرجت بعد قليل وهي تترقب، ولكنها
لم تر له أثرًا أيضًا. أغلقت باب الغرفة خلف خروجها بهدوء، كأنها تخشى إصدار أي ضوضاء تعلن بها عن نفسها. كانت على وشك الالتفات لهبوط الدرج عندما اصطدمت به عند مقدمته. تراجعت إلى الخلف خطوتين تخشى الاقتراب منه. كان شعره مشعثًا ولا يزال يرتدي ملابس البارحة، الإرهاق يبدو جليًا على وجهه، لاحظت كل ذلك وهي تتأمله. يبدو أيضًا أنه قضى ليلته في غرفة مكتبه. عبست وهي تفكر في احتمالية أنه قضى ليلته وهو يفكر بتلك المرأة. لاحظ مراد
عبوسها، فحاول أن يسألها عن حالتها دون الاقتراب منها. أعادها
صوته المرهق من أفكارها: "آسيا، عاملة إيه دلوقتي أحسن؟ هزت رأسها له إيجابًا وهي تتذكر كيف انهارت أمامه ليلة أمس. تقدم خطوة إلى الأمام محاولًا الاقتراب منها، ولكنه أوقفه نظرتها المرتعبة. زفر بضيق وإرهاق محركًا رأسه قبل أن يسألها مستفسرًا: "طب ممكن أعرف إيه اللي حصل عشان حالتك تبقى كده امبارح؟ أجابت كاذبة بعدم اهتمام: "ولا حاجة، مجرد حلم مزعج." مراد بنفاد صبر: "طب ممكن أعرف الحلم المزعج ده كان عبارة عن إيه؟ أضافت
كاذبة وهي تمد شفتيها: "مش فاكرة." رفع إحدى حاجبيه مستنكرًا وهو ينظر لها بارتياب، فعلمت أنه لا يصدقها. كانت تهرب بعينيها منه حتى لا يستطيع قراءة ما بداخلها. زفر مطولًا كأنه يحاول استعادة هدوئه قبل أن يكمل حديثه معها: "طيب تمام، ممكن أعرف إيه الحاجة المهمة اللي كنتي عايزة تكلميني فيها؟
اتسعت عيناها من الفزع وظلت فترة تنظر إليه دون رد، محاولة التفكير في حجة سريعة تخبره بها. كان ينتظر إجابتها فأجابت متلعثمة وهي تحرك عينيها سريعًا: "ولا حاجة، كنت عايزة أقولك بس إن آسيا مبسوطة من المدرسة وكنت عايزة أشكرك على ده." ضاقت عيناه عليها وهو يردد كلامها بهدوء حذر: "آسيا مبسوطة في المدرسة؟ وكنتي عايزة تشكريني على ده؟ ها! وده أكيد السبب اللي خلاكي تيجي الشركة صح؟ تذكرت في تلك اللحظة مشهد تلك الشقراء وهي
تجلس أمامه فانفجرت غاضبة: "عندك حق، ماكنش ينفع أزورك هناك، ولو أنت مضايق إني عملت كده فأنا آسفة، وصدقني أنا ندمت على تسرعي، ولو ضيفتك انزعجت من مقاطعتي ليكم ممكن تبلغها أسفي بالنيابة عني! كان ينظر إليها بذهول من غضبها غير المبرر. أما هي فلم تنتظر رده وتحركت مسرعة، ولكنه أمسك بيدها يمنعها من التحرك أكثر قبل أن يزفر مطولًا محاولًا تهدئة أعصابه قبل أن يجرها إليه فتصطدم بصدره القوي. وعلى عكس توقعها خرج صوته هادئًا:
"آسيا، محتاجة تحسني أدائك قبل ما تكدبي عليا لأنك عارفة كويس إني مش مصدق أي كلمة من كلامك ده، زي ما المفروض تكوني عارفة إني مضايقتش أبدًا من زيارتك، بالعكس." ثم زفر بإحباط قبل أن يضيف: "هاخد دش وأبدل هدومي دي ونتحرك." ردت على الفور متجهمة: "لا، مش حاسة إني هقدر أروح المستشفى النهارده، طبعًا لو ده شيء ميضايقكش كمدير، هكلم دكتور طارق مديري المباشر وأبلغه."
كانت تشدد على آخر جملة نطقت بها حتى شعرت بالشرر ينطلق من داخل عينيه وقبضته تزداد قوة عليها لدرجة لم تستطع تحملها. فهمست باسمه والدموع تتجمع داخل مقلتيها فخرج صوتها متحشرجًا: "مراد، وجعتني." تركها على الفور وتحرك يصفق باب الغرفة خلفه بقوة جعلتها تنتفض. رفعت يدها ترى احمرار معصمها من أثر قبضته وهي تطلق العنان لدموعها في الانهمار.
بعد قليل انسحبت إلى غرفة آسو تغلق عليها الباب وهي تحمل هاتفها بيدها تفكر أنها غير مستعدة لمواجهة أحد بعد. كانت تعلم أنها تهرب بعدم ذهابها للمستشفى ومواجهة دكتور طارق بعد، ولكن ستخبره هاتفيًا بمرضها وهو سيتفهم ما تبقى. هذا ما قامت به بالفعل، هاتفته بعد قليل تخبره بما حدث معها البارحة، بالطبع دون ذكر الجزء الخاص بتلك الشقراء. كانت تسمع نبرة القلق واضحة في صوته، ثم أضاف في آخر المكالمة قبل أن تنتهي:
"واضح إنك كنتي متوترة رغم حماسك وجسمك مستحملش كل الانفعالات دي، خدي وقتك وهيئي نفسك قبل ما تقعدوا تتكلموا سوا، وبالنسبة للست جميلة أنا هتكلم معاها بهدوء، متشغليش بالك بيها أهم حاجة صحتك."
أغلقت آسيا معه المكالمة وهي تشكره من كل قلبها، فحقا هو أكثر من يتفهمها ويراعي مشاعرها، وتعلم أنها تستطيع الالتجاء إليه في أي وقت وستحصل على مساعدته. بعد انتهاء مكالمتها ظلت داخل الغرفة تحبس نفسها حتى سمعت صوت سيارته يتحرك بالأسفل. ظلت طوال يومها تفكر فيهما معًا وتتخيل أنه يحتضن تلك الشقراء ويمسك يدها مثلما كان يفعل معها. كانت تتلوى من الغيرة ولم تستطع إيجاد ما يشغل أفكارها عنه حتى عند مجيء آسو. فكرت بندم لو أنها ذهبت للمستشفى لصرف العمل انتباهها عنهم قليلاً.
انتهى يومها ببطء شديد، كادت تشعر أن عقارب الساعة لا تتقدم. في المساء قررت قضاء ليلتها أيضًا في غرفة آسو بعد أن أخذت ثيابها معها من أجل الصباح. كانت ترقد في الفراش بجوار طفلتها النائمة تنتظر عودته. كانت الساعة قد تجاوزت الثانية عشر وهي غارقة في أفكارها البائسة عن تقاربهم معًا عندما سمعت هدير محرك السيارة يتوقف أمام المنزل. تظاهرت بالنوم مباشرة عندما سمعت خطواته أمام باب الغرفة يفتحه. توقفت خطواته لثانية قبل أن يتقدم وينحني يطبع قبلة على رأس طفلتهم ثم يطبع قبلة مطولة على شعرها قبل أن يخرج من الغرفة. كانت تكتم أنفاسها بتوتر منذ اقترابه منها. أخذت نفسًا عميقًا بعد خروجه تستنشق ما تبقى من أثر عطره وهي تفكر بيأس كم اشتاقت إليه.
تعمدت الاستيقاظ قبل موعدها في الصباح وارتداء ملابسها سريعًا والخروج قبل استيقاظه. هبطت إلى الأسفل محاولة عدم إصدار أي أصوات ثم طلبت من مربية آسيا الاهتمام بها وتجهيزها وإبلاغ السيد مراد إذا سأل عنها باضطرارها للذهاب مبكرًا من أجل العمل. فكرت بيأس أنه لن يصدقها ولكنها تحاول على عكسه الحفاظ على مظهره الاجتماعي أمام الناس.
انقضى يوم عملها فخرجت مسرعة تحاول الوصول إلى المنزل قبل وصوله. قضت ليلتها مثل الليلة السابقة في غرفة آسو تنتظر ببؤس عودته. كانت تلك هي حالتها في الثلاثة أيام التالية، تخرج في الصباح قبل استيقاظه وتعود في المساء قبل وصوله وتتظاهر بالنوم عند دخوله الغرفة وتقضي ليلتها تبكي بائسة من اشتياقها له ومن علمها أنه يظل حتى منتصف الليل مع حبيبته الشقراء.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!