الفصل 6 | من 25 فصل

رواية عتاب الفصل السادس 6 - بقلم علا السعدني

المشاهدات
19
كلمة
4,497
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 24%
حجم الخط: 18

سقط كوب الينسون من يد جميلة على قدمها لتتأوه في صمت. لكن الدموع التي نزلت من عينيها لم يكن سببها ألم قدمها، بل ألم قلبها. حقاً سيخطب فتاة غيرها؟ ألم يلاحظ إعجابها به طوال تلك المدة؟ ألم يلاحظ اهتمامها به وبكل تفاصيله وعاداته اليومية؟ بل ألم يكن يعتمد عليها؟ ثقة منه فيها؟ أم أن الثقة شيء والحب شيء آخر؟ يا لها من غبية! كل هذه الأفكار اجتاحتها في أقل من ثانية. لكنها صدمت حين اقترب منها أدهم وقال: -أنتي كويسة؟

أجيب لك دكتور؟ رجلك كويسة؟ انتبهت جميلة للجيب الخاص بها الذي أصبح مبتلاً. فأخذت منديلًا من المكتب الذي أمامها ومسحت به الجيب الخاص بها ثم قالت: -أنا هدخل الحمام أنضف الجيب. -طب أنتي كويسة؟ نظرت له نظرة طويلة ولكنها لم تتحدث. ثم قالت: -عن إذنكم. يفهم سر غضبها ذاك، لكنه نسب ذلك لأنها تتألم من الينسون الساخن ولا تريد أن تظهر له. فهز كتفيه بلا مبالاة ثم دخل داخل مكتبه مرة ثانية.

بينما ذهبت جميلة للحمام لكي تنظف ملابسها، ولكنها أطلقت العنان لدموعها. فها هو حبيبها قد أصبح ملكاً لفتاة غيرها. ولكن كان عليها أن تفهم ذلك. فشخص مثل أدهم لن ينظر لفتاة فقيرة مثلها. وإن فهم أنها تحبه سيشك بأنها تريده فقط من أجل أمواله. *** في الأيام الماضية لم تكن تأتي شجن إلى النادي، حيث كانت متعبة قليلاً. لكنها تفاجأت حين علمت باعتذار المدرب عن تدريبها، وقد رشح لها سيدة لكي تدربها.

كما أنه نصحها بأن لا تجعل رجلاً يدربها، فهذا أسلم لها وله وللجميع. حينها اندهشت شجن كثيراً مما يخبره هو لها. وسألته لما يقترح ذلك الاقتراح، لكن ظهر الرعب في معالم عينيه. ثم أخبرها بأنه يوجد رجل يهدد كل من يقترب منها. فاندشت أكثر شجن، ولكنها ظنت أنه مختل عقلياً ولم تصدقه. وقررت أن تركض في النادي كيفما تفعل كل صباح، غير عابئة بكلمات ذلك الرجل. من بعيد كان يراقبها وليد. فقد اشتاق لها في الثلاثة الأيام الماضية.

هو الآن لا يعرف شعوره تجاهها تحديداً. ربما يحبها حقاً ويريدها أن تعود إليه ويكمل حياتهم سوياً. وربما يريد رد كرامته أمام نفسه. فلا يوجد امرأة لا تقع في غرامه أبداً. ولكنه نفى الاحتمال الثاني. فمنذ أن رآها وهو مع أدهم شعر بعدد دقات قلبه تزداد. وشعر أن تلك الفتاة هي من ستجعله لا يرى أي أنثى غيرها. وها قد فعلتها، ولكنها حطمت قلبه معها. في ذلك الوقت الذي اكتشف حبها لرائد، قرر مواجهتها. فهو لن يتخفى كثيراً هكذا.

هو يكره أن يلعب دوره خلف الستار. انتظرها حين أكملت ركضها اليومي. حين وجدها قد انتهت من الركض، وجدها متجهة للحمام الخاص بالنساء داخل النادي. فقال بصوت قد سمعته جيداً: -شجن. توقفت مكانها عندما علمت أن ذلك الصوت هو خاص بوليد. عضت شفتيها بغيظ. بعد ذلك قررت التقدم في طريقها وكأنها لم تسمع شيئاً. فأسرع هو نحوها وأمسك كف يدها مانعاً إياها من التقدم وهو يقول: -ارجوكِ اسمعيني يا شجن.

نفضت يدها عن يده مسرعة وكأن قد لدغتها عقربة. ثم التفت له لتقول: -إياك تحاول تمسك إيدي كده. -في إيه يا شجن؟ ده أنا جوزك. -كنت... كنت يا وليد. دلوقتي زيك زي أي واحد معرفه. عض وليد على شفتيه بغيظ شديد ثم قال: -على فكرة أنا لو عايز أوديكِ مكان الجن الأزرق ما يعرف لكِ مكان فيه هعملها. -وأقدر أجبرك يا شجن ترجعي لي بكل الطرق المباحة والغير مباحة، بس أنا مش عايز أرجع لك بالطريقة دي.

شعرت شجن بغضب شديد وبخوف أيضاً، لكنها جاهدت في إخفائه جيداً. فهي تعلم أنه يستطيع فعلها. لذا ضمت قبضة يدها لتخفي شعورها. في الحقيقة هي لم تحبه يوماً ولم تكرهه يوماً. إلا حينما رفع يده عليها. هي تعلم أنها أخطأت، كان لابد أن تنزع صفحات رائد من حياتها منذ أن تزوجته. ولكن تلك حياتها، هذا ما دار في حياتها في فترة لم تكن تعرف من هو وليد بالأساس. ومنذ أن تزوجته لم تشعر يوماً بالحب تجاهه.

قد وافقت على وليد فقط لأنه شاب ووسيم وغني. كما أنه وعدها بأن يقطع كل علاقته بالنساء التي يعرفها. وهذا كان كافياً أن يشعرها وكأنها أميرة. فقد رفضها رائد، ووليد رفض جميع النساء من أجلها. هذا كان كافياً ليجعلها تشعر بأنوثتها التي بعثرها رائد. ربما لو كان وليد سألها بهدوء عن حبها لرائد، أو كان قد قرأ كل شيء تشعر به تجاه وليد لكانوا ما زالوا سوياً الآن. ولكن هو ضربها وأهانها ولم يكتفِ بذلك فقط.

تذكرت ما حدث بعد أن صفعها على وجنتها. نظرت له غاضبة وهي تضع يدها على وجنتها، لا تصدق أن ذلك هو نفس الإنسان الذي كان يغمرها بحبه وعاطفته طوال السنة الماضية. فهي ترى الآن وجه غير وجهه التي عاشت معه. فقالت وهي لا تصدق: -ب... بتضربني يا وليد؟ -اومال عايزني أصفق لك على سفالتك وقلة أدبك دي؟ -بقى أنا وليد الرفاعي واحدة زيك أنت تضحك عليا؟ -لما أنا تقيل أوي على قلبك كده اتجوزتيني ليه يا هانم؟ -ولا بتغيظي البيه بيا؟

ثم أمسك رسغها بعنف: -قوللي... في بينك وبينه كلام لسه؟ -لما كان بيجي هو وأدهم أخوكي هنا البيت كنتي بتتعمدي تبين لي قد إيه إحنا سعداء عشان تغيظي البيه وأنا زي الأبلة في النص مش كده؟ تلألأت الدموع في عيون شجن ثم قالت بنبرة ضعيفة: -محصلش... محصلش. شدد على قبضة يدها ثم قال: -أنتي ليكي عين تتكلمي؟ ثم أمسكها من خصلات شعرها دون أن يشدد عليها وتابع: -أنتي!! أنتي تعملي فيا كده؟ وأنا اللي فاكر إني عايش مع ملاك.

أبعدت يده بعنف عن خصلات شعرها وهي تقول بين شهقاتها: -كفاية كده يا وليد... كفاية. -هو فعلاً كفااااية... اطلعِ برة مش عايز أشوفك في البيت ده تاني. للوهلة الأولى لم تصدق ما سمعته للتو. هل حقاً يشك في أخلاقها لتلك الدرجة؟ ألم يكن هو يتباهى أمامها دوماً بالنساء التي تحبه وتقع في غرامه وعلاقاته المتعددة قبل الزواج؟ يحاسبها هي على حبها العذري لشخص قبل زواجه منها ولم يكن يبادلها الشعور من الأساس؟

كان من الممكن أن تتحمل صفعته تلك وتسامحه لأنها تعلم أنها مخطئة لأنها لم تخبره ولم تنزع الورقات التي كتبتها تصف شعورها بـ رائد. كانت ستؤنبه لاحقاً على تلك الصفعة، لكن طردها أيضاً من المنزل؟ شكها بها يخيل له أنها تزوجته لتشعل غيرة في قلب إنسان لا يراها من الأساس. لا، لم تتحمل المزيد. لذا قالت بهدوء: -زي ما تحب... هبعت لك أدهم وتتفقوا على إجراءات الطلاق. تابعت لتغضبه أكثر وأكثر:

-ولو أنت عندك ذرة رجولة فعلاً طلق واحدة عاشت معاك سنة من غير ما تكون لك أي مشاعر. -بس صدقني إن كان ليك في قلبي مكان دلوقتي، مكانه كله كره. وبسترت لتأخذ أغراضها، بينما ضرب هو قدمه في الطاولة الصغيرة التي أمامه ليتهشم زجاجها. شعر هو بتغير لون عينيها كما أحس أنها عاودتها ذكرى تلك الليلة. فقال: -متحاسبنيش يا شجن على كلام قلته بدافع الغيرة ومكنتش متمالك أعصابي، زي ما أنا مش بحاسبك على كلامك في الليلة دي.

ابتسمت بسخرية ثم قالت: -بس أنا مكنتش غضبانة، أنا وصفت شعوري ناحيتك. -وارجوك مش عايزة أشوفك، صورتك حتى. -أنت بتفكرني بحاجات مش عايزة افتكرها. قالتها وركضت نحو الحمام، فهي لا تريد أن تكمل حديثها معه. بينما تابعها هو بعينه ثم تمتم بصوت خافت: -مش هييأس... مكنتش غلطتي لوحدي يا شجن. *** نظرت هانيا للساعة التي في يدها، وجدت أنه موعد انصراف المدرس الخاص بمايا. لذا هبطت الدرج، وجدت أنه كان يستعد للنهوض وهو يلملم أغراضه.

فأقتربت منه لتقف أمامه. فأشم هو العطر المميز الخاص بها ورفع عينيه ليجدها أمامه تبتسم ابتسامة دبلوماسية. فبادلها البسمة ووجدها تسأله: -مايا عاملة إيه معاك؟ -بصراحة كويسة جداً. -واضح أنك مهتمة أوي بيها وبتراجعي دروسها باستمرار. -فعلاً. فنظرت مايا لوالدتها ثم قالت: -ممكن يا مامي أطلع ألعب مع القطة بتاعتي؟ -آه طبعاً... اطلعي يا حبيبتي. استغل ذلك المدرس حديثها مع ابنتها لكي يتفحصها جيداً.

فهي تبدو فاتنة للغاية بشعرها الغجري المموج البني ذو الحمرة الطفيفة وعينيها الخضراء. وما يزيد جاذبيتها أناقتها وانتقائها لملابسها. فقد كانت ترتدي فستان لونه أبيض ذو حمالة عريضة قليلاً يصل لبعد ركبتها بقليل ويلتف حول خصرها حزام لونه أبيض من الستان. لذا حاول ذلك المدرس استغلال وجودها معه بمفردها ليقول: -بصراحة أنتي ذوقك في اللبس تحفة... الفستان يجنن عليكي. شعرت هانيا بغرابة من جملته تلك، ولكنها شعرت بخيبة أمل شديدة.

فطلال لم يمدح في مرة أناقتها. ولكن ليس من المفترض أن تسئ الظن في ذلك المدرس، ربما لا يقصد سوى المجاملة. قاطع أفكارها تلك صوت سيارة بالخارج. فـ نظرت للشرفة الزجاجية التي أمامها لتجد أن تلك سيارة رائد. ابتسمت. فـ رائد بالنسبة ليس شقيق زوجها فحسب، بل أنه زميل دراسة لها. كانوا دوماً معاً في المدرسة منذ الابتدائية حتى الصف الثانوي. وعرفت طلال عن طريقه. فنظرت للمدرس مرة أخرى وهي مازالت على تلك البسمة:

-معلش هروح أستقبل عم البنت. تشعر بسعادة كبيرة إذا هي لا ترفض سماع كلمات المغازلة منه. لذا أجابها وعلى ثغره ابتسامة واسعة: -أنا كده كده كنت ماشي. فسارت هي معه نحو الباب لتودعه وتستقبل رائد، الذي قابلته ببسمة. فتحدث بعد أن أفسح مجال للمدرس بالخروج، بعدها دلف هو للداخل ثم قال: -عاملة إيه يا هانيا؟ -الحمد لله... كويس إنك جيت تتغدى معايا أنا والبنت. -لا لا أنا جاي أقعد مع مايا شوية بس. -ليه كده؟ هزعل منك تتغدى معانا.

-خلاص لما يجي طلال نتغدى سوا. ابتسمت هانيا بسخرية ثم قالت: -ده هيبقى سحور مش غدا. شعر رائد بالمرارة في نبرة صوتها، فهو يعرف طبيعة شقيقه العملية. لذا لم يعلق ثم قال: -ماشي، قولي لهم يحضروا الغدا عقبال ما أطلع أكلم مايا. -تمام. ذهبت هي لتخبر الخدم بإعداد الطعام، بينما صعد هو لغرفة مايا وفتحها ليجدها بالداخل تلعب مع القطة. فابتسم عليها ثم قال: -وحشتيني يا مايا. ركضت مايا نحوه ليفتح لها ذراعيه وهو مبتسم ثم قالت:

-وحشتني أكتر يا عمو. عانقها هو بعناق أبوي دافئ ثم أبعدها عنه وقال وهو يعطيها عروسة كبيرة ويقول: -أنا عارف إنها جت متأخرة، بس صدقيني لسه عارف من روفيدا إنك الأولى في المدرسة. وضعت مايا يدها في خصرها ثم قالت: -اممم. نظرت للعروسة اللعبة التي في يده وقالت: -مش بطالة... مسامحاك. ابتسم لها بلطف ثم أعطاها حقيبة بلاستيكية أخرى كان يمسكها في يده وقال: -وده فستان عشان تحضري بيه خطوبة روفي.

نظرت مايا للفستان داخل الحقيبة فأخرجته لتجد فستان قصير لونه أزرق يبدو أنيق للغاية. فـ أقتربت منه لتحضنه مرة أخرى وهي تقول: -حبيبي يا عمو. -أنتي كمان يا شقية. قالت مايا بعفوية: -كان نفسي تبقى انت بابا... أنت حنين. بينما شعر رائد بالضيق من أجل تلك الفتاة. ولكن في تلك اللحظة قد دخلت هانيا للغرفة بعد أن استمعت لحديث ابنتها لتقول لها بضيق: -عيب كده يا مايا... بابي بيحبك جداً. مطت الصغيرة شفتيها بعدم رضا.

نظر رائد إلى هانيا ثم قال: -سيبها تقول اللي تحسه. هربت هانيا من حديثه لتقول: -الغدا جاهز. احتجبت رائد وهو يمسك يد مايا: -يلا عشان نتغدا. *** في المساء وجدت عتاب ريان في الشرفة، فقررت التحدث إليه. فقد ملت المكوث في ذاك المنزل. صحيح أنه ووالدته يعاملونها بطريقة حسنة وجعلوها تشعر كأنها فرد منهم. ولكن... ولكن الحقيقة هي مجرد دخيلة عليهم، مجرد عبء. فهم ليسوا مضطرين ليصرفوا عليها هكذا، في النهاية هم أغراب.

لذا وقفت خلف ريان وقالت: -ممكن أتكلم معاك شوية؟ ابتسم ريان حين سمع صوتها الرقيق ذاك الذي لم يسمع صوت في رقته أبداً. ثم التف لها ومازال ثغره مزين بتلك البسمة وقال: -تتكلمي شوية بس!! أنا تحت أمرك. ابتسمت بخجل ووضعت خصلات شعرها البنية خلف أذنها وهي تنظر لأسفل ثم قالت: -ميرسي. بعدها نظرت في عينيه بتوجس وخوف: -أنا عايزة أنزل أشتغل... أنا حمل عليكم وانتوا ملكوش ذنب و... وضع ريان إصبعه على فمها لكي لا تكمل حديثها ذاك وقالت:

-هشششششش... كلامك ده ملوش أي لازمة. -ربنا وحده اللي يعلم معزتك في قلبي قد إيه؟ رمشت عينيها قليلاً وشعرت باضطراب في ضربات قلبها ثم ابتلعت ريقها وهي تنظر في عينيه. فأنزل هو يده من أعلى فمها وقال: -آسف... بس كلامك ده ضايقني. -أنا فعلاً بقيت أحس إنك مسؤولة مني يا عتاب... ومش مستعد أضحي بيكي أبداً لأي سبب من الأسباب. -أكيد المستشفى عندنا بلغت عن هروبك، لو حد شافك بتشتغلي في أي مكان هتبقى كارثة عليا وعليكي.

-ده غير ورقك، بطاقتك وكل شيء يخصك في المستشفى عندنا، ومحدش هيشغلك بدون أي ورقة تثبت هويتك. أخذت عتاب نفس عميق ثم قالت وهي تكتم الدموع في عينيها: -والحل؟ هفضل طول عمري هنا؟ -أنا مش عايزة أفتكر حاجة، مش عايزة أفتكر حاجة. -أنا تعبانة، أنا ما صدقت إني قدرت أقف على رجلي تاني وأتكلم زي أي إنسان طبيعي. انهارت من البكاء وخارت قواها لتجلس على أرضية الشرفة. فما كان من ريان إلا أنه جلس بجوارها وهو ينظر إليها بخوف ثم قال:

-عتاب، أنتي افتكرتي حاجة؟ ارتعشت يدا عتاب بخوف وقلق وحاولت أن تتهرب من نظراته. تابع هو: -عتاب، أنا بالذات مينفعش تخبي عليا حاجة. -خليكي صريحة معايا عشان أقدر أعالجك وأساعدك. تحدثت عتاب متلعثمة: -م... مفتكرتش حاجة. فزعق بها لأول مرة وهو يقول بعصبية شديدة: -عتااااااااااب. عندما استمعت إلى صوته هكذا، فزاد بكائها وشهقاتها دون إرادة منها. ربت على يدها وقال: -متخافيش يا عتاب... ربنا يعلم أن مصلحتك تهمني. -متخبيش عليا حاجة.

سحبت يدها من يده ثم قالت: -ص... صدقيني مفتكرتش حاجة. -ب... بس... نظر لها وحسها على الحديث. فابتلعت ريقها ثم قالت برقتها الممزوجة بخجل تلك التي لم يرى لها مثلها قط: -م... مش هينفع أقول. نظر لها ريان ببلاهة ثم قال: -ده أنا خاطب جعفر. ثم تابع بصوت مرتفع: -مش عايزك تخبي عليا حاجة. ابتلع ريقها ونظرت أمامها في محاولة منها للتهرب منه ثم قالت: -شفت حلم... حلم غريب... بس حاساه حقيقي. -حاسة إني عشت تفاصيله المرعبة دي.

شعر بالقلق من نبرة صوتها تلك فسألها: -شوفتي إيه؟ -واحد مشوفتش ملامح وشه، بس كان بيعتدي عليا. وضعت يدها على وجهها محاولة منها كتم تلك الشهقات: -الحلم مرعب وحقيقي أوي... تفاصيله مش عارفها، بس المكان اللي كان حوالينا شقة. -حاسة إني شفتها... إحساس بشع. -لما شوفت نفسي بقوله حرام عليك ليه بتعمل كده؟ أنا حبيتك بجد. ظهرت الصدمة بوضوح على وجه ريان وربط ما قرأه في الملف الخاص بها في المشفى بما تقصه عليه الآن.

فابتلع ريقه بصعوبة. ولكن قاطع أفكاره تلك صوت بكائها وشهقاتها: -أنا مش عايزة أفتكر حاجة، خايفة أفتكر. -لو ده حصل فعلاً أنا ممكن أموت. -وهل هو كمل اعتداءه عليا ولا لا؟ -أنا مش عايزك تعالجني يا ريان، أرجوك... أرجوك متعالجنيش. -أفضل على عمايا كده أحسن ما أعرف وأموت بحسرتي. لم يعرف ريان كيف جذبها إلى أحضانه كذلك وظل يخفف عنها. بينما هي ظلت ترتجف خوفاً من تلك الذكرى حتى استكانت بين ذراعيه بعد أن هدأت.

أبعدها ريان عنه ثم قال: -أنا آسف... ملاقيتش طريقة تانية. صمتت ولم تجب عليه وقالت: -ت... تصبح على خير. قالتها وركضت نحو غرفتها فلم تنتظر رده. فظل يتابعها بعينه هو ثم قال: -ا... أنتي حكايتك إيه بالظبط؟ *** في صباح اليوم التالي دلف وليد إلى المكتب الخاص بأدهم الذي اتصل به لكى يدعوه إلى حفل خطوبته. فوجد جميلة جالسة على المكتب وهي تعمل فسألها: -أدهم جو؟ -أيوة يا فندم. -طب ممكن تبلغيه إني مستنيه. -حاضر.

دلفت للداخل فتمتم وليد وهو يراها تذهب بعيداً: -يا سلااام على الستات المطيعة... خسارتك يا قمر جاية تيجي قدامي لما أتوب. بعد ثوان معدودة دلفت للداخل لتقول: -اتفضل يا فندم. دلف وليد للداخل وجد أدهم نهض عن مكانه وذهب نحوه مرحباً به. فابتسم وليد بود، فهو لن يتخلى عن صداقته لـ أدهم وإن لم تعد له شجن. فابتعد أدهم عن وليد فقال أدهم: -عامل إيه وإيه أخبارك؟ -الحمد لله... بس بعدي عن شجن كسرني.

-محدش فيكم راضي يقولي سبب الانفصال. أجابه وليد بمرارة: -تقدر تقول إني عصبي و متهور... وشجن مكنتش بتحبني عشان تغفر لي. أعاد أدهم النظارة للخلف وسأله بفضول: -خنتها يا دكتور الستات أنت؟ -أبداً... أنا وعدتك إني مش هخونها وهقطع علاقتي بكل الستات بعد ما توافق وده اللي عملته. -بس تقدر تقول إن أي إنسان فيه عيوب وهي مكنتش مضطرة تستحمل عيوبي وهي مبتحبنيش. صمت أدهم فتابع وليد: -المهم صحيح هتخطب روفيدا زي ما قلت؟ -الحمد لله.

-كويس جداً... أنا عارف إنك كنت معجب بيها. -فعلاً. -ربنا يسعدكوا... المهم اختارت بدلة الخطوبة؟ -آه. نظر له وليد بشك فقال: -طب ورهاني كده مش مصورها؟ -لا عندي على التليفون. وذهب أدهم ليحضر هاتفه من أعلى المكتب ثم فتحها على صورة تلك البذلة وأعطى الهاتف لـ وليد. الذي ما أن رأى البذلة حتى صدم، فقد كانت ذو طراز قديم انتهى منذ الستينات. فقال بصوت مرتفع: -حسبي الله ونعم الوكيل... هو أنت بتجيب لبسك الأنتيكة ده منين؟

رفع أدهم إحدى حاجبيه وقال: -جرى إيه يا وليد؟ -جرى إيه أنت!! أنت دلوقتي هتخطب بنت ومن حقها تشوفك وسيم لو حتى في الليلة دي. -بس يا شيخ سيبلي نفسك يا أدهم وأنا هشيكك. -وهي رضيت على كده إيه المشكلة؟ -زي ما أنت من حقك تشوف الليدي بتاعتك في أحسن صورها هي كمان، ده حقها. -أنت عايز إيه يعني يا دكتور الستات؟ -هو في أحلى من الستات يا أبو الأدهيم. -عشان كده قررت تبقى دكتور نسا. ضحك وليد بصوت عالٍ:

-حرام عليك يا شيخ، لا أنا في الشغل شغل والهلس هلس والشغل ملوش دعوة بالهلس. -تقدر تقول إني من حبي للستات قررت أساعدهم. -يابو قلب حنين. -جداً... رقق قلب أختك عليا بقى. -أنت هتفضل مجنون. في تلك اللحظة دلفت جميلة إلى الداخل ومعها كوب من القهوة ووضعتها على مكتب أدهم لتقول: -ميعاد القهوة يا فندم. فتحدث وليد ممازحاً إياها: -طب وأنا مليش قهوة يعني؟ فعضت جميلة شفتيها بخجل ثم قالت: -يا خبر...

أنا آسفة يا فندم هقول لعم توفيق يجيب لحضرتك القهوة حالاً. -بس استعجله عشان أنا مستعجل وهمشي. -ح... حاضر. فتحدث أدهم قائلاً: -على مكتبك يا جميلة. -حاضر يا فندم. وذهبت مسرعة للغاية إلى الخارج فتحدث وليد: -طبعاً لازم يبقى اسمها جميلة، اومال هيبقى إيه؟ -جرى إيه يا وليد... ابعد عن جميلة. -دي أكتر حد هنا بثق فيه ومش عايزها تستقيل بسببك. -في إيه يا عم أنت قفشت كده ليه؟ -غصب عني، ده لون عينيها الفيروزي ده لوحده حكاية.

-وبعدين أنت عارف إن مفيش في قلبي غير أختك. ضرب أدهم كف يده بالأخرى وهو يقول: -لا حول ولا قوة إلا بالله... امشي يا وليد مش عايز أقول أدبى عليك. ضحك وليد كثيراً ثم قال: -طيب بعد ميعاد العيادة تعدي عليا هنروح نجيب البدلة وهنظبط ليك شوية حاجات كده. -ماشي... *** مرت الأيام سريعاً وساعد وليد أدهم في انتقاء البذلة الخاصة بالخطوبة.

ولم ينتهِ الأمر على ذلك فقط، بل أنه جعله يزيل تلك النظارات الكبيرة التي تغطي وجهه وطلب من طبيب أن يقوم بعمل عدسات لاصقة له بعد أن أخذ مقاس النظر الخاص بأدهم. أما روفيدا كانت تتعذب طيلة الأيام الماضية، فخوفها من شقيقها جعلها تقبل خطوبة رجل لا تريده. في يوم الخطبة كانت تشعر كأنها تزف لمقبرتها بلا روح، بلا بهجة. ساعدتها هانيا في ارتداء فستان الخطبة ولاحظت حزنها وشرودها فقالت: -مالك يا روفي؟ أرغمت روفيدا

نفسها على التبسم لتجيبها: -م... فيش. رمقها هانيا بنظرة تتمنى فيها أن تعرف ما بداخلها، فلا يبدو أنها سعيدة بهذه الخطبة. أي أعمى سيرى هذا؟ قررت جميلة أن تذهب للخطبة، فهي لن تجعله يشك في شيء ولا تريد أن يسألها فيما بعد لماذا لم تأتي. ستنهار قوتها أمامه التي حاولت بنائها طيلة الأيام الماضية، كما أنها لا ترغب أن يكون مظهرها أمام نجوى محطمة، التي تعرف جيداً أنها تحبه. فكرامتها فوق كل شيء.

ارتدت فستان طويل لونه أحمر ليجعل بياض بشرتها يصبح بارزاً وواضحاً بشدة وعينيها التي بلون الفيروز. وضعت بهم مساحيق التجميل لتزداد عينيها جاذبية وارتدت حجاب بنفس لون الفستان ليزداد سحرها الخاص. استقلت سيارة أجرة ووصلت إلى هناك ودلفت بالداخل بثقة. حاولت بكل الطرق الممكنة أن تظهر بمظهر يليق بقوتها وصلابتها. حين وجدتها نجوى أمامها اقتربت منها لتقول: -وااااو إيه الجمال ده يا جميلة. شعرت جميلة بالخجل وقالت: -ميرسي.

-بس تصدقي كنت فاكرة إنك مش جاية. -أنا عارفة إنك بتحبي مستر أدهم و... ضمت جميلة قبضة يدها لتقاطعها بثقة: -ده مجرد إعجاب بشخصيته وطموحه مش أكتر. -عموماً ربنا يوفقه. في تلك اللحظة دلف أدهم للداخل ووقف عند نهاية الدرج ينتظر عروسه. لمحته كلاً من جميلة ونجوى، التي شهقت عندما رأت ذلك الوسيم يقف في نهاية الدرج ويحمل باقة من الزهور.

فقد كان يرتدي بذلة كحولية اللون وقميص أبيض ناصع البياض فوقه ربطة عنق بنفس لون البذلة ولكن لها لمعة آسرة. مع عينيه الزرقاء شديدة الجاذبية وما يزيد وسامته بشرته الشقراء. نغزت نجوى جميلة وهي تقول: -شايفة المز ده. هزت جميلة رأسها بأسى ونظرت تجاه ما تنظر. في تلك اللحظة هبطت روفيدا الدرج مع رائد، الذي جعلها تقف بجوار أدهم. فقالت روفيدا بضيق: -مين ده؟ فـ ضحك أدهم كثيراً ثم قال: -معقول معرفتنيش.

عندما استمعت روفيدا للصوت اتسعت عيناها بعدم تصديق. عتاب

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...