كان خالد هو صديقها منذ ٥ سنوات. تعرفت عليه في منزل الدكتور طارق في إحدى الأمسيات، فقد كان الدكتور طارق عمه. كان يتسم بخفة الدم، ولدهشتها، كان هو الوحيد القادر على إخراجها من حالتها الكئيبة التي كانت تمر بها وقتها. فاعتادت على وجوده في وقت قصير وأصبحا أصدقاء في وقت أقصر.
كان شاب طويل القامة ذو جسم رياضي معتدل، أبيض الوجه ذو عيون عسلية قاتمة. برغم وسامته وخفة ظله، إلا أنها كانت تعتبره أخاً لها وصديقاً حنوناً، رغم تلميح الدكتور طارق لأكثر من مرة عن إعجاب ابن أخيه بها، ولكنها كانت تتجاهل تلك التلميحات وكأنها لا تسمعها. كان طبيباً يعمل خارج البلاد، لذلك كانت تراه كل عام شهراً أو أقل. وما أشد فرحتها عندما رأته الآن!
فهي مفاجأة سارة لكل من أسيا وأسيا الصغيرة المتعلقة به كثيراً. كان صوت ضحكتها يدوي في الخارج، غافلة عن ذلك الذي يراقب حديثها ورد فعلها بحذر شديد ويشعر بالغضب في كل عضلة من عضلات جسده وهو يراها واقفة أمام باب منزلها تحتضن رجلاً غريباً وتبادله ابتسامتها المحببة له.
كان ينظر إليها وهي عائدة على وجهها ابتسامة عريضة وذلك الرجل إلى جوارها، فشعر بالنيران تشتعل بداخله. وقفت أمامه تقدم له ذلك المدعو خالد. كانت نظراته الآن مليئة بالغضب. تحدثت بسعادة وهي تقدمه له: "مراد، ده دكتور خالد ابن أخو الدكتور طارق. خالد، ده الأستاذ مراد المالك والمدير الجديد للمستشفى اللي بشتغل فيها." ابتسم له خالد وهو يقدم يده يصافحه مصاحباً تلك الحركة بحديث: "اتشرفت بمعرفتك يا أستاذ مراد."
مد مراد يده ببطء يقدمها لها بدون تعليق وهو ينظر إليه بعبوس، يشعر أن كل ما يريد فعله هو لكمه على وجهه حتى تختفي تلك الابتسامة البلهاء. توجهت أسيا بحديثها إلى خالد مرة أخرى مبتسمة: "بس إيه المفاجأة الحلوة دي! إنت وصلت إمتى؟ أجابها خالد والابتسامة ما زالت على وجهه: "وصلت من كام ساعة وكنت ناوي أفاجئك بكرة، بس لما عمي قال لي إن أسو تعبانة مقدرتش أستنى للصبح. إنتِ عارفة هي بالنسبة لي إيه." ردت أسيا على حديثه:
"إنت عارف إنت كمان بالنسبة لها إيه، هي متعلقة بيك أكتر من أي حد وكانت كل يوم بتسألني عليك تقريباً عايزة تعرف إنت هترجع إمتى." شعر مراد بأنه يفقد السيطرة تماماً على أعصابه. إذا فقد وجد إجابة سؤاله. جاهد ليتحدث بنبرة طبيعية، متنحنحاً بقوة: "طب عن إذنكم، أنا مضطر أستأذن." ثم تحرك دون انتظار إجابة. تحركت في أثره ولكنه أوقفها في منتصف الطريق وهو ينظر إليها بغضب ويتحدث بنبرة حادة قوية:
"مفيش داعي تتعبّي نفسك، أنا عارف طريقي كويس. خليكي إنتِ مع ضيفك البشوش ده ومفاجئتك." ثم خرج صافقاً الباب وراءه بقوة، تاركاً إياها تنظر بحيرة من تصرفه الغريب.
بمجرد وصوله إلى منزله في وسط المدينة، توجه إلى الحمام مباشرة يقف تحت الماء البارد، لعل ذلك يهدئ من غضبه قليلاً. بعد عدة دقائق، كان في غرفة نومه، ما زال يستشيط غضباً من نفسه ومنها ومن ذلك المدعو خالد. تحرك في الغرفة ذهاباً وإياباً بتوتر، ماراً يده داخل خصلات شعره الرطب، يلوم نفسه بغضب. كيف استطاع أن يتركها معه بمفردهما وينصرف؟
كان يفكر بيأس، من المحتمل أنه قضت ليلتها معه الآن. مجرد التفكير بذلك الاحتمال جعله يرتجف غضباً. كان يفكر بالعودة مرة أخرى للتأكد من مغادرته، ولكنه نَهَرَ نفسه بعنف من ذلك التفكير الطفولي. حاول الاستلقاء على فراشه في محاولة بائسة منه للنوم، ولكنه يعلم أنها مهمة مستحيلة.
كانت الساعة السادسة صباحاً وهو لا يزال مستلقياً في فراشه يفكر بها. أخذ يتتململ في فراشه بألم، يريد رؤيتها واحتضانها وتخبئتها داخل صدره بعيداً عن أي أعين أخرى. اللعنة عليه وعلى خالد وعلى سره الذي قلب حياته رأساً على عقب وأجبره على تركها لرجل آخر. زفر بحنق وهو يمرر يده على وجهه في محاولة بائسة منه لطرد صورتها من ذاكرته وهي تحتضنه بفرح. قرر النهوض وبدء يومه باكراً والتعامل مع المعلومات التي حصل عليها البارحة. ففي الوقت الذي كان يحاول الوصول إلى معلومة تخصه، إذا به يقف أمامه مباشرة. كان يشعر بالغضب من أنور أيضاً الذي فشل في إعطائه أي معلومة مفيدة عنه، ولكنه الآن بات يعرف من هو وكيف يستطيع التعامل معه.
نظرت أسيا في ساعة يدها وهي تتأفف بضيق من توقف حركة المرور. فقد تأخرت بالفعل بسبب معلمة أسيا التي أعادت لها مواعيد الدواء أكثر من مرة حتى حفظته. ولا تريد التأخر أكثر، لذلك قررت تكملة طريقها سيراً على الأقدام، ففي كل الأحوال لم تكن المشفى بعيدة عنها. دخلت المشفى متوترة وهي تنظر في ساعة يدها لتجدها الثامنة والنصف، إذاً فقد تأخرت نصف ساعة فقط. فكرت بيأس، أن التأخير ليس من عاداتها، ولكن اليوم استثناء.
أما هو، فكان في الطابق الأرضي من الساعة السابعة والنصف يترقب موعد وصولها. راقبها وهي تدخل المشفى على عجل والقلق بادٍ على وجهها، فتحرك في اتجاهها على الفور. تحدث إليها بجليدية بعد رفع ذراعه ينظر إلى ساعة يده بعبوس: "دكتورة، إنتِ ميعادك الساعة كام؟! نظرت بقلق، فهو يبدو عليه الغضب منذ الصباح. أسيا: "٨." رفع إحدى حاجبيه يسأل باستهزاء: "ودلوقتي الساعة كام؟!
زفرت بحنق قبل أن تجيبه، تفكر بيأس، ليس من الطبيعي أن يبدأ أحد يومه بمزاج سيء هكذا. تحدثت مرة أخرى مفسرة: "دلوقتي ٨ ونص، أنا آسفة على التأخير بس كنت بوصل أسيا والمرور كان... رفع يده إليها ليقاطعها: "مهمنيش أعرف تفاصيل، يهمني بس إنك تحافظي على مواعيدك وتعرفي إنك في مستشفى، يعني في حياة ناس بين إيديكي، وعشان كده مخصوم منك نص يوم، ولو اتكرر تاني هيتخصم تلات."
ثم التفت دون كلمة أخرى، تاركاً إياها خلفه تنظر بغضب من رد فعله غير المبرر. بمجرد تحركه، أسرعت عائشة إليها تحدثها: "قالك حاجة؟ واضح إن مزاجه النهاردة وحش أوي، من ساعة ما وصل وهو متنرفز وبيزعق لأي حد يقابله، ربنا يستر ويعدي اليوم ده على خير." تحدثت أسيا محاولة إظهار لامبالاة في صوتها: "ملناش دعوة بيه، خلينا نروح على شغلنا ونبعد عنه أحسن." ثم تحركت وهي تشعر بالألم من معاملته الجافة معها.
كانت تتحرك داخل طوابق المشفى وهي تشعر بالغضب والقلق معاً، غاضبة من تصرفه معها على هذا النحو الغريب خصوصاً بعد البارحة، وقلقة من سوء مزاجه. كانت تفكر بحزن، أيعقل أنه ندم على ما فعله معها البارحة لذلك يتعامل معها بهذا الغضب؟
لا، فقد أخبرتها عائشة أنه يتعامل مع الجميع بغضب. تنهدت تتمنى ألا يكون هناك مشكلة معه، فهي تعلمه جيداً وتعلم حالته المزاجية عندما تقابله مشكلة بخصوص العمل لا يستطيع حلها. كانت تتحرك وهي مشغولة بتلك الأفكار عندما اصطدمت بشخص ما. رفعت رأسها لتجده أمامها، اعتذرت باقتضاب وتحركت عنه سريعاً مبتعدة، ليوقفها بحديثه: "دكتورة، هو إنتِ معندكيش شغل ولا غرف تمرّي عليها بدل ما إنتِ بتتمشي في الممرات؟!
شعرت بالغضب يتجمع بداخلها. إنها لا تعلم ما يحدث معه، ولكنها أيضاً لن تكون أداة لتنفيس غضبه. عادت تقف أمامه وعيناها مشتعلة من الغضب، تجيبه على سؤاله بنفس نبرته العدائية: "أظن إني مش محتاجة أبرر لحضرتك كل خطوة بخطيها في المستشفى! ولو بقى فيه نظام جديد هنا إني أعرف مدير مديري كل حركة بعملها، فأنا مستعدة أكتب لك تقرير عن تحركاتي!
لا، بيتهيألي من الأسهل إن حضرتك بنفسك تيجي تلف معايا وتشوفني بعمل إيه عشان تتأكد إني بشوف شغلي مش بتمشى في الممرات ولا بدلع! ولو حضرتك شايف إني مش بشوف شغلي كويس، تقدر تخصملي باقي اليوم أو كل الأيام زي ما تحب! بس أنا هنا عشان فيه أطفال محتاجين مساعدتي، مش عشان أي حاجة تانية! فخصوماتك دي متهمنيش." أنهت جملتها ثم التفتت بعنف تهرب بعيداً عنه مسرعة، فهي لا تعلم رد فعله عما تفوهت به منذ قليل.
جلس في غرفته يتذكر المحادثة الصغيرة التي جرت بينهم منذ قليل وكيف كانت تقف أمامه بقوة تتحدث إليه وعيناها تقدح بالشرر وهي تقضم على شفتيها بغضب. كل ما أراد فعله هو تقبيلها بقوة لإسكاتها. نفض رأسه محاولاً طرد تلك الأفكار منها، مذكراً نفسه باحتمال قضاء ليلتها مع ذلك النذل المسمى خالد. طُرِق الباب فأجاب على الفور: "ادخل." دلف أنور، فحدثه مراد بحزم:
"أخيراً وصلت. أتمنى تكون المرة دي عرفت تجيب لي حاجة مهمة مش زي المرة اللي فاتت." أنور بتوتر ملحوظ من غضب مديره: "الملف ده فيه كل حاجة تخصه يا فندم بكل تفاصيل حياته." أومأ مراد برأسه وأشار له بالخروج دون حديث. فتح الملف على عجل. بعد مدة، كان يرفع رأسه وهو يبتسم بخبث متحدثاً بتفكير: "حلو أوي، أكيد هحتاجه بس مش دلوقتي. لما نشوف يا أستاذ خالد ناوي على إيه الأول."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!