وقت الشدة تظهر معادن الأشخاص والمواقف أيضاً، ومن خلالها نتأكد من عشق أحدهم. لا يعلم كيف وصل إلى بلده، ولا شعر بحاله وهو يصرخ في حمزة الذي كان ينتظره أمام المطار كي يسرع في قيادة السيارة ليصل إليها بأقصى سرعة. لم يهتم بمن يجلس في بهو السرايا، بل لم يراهم من الأساس. قلبه كان يجره جراً إليها. ماذا حدث لها؟ هو السبب. حمل نفسه المسؤولية كاملة. حينما دخل الغرفة ورأى وجهها شاحباً، غافية لا تشعر بمن حولها. وقفت عائشة ونرجس،
وقالت الأولى: "حمد الله بالسلامة يا ولد عمي." حاول تمالك حاله كي لا يجرحها بلهفته عليها التي كانت ظاهرة بوضوح. "الله يسلمك يا عيشة." "اطمن يا خوي إني وعيشة مفايتنهاش ليل ولا نهار." نظر لتلك التي تكتم حزنها من لهفته عليها رغماً عنها، وقال بإجلال: "طول عمرك جلبك طيب وبت أصول، ربنا يباركلي فيكي." ابتسمت له بهدوء ثم قالت: "خليك وياها بردك، انت دكتور وهتفهم عنينا." تحركت من أمامه وهي تقول: "يلا يا نرجس."
بمجرد أن أغلقوا الباب خلفهم بهدوء، أسرع تجاه الفراش. جلس بجانبها ثم سحبها بتمهل مليء باللهفة، ولكن بحرص كي لا يؤلمها سن الإبرة المغروز في كفها. ضمها بحنان، قبل رأسها كثيراً، ثم قال بحزن وندم: "حجك علي عيني يا جلبي، فتحي عنيكي واعملي فيا اللي بدك إياه، أنا محجوجلك، بس كنت مجبورة منكِ، أوعاكي تكوني صدجتي إني أقدر أهملك، داني روحي فيكي."
لم تشفق عليه ولم ترحمه. ظلت غافية بين ذراعيه رغماً عنها. ظل طوال الليل على هذا الحال، لم يغمض له جفن. بين الفينة والأخرى يجس نبضها، يتحسس جبهتها كي يطمئن على درجة حرارتها، إلى أن أتى الصباح. *** وصلت سحر إلى مطار القاهرة الدولي، وجدت في انتظارها حاتم الذي سبقها بيوم. بعد تبادل السلامات، صعدت معه السيارة ثم قالت بخبث: "أنا هرفع قضية خلع على جوزي، حاولت معاه كتير لما اتصلت بيه امبارح بس رفض."
نظرت له بمكر تدرس ملامحه بعد تلك الكلمات، ثم قالت: "مش كده أحسن؟ رد عليها بتسويف، فهو رجل أعمال. كل ما يهمه المكسب وفقط، ولا مانع لديه أن يستغل علاقاته النسائية في تسيير أعماله. ولكن حينما أراد الارتباط، اختار ابنة خالته التي يعلم تمام العلم حسن أخلاقها وتربيتها الحسنة. "الأصلح ليكي اعمليه، انتي بتقولي إنه مش مكفيكي كزوج، ولا بيعاملك كويس، يبقى حرام تضيعي شبابك معاه، انتي لسه صغيرة وحلوة وألف راجل يتمناكي."
ابتسمت بفرحة داخلية حينما فهمت حديثه بشكل خاطئ، فقد هيأ لها غرورها أن تلك الكلمات مجرد مقدمة لارتباطه بها. وهل يحتاج مقدمات بعد كل ما حدث بينكما أيتها الحقيرة؟ بمجرد أن تململت بين ذراعيه، فتح عينيه سريعاً قبل أن تأخذه غفوة لم تدم أكثر من عدة دقائق. أول ما فعله هو اختبار حرارتها للمرة التي لا نعلم عددها. أزال عنها سن الإبرة بعد انتهاء المحلول المعلق. ظل ينظر لها بتمني، علها ترفق بحاله وتنير يومه بإشراقة شمسها.
لم تشعر براحة في ذلك الوضع الذي لا تعرف ماهيته. هذا ليس ملمس فراشها. ما بالي أشتم رائحته؟ هل وصل بيا الحال أن أتخيله؟ ولكن... ذلك الصدر الصلب ليس وسادتي. وسادتي... هنا بدأ عقلها ينتبه أن هناك خطأ ما. فتحت عينيها بتمهل، وجدت قبالتها وجهاً يصرخ قلقاً رغم ابتسامته الباهتة. حاولت تكذيب حالها أنه هو، وأن كل ذلك تخريف الحمى التي أصابتها. إلا أن صوته الشجي أكد لها وجوده حينما قال بعشق:
"توه شمسي طلعت لما فتحتي عينيكي يا حبيبتي." "عثمان... أنت عدت؟ مسح وجهها برفق وقال بلهفة: "هو إني قدرت أبعد لجل ما أعود يا جلب عثمان." ردت عليه باكية، معاتبة: "بعدت، وهملتني، كنت تايهة من غيرك، هونت عليك... والله ما كنت أقصد أخبي." بدأت نوبة انهيار لحقها سريعاً حينما ضمها وقال: "بس... متبكيش، لساتك دافية، بلاش حديت دلوقتي، لساتك تعبانة." "دفنت رأسها داخل صدره وقالت من بين دموعها بطفولة: مانت زعلان مني، وهتهملني تاني؟
قبل رأسها بحب وقال: "لااااه... إني جاعد وياكي، ونسيت أي زعل بعد ما خدتك في حضني، هنتعاتب يا جلبي، وهفهمك الصح من الغلط، بس لما تطيبِ وتبجي زينة، وتعوّدي رغد الكيادة العنادية تاني." "بس أنت قلت هتطلقني." ضمها بقوة دون شعور منه وقال: "هو إني أقدر؟ في حد يبعد عن روحه؟ اهدي بس، اطمن عليكي لأول وبعديها هنتحدث كيف ما انتي رايدة." ***
جميع العائلة ملتفة حول طاولة الإفطار إلا عثمان ورغد، والذي أمر أن يحضروا له الفطور في الأعلى. "هي لساتها عيانة؟ مكنوش حابة سخونية دول؟ "الدكتورة قالت دور واعر جوي، الله يشفيها." "كلياتنا هنتعب، بس مفيش حد يضل راجل أكده، بس الدكتور شكله مجالعها." أغمضت عائشة عينيها بغيظ من أمها. وردت عفت بقوة:
"حجها، مرته وهو حر، بس اتجي ربنا، البنية مكنتش قادرة تفتح عينيها، وضلت يومين غايبة عن الدنيا، رايداها تنحرك كيف وهي مجدرة تصلب طولها يا نضرين." "قبل ما أنزل فوت عليهم أطمن، عثمان جالي لساتها فايقة بس مدروخة، والسخونية نزلت شوية عن الأول، بس لساتها عالية بردك." "ربنا يشفيها، ديه فرح ولد أخوها بكرة." "ملهاش نصيب تحضره." وطبيبنا، اعتبرها ابنته الصغيرة التي سيغدقها دلالاً. سيعلمها بتعقل، سيعاتبها بحب، ولكن ليس الآن. ***
وضعها برفق فوق الفراش. اتجه ناحية المرحاض. غاب لبضع دقائق ثم عاد لها مرة أخرى. قربها منه وهو يقول: "جهزتلك البانيو، تعالي اجعدي فيه شوية لجل ما تفوقي." حاولت القيام وحدها وهي تقول: "يخليك ليا." منعها سريعاً من التحرك وهو يقول: "رايحة وين؟ "هسبح كيف ما جلت." ابتسم بعشق ثم قام بحملها سريعاً وهو يقول: "وأني رحت فين يا جَلبي؟ جهزتلك كل حاجة، هحميكي بيدي كمان." دفنت رأسها داخل صدره بخجل وقالت: "إني هعرف لحالي."
لم يلقِ بالاً لرفضها الواهي، بل أنزلها بالداخل برفق. جردها من ثيابها، رفعها بهدوء كي يجلسها داخل حوض الاستحمام. جاهد حاله كي لا ينقض عليها، فهو عاشق، اشتاق لحبيبته، والتي تجلس أمام عينيه الجائعة، وهي لا تشعر بما يدور بداخله. لم تتلقَ دلالاً قط مثل الذي نالته على يده. غسل شعرها برفق. ملس على جسدها بحنان جامح ورغماً عنه كانت يداه تخونه وتظهر ما يجيش في صدره.
جفف جسدها بحنو، ألبسها ثياباً نظيفة، حتى أنه جلس خلفها يجفف شعرها ويمشطه. ابتسمت بحلاوة وقالت بعد أن شعرت بتحسن كبير: "وااااه، كتير على الجلع ده كلياته." وضع خصلاتها على جانب واحد، دفن رأسه في تجويف عنقها بعد أن ضمها من الخلف وقال: "الجلع اتخلج عشانك انتي بس يا رغدي، لو أطول أفرشلك الأرض حرير كنت عملتها." أسندت رأسها للخلف وقالت بوهن: "وجودي وياك أكبر نعمة يا عثمان، متحرمشنيش منها."
حينما شعر بالاختناق في صوتها، سحبها لتجلس فوق ساقيه وتواجهه، ثم قال بحنو: "انتي جلب عثمان من جوه، كيف أبعد عنيكي؟ "مش أنت اللي جلت... قاطعها سريعاً وهو يقول بجدية:
"مش كل اللي هيتقال في وقت الزعل نمسك فيه ونصدقه. إني كان حقي أزعل منكِ، كان حقي أعاتبك، بس لتجتني بعزب روحي ببعدي عنيكي. انتي غلطي غلط واعر جوي لما ما وثقتيش في وحكيتلي، واني غلطت لما ما قدرتش خوفك واللي عيشيته قبل سابج. كان لازم أفهمك بالعجل، وحتى لو زعلان، مبعدتش. إني عرفت... لاه اتأكدت من قيمتك جواتي. جلبي معادش يدق غير لما ضميتك جوه حضني. لما جالي إنك عيانة...
حسيت روحي بتتنسحب مني. ملعون أبو الزعل على أي حاجة في الدنيا قصاد اللي حسيته وقته. لا عارف وصلت المطار كيف ولا كيف لقيتني جنبك. على جد ما الخوف كان شاغل بالي ومحسيتش بكل ده. على جد ما حسيت إنهم أطول ساعتين عدوا علي في حياتي كلياتها." قبلها برفق ثم ابتعد وقال:
"المهم دلوقتي مش وقت حديت، هاكل بيدي وأكشف عليكي، تاخدي علاجك وتريحي، ولما تفوقي خالص وربنا ياخد بيدك، هنجعد ونطلع كل اللي جواتنا لجل ما بيكونش في حد جواته شي من التاني، ولجل ما نفهم بعضينا." قبلها بسطحية ثم أكمل: "ماشي يا حبيبتي." ***
يومان مرا عليهم، تعافت فيهم بعد اهتمامه بها، بل أغرقها دلالاً وعشقاً. خوفه عليها، لهفته الظاهرة للعلن جعلتها تعض على أصابعها ندماً على ما اقترفته في حقه. لم يعاتبها، بل لم يلمح لها بكلمة حتى عما فعلته، كان كل همه أن يراها كما كانت، تملأ دنياه صخباً وعشقاً كما اعتاد عليها من قبل. واليوم اضطر راغماً أن يتركها ويرحل بعدما أتاه اتصال من عماد يخبره بميعاده الذي كان ينتظره بشدة مع هذا الحاتم. بعد أن ارتدى
ثيابه جلس أمامها وقال: "ما هغيبش عليكي، هسافر وأعود طوالي، غصب عني، شغل مهم مهينفعش يتاجل." ابتسمت له بعشق ثم قالت: "يا حبيبي إني بجيت زينة، متشغلش بالك بيا، شوف اللي وراك." قبلها بقوة وشوق ثم فصلها وقال: "مليش غيرك أشغل جَلبي وبالي بيه، خدي بالك من حالك، وإياكي تهملي الدوا، إني راجع عشية بامر الله." *** وصل مقر شركة عملاقة، وبعد أن عرف نفسه للسكرتارية، أبلغت حاتم ثم أدخلته، مغلقة الباب خلفها. وقف حاتم
يرحب به باحترام وهو يقول: "أهلاً بيك دكتور عثمان، شرفتني بوجودك." "الشرف ليا يا حاتم بيه، أنا مش هعطلك كتير، أكيد بتسأل إيه سر الزيارة مع عدم وجود معرفة سابقة بينا." "حضرتك تشرف في أي وقت، دكتور عثمان السوهاجي أشهر من نار على علم." "شكراً، أنا قبل ما أقرر أقابلك سألت عليك، وبصراحة آراء الناس فيك هي اللي شجعتني إني ألجألك تساعدني." "لو بإيدي أكيد مش هتأخر." "هحكيلك، بس يا ريت مندمنش إني حكيتلك، عشان مزعلش."
لم يهتم بذهوله من وقاحته وتهديده له في مكانه. قص عليه الحكاية من أولها تحت صدمة الآخر مما يسمع. بعد أن انتهى قال: "أنا كل اللي محتاجه منك إنك توصلني ليها، أي حاجة بعد كده بتاعتي أنا." "معقول في حد بالحقارة دي؟ أنا كنت عارفة إنها طماعة وتعمل أي حاجة عشان الفلوس، إنما ما كنتش أتخيل أبداً إنها بالوساخة دي. اللي يجبرها تعمل كده وهي أصلاً من عيلة كبيرة، يعني مش محتاجة لكل ده." "في ناس نفوسها مريضة، المهم... هتساعدني؟
"أكيد، هي أصلاً مستناني النهاردة في شقتها الجديدة. شوف إيه المطلوب مني وأنا أعمله." *** ليلاً، تجهزت تلك الحقيرة بثياب عارية، وضعت زينتها التي لا تتخلى عنها. جلست تنتظر ضحيتها الجديدة وهي تمني حالها أن تحكم شباكها عليه. دق جرس الباب، فتحركت سريعاً تجاهه، ولكنها وقفت أمام المرآة تتفحص هيئتها ملياً. تأكدت من تمام مظهرها الرائع بالنسبة له. نظرت من خلف الباب للتتأكد أنه هو. حينما رأته ابتسمت باتساع وقامت بفتح الباب.
ابتسم لها حاتم بخبث وقال: "إيه الجمال ده كله؟ ضحكت بعهر وهي تفسح له المجال كي يدخل ثم قالت: "عيونك الحلوة يا حبيبي، اتفضل." جلس معها خمس دقائق فقط كما اتفق مع عثمان. وبعدها دق جرس الباب مرة أخرى، وحينما كادت أن تقوم كي ترى من الطارق، منعها حاتم وهو يقول بغيرة كاذبة: "استني، هتفتحي إزاي كده؟ مثلت الخجل وقالت: "هشوف مين." "ده البواب كنت باعته يجبلي سجاير." اتجه للباب ثم فتحه وقال: "كله تمام يا دكتور."
والدكتور ابتسم بشر وهو يتجه لها بتمهل. دب الرعب في أوصالها حينما ظهر أمامها. عجزت عن الصراخ، شلت حركتها، لم تقو حتى على اتخاذ أي رد فعل. هي الآن لا ترى عثمان السوهاجي، بل كل ما تراه أمام عينيها هو ملك الموت الذي سبق قبض روحها النجسة. "عامله إيه يا..... مرات أخوي؟ برقت عيناها برعب ونظرت لحاتم بصدمة، فقال بشماتة: "أنا كده عملت اللي عليا، تأمر بحاجة يا دكتور؟ "..... ماذا سيحدث يا ترى؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!