لا أعلم ما إذا كان جسدي يرتجف من النسمات الباردة، أم من صوته المنفّر. وقفت في الكواليس كجثة هامدة منذ مائة عام، ظهر شبحها يحوم في الأرجاء. أما ذلك المدعو لوسيفر، الشيطان بعينه، يبدو أنه سعيداً نوعاً ما بتواصله مع الجالسين أمام المسرح. انتهى اليوم بخلاف كبير مع والدتي، عاقبتني فيه بمنعي من مشاهدة التلفاز. جلست في غرفتي منتظرة اللاشيء، بمنامتي البيضا اللي كنت لبساها وقاعدة على طرف الفراش.
البلكون مفتوح، ولكن كنت المرة دي فاتحاه بنفسي. تواصلت مع والدي، رغم إني بخاف من بيته ومن شغله. ولكن اليوم ده والدتي كانت غاضبة بشدة بسبب كلام مديرة أكاديمية ماري لويس عن إهمالي وإنحرافي عن النص في المسرحية. وصلت سيارة والدي مُقتحمة بعجلاتها السميكة الثلج الأبيض المنتشر أمام المنزل. قمت بتبديل ملابسي بملابس الشتاء الثقيلة. ونزلت على الدرج بحقيبتي المتوسطة. والدتي بغضب: مين سمحلك تتواصلي مع والدك بدون علمي؟
والد جلوريا بهدوء: جلوريا بحاجة ماسة للمكوث معي بضعة أيام، أنا والدها مش شخص غريب. والدتها بتساؤل علها ترجع في قرارها: مستعدة تمكثي في بيت والدك كذا ليلة رغم معرفتك لطبيعة شغله؟ هزت جلوريا رأسها بتردد بعلامة الموافقة. دخنت والدتها السيجار بعصبية بعدين قالت: هتطمن عليها بالهاتف. أتمنى متخليهاش تاكل بالليل بيكلز *خيار مخلل* لإنها بتحبه وهي بتعاني من أملاح على البول فبتفضل أثناء نومها تتألم.
زوجها بنبرة هادئة: متقلقيش، هنستمتع كتير وهعوض غيابي عنها في الشغل. زوجته بهدوء: المهم في أجازتك تعوض غيابك عني أنا. ليلة سعيدة جلوريا. صعدت والدتها على الدرج بدون كلمة إضافية. حمل والدها الحقيبة فسارت أمامه مُنحنية الرأس، تفكر عما يمكن فعله في تلك الليلة. فمنزل والدها مُريب بالفعل، لذلك إنفصل بمنزل صغير عن منزله الأصلي لإن زوجته تُعاني من فوبيا من منزله. صعدت جلوريا لسيارته وهي تدفيء جسدها بملابسها.
صعد والدها هو الآخر وقال: أوعدك جلوريا هتكون ليلة سعيدة عكس توقعك. تنهدت جلوريا وقالت: أتمنى! كانت رحلة السيارة طويلة، من وقت لآخر كانت جلوريا بتتنفس هواء بارد على الزجاج وترسم حرف أو تكتب شيء وتمسحه وتعيد من جديد. نفخت على الزجاج مرة اخرى فظهر وجه يبدو كأنه وجه شبح! صرخت جلوريا وعادت للخلف، فـ قال والدها: إنتي بخير عزيزتي؟ تنفست جلوريا الصعداء وهي ترى الزجاج مُغبر دون شيء، فـ قالت: آه بخير، هواجس ليس إلا.
وصلوا أخيراً للمنزل، كانت الثلوج تُغطي مُعظمة، فهي ليلة شديدة البرودة. نزلت جلوريا وهي تنظر للأنحاء، صوت صفير السقيع والثلج الأبيض المحيط بها. وهواء بارد يهُب ليشعرك أن جسدك قد ضُرب بواسطة سوط، ثم يذهب ولكن البرودة تظل. حمل والد جلوريا الحقيبة وهو يخرج مفتاح منزله. فتحه لتدخل ابنته أمامه وهي تنظر حولها. رأت عمل والدها فـ إرتعدت وهي تبحث عن قلادة الصليب وتذكرت أنها نستها تماماً في منزل والدتها. نظر والدها
للعرائس بحجم الإنسان وقال: دول مجرد تماثيل شمع بدون روح. نحتهم استغرق مني وقت طويل. جلوريا برعب: شكلهم... مُريب! ضحك والدها وقال: دول أصدقائك طوال فترة مكثك هنا، كوني لطيفة معاهم. قبل والدها رأسها قبل أن يصعد للأعلى ويترك جلوريا تتفحصهم. الأولى ذات خصلات شعر سوداء *باروكة* وعين مسحوبة خضراء وترتدي فستان قصير أخضر اللون، تنظر أمامها بثبات مُخيف، وأصابع يدها طويلة. الأخرى شقراء وعيناها زرقاء وترتدي فستان أزرق اللون.
وغيرهم وغيرهم، حاولت جلوريا عدّهم وهي تقول بصوت واضح: واحد، إتنين، تلاتة، أربعة. سبعة. صوت عميق من خلفها قال بنبرة مخيفة: تسعة عشرة! لفت جلوريا وهي بترجع لورا فـ خبطت في التماثيل البنات، وقعوا فوق جسدها الضئيل كلهم لدرجة شعرت بالإختناق. لكن اللي خلاها تصرخ بصوت عال إنها شافت التمثال ذو الشعر الأسود عيونه تحولت سوداء صافية. نزل والدها على الدرج بقلق: جلوريا! رفع عنها التماثيل الخاصة به وسحبها من الأرض وهو يحتضنها.
التماثيل كانت واقفة كما كانت... بعد ما والدها قام بترتيبهم. جلوريا برعشة ورعب: اللي... اللي شعرها إسود مش كويسة، خرجها برة. والدها بهدوء: عزيزتي، شش هدوء... دي كاثرينا. استغرق مني نحتها شهر كامل. رأيي ترتاحي في غرفتك وتلبسي منامتك وتستعدي للنوم عشان بكرة يوم طويل ولكن ممتع. ليلة سعيدة جلوريا! صعدت بالفعل لغرفتها، بدأت في تغيير ملابسها وإرتدت منامة مُناسبة. مددت جسدها المُرهق على الفراش.
كان يجلس على كرسي في جانب الغرفة فـ قال: والدك صانع جيد للدُمى الشمعية. جلوريا إرتعدت بعدين قالت: ليه بتظهرلي؟ أنا... لوسيفر بصوته العميق: مفيش أسهل منك، فتاة مُراهقة غير مُلتزمة دينياً يسهل عليا الإقتراب منها. والدتها مُستهترة نفسها تماماً ووالدها صانع دُمى شمعية غير مُلتزم، يبقى ليه لأ؟ جلوريا مُحاولة نطق شيء من الإنجيل: أء... لوسيفر: إيه أكتر دُمية والدك صنعها عجبتك؟ جلوريا
بتغمض عينيها وبتقول: إنت مش حقيقي، هتختفي، مش حقيقي. فتحت عيونها لقت الدُمية ذات الشعر الأسود واقفة قدامها وبتقول بصوت أنثوي مخيف جداً: أنا عجبتك صح؟ صرخة أطلقتها جلوريا كانت قادرة على إيقاظ مدينة كاملة. *داخل غرفتها* والدها يجول الغرفة ذهاباً وإياباً، هو بإستفسار: والدتك أثناء تواصلها معايا هاتفياً ذكرت لي إنك في الفترة الاخيرة أصبحتي غريبة الأطوار، بتشوفي كوابيس وإنتي نايمة؟ رفعت جلوريا رأسها
وقالت برجفة ودموع صامتة: بشوف كوابيس... وأنا صاحية. عدل والدها من وضعية نظارته الطبية وقال: مش فاهم؟ يعني إيه وإنتي صاحية؟ هواجس نفسية؟ حلقها جاف تماماً، قلبها يدق كطبل في يد فتاة غجرية، وشفتاها جافة تماماً من الفزع. قالت بدون سبب: ليه الشيطان مُمكن يظهر لشخص؟ والدها بصدمة: جلوريا! مينفعش نذكر اسمه. جلوريا بغضب: مذكرتش إسمه أو حاولت حتى أتخيله ومع ذلك!!
قطعت جملتها، مذكرتش إنه ظهرلها لإن مفيش شخص عاقل يمكنه تصديق تلك الترهات. والدها بزفير: إذا واجهتي صعوبة في النوم بإمكانك الإحتفاظ بنور غُرفتك مُضاء. قبل رأسها وقال: أحلام سعيدة صغيرتي. عذراً؟ هل إنتهى ماحدث على هذا الحد ويجب عليه عدم ذكره لأحد؟ كيف يمكنني التخلص مما يحدث؟ تنهدت بتعب وهي تنظر لأرجاء الغرفة برعب شديد، ثم خلدت للنوم بعد عناء مع عقلها وخوفها. *داخل حلم جلوريا*
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!