الفصل 12 | من 34 فصل

رواية عشقي الابدي الفصل الثاني عشر 12 - بقلم شيماء يوسف

المشاهدات
38
كلمة
2,356
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 35%
حجم الخط: 18

ابتعد عنها على الفور تاركاً لها المجال لتتحرك هي في اتجاه صغيرتها تحتضنها بحب. ثم حملتها برفق بين ذراعيها. حدثتها آسو بنبرتها الطفولية الناعسة: -مامى عايزه أشرب. دهشت عندما تحرك مراد فور سماعه طلب صغيرتها ليغيب قليلاً ثم يعود حاملاً كأس من الماء يعطيها لآسيا الصغيرة مباشرة. شربت منه قليلاً ثم أعادته له بهدوء وهي تشكره ثم تدفن رأسها في عنق والدتها مرة أخرى.

كان ينظر إليها بحنان لم يُخفَ على أسيا التي كانت تراقب كل نظراته بقلق وترقب. ظلا واقفين هكذا فترة من الوقت دون حراك ينظر كل منهما إلى الآخر بشغف دون حديث. بعد قليل قطع صوته الصمت الرخيم يتحدث بهدوء: -احم أنا لازم أستأذن. أشوفك بكرة إن شاء الله. تصبحوا على خير. ثم اقترب منها يلف ذراعه حول خصرها ليحيطهم هما الاثنان معاً كأنهم كنزه الثمين. ثم طبع قبلة مطولة على رأس كل منهما قبل أن يتحرك للخارج تتبعه أسيا حاملة صغيرتها.

فتح باب المنزل وسار في اتجاه سيارته. ثم التفت قبل صعوده السيارة ينظر لهما بشغف. فوجد أسيا الصغيرة تلوح له بيدها وهي تبتسم بخجل. شعر بقلبه يغوص بداخله من تلك الحركة العفوية وكأنه مربوط معها بخيط غير مرئي يسحبه نحوها. يتمنى لو أن بإمكانه تمضية ليلته معهم وهو يحاوطهم بكل قوته. وضعت أسيا صغيرتها في الفراش مرة أخرى بعد أن بدلت ثيابها. واستلقت بجوارها تحيطها بكلتا ذراعيها وهي تفكر بكل ما حدث. لقد انهارت دفاعاتها كلياً.

أين عزيمتها وإصرارها؟ أين وعودها التي كانت تقطعها يومياً على نفسها؟ ففي الوقت التي كانت تخشى من معرفة مراد بوجود ابنتها سمحت له بدخول منزلها وحمل طفلتها. والأهم، الاهتمام بها! ولكن أكثر ما أثار دهشتها أنه لم يعطِ أي رد فعل غير طبيعي. لم يتفاجأ ولم يسأل ولم يثور. فقط وجه لها نظرات حب أو ربما عطف. أو ربما تعمد إعطاء رد الفعل ذلك حتى يستطيع التحري براحة دون علمها. طمأنت نفسها فحتى لو أراد التحري لن يستطيع الوصول لشيء.

كانت الساعة الرابعة فجراً عندما شعرت أسيا بيد صغيرتها تهزها برفق وتحدثها: -مامى في وجع هنا. وهي تشير إلى حلقها. انتفضت أسيا على الفور تتلمسها فتفاجئت بارتفاع درجة حرارتها. اتجت إلى الحمام على الفور تبحث عن جهاز قياس الحرارة. ثم عادت إلى غرفة آسو تقيس حرارتها. أخرجته بعد قليل فظهر تسجيل الشاشة 39 درجة م. تأففت بيأس تشعر بالذنب. فهي تعلم أن طفلتها تحمل مناعة ضعيفة وبرغم ذلك جازفت بالخروج بها ليلاً.

سارعت بأخذها تحت الماء مباشرة لتهدئة الحرارة وإعطائها الدواء الخاص بها. مر الوقت عليها كالدهر وهي تنتظر انخفاض حرارتها. نظرت إلى ساعتها بعد عدة ساعات فكانت تشير إلى الثامنة. فقررت الاتصال هاتفياً بطارق وإبلاغه بكل ما حدث. استقبل اتصالها بقلق في بادئ الأمر ولكنها طمأنته إنهما بخير. ولكنها لن تستطيع الذهاب إلى المشفى اليوم. أنهت مكالمتها معه بوعد منها بالاتصال به في أي وقت متى احتاجت للمساعدة.

انتهزت أسيا فرصة نوم طفلتها بعد انخفاض حرارتها قليلاً في إتمام أعمالها المنزلية المتراكمة. كانت الساعة تقارب الثامنة مساءً عندما أنهت جميع أعمالها المنزلية. فقط تبقى لديها دواء آسيا وتسجيل درجة حرارتها مرة أخرى. تنفست الصعداء وهي تراها تقارب على السابعة والثلاثين. أعطتها آخر جرعة من دوائها لليوم وجلست بقربها قرابة النصف ساعة حتى غفت صغيرتها وهي بين ذراعيها. تذكرت بعد قليل أنها لم تتصل بطارق بعد لطمأنته.

فقررت النزول إلى غرفة المعيشة تتحدث بداخلها حتى لا تزعج صغيرتها. انتهت من مكالمتها معه بعد فترة قصيرة وقد بدأت تشعر بإرهاق اليوم يتمكن منها. عندما سمعت رنين جرس الباب. سارعت في النهوض لعل والدتها قد عادت مبكراً من رحلتها. فتحت الباب فتفاجئت بمراد يقف أمامها بوسامته الطاغية التي تخطف الأنفاس. كان يقف أمامها مرتدياً جاكيت رمادي بقميص أبيض تحتها كعادته وبنطال أسود وربطة عنق من نفس اللون.

أرادت الحديث ولكنها لم تجد صوتها. فنظر إليها رافعاً إحدى حاجبيه متسائلاً: -ينفع أدخل ولا هفضل واقف هنا؟ هزت رأسها ببلاهة وهي تتحرك من أمام الباب تفسح له المجال للدخول. وهي تحدثه: -طبعاً اتفضل معلش مش مركزة. بمجرد وصوله غرفة المعيشة التفت ينظر إليها على الفور. يلاحظ الإرهاق واضح على وجهها ونظرتها. فتحدث بنبرة تملؤها الاهتمام: -دكتور طارق بلغني إن أسيا تعبانة شوية عشان كده مجيتيش الشغل النهارده. هزت

رأسها موافقة قبل أن تجيبه: -فعلاً، واضح إن جو بليل أثر عليها شوية. كانت حرارتها مرتفعة الصبح وعندها احتقان في الزور فمقدرتش أسيبها وأجي. كان ينظر إليها متابعاً ملامحها والقلق واضح في نبرته: -طب ما جبتهاش المستشفى ليه لدكتور طارق يشوفها عشان نطمن عليها ويعملها اللازم؟ أجابته أسيا بسخرية: -بصراحة مفكرتش في كده. قلت أثق في قدرتي كطبيبة أطفال شوية. أضافت بمرح وهي تبتسم له:

-بس صدقني لو حسيت إنها محتاجة دكتور طارق مش هتردد وهاخدها على طول. شعر بالحرج من حديثه فأضاف مصححاً: -أنا مكنش قصدي كده. كل الحكاية إن العناية في المستشفى أفضل. وبعدين انتي عارفة إني طول عمري بثق فيكي وشايفك أحسن دكتورة في الدنيا. ابتسمت بخجل من إجابته وهي تعيد إحدى خصلات شعرها خلف أذنها بأرتباك. تعلم صدق كلامه فالطالما كانت تسمع منه هذه الجملة كتشجيع. أعادها صوته إلى الواقع مرة أخرى يسألها باهتمام:

-طب هي كويسة دلوقتي؟ أجابته على الفور مطمئنة: -آه آه تمام. زي ما قلتلك كانوا شوية احتقان في الزور عملوا حرارة بس دلوقتي الحمد لله نزلت. مفيش حاجة مهمة متقلقش. استغربت من رد فعلها. فمنذ يومان كان ترتعب من فكرة معرفته بوجودها والآن تقف أمامه تطمئنه عليها من كل قلبها. تقدم خطوة إلى الأمام ينظر إليها متفحصاً وهو يسألها باهتمام: -أسيا، انتي كويسة شكلك أصفر شوية؟ ثم ضاقت عينيه عليها عابساً يتسأل: -انتي أكلتي حاجة النهارده؟

نظرت له بفم مفتوح. اللعنة بعد كل تلك السنوات مازال أفضل من يعرفها. لوت فمها بيأس. فلقد أمسك بها، هذا ما كانت تفكر به في تلك اللحظة. هزت رأسها بضعف نافية لتجده يزفر بحنق غاضباً يسأل: -ولا أي حاجة خالص؟ هزت رأسها مرة أخرى في حركة طفولية. فلعن وهو يتحرك في اتجاه المطبخ وهي تركض وراءه. نظر حوله يستكشف المكان ثم سأل باستنكار: -مفيش حاجة ممكن تاكليها هنا؟ تحدثت بنبرة طفولية متذمرة: -مفيش غير شوربة الخضار بتاعة أسيا.

وانت عارف إني بكره شوربة الخضار. وبصراحة ملقتش وقت أعمل حاجة تاني. نظر إليها معنفاً: -وده مبرر إنك تفضلي من غير أكل لدلوقتي؟ ثم رفع ذراعه ينظر إلى ساعة يده. ثم أكمل حديثه مفكراً: -في إيه هنا ممكن نعمله بسرعة؟ لم ينتظر إجابتها كأنه يحدث نفسه. وتحرك يفتح باب ثلاجتها. رفع رأسه بعد قليل وهو يمسك إحدى أكياس المعكرونة بيده وهو يبتسم لها: -إيه رأيك؟ أجابته بمرح: -انت عايز تأكلني مكرونة دلوقتي!! عايز جسمي يبوظ؟

نظر إليها متفحصاً بإغراء قبل أن يجيب بنبرة مثيرة وهو يلوي فمه: -لو باظ أنا معنديش أي مشكلة. فشعرت بالخجل من ملاحظته الصغيرة. ثم غمز لها مكملاً حديثه مغيظاً لها: -على العموم لو مش عايزة خلاص نشوف أي حاجة تاني. ثم تحرك يفتح باب الثلاجة مجدداً. ليجدها تركض في اتجاهه تمسك بيده وهي تتحدث بلهفة: -بتهزر!!! مفيش حاجة في الدنيا ممكن توقفني عن إني آكل مكرونتك. أنت عارف إنها إدمان بالنسبالي. شعرت بالتسرع في جملتها الأخيرة.

فارتدت خطوة إلى الوراء وهي تقضم على شفتيها في حركة تلقائية. كان يراقب صراع مشاعرها الواضح على وجهها باستمتاع. فتحتجت بضرورة الصعود للاطمئنان على أسيا. عادت بعد ربع ساعة لتجد معطفه موضوع بعناية على أحد المقاعد مع ربطة عنقه. مشمراً عن قميصه ليكشف عن ساعدين قويين يتحرك بسهولة واسترخاء داخل مطبخها الصغير. كانت تراقبه بأستمتاع عندما رفع نظره إليها يرفع إحدى حاجبيه يسألها عن وضع الصغيرة.

فتحركت بخجل تجيب عليه تشعر كأنها قُبض عليها متلبسة. بعد وقت قليل كان يضع إحدى الأطباق أمامها. ثم جلس بجوارها يأمرها بحزم ولكن بهدوء: -كلي وكله. أومأت برأسها إيجاباً وهي تبتسم له: -هآكل بس على شرط إنك تاكل معايا مش هعرف آكل لوحدي في الوقت ده. لدهشتها لم يجادلها بل على العكس. تحرك نحو المطبخ ثم عاد بعد قليل يحمل طبق آخر وجلسا معاً يأكلاا سوياً كما لو إنهما زوج وزوجة. وكان قلبها يرقص فرحاً من تلك الفكرة.

بعد فترة كانت تجلس في الأريكة بجواره تشعر بحضوره الطاغي بجوارها. وتتجمع بداخلها مشاعر متداخلة من قربه ورائحة عطره التي لم تتغير كل تلك السنوات. فقررت التحرك من جواره عل مشاعرها تهدأ قليلاً. قامت من مقعدها تسأله بتوتر: -قهوة؟ وقف أمامها يتحدث برقة وهو ينظر إليها بشغف: -لا خليكي انتي. باين عليكي الإرهاق واكيد تعبتي النهارده ومحتاجة ترتاحي. ده غير إن الوقت اتأخر وأنا لازم أمشي دلوقتي.

أومأت برأسها موافقة على كلامه بخيبة أمل. لا تعلم ماذا تجيبه فهي تشعر بالإحباط. فكم كانت تتمنى ألا تأتي هذه اللحظة. تحركت خلفه بهدوء وهو يلتقط جاكيته وربطة عنقه من المطبخ ليرتديهم. قطعت الصمت مرة أخرى تتحدث بصوت يشبه الهمس: -شكراً على كل اللي عملته النهارده وشكراً لأنك اهتميت إنك تسأل على أسيا. وإن شاء الله بكرة هكون في المستشفى لو الأمور فضلت مستقرة. تحرك خطوتين إلى الأمام يقترب منها.

ثم حاوط وجهها بكلتا يديه يتلمس وجنتها بأصابعه يتحدث بنبرة واقعية تشبه همسها مع نظرة حنون: -أسيا المستشفى دي بتاعتك. تعالي في الوقت اللي يريحك. لو محتاجة إجازة كمان خدي وقتك ومتشغليش نفسك بحاجة. وياريت لو احتجتي أي حاجة متردديش إنك تكلميني. شعرت بقلبها يذوب من أثر كلمته ونظراته. فتحت فمها لتجيب ولكن قاطعها رنين جرس الباب. رفع إحدى حاجبيه يسأل باستنكار وهو مازال ممسك بها: -مين اللي ممكن يجيلك دلوقتي؟

تحدثت وكأنها تبرر له: -دي أكيد ماما كانت مسافرة عند خالتو واكيد رجعت لما عرفت إن أسو تعبانة. تحركت تفتح الباب لتشهق بصدمة وفرح معاً. صرخت أسيا باسمه فرحة: -خالد!!!!! مش معقووووول!! إيه المفاجأة الحلوة دي!!! ثم رمت بنفسها عليه تحضنه وصوت ضحكتها يصل إلى مسامعه بقوة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...