شعر ريان أنه من حقها أن تعلم السبب، رغم أنه يعلم جيدًا ما فعلته جعل بقلبه فجوة كبيرة ولا يقدر على نسيان ما كانت تفعله وكيف كانت تتجاهله من أجل الدراسة والأبحاث الخاصة بها. لذا نظر لها بهدوء شديد ثم قال: -طبعًا من حقك يا أسما تعرفي السبب، اتفضلي اقعدي. ظلت واقفة مكانها لم تتحرك وتحدثت وكأنها تصطنع اللامبالاة حفاظًا على باقي كرامتها: -لا أنا مشغولة، مش فاضية أقعد. كل ما في الأمر أني بس فضولية. أنت سبتني ليه؟
ابتسم بسخرية، فهو يعلم الطبيعة العملية التي تتصف بها، ثم أجابها:
-آه، هو ده بالظبط اللي خلاني أسيبك. إنك دايما مشغولة، دايما يا شغل يا رسالة. أنا مكنش ليا وقت في حساباتك أبدًا. ولو تكرمتي وجيتيلي يبقى محتاجة مني شيء يخص دراستك. دي كانت علاقتنا يا أسما. بس اللي متعرفيهوش، أنا مش عايز أكتر من واحدة تحبني وتخاف عليا، واحدة تحسسني إني أهم شيء عندها. أعتقد ده ماهوش صعب ولا بطلب المستحيل. ده غير إنك مكلفتيش خاطرك تسألي أنا سبتك ليه إلا دلوقتي. يعني برضه حسبتيها بعقلك وبطريقتك العملية قبل ما تجيلي.
تلاشت هي آخر جملة بحديثه ثم قالت: -يعني هو أنا لما أبقى دكتورة ناجحة ده مش هيخليك تفتخر بيا قدام أي حد؟ وكمان هو أنا بعمل ليا أنا وبس؟ أنت دكتور ناجح جدًا وتستحق إن شريكة حياتك تبقى على قدر ثقل علمك. أنا بعمل كده عشان يليق بيك يا ريان. قالتها وهي تقاوم رغبتها في البكاء بعد أن شعرت بأن كرامتها تبعثرت، ولكنه أسرع بإجابتها:
-أنا مطلبتش منك إن شغلنا يبقى واحد. أنا طلبت شيء واحد بس منك، إنك تبقي معايا وتديني جزء من وقتك زي ما أنا بعمل. بس إنتي، إنتي مستعجلة على إنك تخلصي رسالتك، أما اللي حواليكي مالهومش أي حقوق عندك. مفيش مرة كلمتك إلا وكنتي مشغولة، ومفيش مرة إنتي بدأتي حتى تسألي عليا. أنا جالي وقت مكنتش عارف أنا بالنسبة ليكي إيه أصلًا. مفيش واحدة بتعامل خطيبها بطريقة عملية كده. أنا من حقي أشوفك جميلة ومهتمة بيا. لما خطبتك مقولتلكمش عاوزك
مثقفة ولا على درجة علمية تليق بيا. طلبت منك تفضلي زي ما إنتي. لكن إنتي بدأتي تهملي في نفسك وفيا لحد ما جالي وقت مكنتش عارف أشوفك فيه أنثى. أنا مرضتش أقولك ده عشان عارف إن في صداقة بين والدتك ووالدتي. أنا حتى لسه مقولتش لأمي إني فسخت الخطوبة معاكي عشان كنت بتمنى إنك تصلحي أي شيء من اللي اتكسر. لكن للأسف خايفة تضيعي وقتك ووقت الشغل معايا في إنك تعرفي انفصلت عنك ليه.
ضمت أسما قبضة يدها كي تتحمل أي إهانة، لكنها لم تستطع، لذا ركضت من أمامه دون حتى أن تخبره بأنها ستنصرف كي تبكي بارتياح. بينما وجدها هو على حالتها تلك، فشعر بالشفقة على حالها. ولكن عاجلًا أم آجلًا كان لابد لها أن تعلم.
سارت أسما بالممر الذي يصلها للمكتب التي تجلس فيه، غير عابئة بأي شخص قام بمناداتها، حتى وصلت إلى المكتب وأغلقت الباب خلفها ووقفت لتضع يدها على فمها كاتمة شهقاتها وبكائها بيدها، فهي من تسببت في ذلك الشرخ وذلك البعد الذي حصل بينهم. نظرت بعينيها، وجدت بعض الكتب الخاصة بالرسالة الخاصة بها أعلى مكتبها، فذهبت نحو المكتب لكي ترمي كل تلك الكتب بعصبية شديدة، ثم جلست على المقعد لتكمل بكائها الهستيري.
داخل النادي الذي اعتاد رائد الذهاب فيه، يلعب داخل الصالة الخاصة بالإسكواش. كان يلعب ويضرب الكرة بعصبية شديدة. شاهدته ريما من الخارج وشعرت بالدهشة لحاله ذاك، فهي لم تعتد أن تراه بكل تلك العصبية. لذا انتظرت حين خرج وهو غاضب بشدة، فاقتربت منه لتحدثه قائلة: -مالك يا رائد؟ -مفيش، كالعادة الشغل. -طب روح بدل لبسك وهستناك على الترابيزة بتاعتنا.
هز رأسه بالإيجاب وقام من أمامها. واتجهت هي نحو المكان المخصص الذي يجلسون فيه سويًا. وبعد وقت قليل كان قد وصل رائد بكامل أناقته ووسامته المعهودة. فابتسمت ريما ثم قالت: -سامعاك، حصل إيه؟ -في الشغل كالعادة يا ريما. بيني وبين حاتم المنياوي، خد شغل مهم مني وأنا جبت آخري منه ومش هعديها له بالساهل. -أنت مخك أكبر من كده يا رائد. -هو من زمان وهو حاططني في دماغي وكنت بعدي بمزاجي، لكن دلوقتي مبقتش قادر أستحمل.
-اتغيرت كتير بعد موت عاصم. لمعت عيناه بدمعة أبت أن تنزل أمام أي شخص، حتى أقرب ما لديه. فشعرت ريما بالأسف فور ذكرها له وقالت: -أنا آسفة إني جبت سيرته، وأني... قاطعها قائلًا: -وأنا من امتى نسيته يا ريما! -ادعيله دايمًا، أنت عارف إن موته مش كويسة، محتاج دعا كتير. ابتلع رائد ريقه وشعر بغصة في حلقه ثم قال: -بدعيله، بدعيله دايمًا. -حاول تنسى اللي مضايقك يا رائد، أعصابك أكيد تعبانة. ابتسم لها كي يطمئنها ثم قال: -متقلقيش.
جلست جميلة في مكتبها لتتابع عملها. في ذلك الوقت خرج أدهم من مكتبه، وجدها منهمكة في عملها وتراجع بعض الملفات الخاصة بالشركة. فجلس أمام مكتبها ثم قال: -بعد كده لما حد يضايقك لازم تقولي. ابتلعت جميلة ريقها ثم قالت بثبات: -أنا بعرف أتصرف كويس، مش محتاجة مساعدة حد. ابتلع أدهم ريقه ثم أجابها:
-لما حد يضايقك تبع الشغل معايا، يبقى لازم تقولي. أنا المسئول عنك في ساعات الشغل دي. وعلى فكرة، أنا روحت لإيهاب ولغيت معاه الشغل وكمان هزقته إنه ضايقك وإزاي يضايق السكرتيرة بتاعتي. شعرت جميلة بسعادة كبيرة لأنه اهتم لذلك الأمر، ولكنها سرعان ما ذكرت نفسها أنه مرتبط بروفيدا، لذا قالت: -ميرسي يا فندم. نظر أدهم إلى الساعة التي في يده ثم قال: -أنا هروح أجيب روفيدا من الجامعة، ميعاد خروجها. زمت جميلة شفتيها ولم تتحدث.
فتابع هو: -محتاجة حاجة؟ -شكرًا يا فندم. ثم نظرت للأوراق لتتابع عملها. اندهش هو من تصرفها ذاك ولم يفهم لماذا تتصرف معه على هذا النحو، فقد تغيرت كثيرًا معه كثيرًا جدًا. تنهد بعدم ارتياح ثم ذهب من أمامها ليتلقى بحبيبته.
وقفت أمام السيارة الخاصة بها، وهي تنظر لإطار سيارتها الذي ثقب، ثم زفرت بضيق ونظرت للساعة التي في يدها. فشقيقها حتماً الآن قد ذهب لملاقاة روفيدا. لم ترد إزعاجه وأن تجعله يترك خطيبته من أجلها، لذا قررت أن تستقل سيارة أجرة. وقبل أن تخرج من الجراج الذي تضع فيه سيارتها، وجدت سيارة قد توقفت أمامها، علمت أن تلك السيارة هي خاصة بوليد. أشاحت بوجهها للاتجاه الآخر وهي لا تريد رؤيته أو محادثته. لذا ترجل هو من السيارة وذهب
اتجاهها ونظر لسيارتها: -مش معقول العجلة نامت! صعبتي عليا. نظرت إليه وضيقت ما بين حاجبيها، فقال هو: -بلاش البصة دي أرجوكي. فنظرت له أكثر وعقدت يديها نحو صدرها، ليتابع هو: -هعترف بكل حاجة. أيوة أنا اللي نيمتها، أصلها كانت صاحية طول الليل. قال جملتها الأخيرة بسخافة، مما جعلها تبتسم له ابتسامة باردة جافة، فحك هو مؤخرة رأسه بيده، لتخرج من صمتها قائلة: -مش هتبطل حركات العيال دي وتعقل يا وليد.
-شجن، أنا مش عارف أعمل إيه زيادة عن اللي بعمله عشان ترجعلي. -أنت ليه مش فاهم نفسك يا وليد؟ أنت مبقاش عندك فيا ثقة، استحالة نرجع زي الأول. -لا أنا واثق فيكي وفي أخلاقك، بس حصلتلي صدمة. أنا مخبتش عليكي أي حاجة، حتى الماضي الهباب. قولتلك على كل حاجة وقولتلك إني حابب أتغير على إيدك و... قاطعته قائلة:
-افتكري كويس إني قولتلك إنه مش من حقي أعرف مادام اتغيرت. وأنت عرفتني عشان أخويا صاحبك وعارف كل بلاويك، كده كده كنت هعرف. وبعدين أنت عارف كويس إني ملياش ماضي، دي كانت مجرد مشاعر بس عمري ما... صمتت عن الحديث ولم تستطع التكملة، فتابع وليد جملتها: -عمرك ما خونتيني حتى بفكرك، عارف ده كويس. صمتت قليلاً ولم تجب، ولكنها خرجت من صمتها قائلة: -عن إذنك، أنا هروح أوقف تاكسي.
-أنا هوصلك، وكلمت حد يصلح عربيتك وهجيبها ليكي بنفسي بليل تحت البيت. -شكرًا، أنا هتصرف. عن إذنك. وهمت لتنصرف، فأمسك يدها مانعًا إياها: -لا أنا هوصلك، مينفعش تركبي تاكسي وإنتي زي القمر. تعرفي إن حزنك لما بيبان على وشك بيخليكي ملفتة أكتر وأكتر وجميلة أكتر وأكتر. تعجبت من تغير حاله في لحظة ومغازلته لها الآن بعد أن كانا يتشاجران، حتى أنها نسيت أنه يمسك يدها، لذا قالت وهي ممسكة بيده: -قلت لا، همشي.
-وهو اللي عاوز يمشي يمسك إيدي كده؟ تنبهت ليدها الممسكة بيده وسحبتها على الفور ثم قالت: -أنا ماشية. -قلت مش هينفع تمشي لوحدك وإنتي حلوة كده، يلا عال عربية. علمت جيدًا أنها تستطيع الإصرار على رأيها وأن تمشي بمفردها، ولكن شيئًا ما جعلها تتبعه نحو السيارة وهي صامتة. استقلت معه السيارة وبدأ هو بالقيادة، فشعرت بملل ثم قالت: -هفتح الراديو. فنظر لها هائمًا: -اعملي اللي يعجبك، كل حاجة هنا ملكك بما فيهم أنا.
شعرت هي بخجل شديد وتوردت وجنتيها، ولكنها لم تجبه وفتحت الراديو الخاص بالسيارة، حتى استمعت إلى أغنية قدامي لرامي جمال. (قدامي أحلامي وكنت ده كله مابشوفهاش حبيبتي أنا آسف ده غلطة بجد مقصدهاش بقالنا سنين بنتقابل ومش فاكرين)
وجدت نفسها تفكر في وليد، فبالفعل هي تعرف وليد منذ الطفولة، فقد كان صديقًا لأدهم. صحيح افترقوا لبعض الوقت، ولكنهم ما زالوا أصدقاء. فهي عندما وافقت على الزواج من وليد، وافقت لأنها وجدت أنه يحبها، وهي قد قررت أنها لن تعطي قلبها لشخص آخر بعد رائد. ليس لأنه هو الأوحد الذي يستطيع سرقة قلبها من محله، بل لأنها لا تريد أن تشعر بذلك الألم مرة أخرى. فلن تتحمل أن يتحطم قلبها مرة أخرى. لذا اختارت من يحبها ولم تختر من أحبته. هل قلبها قد مال إليه؟
بالتأكيد لا، فهي تعلم. وليد منذ زمن لم تشعر تجاهه بأي شيء من قبل. ما الذي تغير؟ لما تفكر بوليد وهي تستمع للأغنية ولم تفكر مثلاً برائد؟ لما عقلها وقلبها مشغول الآن بوليد؟ لذا قالت بصوت مرتفع: -غير الزفت ده. -ما تغيري إنتي، إنتي اللي جايباه. -آه صح. ثم قامت بتغيير تلك الأغنية، وآتت ببرنامج وحاولت صرف أفكارها تلك. حتى وصل أمام منزلها. قبل أن تترجل من سيارته قال:
-أنا مش هجبرك تاني بحركات الأطفال دي، إنتي كبيرة بما فيه الكفاية وأنا كمان. بس فيه فرق بينا، أنا عارف أنا عاوز إيه، إنما إنتي مش عارفة أي حاجة يا شجن. أنا لما حسيت أنك حبيتي راجل قبلي وأنك عمرك ما حبيتينى حسيت أني اطعنت في قلبي منك. مكنتش متخيل أبداً إن قلبك دق لراجل غيري. عموماً، أنا مش هيأس، هستناكي طول العمر عشان إنتي تستاهلي يا شجن، تستاهلي قلبي وعقلي واسمي، ومفيش غيرك يستاهل ده. ومش بس كده، لو لسه بتحبي رائد ممكن...
ابتلع ريقه وكتم دمعة تلألأت في عيناه، ثم قال: -ممكن تعتمدي عليا، ولو في إيدي شيء يقربكوا من بعض هعمله عشانك، عشان أشوف سعادتك اللي عمري ما شفتها. وإن ما كنتش أبقى السبب الرئيسي فيها، كفاية أبقى سبب مشترك.
علمت جيداً ثقل تلك الكلمات على لسانه. كانت لديها رغبة ملحة في عناقه، ولا تفهم السبب. ربما لأنها شعرت بصدق كلامه وحديثه. لذا وجدت نفسها تمسك يده وتربت عليها، ونظرت في عيناه وابتسمت. بعدها ترجلت على الفور من السيارة. نظر لها وهو لا يفهم، ولكنه تبعها بعينه حتى دخلت لداخل العقار، وتمتم قائلاً وهو يبدأ في القيادة مرة أخرى: -تعبتيني. ***
توقف أدهم كالعادة أمام القاعة التي تحضر بها روفيدا محاضرتها. انتظرها تخرج للخارج، وحين وجدها ابتسم لها. فبادلته بسمة رائعة جعلت قلبه يتوقف للتو. اقتربت منه فتحدث هو قائلاً: -أنا آسف بجد عن آخر مرة. رفعت إحدى حاجبيها، ثم قالت: -على شرط تقول لي سبب إنك ألغيت الغدا معايا. يا ترى سبب قوي كده؟! ابتسم لها، ثم أجابها:
-كنت بعمل تصاميم لرجل أعمال مشهور وطلبت من السكرتيرة عندي إنها تروح توديهم. رفضت، ودي كانت أول مرة ترفض ليا طلب. أصرت أعرف، طلع الراجل ده ضايقها كذا مرة. وضعت روفيدا يدها على فمها وشعرت بالشفقة على تلك السكرتيرة: -يا حرام... طب وانت عملت إيه؟! -مفيش، روحتله واتخانقت معاه جداً، ولغيت الشغل معاه أصلاً، وهخلي التصاميم دي لأي شغل تاني. رفعت روفيدا إحدى حاجبيها بتعجب، ثم قالت:
-مش شايف إنك تلغي الشغل معاه ده شيء أكتر من اللازم؟! كان ممكن بس تنبهه إنه ملوش أي دعوة بأي موظفة عندك. -آه، اللي حصل. جميلة مش أي موظفة عندي، جميلة إنسانة بثق فيها. شعرت روفيدا بإندهاش من طريقة حديثه عليها، ولكنها تنهدت قليلاً
وفكرت: لما لا تمحو أي ذكرى لها مع أشرف بأن تذهب مع أدهم في أي مكان كانت توجد فيه مع أشرف، حتى تكون ذكرياتها متعلقة بأدهم فقط. أشرف قد تهرب منها، وهي عليها الآن أن تنساه. هو حتى لم يعد يأتي للجامعة بسببها. لذا نظرت لأدهم، ثم قالت: -فيه محل بتاع آيس كريم قدام شوية. إيه رأيك نروح نقعد فيه شوية؟! -موافق طبعاً. ذهبوا سوياً إلى السيارة ووصلوا إلى متجر بيع المثلجات، من ثم دلفوا داخله وجلسوا على طاولة ما. ونظرت
روفيدا في عيني أدهم وقالت: -أنت عمرك حبيت قبل كده يا أدهم؟! هز رأسه نافياً. في تلك اللحظة أتى النادل، فطلب أدهم كوبيان كبيران من المثلجات. وعند انصرافه نظر في عيني روفيدا وقال: -إنتي أول حب في حياتي. شعرت بسعادة وابتسمت قليلاً. وعلى الرغم من ذلك، كان لديها رغبة كبيرة بأن تقص له كل شيء عن أشرف، ولكن! لا تستطيع البوح الآن بشيء بعد إجابته تلك. لذا سألها هو: -وإنتي؟! عضت شفتاها خجلاً، ولكنها وجدت نفسها تجيب:
-لا، عمري ما حبيت. ابتسم هو وشعر بسعادة كبيرة. وآتى النادل بالمثلجات الخاصة بهم، وبدأوا يتحدثون في أشياء مختلفة. حاولت روفيدا معرفة كل شيء عن أدهم، مما زاد إعجابها به مع كل كلمة يقولها. *** في المساء، شعرت هانيا بتوتر بالغ، فهي يجب أن لا تجعل ذلك المدرس يدخل البيت مرة ثانية، ولكن كيف ستخبر طلال بذلك؟
شعرت بأنه كجبل فوق ظهرها. لذا ظلت آتية ذاهبة داخل الغرفة الخاصة بها، حتى استمعت إلى صوت سيارة طلال قد آتت. فذهبت نحو الشرفة كي تتأكد، فوجدته يتجه نحو الداخل. فركت يدها بتوتر بالغ. وبعد ثوان قليلة، وجدته قد دخل للغرفة. ابتلعت ريقها وشعرت بأنها لن تستطيع إخباره بما قاله سامح ذاك. لذا قررت إخباره بأي شيء آخر كي يأتي مدرس غيره هنا، فقالت: -تحب أحضر لك العشا؟! -لا، اتعشيت في المستشفى.
زمت شفتيها بغضب شديد، فهو دوماً لا يهتم بتناول أي وجبة معها. لذا قررت أن تتحدث في الموضوع الذي تريد التحدث به، فطلال لن يتغير أبداً. فقالت: -أنا شايفة إن مايا مستواها وحش أوي مع المدرس اللي اسمه سامح. إيه رأيك نغيره؟! -ليه، ده أحسن مدرس في المدرسة. ابتلعت ريقها وشعرت بخوف كبير من أن تخبره بما حدث، لذا قالت: -شايفة مستوى البنت مش كويس معاه. -إزاي، وهي الأولى في المدرسة!! زفرت بضيق، ثم قالت:
-بنتك مش مستريحة ليه يا طلال!! -إنتي مدلعة البنت زيادة عن اللزوم، مش كل طلباتها تبقى مجابة كده. تغير المدرس بتاعها ليه أصلاً؟! عضت شفتاها بغيظ شديد، ثم قالت: -صح معاك حق. من امتى بنختار وأنت موجود. ثم اتجهت نحو الفراش وغطت كامل جسدها بالفراش حتى لا تسمع أنفاسه. لقد كرهت كل شيء، تحملت منه الكثير والكثير. كم تود أن تقول له حقيقة ذلك المدرس حتى تراه غاضباً، أو على الأقل يعترف بصحة طلبها منه لتغييره. ولكنها ابتسمت
بسخرية وحدثت نفسها قائلة: -طلال ده لوح، ولا يمكن يغير. *** بعد أن وصل ريان للمنزل، وجد والدته وعتاب قد أعدوا المائدة من أجل العشاء. فابتسم وهو يرى الكثير من الأصناف على المائدة، ثم وجه حديثه إليهم قائلاً: -إيه ده، انتوا عازمين حد ولا إيه؟! إيه كل الأكل ده!! أجابته والداته بابتسامة: -وهو المعزومين أحسن منكوا في إيه. فنظر ريان إلى عتاب، ثم قال: -وإنتي بقى معملتيش أي صنف كده من دول؟!
كان يبدو على وجهها حزن شديد، حتى أنها لم تميز أن تلك النبرة التي يتحدث بها يتحدث بها كي يمازحها فقط، فقالت: -لا، أنا مليش في الأكل. أكلي ميتاكلش. شعر بأنها تتحدث برسمية أكثر من اللازم، فشعر بالشفقة عليها. وقتها شعرت والداته من نظرات ابنها لـ عتاب، ليس نظرات دكتور لمريضة. كيف له أن ينسى أنه مرتبط؟ من الواضح أن جلوس عتاب معهم في نفس المنزل كان قرار غير صائب عندما وافقت عليه. ولكن! ولكن أين ستذهب تلك المسكينة؟
أخذت نفساً عميقاً، ثم تحدثت لكي تصرف نظر ابنها عن مريضته تلك: -يلا عشان ناكل. فجلسوا ثلاثتهم على المائدة لكي يتناولوا الطعام. فلاحظ ريان وقتها أن عتاب تعبث بمحتويات الطبق الخاص بها وأنها شاردة كثيراً. لذا لم يستطع أن يكمل حديثه وقال: -يلا يا عتاب نكمل كلامنا. نظرت له بشرود، ثم أجابته بعدم وعي: -ها!! -يلا. وجه نظره إلى والداته وقال: -معلش يا ماما اعملي لي كوباية شاي. أنا وعتاب هنتكلم في البلكونة. -ماشي يا ابني.
قالتها والداته، ولكن قد قررت أن تتحدث معه فيما بعد عن اهتمامه الزائد بـ عتاب، وأن خطيبته لها حقوق عليه، وهي لم تعد تراه يتحدث إلى أسما منذ أن جاءت عتاب. ذهب ريان مع عتاب إلى الشرفة وجلسا سوياً على مقعدين مقابلين لبعضهما البعض. فنظر لها ريان بإهتمام، ثم قال: -بعد كده حصل إيه؟! ولا لسه مش قادرة تتكلمي. هزت عتاب رأسها نافية، ثم قالت: -بالعكس. عاوزة أتكلم. -طب قولي. أغمضت عيناها بحزن، ثم قالت:
-روحت القسم واعترفت أني قتلته، وأنه هو البادئ، هو اللي اعتدى عليا. ولما الظابط راح هناك ملاقش جثة ولا لاقى أي حاجة. صدم ريان مما يستمع منها: -يعني إيه؟! -معرفش. مش بس كده، الشقة أصلاً طلع المالك الأصلي ليها واحد تاني، وأن مفيش حد اسمه فضل من أساسه. حتى الجيران قالوا أن الشقة فاضية ومفيش حد ساكن فيها، وأن صاحبها سايباها فاضية. ابتلع ريان ريقه، ثم قال: -طب ومين صاحب الشقة؟!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!