بعد أن خرج كل من كيا وأحمد والمهدي وأسرته، ارتمت لتين في حضن عُبيد تبكي على أخيها الذي كُسِر قلبه وأصبح حطامًا. قال عُبيد بحزن وغضب من كيا وأحمد والمهدي وفارس: "أهدي يا حبيبتي." قالت لتين وهي تبكي: "كسرت قلب عمرو، والكسرة الأكبر إن اللي هتتجوزها أخونا، يعني حتى مش حد غريب." قال عُبيد بهدوء: "مش من نصيبه يا حبيبتي."
قالت لتين ببكاء: "قلبي وجعني على عمرو، مش بإيدي. شعور صعب لما الشخص اللي بتحبه يبيعك عشان حلم في نظرك إنه سخيف، والأصعب منه إنك تشوفه وهو بيتجوز أخوك هو جوزها." قال عُبيد: "أهدي يا حبيبتي. هي اللي خسرت، وأنا أهو، انتي أهو. لو رجعت تندم على قراره تاني. بس كل القلق في إن عمرو يعرف." قالت لتين ببكاء: "محدش يقوله." قال عُبيد: "بس هو مسيره يعرف." قالت لتين: "ساعتها هيكون نسي. أتمنى يقدر ينسى."
بعد مرور أسبوع، في يوم حفل خطوبة كل من كيا وفارس. في الصباح، في فيلا فؤاد بيومي، وبالأخص في غرفة كيا التي كانت تنام على سريرها وهي تنظر إلى لا شيء. لم تغمض جفونها منذ أمس، لا تعلم لماذا، لكن النوم لا يريد أن يأتي إليها. دخل فؤاد بيومي إلى غرفة حفيدته، ثم نظر إليها وقال بهدوء: "صباح الخير يا حبيبتي."
نظرت إليه كيا وكأنها وعَت إلى نفسها أن الصباح قد هل، وأن اليوم هو يوم خطبتها، أو كما نقول إنه يوم خسارتها النهائية لعمرو. أغمضت عينيها بوهن، ثم ردت على جدها السلام وهي تبتسم بهدوء: "صباح الخير يا حبيبي." قال فؤاد وهو ينظر إليها، لم يعجبه حالها. يعلم أنها حزينة، لكن ماذا يفعل معها؟ إنها عنيدة جدًا، وتأخذ كل شيء بعناد، حتى وصل بها الحال في أن ترتبط بشخص آخر غير الذي يتمناه قلبها.
"كيا، بلاش تعملي في نفسك كدا. قولي بس إنك مش عاوزة فارس، ووعد مني أخلصك من كل حاجة وأجوزك من اللي قلبك عاوزه." لا يريد أن يجبرها على شيء، لم يفعلها في حياته. فهي كانت مدلالته بعد موت والديها في حادث سير مع زوجته. وهو يخاف أن يخسرها، فهي من تبقت له من نسل العائلة، ويخاف أن تبتعد عنه، فهي بطبعها متمردة، لا تحب الخضوع لأي أحد.
أما عن كيا، فقد كانت على وشك قول إنها ترفض هذا الارتباط، وتريد أن يكون من يلبسها خاتم خطبتها لا يكون غير عمرو. لكن عنادها تغلب عليها، فقالت بهدوء: "لا يا جدو، أنا مقتنعة بفارس." ثم قالت بمرح: "أقوم بقا أجهز نفسي قبل ما فارس يجي ويشوفني بمنظري اللي يطفش بلد دا." تنهد فؤاد بضيق منها، ثم وقف وخرج من الغرفة من غير أن يقول أي شيء. نظرت كيا إليه وهو خارج، فنظرت إلى هاتفها،
ثم بعثت رسالة إلى عمرو: "أخبرتني يومًا أنك لن تتركني، فأتمنى أن تحضر اليوم." مر بعض الوقت، فوجدت الهاتف يهتز، فنظرت إليه، ووجدت رسالة من عمرو: "أخبرتني يومًا أنك لن تكوني لي أحد غيري، واليوم أنتِ لي غيري، فلا لوم عليّ إن لم أحضر يا قاسية القلب." نظرت كيا إلى الرسالة ببرود، ثم وقفت وذهبت لتجهيز نفسها للحفل خطبتها.
في منزل أحمد المهدي، وبالأخص في غرفة فارس الذي كان يقف أمام المرآة وهو يبتسم بسعادة. فاليوم سيحصل على من كانت تشغل عقله وقلبه منذ فترة كبيرة. تذكر أول لقاء بينهم. عودة إلى الماضي.
"كان فارس في موقع التصوير يجري آخر مشهد في أحد أفلامه، وبعد أن انتهى خرج ووجد فتاة تقف مع فؤاد بيومي الإعلامي الكبير، فذهب وقرر أن يلقي السلام عليه. فاقترب منهم، ووجد كيا تتحدث مع فؤاد وتشتكي له عن شيء وهي تحرك يدها. وعندما اقترب فارس منهم، تلقى ضربة على أنفه من يد كيا." كيا وهي تنظر إليه قالت: "أوبس، آسفة. ما كنتش أقصد." كانت الضربة قوية بعض الشيء، فلم يتحدث فارس. قال
فؤاد وهو يقترب من فارس: "معلش يا فارس، حفبتي مجنونة شوية لما تيجي تتكلم أو تشتكي من حاجة." قال فارس بهدوء: "عادي، ولا يهمك." ثم تركه ورحل. بعد ذلك اللقاء، عزمت كيا على العشاء للاعتذار منه بشكل لائق، ومن هنا بدأ اللقاء بينهم، لكن لم يكن هناك أي اهتمام من كيا إليه. دخل عليه أصدقاؤه رافيد وأصيل وهما يضمونه ويهنئونه على خطبته.
عند عمرو، الذي كان يجلس أمام أحد الشواطئ وهو شارد ويمسك هاتفه في يده. شعر بأحد يجلس بجواره، لم ينظر إليه، فقد علم أنها تلك الشيطانه الصغيرة. قالت لارا وهي تنظر إلى أمواج البحر: "ماذا بك يا عمرو؟ هل أنت بخير؟ قال عمرو ببرود: "لماذا تسألين؟ قالت لارا وهي تنقل نظرها إليه: "أشعر أنك لست بخير." قال عمرو بهدوء: "أنا بخير."
نظرت إليه لارا وهي تتفقد عينيه الباردة، تشعر أنها خالية من الحياة، ثم نظرت إلى تلك العلامات السمراء الظاهرة تحت عينيه بسبب قلة النوم. قالت لارا بهدوء: "أنت تشبه ذلك البحر الذي لا نهاية له." قال عمرو بهدوء: "لماذا ذلك التشبيه؟ قالت لارا بهدوء: "في أعماق البحر الكثير من الأسرار، ولا يعلم أغلبها أحد، وأنت مثله، لكن الفرق أنك لا تجعل أحدًا يتعدى الشاطئ، ولا تسمح لأحد أن يغوص بداخلك حتى يعلم ما مكنونك."
قال عمرو بهدوء: "والحياة علمتني أن أضع ألف سور حول الشاطئ، ولا تزال تعلمني أن أقفل تلك الأسوار بكل مفاتيح الدنيا." قالت لارا بهدوء: "أتعلم أن الحياة لا تستحق كل ذلك؟ قال عمرو بهدوء: "لماذا؟ قالت لارا: "في يوم سيتنهي كل شيء، ولن يبقى أحد. فالعمر يا صديقي على وشك الانتهاء، لماذا نجلس ونبكي على ما حصل لنا؟ لماذا لا نأخذ العبرة منه ونتخطى الأسوأ منه؟ لم يرد عليها عمرو، بل وقف ثم ذهب ليدخل المنزل الذي أمام الشاطئ.
نظرت إليه لارا، ثم تنهدت بهدوء وأخذت تنظر إلى الشاطئ وهي شاردة. في المساء، في منزل عُبيد. خرجت لتين من الغرفة وهي تقول: "عُبيد يا حبيبي، أنا مش هعرف أروح الشبكة، في عملية مستعجلة النهاردة." نظر إليها عُبيد الذي يقف وهو يرتدي بدلة سمراء كلاسيكية ويحمل يوسف الذي يرتدي بدلة مثل ولده، لكنها جميلة جدًا ويرفع شعره مثل ولده. قال عُبيد بهدوء: "تمام، أنا ها أسلّم وأجي على طول." قالت لتين وهي تقبله من خده،
ثم قبلت خد يوسف وقالت: "فك التكشيرة دي، هي كل حاجة انتهت عشان خاطر فؤاد بيه. الراجل محترم ويستاهل كل خير." قال عُبيد بهدوء: "وأنا عشان خاطر الأستاذ فؤاد ما كنت رايح في أي مكان." ابتسمت لتين بهدوء، ثم خرجت من المنزل، وخرج خلفها عُبيد وهو يحمل يوسف. قال عُبيد بهدوء: "هخرج وهجيلك على المستشفى." قالت لتين بابتسامة هادئة: "خلاص تمام." وصل عُبيد إلى الحفل وهو يحمل يوسف، لأن لتين ليست متفرغة الآن.
دخل عُبيد، ثم قابل بعض رجال الأعمال، فوقف وسلم عليهم. قال أحدهم: "أومال فين عمرو باشا؟ قال عُبيد بهدوء وهو يلاعب يوسف الذي يبتسم لمجرد أن ينظر إليه أي أحد: "عمرو في أوروبا." قالت إحدى السيدات التي تقف بجوار أحد رجال الأعمال: "أومال فين الدكتورة لتين؟ ما شفتهاش في الحفلة." قال عُبيد بهدوء وهو لا ينظر إلى السيدة، لكن نظر إلى يوسف: "عندها عملية فمقدرتش تيجي." قالت السيدة وهي تنظر إلى يوسف الذي ابتسم إليها
عندما وجدها تنظر إليه: "ليه حضرتك جبته معاك؟ ما ممكن إنك كنت تسيبه مع الدادة." قال عُبيد بهدوء: "بس مافيش عندنا في البيت دادة، ومش عاوزها." قالت السيدة: "ليه؟ دا حتى تربيتهم متع'بة جدًا." قال عُبيد
بهدوء: "أتعب النهاردة عشانه، بكرة لما أكبر وأحتاج لرعاية، يتعب عشاني ويرعاني، مش يرميني في أي دار مسنين أو يأجر شقة ويجيب حد يخلي باله مني، زي ما الأهل بيعملوا في أطفالهم وقت حاجتهم للأم والأب، بيتعلم فيهم، وفيه وقت ما يحتاج الأم والأب ليهم." بعد أن أنهى حديثه، تركهم، ثم ذهب إلى فؤاد بيومي الذي كان يقف مع بعض المشاهير. قابله فؤاد بيومي بحفاوة وقال: "عامل إيه يا ابني؟ قال عُبيد باحترام لهذا
الرجل الذي قدم لهم الكثير: "الحمد لله يا فؤاد بيه." قال فؤاد بهدوء: "أومال فين لتين؟ قال عُبيد بهدوء: "بعد ما جهزت المستشفى، رنت عليها لعملية ضروري، وهي بتعتذر، إن شاء الله تيجي بكرة تبارك لكيا." قال فؤاد وهو يتنهد: "أتمنى علاقتنا ما تتأثر بسبب اللي حصل." قال عُبيد بهدوء: "انت في مقام ولدي، وكذالك عمرو بيعتبرك ولده. وربنا يسعدها في الأول والآخر، كل شيء قسمة ونصيب."
ابتسم فؤاد، ثم ضم عُبيد وهو يبتسم، فهو لن يجد أي أحد في أخلاق عُبيد وعمرو. نظر فارس إلى كيا وهو يبتسم بهدوء، فبدأوا في الرقص لافتتاح الحفل. ضمها فارس إليه وهو يشعر أن السعادة لا تسعه في شيء. وبعد ذلك، نزل عمرو من السيارة، ثم دخل إلى الحفل، ومع كل خطوة كان قلبه يتحجر. وقف ينظر ببرود إلى كيا وهي ترقص مع فارس. لا يريد أن يبعد عينه عنهما، وكأنه يريد أن يتأكد أن كل شيء انتهى بينهم.
وهو واقف وينظر إليهم، وجد أحمد المهدي ينظر إليه باستخفاف. اقترب منه وقال أحمد المهدي ببرود: "عشان تبقى تتجاهلني حلو، في لحظة خليتها تبعد عنك." نظر إليه عمرو ببرود، ثم نظر إلى كيا، ونقل نظره إلى فؤاد بيومي، وذهب تجاهه، ولم يعر أي اهتمام لأحمد المهدي. سلم عمرو على فؤاد، الذي تفاجأ بقدومه، ثم بعدها خرج من الحفل بعد أن وقع عينه في عين كيا، التي ابتسمت لفارس وأظهرت أنها سعيدة جدًا.
ومع تلك البسمة، أصبح قلب عمرو محجرًا، لم يعد يشعر بشيء. قرر أن يذهب إلى المشفى لمقابلة أخته قبل سفره إلى أوروبا. أما عن الحفل، فقد كانت شيري تجلس بين بعض صديقاتها، فجأة شعرت بوجع شديد في قلبها، ثم أغمي عليها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!