وقفت أسيا حيث هي، بعد ذهابه لفترة طويلة، تنظر إلى الفراغ، محاولة السيطرة على المشاعر التي اجتاحتها من أثر قربه ولمسته. كانت تشعر بموجات من السعادة والألم والفراغ والضعف معًا. هزت رأسها تنفض ذكريات الدقائق الأخيرة منها، ثم تحركت تصعد الدرج حيث غرفة أسيا الصغيرة. بدلت ملابسها على الفور واستلقت إلى جوار طفلتها تحتضنها بحب. كانت تسترجع أحداث اليومين السابقين وما حدث من تقارب بينها وبين مراد، وهي تشعر بالتخبط من أفعاله. لم عاد الآن؟
ولماذا مشفاها بالتحديد؟ لم يتقرب منها وهو من تركها بالأساس؟
كل تلك الأسئلة التي كانت تهرب منها منذ رؤيتها له، كانت تحاصرها الآن وبقوة. نهرت نفسها تذكرها أنها هي من حاولت التقرب إليه منذ قليل، كما أنها هي من تقربت إليه منذ يومان. على كل حال، يجب عليها السيطرة على مشاعرها بجانبه والحفاظ على مسافة بينهم، والتعامل برسمية معه أثناء تواجده. هذا ما قررته أسيا قبل الذهاب في النوم. في منتصف الليل، استيقظت تشهق بفزع من تأثير الكابوس المعتاد الذي يراودها منذ تلك الليلة. أخذت كوب الماء الموضوع بجانب الفراش تبتلع بعض الماء تبلل حلقها، ثم عاودت الاستلقاء مرة أخرى لتبدأ رحلة معاناتها اليومية مع أفكارها وذكرياتها.
استعدت أسيا للخروج مع صغيرتها في الصباح، عندما أوقفها رنين هاتفها الخلوي. رفعته تنظر إليه، فوجدت خالد هو المتصل. أجابته بنبرة هادئة: "صباح الخير يا خالد، لا إحنا كنا هنتحرك. تمام على ميعادنا، هكون في البيت على الميعاد متقلقش. أوك، أشوفك بليل. تمام، مع السلامة."
أنهت مكالمتها معه، ثم تحركت بقلب مثقل تستقل أول تاكسي تراه أمامها. أوصلت أسو إلى حضانتها، وقررت تكملة طريقها إلى المشفى سيرًا على الأقدام، لعل نسيم الصباح يعدل من مزاجها ولو قليلاً. كانت تفكر بقلق أثناء سيرها عن كل ذلك الإصرار الصادر عن خالد لرؤيتها. بالطبع، كانت معتادة على رؤيته كثيرًا خلال فترة إجازته، ولكن دون طلب موعد محدد والتأكيد عليه. فالبارحة، عند اصطحاب أسيا من منزل والدتها، استأذنها لزيارتها غدًا في منزلها
بمفردهم دون إبداء أسباب. وفي الصباح، هاتفها للتأكيد على موعده، لذلك تشعر بالحيرة والقلق. طمأنت نفسها، فعلى كل حال، في المساء ستعلم سبب ذلك الإصرار. وصلت إلى المشفى في موعدها. أول شيء كانت تريد فعله هو معرفة إذا كان مراد وصل المشفى أم لا، والاطمئنان عليه، ولكنها منعت نفسها من السؤال. اتجهت إلى غرفة الأطباء لترى عائشة، فقد افتقدتها حقًا في الأيام الماضية. صادفتها في الممر المؤدي لغرفتهم، فصرخت عائشة بفرح وهي ترى أسيا
التي كانت تسير نحوها بابتسامة واسعة، ثم احتضنها بحب. بعد قليل، كانتا تجلسان معًا في غرفة أسيا الخاصة تتحدثان عن المؤتمر وما حدث به. نظرت عائشة لآسيا
غامزة قبل أن تتحدث بمرح: "ها، احكيلي بقى مراد عمل معاكي إيه هناك؟ "أسيا: احكيلك إيه؟ هيكون عمل إيه يعني؟ "عائشة بأحباط: يعني كان عامل إزاي وهو مش في شغل رسمي؟ اتعامل معاكي إزاي؟ اتكلمتوا في إيه؟ في الطريق كان بيتكلم معاكي ولا كان ساكت؟ يعني التفاصيل يا أسيا، التفاصيل، وكلها. أوعي تنسي حاجة." لوت أسيا فمها بمرح، فهي تعرف عائشة جيدًا، وتعلم أنها لن تتركها حتى تأخذ المعلومات التي ترضيها.
سردت عليها أسيا التفاصيل البسيطة، مثل كلمته في المؤتمر، مراعاته لها أثناء حديثه مع أشخاص آخرين، تناولهما الغذاء معًا، رؤيتها لتيمور، غافلة عن الأمور الأخرى. فلو علمت عائشة أنهما قضيا اليومان في جناح واحد، لسقطت مغشي عليها من شدة الإثارة. سارعت عائشة تتحدث بعد انتهاء أسيا من الحديث: "أسيا، اسمعي مني، مراد معجب بيكي." قاطعتها أسيا على الفور مأنبة:
"أنا غلطانة يعني إني حكيتلك، طبعًا مفيش أي حاجة من اللي في دماغك دي. هو اتعامل معايا عادي زيي زي أي حد، يعني لو كنتي إنتي بدالي كان هيتصرف معاكي بنفس الطريقة." "عائشة بندم: خلاص متزعليش مالك قلبتي ليه، أنا كنت بتكلم بهزار مكنش قصدي حاجة والله. أنا بس لقيته مهتم بأسو يوم ما جت هنا وبيتكلم معاكي دايماً. دي كل الحكاية."
شعرت أسيا بتأنيب الضمير من إخفاء حقيقة مراد عن عائشة، خصوصًا بعد اعتذارها. فلو علمت عائشة بأن مراد هو زوجها السابق، لاستطاعت فهم كل ذلك الاهتمام بصغيرتها والحديث بينهم. بعد قليل، تركتها أسيا لتبدأ مرورها الصباحي، وفي منتصف يومها كانت تتحدث إلى والدتها هاتفيًا، تخبرها بمجيء خالد في السادسة إلى منزلها، وبالتالي فهي من ستأخذ أسو اليوم. قاطعتها إحدى الممرضات أثناء حديثها تطلب منها الذهاب إلى غرفة الدكتور طارق، فقد أرسل في طلبها. أنهت حديثها مع والدتها ووعدتها بالقدوم غدًا وتقضيته الليلة معهم. صعدت بعدها على الفور إلى مكتبه، فقد كانت تنتظره لرؤيته والحديث معه. هو أيضًا كان ينتظر قدومها، وبمجرد دخولها غرفته، قام يحتضنها حضن أبوي ويربت على شعرها
بحنان وهو يتحدث إليها: "تعرفي إن المستشفى من غيرك كانت فاضية عليا. أينعم هما ٣ أيام بس مش شفتكيش فيهم، بس حسيت إنهم كتير قوي."
كان يساورها نفس الشعور، فقد افتقدته كثيرًا خلال هذين اليومين وتشعر بأن قلبها وعقلها ممتلئ بالأفكار والمشاعر التي تريد أن تبوح بها له ليرشدها. تحدثا قليلًا عما حدث في المؤتمر، ثم بعد ذلك عن أحوالها هي ومراد، وأحوال صغيرتها. وقبل انصرافها، طلبت منه الإذن بالخروج باكرًا من أجل زيارة خالد في السادسة، ومما أثار دهشتها أنه وافق على الفور دون أسئلة. لماذا كانت تشعر بأنه على علم بتلك الزيارة وبوجود شيء غريب حولها؟ لم تعلم!
بعد خروجها من غرفته، كانت تنظر في اتجاه غرفة مراد، تريد الذهاب والاطمئنان عليه، ولكنها عنفت نفسها بشدة، فتراجعت عن رغبتها واستأنفت دوامها بهدوء. وعند الخامسة، كانت في الخارج تتجه إلى حضانة أسيا تصطحبها ومنها إلى المنزل. في تمام السادسة، كان خالد يقف أمام منزلها. استقبلته بهدوء، أما هو فكان يبدو عليه السعادة. بعد مرور نصف ساعة من اللعب مع أسو، كانت أسيا تنتظر خلالها معرفة سبب كل تلك الرسمية في زيارته. قرر التحدث. التفت ينظر إليها وكان يبدو على وجهه التردد، ثم تحدث متوترًا:
"أسيا، من فضلك كنت عايز أكلمك شوية على انفراد لو ينفع." أومأت برأسها موافقة، ثم التفت موجهة حديثها إلى ابنتها بهدوء: "أسو لو سمحتي ممكن تطلعي أوضتك ترسمي شوية وأنا هحصلك."
هزت صغيرتها رأسها موافقة، فطبعت أسيا قبلة على جبينها ويدها قبل صعودها للأعلى. بعد اختفاء أسو عن نظرها، التفتت إلى خالد الذي كان يفرك جبهته بيده من التوتر. انتظرت أن يتحدث، ولكنه ظل صامتًا لفترة. تململت أسيا في مقعدها وهي تراقب صمته مترقبة. بعد دقيقتين، قررت أسيا قطع الصمت، فوقفت تهتف باسمه. فوقف أمامها يجيب:
"أسيا، اعذريني، أنا بس متوتر شوية. بس أنا في الحقيقة عندي ليكي خبر هيفرحك، المنحة اللي بقالي كام سنة بحاول آخدها جاتلي وفي ألمانيا وبامتيازات مكنتش أحلم بيها كمان." شهقت أسيا بفرح وهي تضع يدها على فمها، فهي تعلم كم انتظر خالد تلك الفرصة وكم اجتهد ودرس من أجلها. خرج صوتها مليئًا بالسعادة: "خالد، إنت مش متخيل أنا فرحت بالخبر ده إزاي. مبروووك. إنت تستاهل كل خير. وإن شاء الله ربنا يوفقك وتتفوق فيها وتتعين هناك كمان."
كان وجهه مشرقًا من السعادة في تلك اللحظة وهو يرى سعادتها وتحمسها من أجله. تنحنح قليلًا لتنقية حنجرته، ثم عاود حديثه مرة أخرى: "أنا مبسوط إنك اتبسطتي بالخبر ده وحماسك ده يخليني أتشجع وأتكلم في الموضوع اللي كنت جاي عشانه." لم تعطي أسيا أي رد فعل وانتظرت أن يكمل حديثه، فأكمل مسرعًا وقد عاد إلى توتره مرة أخرى:
"أسيا أنا لازم أخلص ورقي في خلال أسبوعين تلاتة بالكتير وأكون هناك وغالبًا أنا هسافر هناك ومش هرجع. إنتي عارفة إن الفرصة دي مستنيها من زمان وبصراحة أنا عايز أستقر قبل ما أسافر. إحنا نعرف بعض من سنين وإنتي عارفة حبي لأسو قد إيه." مسح جبهته مرة أخرى ثم أكمل حديثه: "أسيا بصي بأختصار وبصراحة أنا عايز اتجوزك."
حبست أسيا أنفاسها من أثر الصدمة، فأخر شيء كانت تتوقعه هو أن يعرض عليها خالد الزواج. إنه صديقها منذ سنوات وهي تحبه، ولكن ليس أكثر من حب أخوي! كان ينتظر إجابتها بلهفة، فخرج صوتها ضعيفًا ولكن ثابتًا:
"خالد هجاوبك بنفس الصراحة اللي كلمتني بيها. أنا مش بفكر في الجواز تاني. لا دلوقتي ولا بعدين. إنت عارف قيمتك عندي وعارف إني بحبك زي أخويا بالظبط. بس آسفة مقدرش أقبل عرضك. أكيد هيجي يوم تقابل فيه حبك الحقيقي وهتعيش معاها بسعادة. أنا متأكدة من ده زي ما أنا متأكدة إن مش أنا الشخص ده." كان ينظر إليها بصدمة وخيبة أمل بادية على وجهه وملامحه، أما صوته فخرج حزينًا متقطعًا:
"أسيا من فضلك فكري كويس. أنا مش طالب منك رد دلوقتي. خدي وقتك بالراحة وردي عليا." هزت رأسها بحزم وخرج صوتها هذه المرة قويًا: "صدقني يا خالد ده قراري الأخير. مش مستعدة إني أخوض تجربة الجواز مرة تانية. ومش أنا الإنسانة اللي تقدر تسعدك. وبتمنى إن قراري ده ميأثرش على علاقتنا سوا. أنا هنسى طلبك وكلامنا ده كأنه محصلش وياريت إنت كمان تنساه." "خالد بأسى: يعني مفيش أي أمل؟ "أسيا معتذرة: آسفة بس ده قراري النهائي."
نظر إليها بحزن شديد ثم استأذن للخروج، فرحبت على الفور، فهي تشعر بالتوتر يزداد مع كل ثانية تمر وتريد التخلص من ذلك الوضع المحرج في أقرب وقت. سارت معه حتى الباب مودعة، ثم أغلقت الباب خلفه ببطء وأسندت رأسها عليه بتعب، تريد حقًا نسيان ذلك العرض والحزن الذي تسببت به له.
كانت أسيا لا تزال مستندة برأسها على الباب عندما رن جرس منزلها مرة أخرى، فأدارت مقبض الباب ببطء تفتحه متوقعة عودة خالد، ولكن لصدمتها كان مراد هو الزائر هذه المرة. وقفت تنظر إليه ببلاهة دون رد فعل، فسارع يسألها بقلق وهو يرى شحوب وجهها: "أسيا.. إنتي كويسة؟ أسيا تعبانة أو حاجة؟ خرج صوتها ضعيفًا متعبًا: "لا أبدًا، مفيش حاجة، كلنا كويسين." "مراد: بس إنتي شكلك تعبان! متأكدة إن مفيش حاجة؟
هزت أسيا رأسها بحزم ولكن صوتها خرج متعبًا: "لا متقلقش، يمكن بس مرهقة من مشوار امبارح وتلاقيني منمتش كويس." هز رأسه موافقًا بعدم اقتناع، ثم أضاف مبررًا: "دكتور طارق قالي إنك طلبتي إذن النهارده، فقلقت تكون أسيا تعبانة عشان كده جيت أطمن عليها." هزت رأسها مطمئنة له ببرود: "لا الحمدلله." أنا بس زي ما قلت لك حسيت إني مرهقة فقررت أمشي بدري شوية وأقضي باقي اليوم مع أسو.
في تلك اللحظة سمعت أسو صوته في الأسفل فركضت مسرعة تحتضنه وهي تتعلق برقبته بشدة. أدركت أسيا أنها حتى الآن لم تدعه للدخول فاعتذرت منه وطلبت الدخول قليلاً.
دخل المنزل وهو مازال يحمل أسو بين ذراعيه لا يريد إفلاتها. كان ينظر إليها بحب معترفاً أن تلك الصغيرة استولت على قلبه تماماً ولم يستطع الذهاب إلى منزله دون رؤيتها. وانتهز كلام طارق حجة للمجيء فهو يعلم جيداً أنها بخير ولكنه أراد رؤيتها ورؤية أسيا فقرر استغلال تلك الحجة والمجيء فوراً.
بعد نصف ساعة كان يجلس مع أسو في غرفة المعيشة يلعبان سوياً بمرح وهو يراقب أسيا التي ظلت شارده طوال جلستهم. بعد مرور ساعة كانت لا تزال شارده في عالم آخر فقرر الذهاب رغم اعتراضات أسو. أصرت أسيا إلى إيصاله إلى الخارج بنفسها.
وقف مراد عند مدخل الباب متردداً فهو متأكد من حدوث شيء ما معها ولكنه قرر اكتشافه بطريقته. مد يده يمسك مقبض الباب في نفس اللحظة التي مدت أسيا فيها يدها فاستقرت يده فوق يدها بكسل. لاحظ التوتر على ملامح وجهها وحاولت سحب يدها ولكنه كان يقبض عليها بإحكام.
زفرت بحنق وهي تحاول سحب يدها مرة أخرى فلاحظ رد فعلها وتركها على الفور. أدارت المقبض ففتح الباب وخرج مراد مسرعاً ثم عاد متردداً يقترب منها فارتدت خطوة إلى الوراء مبتعدة عنه. أغضبه رد فعلها فزفر بعنف قبل أن يتحدث إليها بنبرة خالية: "زي ما وعدت أسيا بعد بكرة همر عليها عشان نروح الملاهي سوا." كان صوتها عبارة عن همس وهي تحدثه: "مفيش داعي تتعب نفسك أنا هروح معاها." كان يشعر الآن بالغضب يسري في جميع أنحاء جسده
فجاءت نبرته عدائية غاضبة: "أنا مش بعمل كده عشانك.. أنا وعدت أسيا إني هخرجها وناوي أوفي بوعدي ده سواء قبلتي ده أو لأ ولو انتي عندك مشكلة معايا أتمنى تكوني أكبر من إنك تدخلي طفلة بريئة فيها." ثم استدار متجهاً إلى سيارته تاركها خلفه تحاول جاهدة السيطرة على دموعها.
في صباح اليوم التالي كانت أسيا على رأس عملها تنتهي من أعمالها الإدارية المتراكمة عليها بسبب الأيام الثلاثة الماضية. ومع حلول الظهيرة كانت قد انتهت منها جميعاً وتحركت إلى الأسفل حيث غرف الاستقبال لتبدأ يومها المزدحم. صادفت عائشة عند المدخل التي كانت تنظر إليها بتوتر ظاهر. بادلتها أسيا نظرتها مستنكرة تستفهم منها سبب توترها الملحوظ. فأشارت لها عائشة برأسها إلى شيء ما خلفها. التفتت لترى مراد يقف في منتصف البهو تبدو عليه ملامح الغضب يراقب كل شيء يدور حوله بتركيز.
أومأت لها برأسها فقد أدركت سبب توتر عائشة فمراد بهيئته تلك يستطيع إرهاب أي شخص بما في ذلك هي. على كل حال حالته تلك لا تعنيها في شيء. هذا ما قررته وهي تتحرك للداخل. بعد مرور حوالي ساعتين قاطعتها إحدى الممرضات تخبرها أن الدكتور طارق والسيد مراد مالك المشفى سيقومان بتفتيش على جميع الأقسام وأولهم قسم الاستقبال. "تلك كانت رسالة دكتور طارق لها".
لوت فمها بتوتر إذا يبدو أن لديها يوم طويل خصوصاً وهو في تلك الحالة الغاضبة. نفضت رأسها بحزم فهي تقوم بعملها على أكمل وجه ولا يوجد ما تخشاه باستثناء ما حدث بينهم البارحة. طمأنت نفسها داخلياً لا إنه شخص عملي ويستطيع التفريق جيداً بين حياتهم العملية والخاصة. استأنفت فحصها لإحدى المرضى بهدوء وبعد حوالي نصف ساعة كان يقف أمامها بمفرده يراقب ما تفعله كالصقر والتجهم يكسو كل ملامحه. أما عن نظرته فهي نفسها منذ البارحة فقد الغضب ولا شيء إلا الغضب.
كان الفضول يأكلها تريد أن تسأله أين الدكتور طارق ولكنها تراجعت لا تريد الاحتكاك به. خرج مريض ودخل آخر وهو ما زال يراقبها بتركيز مما أثار ذلك حنقها. كانت على وشك أن تقوم بفحص المريض المستلقي أمامها عندما أوقفها صوته العميق يوجهه لها حديثه: "دكتورة!! مش شايفة إن من المفروض تغيري الجوانتي اللي انتي لبساه بين كل مريض والتاني؟! رفعت أسيا حاجبيها معاً تنظر إليه مستنكرة ولكن نبرتها خرجت هادئة على عكس توقعها:
"بس أنا بكشف على المريض كشف ظاهري. يعني لا إيدي ولا الجوانتي لمس أي جزء من أعضائه الداخلية مجرد لمس جلدي مش أكتر وأنا هنا مش في قسم الجلدية عشان أخاف." مراد بنبرة جليدية:
"ميهمنيش تفاصيل.. إحنا هنا مستشفى محترمة وكبيرة وكل طلباتكم بتكون موجودة في لحظة.. والأدوات موجودة وبوفرة.. يعني مفيش أي مبرر ليكي إنك متبدليش الجوانتي بين كل مريض والتاني.. ولو مش ده النظام اللي كنتوا ماشيين عليه من النهارده هيتغير واللي قلته يتنفذ." شعرت بالدم يغلي داخل عروقها ولكنها حاولت جاهدة كتم غضبها وإخراج نبرة هادئة ففي النهاية يوجد داخل الغرفة مريض يجب ألا يستمع إلى أي من هذا الحديث الذي يدور بينهم الآن:
"تمام هاخد تعليمات حضرتك بعد كده في عين الاعتبار." كانت على وشك العودة للمريض عندما أوقفها صوته مرة أخرى وهو يرفع إحدى حاجبيه ينظر بتحدي: "ماهو الكلام اللي قلته ده يتنفذ من اللحظة دي يعني حضرتك تتفضلي تبدليه دلوقتي." أسيا بضيق: "أوك.. فهمت ده كويس." ثم استدارت تأخذ زوجان من القفاز المعقم من الطاولة التي أمامها لترتديهم فقاطعها صوته مرة أخرى: "قدامي يا دكتورة من فضلك.. أشوفك بتلبسيهم قدامي."
كانت تفكر أن كل هذه الإهانة تحدث أمام المريض فلم تستطع السيطرة على أعصابها لأكثر من ذلك فالتفت إليه بحده والغضب يملأ نظرتها فخرج صوتها قوي متحدي: "مرااااد!!! .. قصدي أستاذ مراد... لو مش واثق إني هغيرهم اتفضل غيرهملي بنفسك!!! ثم بسطت كلتا يديها في اتجاهه وهي ترفع حاجبيها بتحدي. ولدهشتها جاءت نبرته هادئة وهو يجيبها عكس ما توقعت: "لا.. يكفيني إنك تعملي كده قدامي."
ظلت تنظر إليه بغضب وتحدي وهي تقوم بخلع القفازين من يديها ثم أخذت الآخرين ترتديهم وهي ما زالت تنظر إليه دون خفض عينيها عن عينيه. أما هو فلم يحرك عينيه عن يدها ينظر بتمعن في كلتا اليدين قبل أن يلوّي فمه بابتسامة انتصار ويستدير خارجاً تاركها تشعر بالغضب والإحراج من حديثهم أمام المريض.
انتهت من فحص المريض ثم خرجت مسرعة والغضب يسيطر عليها تسأل أين هو فأجابتها إحدى الممرضات أن السيد مراد في غرفته. توجهت إليها وفتحت الباب بغضب مباشرة دون طرقه لتجده يجلس على مقعده بتباهي. رفع إحدى حاجبيه باستنكار عند رؤيتها وترك مقعده يتحرك ليقف أمامها وهو يضع كلتا يديه داخل جيوبه بكسل. وقفت أمامه بتحدي وهي تصرخ في وجهه: "أنا مش هسمح ولا هقبل إن أي حد يجي يعدل على شغلي قدام المرضى بتوعي أياً كان منصبه!!
مش انت بتتكلم على المهنية!! تقدر حضرتك تقولي فين المهنية إنك تعلق قدام مريض على حاجة تافهة زي دي!! انت متوقع إن بعد اللي انت عملته قدامه ده ممكن يثق فيا؟!! أنا بقى المرة دي اللي بقولك يا أستاذ مراد إني مش هشتغل مع حد ميعرفش أ، ب احترام الدكتور اللي بيشتغل معاه ومن دلوقتي تقدر تعتبرني مستقيلة من الشغل معاك."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!