أمسيات رائعة، هكذا تُسميها.. إذاً لماذا كانت أمسيتي مختلفة نوعاً ما؟ الستائر الحرير ذات اللون القرمزي الخاصة ببلكون غرفتي كانت بتتحرك بانسيابية، مدخلة هواء بارد وصوت عواصف ثلجية بالخارج صفر في أذني. لكن كل ده ما كانش مثير اهتمامي، لدرجة نسيت أسأل نفسي هل أنا فتحت البلكون في البرد القاسي ده؟ كل تركيزي كان على الكائن اللي ظله كان بيتحرك على الحائط بعد ما لمبة الغرفة عملت صوت شرارة بعدها انطفأت.
مكانش في أي نور غير أعمدة إنارة الشارع الصفراء الغامقة، كانت موضحة خياله على الحيطة بطريقة مرعبة. وصوت اللمبة وهي بتتأرجح يمين وشمال مع صوت العواصف محسسني إني متجمدة. مقصدش أطراف إيدي ورجلي، لكن متجمدة داخلياً مش مستوعبة قدر المهزلة اللي بتحصل. وسط الظلام اقترب مني، خياله بيكبر كل ما بيقرب مني، وأنا زي المسحورة مرعوبة لكن مملكتش القدرة على الهرب.
بدلة سوداء.. قميص أبيض، وببيون أسود.. ووشاح أسود طويل منسدل على ظهره بيتحرك لورا تحت تأثير الهواء، يشبه وشاح باتمان. لكن وجهه لحسن حظي إنه مكانش الحقيقي، كان وجه بشري أبيض لكن بدون دماء.. جلده أصفر، ولفت نظري أظافره الطويلة. عينيه سودا، مقدرتش أنكر ده، وحواجبه كثيفة.. لحظة، هل أنا بدقق في ملامح الشيطان المزيفة! الفكرة خلتني أنتفض قبل ما يرجع وشاحه الأسود للخلف وهو بينطق بصوته العميق كصدى صوت:
"وفقاً لإنك هتقومي بدوري في مسرحيتكم، فالأفضل تتعلمي الشخصية من الأصل، مش من الترهات اللي كاتبها المؤلف الغبي." فتحة فم أشبه بالفوهة وأنا واقفة قدامه، ليه جسمي متصلب؟ ليه مش قادرة أهرب؟ أكمل حديثه بنبرة الغرور وقال بصوته العميق: "أشك إن مخلوقة طين تقدر تمثل دوري، خاصة لو كانت بنت مكروهة من محيطها زيك.. وغبية." بص بعينه لأوراق الملخص المرمية على الأرض، اترفعت عن الأرض واتحركت.
صوتت وصرخت بكل قوتي للحصول على النجدة من والدتي.. لكن كان صراخ بلا فائدة. لوسيفر بتبريقة والنار ظاهر انعكاسها في عيونه السودا: "لذا يا سيدة جلوريا الصغيرة، هتسرب داخل عقلك بمشاهد صغيرة، لكنها هتكون كافية تعلمك دروس عني، عشان وقت عرض المسرحية، الناس تنبهر بأدائك. أنا مش مهتم تنجحي أو لا، مهتم بتمثيلك لدوري أنا."
وقعت بالطبع من طولي.. معرفش ده نوم، أو رعب، لكن الشاشة السوداء اللي بتغيم على عقل الفرد منا كل ما يروح في النوم أفضل بالنسبة لي من رؤية الشيطان أمامي. * * * داخل حلم جلوريا: أرض حجرية وإضاءة زرقاء متأرجحة، حشرات ممتلئة تسير بجانب وجهها المرتطم بالأرض. قامت جلوريا وهي تنظر حولها، كان هناك رجلاً خلف قضبان تشبه قضبان السجن.
نظرت له جلوريا بتأمل لعينه المصفاة ولونها كله بالأبيض وذقن وجهه ذات اللون الرمادي.. وجلبابه القصير. جلوريا وهي بتتنفس برد من فمها: "مين أنت؟ وليه محبوس؟ الرجل بصوت يكاد يُسمع: "ببيع الوهم للناس، بقنعهم إن السعادة عندي وإني أقدر أخلصهم من أي شخص بيكرهوه، وبيصدقوا.. مقابل الفلوس بدمر حياة كذا شخص وبفرق عائلات وبشتت جمعهم." جلوريا: "مش فاهمة! يعني مين أنت؟ الرجل بصوت رجاء:
"خرجني، أنا لو فضلت محبوس هنا في كتير حياتهم هتدمر." جلوريا: "طب.. طب فين المفتاح؟ رجع لورا وهو حاطط إيده على شعره الأبيض الطويل وبيقول بشفايف زرقاء: "مش عارف، كان معايا زمان.. وسلمتهوله." جلوريا برعب: "هو مين؟ رفع عينيه البيضا في وشها وقال: "هو، اللي حابسني.. لوسيفر." شهقت جلوريا وهي بتتلفت حواليها وقالت: "طب ليه أنا هنا! فضلت تتلفت على مخرج فشلت تلاقيه.. مسك الرجل الغريب قضبان السجن وهو بيتألم وفاتح بوقه وبيكح دم.
جلوريا بتكرار: "طب اسمك إيه؟ اسمك إيه وهخليه يسيبك!! الرجل بصوت متألم: "ال.. الساحر، وإسم المفتاح اللي هيخرجني، هو "الإيمان"." إختفت القضبان وجلوريا واقفة برعب وعدم تصديق لكل اللي حصل. * * * فتحت عيونها الزرقاء الداكنة، ووجهها باهت كلوحة لم تكتمل. والدتي كانت تقف أمام فراشي، مجعدة شعرها بربطات الشعر السخيفة تلك وتدخن سيجارة وهي تنظر لي بغضب. أنا بتعب: "أنا ليه حاسة بصداع؟ والدتي:
"يمكن لإن المدينة بتعاني من عواصف ثلجية وإنتي بدل ما تحفظي دورك في المسرحية! فاتحة البلكون! بدأت أفتكر تحديداً إيه حصل.. لوسيفر وراني حلم.. لا كابوس، هو صانع كوابيس تسحب الأنفاس عن الساحر.. لكن مفهمتش مقصده. قبل ما والدتي تلقي على رأسي إحدى الوسادات وتقول: "فاضل ساعة على وصول باص مدرستك، هتروحي؟ قمت من فراشي وأنا بقول: "بالطبع هروح، ولكن.." متمتش جملتي، قبل ما والدتي تقول وهي بتنفخ دخان السيجارة الملوث
بأحمر الشفاه القاتم: "صحيح، مقولتليش إختارتي دور إيه في المسرحية بتاعت الأسبوع ده." كنت ببص على مكان محادثتي معاه، مش فاكرة تحديداً ده كابوس أو حقيقة! قبل ما أقول لوالدتي: "الشياطين.."
قفلت باب المنزل ورايا وأنا مرتدية قبعة الشتاء اللي بتخليني أشبه بالإنسان الآلي.. مشيت بحذائي الشتوي على الثلج الأبيض اللي مغطي أمام المنزل بالكامل. كنت قد ترجيت والدتي متنضفهوش أو تجيب عامل يزيحه من أمام منزلنا عشان في رأس السنة والاحتفالات أصنع رجل ثلج. ركبت الباص، وكالعادة تجاهلت كل اللي حواليا وبصيت من زجاج الباص، لكن المرة دي مختلفة نوعاً ما.. كان عقلي تماماً مشوش بكل تفاصيل الكابوس.
وصلنا أكاديمية ماري لويس، وحقيبتي السوداء غطاها قطع الثلج الصغيرة المتساقطة من السماء، الأمر أشبه بوقوعك كلياً في حلوى الأيس كريم بنكهة الفانيليا الرائعة.. حتى المدرسة قد زُينت تماماً بالثلج الأبيض.
كانت الأنسة رينسا حريصة بشدة على أن تتقن كل فتاة منا دورها، حاولت استرجاع المشهد في رأسي من ملخص المذكرة وبالفعل كنت قد استجمعت ذاتي. نظرت خلسة للأوراق في يد الفتاة التي تقف أمامي، وقرأته عدة مرات وأنا أكاد أجزم أنني حفظته عن ظهر قلب.
بدأ التجهيز لملابس المسرحية، اخترت الملابس السوداء في الصف على جهة الشمال.. وجدت وشاح أسود معقود وضعته خلف ظهري، ثم أمسكت بالقلم الأسود وبدأت برسم حواجب سوداء ثقيلة.. كما أتذكره من الكابوس. وفي النهاية القبعة السوداء حتى أخفي خصلات شعري الشقراء. بدأ عرض المسرحية، وبدأ دوري في الحديث. "أنا.. ثم أنا.. ثم لا أحد.. أنا مخلوق النار ال.."
مخلوق النظرات. السيدة رينسا من خلف الستار الأحمر القاتم الذي يغطي طرفي الكواليس كانت تشعرني بالتوتر بشكل أكبر، إزاي نسيت النص! أنا كنت براجعه قبل ما أدخل. بدأ الجمهور يضحك، فجأة بدون مقدمات رفعت رأسي بابتسامة غريبة أسكتتهم وقولت بالنص: "الفضول البشري المقيت، هل تظنون أن ما كتب في نص الرواية هو بالفعل الوصف الدقيق للشيطان؟ يا لها من سذاجة." صوتي كان غليظ نوعاً ما. السيدة رينسا بغضب لأحد الواقفين وراها:
"دي بتتصرف من دماغها.. خرّجوها من المسرحية." الرجل: "مينفعش.. العرض مستمر." أكملت النص قائلة: "بما أنكم تودون معرفة الشيطان، لما تحاولون الحجب بينكم وبينه بالصلوات والدعاء؟ بيت القصيد هنا سيداتي سادتي.. أنتم هنا فقط لرؤية ما رسمه الكاتب عني كصفات، وليس لرؤية الشيطان الحقيقي. ولكنني أراكم.. وليس بوسعي أن أقترب بالدرجة الكافية لكل منكم، ف لما العبث معي إذا؟
لا صوت.. فقط اندهاش، بدأ الحضور يصفق لي وأنا لا أعلم حقيقة ما تفوهت به، كان تصفيقهم حار لدرجة شعرت بالفخر، لكن.. إزاي ده حصل وأنا ملتزمتش بالنص الأصلي! نزل الستار، أمسكت السيدة رينسا ذراعي قائلة بتعنّف: "أدب.. أخلاق.. التزام.. انضباط.. أي شيء من دول مش فيكي، كان عرض كامل على وشك الانهيار بسبب استهتارك وتصرفك الغير مسؤول." أنا بارتجاف: "لكن.. لكن الناس صفقت." السيدة رينا:
"ليه ملتزمتيش بالنص، وكلامك اللي قولتيه في المسرحية من فين جبتيه؟ معرفتش أرد! أجاوب أو ادافع عن نفسي بشيء، لكني استشعرت إن السيدة رينسا غاضبة بشدة. سابتني ورا الكواليس، حسيت بأنفاس ساخنة خلفي بتزيح الوشاح وبتقول: "الآن يا جلوريا، أحب أشكر ضعفك اللي خلاكي وسيط بيني وبين الناس اللي مش قادر أقربلهم."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!