كانت (عتاب) جالسة طوال تلك الأيام في منزل (ريان) معه ومع والدته. لم تكن تتذكر أي شيء عن ماضيها، مما جعل الموقف صعبًا عليه، فهي لا تعلم عن نفسها أي شيء. فكر أن يسأل في المتجر الذي كانت تعمل به، ولكنه شعر بالخوف من أن يعلم أحد مكانها في الوقت الحالي قبل أن تعود لها ذاكرتها. في المساء، دلف (ريان) إلى الغرفة التي تقيم بها (عتاب) بعد أن قرع باب الغرفة وسمع إذنها له. فابتسم لها بود ثم قال: -أخبارك إيه النهاردة؟ أجابته
بنبرة صوتها الرقيق لتقول: -الحمد لله أحسن. -أنا كمان شايف أنك الحمد لله اتحسنتِ عن ما جيتي. -الحمد لله. -لسه مش فاكرة أي حاجة يا (عتاب) عن أي حاجة قديمة تخصك؟ هزت رأسها نافية دون أن تتفوه بحرف. شعر (ريان) بضيق شديد فقالت هي: -بس في حاجة غريبة؟ نظر لها (ريان) باهتمام ليحثها على الحديث: -خير؟ -حلمت إني بدور على حد مش فاكرة ملامحه ولا شكله. بس فاكرة إني كنت بنادى عليه اسمه (فضل) (فضل) -آه. -ومتعرفيش ده مين؟
هزت رأسها بالنفي بأسف. فابتسم هو وقال: -بس ده شيء كويس جداً جداً. في تقدم إن شاء الله تفتكري كل شيء قريب. -يااارب. في تلك اللحظة، دلفت والدة (ريان) التي كانت تغمر (عتاب) بحنان كثير وتعتبرها الابنة التي لم تحصل عليها يومًا ما. وقالت بابتسامتها البشوشة تلك: -مش يلا يا أولاد عشان تتعشوا معايا بقى؟ نظر (ريان) (عتاب) ثم قال: -يلا بينا نقوم ناكل بكرامتنا بدل ما تزغطنا زي البط. ضحكت (عتاب)
ضحكة رقيقة ولكنها ملفتة للغاية. كانت تلك المرة الأولى التي يراها تضحك أو يسمع صوت ضحكتها المميز ذاك. أخذ نفسًا عميقًا ثم ابتلع ريقه وسبقهم نحو الخارج دون أن يتفوه بكلمة، بينما سارت (عتاب) مع والدة (ريان) . ثم جلسوا مع (ريان) على مائدة الطعام وبدأوا في تناول طعامهم. *** دَلفت (هانيا) على المكتب الخاص بزوجها، وجدته يعمل ويمسك كتابًا ولكنه يبدو شاردًا ولا يقرأ ما ينظر إليه. لذا اقتربت من المكتب الخاص به ووقفت
أمامه لتقول بنبرة هادئة: -ياااه للدرجة مش شايفني ولا حاسس بيا وأنا بدخل حتى؟ انتبه (طلال) لصوت زوجته، فأبتلع ريقه ثم قال: -خير يا (هانيا) زفرت (هانيا) بضيق ثم قالت: -أنت مش قلت لي إنك هتحاول تهتم بيا أنا والبنت شوية. أنت حتى مبتحاولش يا (طلال) زفر (طلال) بضيق ثم قال: -مشكلتك يا (هانيا) إن مخك مبيكبرش مع سنك. لسه شايفانا الاتنين الحبيبة بتوع زمان. عضت (هانيا) شفتيها بغيظ شديد ثم قالت: -وأنت عاوزني أكبر وأعجز ليه؟
أنا عاوزة أعيش حياتي يا (طلال) . أحس بالحب والحنان منك. أنا مش بطلب منك شيء صعب ولا بطلب منك فلوس حتى. أنا بس كل اللي عاوزاه شوية اهتمام منك. إيه؟ بطلب كتير؟ أشاح (طلال) وجهه للاتجاه الآخر ثم قال: -مشكلتك إنك بتيجي في الوقت الغلط. أنا مش طايق نفسي دلوقتي يا (هانيا) نظرت له باهتمام وأمسكت كف يده بحنان. فهي تستطيع تحمل أي شيء حتى أسلوبه الجاف معها، إلا أنها لا تستطيع تحمل فكرة أن يصيبه مكروه. لذا قالت: -خير يا (طلال)
شكلك مضايق في حاجة؟ شعر هو بحنانها الذي يغمره دومًا حينما يكون في أشد الحاجة إليه، لذا أجابها بهدوء: -حصلت مشكلة عندي في الشغل. -مشكلة إيه؟ -مريضة عندي اختفت. ودي سمعة وحشة للمصحة بتاعتي ومش قادر أعرف ده حصل إزاي؟ -يمكن حد قريبها خدها؟ نظر لها بعدم اقتناع ثم قال: -واللي هياخدها من قرايبها مش يبلغ المستشفى؟ مش يدفع حتى آخر حساب ليها في المستشفى؟ -هو الموضوع اتعرف؟ هز رأسه نافيًا ثم قال: -لا، أنا متكتم جدًا ع الموضوع.
-سيبها ع الله. مش مسئوليتك خالص يا (طلال) -إزاي يعني يا (هانيا) وأنا صاحب المصحة؟ مش بقولك عقلك مش بيكبر مع سنك؟ ضمت شفتيها بضيق من حديثه ذلك، لذا قالت: -تصبح ع خير.
لم تنتظر رده وتوجهت نحو خارج غرفة مكتبه. فهز رأسه بأسى، فهو من فعل ذلك بنفسه. هو من اختارها رغم أنها تصغره بعشر أعوام. يعرف أن بداخلها طفلة مجنونة، ولكنه أحبها كامرأة ناضجة. يعلم أن تفكيرها لن يتغير منذ أن كانت طفلة، ولكن يعلم أيضًا أنه لن يجد امرأة سواها تغمره بحبها وحنانها مثلما تفعل هي. اسمها على مسمى حقًا، هي (هانيا) وهي من تجلب له السعادة الحقيقية. لكن هل هو يجلب لها السعادة أيضًا؟ محال. *** دلف والد (أشرف)
إلى غرفته، حيث أنه منذ فترة أصبحت أحواله لا تعجبه وغير طبيعية، حتى أنه لا يتناول طعامه بانتظام، وإن تناول فيتناول القليل من حصته. وجده يقف في شرفة غرفته شارداً، ويبدو أنه لم ينتبه حتى لدخول والده. لذا تنحنح والداه ثم قال: -مالك يا (أشرف) أحوالك مش عجباني؟ استمع (أشرف) لصوت والده فالتف له ولم يستطع أن يتحدث. فتابع والداه: -يا ريت تقول لي يمكن أساعدك. أخذ (أشرف)
نفسًا عميقًا ولكنه ذهب ليجلس على الأريكة وطلب من والده الجلوس بجواره. فلبى والده طلبه. بعدها ظل (أشرف) يقص كل شيء على والداه عنه وعن (روفيدا) . وما أن انتهى من حديثه حتى تحدث والده: -متزعلش مني يا (أشرف) بس البنت معاها حق. علاقتكوا دلوقتي مش صح ومتنفعش. وواضح إنها محترمة ومؤدبة ومبتخبيش ع أخوها شيء، ودي حاجة كويسة جدًا. أنت المفروض تبقى مبسوط منها وتبقى مبسوط إنك نقيت صح. -بس يا بابا... قاطعه والده قائلاً:
-بص يا ابني، هي لو من نصيبك، لو حصل بينكوا إيه وبعدتوا عن بعض سنين هتبقوا لبعض. لكن لو مش نصيبك برضه مش هيحصل. ولو فضلتوا جنب بعض سنين فيبقى الأحسن والأفضل إنكوا تبعدوا لحد ما تبقى قادر تدخل بيتها. -دي تكون اتجوزت كده.
-قولتلك النصيب اللي بيحكم. سيبها ع ربنا. وانزل دور ع شغل كتير زيك وفي سنك وأصغر منك كمان بيشتغلوا ويدرسوا. ولما تحس إنك قادر روح لبيت أخوها وأنا هساعدك بكل اللي أقدر عليه. لكن متقعدش حاطط إيديك ع خدك زي الستات كده. رفع (أشرف) إحدى حاجبيه ورمق والده نظرة طويلة، الذي قال: -تعالى اضربني قلمين يا ولد أحسن. (أشرف) رأسه بأسى ثم أمسك يد والداه وقبلها وقال: -ربنا يخليك ليا يا بابا. *** في ظهيرة اليوم التالي. جلس (ريان)
في مكتبه داخل المشفى. نظر للساعة في يده ووجد أن موعد الاستراحة الخاص به هو و (أسما) قد حان. قرر أن يذهب إلى مكتبها ليأخذها ويتناولوا الطعام سويًا في المطعم الذي بقرب المشفى. ذهب إلى مكتبها وطرق باب المكتب عدة مرات ولكن دون جدوى. لم يأتِ رد. ففتح باب المكتب الخاص بها بحذر. وجدها جالسة على المكتب وتقرأ بكتاب ما ويبدو أنها ليست منتبهة لما حولها. هز رأسه بأسى ثم اقترب من مكتبها وطرق يده على سطح المكتب
الخاص بها بقوة وهو يقول: -إيه يا دكتورة (أسما) مش واخدة بالك إن ده وقت الاستراحة؟ انتفضت (أسما) من على مقعدها ورفعت نظرها لتتقابل بأعين (ريان) فتنفست الصعداء ثم قالت: -حد يخض حد كده يا (ريان) نظر (ريان) لوجهها ولتلك النظارة التي تخفي جمال عينيها البنية: -ممكن تخلعي النظارة دي لما أبقى موجود معاكي ع الأقل؟ عقدت (أسما) حاجبيها بعدم فهم ثم قالت: -في إيه يا (ريان) لكل ده؟
-مفيش. عمومًا، ده وقت البريك. تعالى نتغدا سوا في المطعم اللي جنب المصحة هنا. -معلش يا (ريان) مش هقدر. أنت عارف إن المصحة هنا بتاخد وقت كبير من يومي وأنا بحاول أستغل أي فرصة هنا عشان أكمل الرسالة و... قاطعها قائلاً: -مفهوم مفهوم يا (أسما) . أنا خارج. شعرت (أسما) بحزنه فقالت: -أنت زعلت؟ ابتسم ابتسامة جانبية ساخرة ثم قال: -أزعل!! أزعل من إيه يا (أسما) . بالعكس، أنا فخور بيكي جدًا. تحدثت (أسما) بفخر عن نفسها:
-أنت عارف أنا لو خلصت كل الجوانب اللي نفسي أتكلم فيها هتبقى رسالة مهمة جدًا (عن الطب النفسي والإدمان) . حتى استفدت من الحالات اللي هنا في المستشفى ومدمنين وبكتب عنهم في الرسالة. كمان بتكلم عن الإدمان ممكن يخلي أي حد يرتكب أي جريمة تحت ضغط نفسي. أنت عارف نسبة المدمنين في مصر كام؟ قاطعها قائلاً: -أنا جعان. هروح آكل وبعدين أروح أكمل شغلي. عن إذنك.
ينتظر ردها وخرج خارج مكتبها. فهزت كتفاها بلا مبالاة ثم عادت تكمل رسالتها الخاصة. *** خرج (أدهم) من مكتبه الخاص، وجد (جميلة) تعمل. فوقف أمام مكتبها وتنحنح قليلاً. فرفعت (جميلة) بصرها له بابتسامتها المعهودة وقالت: -خير يا فندم؟ ثم نظرت للساعة التي في يدها وقالت وهي تضع كف يدها على فمها: -يا خبر! ده ميعاد القهوة بتاع حضرتك. أنا آسفة يا فندم، هروح أقول لعم (توفيق) حالًا يجيبها لحضرتك. وقبل أن تقف عن مقعدها، أوقفها (أدهم)
بحديثه: -لا لا، ملوش لزوم. أنا رايح أجيب (رائد) من المطار بس كنت هطلب منك طلب. -اتفضل يا فندم. -أنا احتمال مرجعش تاني الشركة فعاوزك تخلصي الشغل اللي موجود وتراجعي الملفات كلها. معلش هتعبك. -لا خالص يا فندم. حضرتك ممكن تعتمد عليا. ابتسم لها ابتسامة دبلوماسية كعادته ثم تحدث قائلاً: -عن إذنك. هزت رأسها بالإيجاب وخنثت يدها على وجنتها ونظرت له بهيام ثم حدثت نفسها بصوت خافت: -مؤدب بشكل. استقل (أدهم)
سيارته وذهب للمطار. عندما وصل إلى هناك، نظر في ساعته ليتأكد أن كان ما زال (رائد) في الداخل أم لا. ولكنه وجد شخصًا يضع يده على كتفه، فعلم أنه (رائد) . التفت له ليحتضنه، فبادله (رائد) الاحتضان وحدثه (أدهم) قائلاً وهو يبتعد عنه: -حمد الله ع السلامة. -الله يسلمك. أخبارك إيه؟ -الحمد لله. ثم تفحصه (أدهم) قائلاً: -شكلك متغير عن ما سافرت بس. -بس إيه؟ هز رأسه نافيًا ثم قال: -مش عارف. في حاجة فيك ناقصة؟
في حاجة مخبيها عليا مثلاً؟ -أنت دايماً كده بتحب تكبر المواضيع يا (أدهم) -طب يلا نخرج عشان أوصلك البيت. -ياااريت. (روفيدا) وحشتني جدًا. متتخيليش ظهورها في حياتي من اليوم اللي جبتها تعيش فيه معايا فرق معايا في حاجات كتيير. -يا ريت تحس ببنات الناس اللي مرمطهم معاك دول. ابتسم (رائد) بهدوء ثم قال: -بس أنا معرفش بنات ناس. كلهم من بتوع ليلة وخلاص. (أدهم) رأسه بأسى ثم قال:
-طب تعالى نروح لأختك من الصبح مستنياك حتى مراحتش جامعتها. -ماشي يلا. اتجهوا سويًا نحو الخارج ثم استقلوا سيارة (أدهم) الذي قاد السيارة. بعد ساعة تقريبًا وصلوا إلى المنزل. في ذلك الوقت، كانت (روفيدا) لا تستطيع الانتظار في الداخل. لذا قررت الخروج لحديقة المنزل حتى تراه عندما يصل. وجدت بوابة المنزل تفتح، فركضت نحوه واحتضنته، فبادلها (رائد) الاحتضان وقال: -وحشتيني يا روفي.
-أنت كمان اووووي يا أبيه. وع فكرة عملتلك النهاردة الأكل بإيدي. -كمان!! ابتسمت له ثم وقفت على أطراف أصابعها لتقبله في وجنته. بينما ابتسم (أدهم) وهو يراها بتلك السعادة. ثم أعاد عوينه للخلف قليلاً. فحدثتهم هي: -يلا عشان أحضرلكوا السفرة. *** جلس (وليد) مع صديقه (سيف) وهم يشربون سجائر ملفوفة كعادتهم في المنزل الخاص ب (وليد) . ابتسم (سيف) بدون أي سبب ثم قال: -اعذرني مكنتش أعرف الحقيقة لحد ما (محمد) قالي. نفث (وليد)
دخان سجائره غير عابئ بذلك الحديث. فرمقه (سيف) نظرة جانبية ثم قال: -بس شكلك لسه بتحبها. نظرتك ليها فيها حب وعتاب. ابتسم (وليد) بسخرية ثم قال: -وأنت بقى قدرت تعرف كل ده في الكم ثانية اللي شوفتها فيهم؟ -بص يا (وليد) ، أنا معرفش أنت طلقتها ليه. بس أكيد فيه سبب قوي لأني شفت حبك ليها في عينك. ابتلع (وليد) ريقه ثم قال: -مكنتش بتحبني. مكنتش شايفاني أصلًا يا (سيف)
. الانفصال حصل من شهر. دي كانت أول مرة أشوفها بعد الشهر. يمكن اتهيأ لك أو... قاطعه (سيف) بجدية: -مكنش بيتهيأ لي أنا واثق. وبعدين أنت غبي، لما أنت بتحبها كده سبتها ليه؟ نظر (وليد) للسيجارة اللي في يده ثم نظر مرة أخرى إلى صديقه: -أنت طيرت النفسين من دماغي ع فكرة. -طب جاوب. -أنت مجنون! أجاوب ع إيه؟ كنت هسيبها عايشة معايا يعني وهى مبتحبنيش؟ كان يعلم جيدًا أنه يقول فقط نصف الحقيقة. فهو قد علم حبها لـ (رائد)
وأنها لم تكن تكن له أي مشاعر في البداية. كان يظن أنها تخجل منه وأنها شخصية خجولة كما عرفها، فتحمر وجنتها فقط إن مر شخص بجوارها. ورغم أن زواجهم لم يدم إلا سنة واحدة، إلا أنه ظل يظن هكذا، هي فقط تخجل منه. حتى ذلك اليوم. وقفت (شجن) تطهو الطعام في المطبخ. دخل عليها (وليد) واحتضنها من الخلف وهو يضع رأسه عند كتفها ويقول: -وحشتيني اووووي.
كانت ملامحها جامدة، ولكنها أجبرت نفسها على الابتسام مجاملة له. فأبتعد هو عنها وقال وهو يستند على الخزانة الخاصة بالمطبخ عاقدًا يده نحو صدره: -مالك يا حبيبتي؟ -م.. مفيش. ادخل غير هدومك مجهزة ليك اللبس. أكون حضرت الغدا. -ماشي يا حبيبتي.
ذهب هو لغرفة نومهم وقام بتبديل ملابسه، ولكنه وجد على الفراش الخاص بهما مذكرة. دومًا يرى زوجته تمسكها وعندما سألها عنها أخبرته أنها تكتب خواطر خاصة بها. وضع يده أسفل ذقنه بتفكير. فقد أصابه الفضول نحو تلك المذكرة وقرر أن يتجه نحو الفراش. وبالفعل فعلها وإلتقط المذكرة بين يديه ثم قام بفتحها ليجد:
"نعم أحببته بكل جوارحي، لكنني لا أستطيع مصارحته. هو وحده سيد قلبي. هو وحده من استطاع أن يستكشف خبايا الحب في قلبي. لن يستطيع أحدٌ غزو قلبي مثلما فعل (رائد) ابتلع (وليد) ريقه ثم ظل يتفحص المزيد من صفحات تلك المذكرة وهو يشعر بغضب شديد ووجه يزداد احمرارًا وغضبًا كلما قرأ. حتى قرأ:
"لقد رأيته اليوم في أحضان امرأة. ليتني لم أذهب له. ليتني لم أفعل. لو لم أذهب لم أجبر لساني على الاعتراف بحبه. لقد رفضني ورفض حبي وحطم قلبي وهو غير عابئ، غير مهتم بحجم الأذى الذي سببه لي." ضغط (وليد) أكثر على شفتيه ثم فر المزيد من الصفحات ليرى: "كانت ليلة زفافي مجرد ليلة عادية. لم أكن فرحة مثل أي عروس تزف لعريسها. فـ (وليد)
شخصية مختلفة عن ما كنت أرسمه بخيالي. للأسف لا أشعر تجاهه بأي مشاعر، ولكني قد وافقت على الزواج منه. تلك هي حياتي، وذلك هو اختياري، يجب علي المضي فيه." لم يستطع (وليد) تكملة المزيد من تلك السخافات التي يقرأها. فهو الذي عرف نساء بعدد خصلات شعر رأسه. لم يستطع أن يميز أنها لا تحبه ونسب كل شيء للخجل. وجد نفسه يصرخ باسمها بكل الغضب الذي في قلبه: (شجججججن) شعرت (شجن) بغضب (وليد) فركضت تجاهه لتقول: -في إيه يا (وليد)
صوتك عالي. ألقى (وليد) بالمذكرة في وجهها، فأبتلعت هي ريقها ولم تتحدث. فأتجه نحوها وأمسك رسغها بعنف وهو يقول: -اتجوزتيني ليه؟ لم تتحدث (شجن) لبعض الوقت ثم قالت بهدوء: -ده شيء ماضي و... كرر (وليد) بسخرية: -ماضي!! وشعورك ناحيتي ماضي برده يا ست الزوجة المخلصة؟ لم تقل شيئًا مما زاد غضبه وأمسك رسغها مرة أخرى بعنف: -ردي عليا؟ بلاش برووود. -ا.. أيوة مش بحبك بس...
لم يستطع تحمل كلامها لذا ضغط على رسغها كي تتألم وتمتنع عن الحديث. ولم يدرِ بنفسه كيف صفعها على وجهها بكل تلك القوة. وضعت (شجن) يدها على وجهها وهي لا تصدق أنه ضربها حقًا. فنظرت له بذهول، وهو لم يستطع النظر في عينيها فالتف وهو يركل قدمه في الأرض. -روحت فين؟ قاطع (سيف) أفكار (وليد) بجملته تلك ثم قال: -عاوز إيه يعني؟ -أنا شايف مادام لسه بتحبها ومادام هي مفيش حد تاني في حياتها يبقى تحاول. نظر له (وليد)
بعدم اقتناع، ولكن شيئًا ما في قلبه أخبره: لما لا؟ هو لن يخسر شيئًا أبدًا. *** وجدته يقف في الشرفة ويبدو شارداً، ربما شيء ما يشغله. لذا اقتربت منه بهدوء ووقفت جواره كي تتحدث معه: -واقف لوحدك ليه كده؟ انتبه لوجودها بجواره فأعطى لها ابتسامة بسيطة ثم قال: -أنتي أكيييد لسه صاحية. لما جيت سألت ماما عليكي قالت لي نايمة. -آه كنت نايمة. أنت عامل إيه في شغلك؟ -الحمد لله. -اومال خطيبتك العسولة دي فين؟
مشوفتهاش غير مرة واحدة هنا معاك. تمتم (ريان) بصوت غير مسموع: -إذا كنت أنا مش بشوفها عاوزة أنتي تشوفيه. لكنه نظر لها ليقول: -مشغولة في شغلها شوية. بتحضر رسالة ماچيستر. -وااااو. أكيد فخور بيها طبعًا. ضرب (ريان) كف يده بالأخرى وهو يقول: -هو إيه موضوع الفخر اللي ماشى اليومين دول؟ عقدت (عتاب)
حاجبيها بعدم فهم. فنظر هو لعينيها الرمادية وابتسم. فهي ردود أفعالها دومًا تمثيلية. ضحكتها وانعقاد حاجبيها. فهي تبدو كدمية جميلة لم يرَ مثلها قط أبدًا. فهز رأسه ثم قال: -تعرفي إن شكلك وردود أفعالك حكاية. احمرت وجنتيها خجلًا وإلتفت لتقول: -ه.. هروح أساعد مامتك في تحضير العشا. شعر (ريان) أنه قال شيئًا لم يكن عليه أن يقوله. لذا تنحنح ثم أذن لها بالانصراف وهو يقول: -آه اتفضلي.
ذهبت هي من أمامه متوجهة للمطبخ، بينما عاد هو لينظر للشرفة مرة أخرى. *** اتجه (رائد) نحو غرفة شقيقته كي يتحدث معها في أمر (أدهم) . وقف أمام باب غرفتها ثم طرق باب الغرفة. وعندما سمع إذنها بالدخول، قام بفتح الباب ليجدها جالسة أمام الحاسب المحمول تتصفح صفحتها الخاصة بموقع التواصل الاجتماعي (الفيس بوك) . ابتسم لها ثم جلس بجوارها على الفراش وتحدث: -أخبارك إيه؟
بقالي شهرين معرفش عنك أي حاجة. عارف إني غبت واتأخرت عليكي بس غصب عني ظروف اضطرتني لكده. وبعدين كان في شغل هناك لازم أخلصه. هزت رأسها باعتراض ثم قالت: -أنا عمري ما بزعل منك يا أبيه. وضع يده على رأسها وفرك مقدمة شعرها بلطف ثم قال: -سمعت من (أدهم) إنك كنتي خايفة تمشي لوحدك. في حد بيضايقك؟ شعرت (روفيدا) بتوتر كبير ثم هزت رأسها نافية وقالت ممازحة إياه: -هو (أدهم) ده مبيعرفش يخبى عنك حاجة؟ -زيك مثلاً؟
ولا أنتي كبرتي وبقيتي تخبي عن أبيه؟ شعرت هي بأن كلماته تلك سهم يصيب هدفه في قلبها. فبالفعل هي تخفي عنه أمرها مع (أشرف) . فتبدلت معالم وجهها. لاحظ (رائد) شحوبها ذلك. لذا أخرج من جيب بنطاله علبة سجائره ليشعل واحدة ثم قال: -في حاجة يا (روفيدا) هزت رأسها نافية ثم قالت: -لا لا طبعًا. لم يشعر بصدقها في تلك اللحظة، لكنه نفث دخان سيجارته ثم قال: -إيه رأيك في (أدهم) -من ناحية؟ -كراجل يعني؟
هو بصراحة اتقدم لي من زمان لأنه بيحبك من زمان جدًا وأنا موافق. أنا مش هلاقي شخص يحافظ عليكي أحسن من (أدهم) ابتلعت (روفيدا) ريقها ونظرت في عينان (رائد) . فيبدو أنه قد قرر وحسم الأمر ولا يفعل شيئًا سوى إخبارها بما ينوي فعله.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!