وقفت عتاب تشعر بصداع حاد، فذهبت للحمام كى تأخذ دواء خاص بذلك الصداع الذي يأتيها من وقت للآخر بسبب كثرة العمل والإجهاد الذي تشعر به. فوجدت مشرفة معها ترتدي ثيابًا أنيقة وتضع مساحيق التجميل. ظنت في البداية أنها ستخرج، وبعدها خرجت من الحمام. فخرجت عتاب خلفها، ووجدتها تسير بدلال وخفة. فزمت شفتاها بعدم رضا على تصرفات تلك البلهاء. حينها قابلت صديقتها في الدار التي تعمل كطباخة، وهما يسيران في إحدى الممرات. فأقتربت
منها عتاب وقالت بصوت خافت: -مالها دي؟ ضحكت ندا كثيراً، ثم قالت بصوت خافت: -أصل صاحب الدار بيجي النهاردة، وهي إيه واقعة فيه لشوشتها الهبلة. فاكرة أنه هيبصلها مثلاً. هزت عتاب رأسها بآسى، ولكنها نظرت لندا قائلة: -بس ده مبيجيش كتير، ع كده من ساعة ما اشتغلت مشوفتوش. -ييجي في الشهر مرة كده، المرة اللي فاتت كنتي بتزوري قرايبه.
هزت عتاب رأسها بالإيجاب. فهي قد أخبرت ندا أن ريان ووالدتها أقارب، لا. فلم تستطع أن تخبر أحدًا بطبيعة العلاقة بينها وبين ريان. لذا قالت: -أنا هروح أقف في مكاني بقى. فاضل ع ميعاد نومهم ساعتين. -ماشي يا حبيبتي. وأنا هكمل شغل.
حينها ذهبت عتاب إلى الدور الذي تعمل به، ودلفت للداخل لكي تلعب مع الأطفال مثلما تفعل كل يوم. وبعد مرور ساعة كاملة، خرجت عتاب من غرفة الأطفال واستنشقت بعض الهواء. لتجد زميلتها المتيمة بالمدير تسير خلف رجل وهي تتحدث، ويبدو عليه التأفف. ابتسمت قليلاً ورفعت رأسها لكي تتأمل ملامح وجهه أكثر، ولكن فوجئت به، فقد كان فضل.
مرة ثانية، لقد ظنت أن تلك اللعنة التي اسمها فضل قد انتهت. فقد كانت سعيدة لأنها لم تعد ترى شيئًا أو تتخيل شيئًا يخصه. لذا قررت تمر من جانبه كأنها لم ترى شيئًا. وحين تخطته، إلتف هو مسرعًا، وأمسك يدها وجعلها تلتف وتنظر في عينيه. فأبتلعت ريقها وشعرت بتوتر غريب. بينما هو نظر لها وهو يتفحص معالم وجهها، ثم قال: -إنتِ؟ شعرت هي بخوف شديد، ثم قال: -أنا مين؟
حينها نظر رائد نظرة جانبية لتلك الفتاة التي تلتصق به أينما ذهب، ثم وجه نظره مرة أخرى إلى عتاب وقال: -افتكر تيجي ورايا المكتب أحسن. قالها وهو مازال ممسك يدها، وسحبها نحو المكتب الخاص به. بينما ظلت تلك الفتاة الأخرى تشعر بغيظ شديد من عتاب، وركلت قدمها في الأرض غضبًا وضجرًا. حاولت عتاب أن تتملص من يده بكل ما أوتيت من قوة، لكنه لم يجعل لها مفر. فقالت بصوت مرتفع قليلاً: -أرجوك ميصحش كده.
كان قد وصلا إلى باب المكتب الخاص به، فترك يدها حين سمع صوتها، ثم قال: -أنا آسف. صمتت قليلاً، فتابع هو: -أنا من ساعتها بدور عليكِ. -ليه؟ -ممكن تتفضلي معايا جوه. نظرت حولها وشعرت بتوتر عجيب، ولكنها هزت رأسها بالإيجاب. فدلفوا سوياً نحو الداخل، وهم رائد ليغلق باب المكتب. فتذكرت هي حين غلق باب الشقة في منزله. لا تعلم أتسمى تلك خيالات أم أوهام أم حقيقة. فصرخت بصوت عالٍ: -لااااا... متقفلش.
شعر هو بخوفها، ففتح الباب مرة أخرى وقال، ثم نظر لها قائلاً: -حاضر. مفتوح أه. شعرت هي ببعض الراحة، ثم وجهت نظرها له وقالت: -بدور عليا ليه؟ مش قلت متعرفنيش. -حسيت بفضول. مش قلتي تعرفيني وقولتي اسمي فضل. -وأنت قلت نه مش أنت. يبقى الموضوع انتهى. تنحنح هو، ثم قال: -معاكي حق. -عن إذنك. أمسك يدها مرة أخرى، ثم قال: -استنى هنا. نظرت هي ليده الممسكة بيدها، فرفع هو يده لأعلى مسرعًا وقال: -بلاش البصة دي.
أخفت بسمتها قليلاً، ونظرت في عينه، فبادلها هو النظرة، ووجد نفسه يقول: -أهي عينك دي متتنسيش أبدًا. رمشت بعينها قليلاً، ثم قالت: -أنا عندي شغل. عن إذنك. -بس أنا نفسي أعرف اللي شبهي ده بتحبيه ولا بتكرهيه. وحكاية الدكتور اللي كان معاكِ؟ شعرت بالخوف من أن يفصلها عن العمل إن علم أنها مريضة نفسية، فقالت: -أنا بخير. مش مريضة. بس بس حد مات أعرفه شبهك دي كل الحكاية. وجتلي حالة اكتئاب بتحصل لكل الناس. أخذ نفس عميق، ثم قال:
-ماشي. -عن إذنك. -اتفضلي. نظرت له، فقد كان واقفًا أمام باب المكتب، ولم تستطع الخروج بسببه. فقالت: -طب ممكن أعدي. ظل واقفًا، وقال بنبرة مازحة: -طب ما تعدي. -حضرتك واقف. عديني. وقف جانبًا، ثم قال: -اتفضلي. حينها خرجت هي مسرعة نحو الخارج. فابتسم هو وهز رأسه بآسى، فتلك الفتاة ليست طبيعية أبدًا. ***
في صباح اليوم التالي، استعدت روفيدا للذهاب إلى امتحانها. وقد اتفقت مع أدهم أن يأتي بعد انتهاء الامتحان كي يوصلها إلى المنزل. وصلت إلى الجامعة قبل امتحانها بساعة لكي تراجع تلك المادة مع صديقتها. ظلت يذكران لبعض الوقت حتى وقف أمامها شخص ما. لاحظت ظل أحدهم أمامها مباشرة، فرفعت بصرها لكي تراه، والشمس زادت من لمعة عينيها العسلية، ولكنها صدمت حين رأت أنه أشرف الذي كان يبتسم في وجهها. فشعرت هي بغضب شديد، وقالت
موجهة حديثها إلى صديقتها: -يلا نمشي من هنا. فقال أشرف بنبرة مترجية: -استني بس. أجابته بلهجة حادة: -أنا مفيش بيني وبينك كلام. وهمت لتغادر، فقال بنبرة أكثر: -10 دقايق بس مش طالب أكتر. -مينفعش أتكلم معاك. -عارف. بس 10 دقايق بس. -عاوز إيه؟ نظر هو لصديقتها، ثم قال: -تعالي بعيد شوية. ابتعدت معه كي تعلم ماذا يريد منها، فقالت بنبرة غاضبة للغاية: -عاوز إيه؟
-أنا حبيت أبلغك إني بقيت بشتغل واشتريت خاتم الخطوبة، وإن شاء الله بعد الامتحانات هكلم أخوكي. اتسعت عينا روفيدا بعدم تصديق، وقالت بنبرة أشبه بالخفوت: -أنت بتقول إيه؟ -مستعد أقابل أخوكي. كنت حابب أعملك ده مفاجأة. كررت بذهول: -مفاجأة!! أنت إزاي متقوليش يا أشرف؟ -أنا افتكرت أنك... صمتت ولم تستطع تكملة الحديث، فتابع هو حديثها: -إني نذل مش كده؟
أولاً أنتِ مكنتيش مديني فرصة أتكلم معاكي أصلاً، ومكنتيش حابة تعملي شئ من ورا أخوكي، وأنا احترمت ده فيكي واحترمت رغبتك جدًا، عشان كده بعدت زي ما طلبتي. إنتِ قولتلي إن مفيش كلام بينا تاني هيحصل بدون علم رائد، وأنا بس حبيت أقولك إني بقيت بشتغل ومعتمد ع نفسي والحمد لله. وإن شاء الله مفيش كلام جانبي بيني وبينك تاني لحد ما أكلم أخوكي.
شعرت روفيدا وقتها بأن أحدهم قد غرز خنجرًا في قلبها. فهو لم يكن ذلك الجبان النذل. حيث ظلت تردد ذلك بينها وبين نفسها حتى تكرهه. ماذا لو علم أنها قد تمت خطبته ستكون هي الجبانة والنذلة في نظره. ليس هذا فحسب، بل خائنة. وضعت يدها خلف ظهرها حتى لا يتمكن من رؤية خاتم خطوبتها من أدهم. فليس لديها الشجاعة كي تخبره بأنها قد أصبحت تخص شخصًا آخر. ليس هذا فحسب، بل شخص هو يستشيط غضبًا من رؤيته فقط بجواره. لذا ابتلعت ريقها، وقالت:
-عن إذنك. ثم سارت بعيدًا عنه. فشعر أشرف بخطب ما، ولكنه علم جيدًا أنها تؤنب نفسها على سوء الظن به بالتأكيد. جلست روفيدا بجوار صديقتها وهي تتمتم قائلة: -دي كارثة. -حصل إيه يا بنتي؟ -مصيبة يا هبة. -إحنا مش قلنا ننسى أشرف وخليكي في خطيبك.
فقصت روفيدا ما أخبرها به أشرف. فوضعت هبة يدها على فمها غير مصدقة ما سمعته للتو، وشعرت بحزن صديقتها. فبالفعل شئ محير للغاية. هي مخطوبة الآن لرجل طيب القلب ليس به عيب، كما أن حبيبها السابق لم يكن ذلك النذل. كانت هبة تعلم جيدًا أن مهما ستقول لها لن يطفئ ما في قلبها. لذا نظرت للساعة، وجدت أن موعد الامتحان قد أوشك، لذا قالت: -يلا ع الامتحان دلوقتي يا روفيدا، ولما نخرج ربنا يحلها. هنفكر كويس.
هزت روفيدا رأسها بالإيجاب، وسارت معها إلى اللجنة كالمغيبة. ظلت شاردة طوال ساعتين الامتحان، ولكنها حاولت بكل جهدها أن تجيب بشكل صحيح. وبعد أن انتهت، وقفت وانتظرت صديقتها. واقترب أصدقائها وأصدقاء أشرف معًا، ووقف أشرف معهم أيضًا، مما جعلها مصابة بالتوتر وتحاول بكل الطرق الممكنة إخفاء ذلك الخاتم الذي بيدها.
لاحظت فتاة في تلك المجموعة أنها تحاول إخفاء الخاتم وتوترها الحاد. ونظرات العشق الذي ينظر بها أشرف لروفيدا. لقد ظنت في البداية أنها هي وأشرف قد انفصلوا، ولكن يبدو أن الأمر به الكثير، وأنه لا يعلم خطوبتها برجل غيره. فوجدتها فرصة جيدة لكي تدمر سعادة روفيدا تلك، فهي تشعر بالغيرة من تلك الفتاة لأن الجميع يعجب بـ روفيدا، حتى الشاب الذي أحبته لم ينظر لها وأعجب بـ روفيدا. لذا نظرت إلى أشرف، وقالت كأنها
تفجر قنبلة في وجه أشرف: -بقالنا كتير مش بنشوفك يا أشرف. -الشغل بقى. -أه ربنا معاك. ده حصل حاجات كتير وأنت غايب. مش تبارك لـ روفيدا اتخطبت. اتسعت عينا أشرف، ونظر إلى روفيدا كي تكذب تلك البلهاء.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!