يا الله... الخوف وحش مفترس ينهش أحشاءنا. أما أن نواجهه ونقتله بسكين الشجاعة، أو نتركه يمزقنا من الداخل حتى يقتل روحنا ونصبح أحياء بلا حياة. طبيبنا الحكيم...
فكر في الأمر من جميع الاتجاهات. لن يظلم أحد. لن يسمح لباب الثأر أن يفتح، ولن يترك حق صغيرته المسكينة التي تحملت ما لم يقدر عليه من عاش أضعاف عمرها. سيعيد هوية ابن أخيه الحقيقية، حتى يستطيع العيش بطريقة سوية. وفي الأخير سيأخذ حق أخيه، والذي كان معترفًا من داخله أن له النصيب الأكبر من الخطأ.
لم ينم ليلته. لا هو ولا حبيبته التي كان الخوف يقطعها أربًا من الداخل. حاولت أثناءه عما انتواه بشتى الطرق، ولكنَّه أبدًا لن يتراجع. بل أقنعها بأن ما يفعله هو عين الصواب. وعدها ألا يفتح باب الثأر مرة أخرى. طالبها بالوثوق به وبحكمته التي لا تعلم عنها شيئًا حتى الآن. رأت عثمان المتجبر، ثم شديد الاحتواء، والعاشق الذي أغدقها بدلاله لها. والآن جاء دور الطبيب الحكيم ذي العقل الراجح، الذي أبدًا لن يرضى بظلم أحدهم.
مع بدء ظهور أول خيط من نور الصباح، قبل رأسها المسنود فوق صدره وقال بمزاح: "قومي يا حبيبتي، ارجعي أوضتك قبل ما نتجف." اعتدلت كي تنظر له وتقول: "واااه... إني مرتك." "مرتي وحبيبتي كماني. بس انتي خابرة زين اللي فيها. بلاش تعملي ناصحة علي." تعلم أنه يريد التخفيف عنها بعد بكائها، وستفعل معه المثل. قالت بدلال: "حاسة إني عيلة صغيرة راحة تقابل حبيبها من ورا أهلها. وحبيبها خايف عليها." لمس على وجنتها بحنو ثم قال بصدق:
"حبيبها معندوش أغلى منها يخاف عليه. يلا يا جلبي حبيبك، ما رايدش أتأخر. خلينا نخلص و نفوج لحالنا." "عثمان... " قالت رغد بخوف. "انت وعدتني." قبلها بعشق ثم قال: "و إني عند وعدي يا رغد. عثمان... مفيش نقطة دم هتنزل من حد فينا. ربنا يقدرني و أحلها ويا أبوكي من غير ما حد يدري بينا."
فاقت من تأثير المخدر منذ بضع ساعات. لم تقو على الحراك. نظرت حولها وجدت نفسها ملقاة أرضًا مكبلة يداً وساق. حتى فمها مربوط بوشاح. غرفة داخل مخزن مهجور، هو ما استشفته مما حولها. انهمرت دموعها بغزارة. ليس ندمًا، بل رعبًا من القادم. علمت أنها النهاية في كل الأحوال، سواء عاقبها هو، أو قرر إعادتها إلى أهلها، وهذا الاحتمال الأقرب. بعد أن ارتدى ثيابه وتأهب للخروج، اتصل على عبد الحكيم العبيدي. وحينما رد عليه قال بجدية:
"السلام عليكم. كيفك يا حاج؟ رغم استغراب الأخير من هذا الاتصال المبكر، إلا أنه رد بهدوء: "وعليكم السلام ورحمة الله. كيفك يا ولدي؟ والبت زينة، فيكم حاجة؟ "بخير يا حاج. اطمن." سحب نفساً عميقاً ثم أكمل: "إني رايدك في موضوع مهم." "تعال يا ولدي الدار مفتوح. هو انت غريب تاخد الإذن قبل ما تيجي؟ "لاااه. خلينا بعيد عن الدار. أو... خلينا نقعد في المندرة لحالنا. اللي رايدك فيه ما ينفعش حد تاني يعرف بيه."
"جلجلتني يا ولدي. هستناك في المندرة. متطولش علي." جلس معه على انفراد داخل قاعة الضيوف المنفصلة عن السرايا. ورغم استغراب الجميع من هذا الأمر، إلا أن لم يجرؤ أحد على التدخل أو حتى السؤال. نظر له هذا الشيخ الحكيم وعلم أن الأمر جلل. سأل بهدوء ينافي قلقه الداخلي: "خير يا ولدي."
"يا حاج عبد الحكيم. إني اللي جيتك وطلبت ننهي الثأر اللي بين العيلتين. واللي راح بسببه زينة شبابهم ورجالتهم. كفانا بحور الدم اللي روت النجع. ما أخذنيش الكبر وقتها ولا قلت كيف إني اللي أتنازل وأروح لهم. بديت مصلحة الكل وطلبت نسبك لأخوي، الله يرحمه. وقتها كنت خابر إن عنديكم بنته أكبر منها. لكن إني اخترت لأخوي نسبك انت، يا كبير العبايدة."
"وهو يعلم ربي كنت هعمل في أخوي إيه لو بس حسيت إنه زعلها." تغاضى عن تلك النقطة سريعًا حينما كادت غيرته أن تظهر عليها. أكمل بنبرة عاشقة لم يقصدها: "ويعلم ربي إن بنتك من يوم ما بقت مرتي وإني شايلها جوه حباب عيني. مش لجل إنها مرتي وبس. لااااه. عشان هي تستاهل تتشال فوق الراس." أكمل بداخله رغماً عنه: "وجوه الجلب." هز الرجل رأسه بتفهم. ورغم أن بداخله فرح لعشق هذا الطبيب لابنته، إلا أن خوفه من القادم كان أكبر.
زفر عثمان بهم ثم أكمل: "إني بقولك كل ده عشان اللي جايلك فيه. لو ما تحلش بالعجل والحكمة. هيفتح علينا اللي حاولنا نقفله. ووقتها مفيش حاجة هتقدر توقفه." "جول يا ولدي. إني جلجت. في إيه لكل ده؟ ذكر اسم ربه بداخله ثم حوقل كي يستمد القوة من خالقه. ثم بدأ يقص عليه كل شيء منذ البداية إلى اللحظة التي يجلس أمامه فيها. استمع إليه وكل خلية بداخله تغلي غضباً. وبعدما انتهى، انتفض من مجلسه ثم طرق بعصاه الأرض وقال بحسم:
"وينها الفاجرة؟ وقف عثمان وقال: "في المخزن الجبلي." "هاجي وياك آخدها. وبعديها... نظر له بغضب ثم أكمل: "بنتي تلزمني." هل تشعرون بكم النار التي اشتعلت داخل صدره؟ حتى أنها خرجت من عينيه. نظر له بقوة غاضبة ثم قال:
"مرتي. مالهاش صالح بكل ده. إني كان ممكن أقتلها وأتاويها من غير ما حد يحسب. بس إني جبتها ليك لحدت عندك. لجل ما تعرف الحقيقة. ولجل ما أريح ولد أخوي. والأهم من كل ده. آخد حق مرتي. أوعاااك تفكر إنها هتبقى طرف بيناتنا. طلعها بره الليلة دي. وإلا.... لا هيهمني ثأر ولا حتى النار تحرق النجع كله." هز عبد الحكيم رأسه بغل ثم قال بمهادنة: "أغسل عاري الأول. بعدين لينا حديث تاني." صاح بحسم:
"ولا تاني ولا تالت يا حاج. تاخد اللي ليك عندي وبس." لم يتلق منه ردًا، وإنما أخرج هاتفه ليتصل بولده البكر، والذي ورث العقل والحكمة منه. وحينما رد عليه قال بحسم: "هات عمك وتعال المندرة." بينما هم يتحركون أربعتهم بوجه متجهم متجهين إلى مكان تلك الحقيرة التي ستنال جزاءها كما يجب. كان هناك من هو أحقر منها يتوارى خلف أحدب الأشجار منتظر رحيلهم بعدما سمع كل ما قيل بالداخل.
اتخذت من غرفتها مخبأ كي تبتعد عن الجميع حتى لا يلاحظوا رعبها الظاهر بوضوح عليها. وبينما لعبت بها هواجسها وتخيلت أسوأ السيناريوهات. وجدت خافقها يخبرها بيقين، أن تثق في طبيب قلبها لن يخذلها. سيحل الأمر دون ضرر لأي من العائلتين. لن يضيع كل ما ضحت به هباءً. وقفت سريعًا ساحبة وشاحاً لتغطي به رأسها كما أمرها. قالت لحالها بتشجيع: "انزلي الهي حالك وياهم. عثمان عاجل وهيحلها بأمر الله."
أعقبت قولها بالخروج متجهة إلى الأسفل. ومع انشغالها نسيت هاتفها ملقى فوق الفراش. هرول ابن عم رغد إلى داخل السرايا بعدما تأكد من مغادرة عمه وعثمان. صاح بالجميع كي يأتوا إليه وقال بغل فقد جاءته الفرصة كي ينتقم من عثمان الذي تسبب في إهانته والتقليل منه وسط الرجال وقتما كان آتيًا ليتقدم لرغد.
"تعالوا. تعالوا يا عبايدة شوفوا اللي حصل واحنا نايمين على ودانا. لو فيكم راجل يغسل عاره وما يخليش واحد من السوهاجية عايش على وش الأرض." التف الجميع حوله بغضب، وأولهم كان وهدان الذي قال: "إيه اللي هتقوله ده يا واكل ناسك؟ "إني لسه هقول. هقول اللي مستخبي كله." قال تلك الكلمة وهو ينظر إلى شادية التي ماتت رعباً. "السر انكشف. يا ويلك يا ابنة قلبي." قص عليهم سمير ما سمعه حينما وقف يتصنت عليهم منذ أن أتى عثمان.
وبعد أن انتهى قال بخبث: "عمي ويونس رايحين يجيبوا الفاجرة. إحنا بقى نروح سرايا السوهاجية نجيب بتنا من هناك. بكفيها بهدلة لحدت كده. الله أعلم عثمان عمل فيها إيه هو كمان." قبل أن يرد عليه أحد كانت شادية تصرخ برعب: "لااااه. مالكومش صالح برغد. البنية عايشة متهنية. متخربوش عليها يا خلج." وجدت انصاف الفرصة كي تشفي غليلها الواهي من تلك المسكينة وتطفئ نار غيرتها منها. قالت بصوت يملأه الحقد:
"كنك اتخبلتي يا شادية. كيف يهملوا خيتك بعد كل ده. هأتمني عليها كيف وياهم. دي غير الثأر اللي هيفتح من أول وجديد." "يلا يا رجالة." قال وهدان بحماقة. "ناخد بتنا الأول بعدين هنولعها حريقة. يا ويلكم يا سوهاجية." صرخت. توسلت. وقفت تحاول منع أي منهم من التحرك، ولكنها فشلت فشلاً ذريعًا. قالت بجنون: "منك لله يا سمير." هرولت للأعلى حتى تحضر هاتفها كي تحاول إنقاذ أخته. بينما انصاف تقول بشماتة:
"خلاص يا شادية. النار ولعت وما فيش حد هيقدر يطفيها." ردت عليها بصراخ غاضب: "إلهي النار دي تحرق كل اللي رايد ببختي شر. منكم لله." عادت الاتصال بها للمرة الخامسة ولم تجد رداً. فكرت سريعاً واتصلت بأبيها الذي أيضاً كان يغلق الهاتف. لم تيأس. ظلت تحاول مع أبيها وأخيها إلى أن رد عليها بغضب: "خبر ااا... قاطعته صارخة:
"الحج يا خوي. سمير عرف اللي حصل. وجاء الدنيا نار. يونس أخوك خد ولد عمك والرجالة وطلع على السوهاجية لجل ما ياخدوا رغد. الحجهم يا خوي." أغلق معها سريعًا، بينما هي اتصلت على هاتف نرجس، وحينما ردت عليها صرخت بها: "رغد وينها؟ انتفضت نرجس من صراخها وقالت: "اهي قاعدة ويانا مالك." لم تعطها الفرصة للسؤال، أمرتها سريعاً: "اديهالي بسرعة." أمسكت الهاتف بيد مرتعشة. سمعت أختها تقول:
"اقفلي الباب يا رغد لو ما فيش حداكم رجال. أخواتك جايين ياخدوك." سألتها بخذلان: "عثمان قالهم؟ صححت لها شادية الأمر سريعاً كي لا تسيء الفهم:
"لااااه. محدش كان خابر جوزك رايد بوكي في إيه. لكن اللي ربنا ينتقم منه سمير الكلب كان هيتأصت عليهم. وأول ما طلعوا دخل السرايا وجاء الدنيا حريجها. وعشان تسمعي حديثهم. جوزك ما باعكيش يا بتي. بلاش تديهم فرصة يجيبوا النار من تاني. اتحملتي كتير يا بت جلبي. كملي للآخر لجل خاطري وخاطر جوزك اللي عشقك." أما زوجها فقد أصبح مثل الثور الهائج بعدما سمع يونس يقص على أبيه ما حدث. وقد كانوا على وشك الوصول إلى وجهتهم. صاح بغضب جم:
"هتتعدوا على حرمة بيتي يا عبايدة.?" أوقف السيارة فجأة وقال بجنون: "إني حاولت أقفل باب الدم. لكن انتوا اللي رايدين. ولو حد مس شعرة من مرتي ولا طلعها بره دارها مهخليش حد فيكم عايش." لم يهتم بصياحهم عليه. بل أعاد تشغيل سيارته وانطلق بها بسرعة جنونية. أمسك هاتفه بصعوبة وقام بالاتصال على حمزة. وبمجرد أن رد عليه قال بأمر: "لم الرجالة بسرعة واطلع عالسرايا." "في إيه؟ "العبايدة رايحين يخطفوا مرتي. مرّة أخوك يا حمزة."
"على جثثنا يا خوي. يعدوا على جثثنا الأول بعدين ياخدوها." في نفس التوقيت كان يونس وأبيه وعمه يقومون باتصالات هاتفية مع بعض أفراد العائلة كي يحاولوا منع تلك الكارثة التي ستحصد الأخضر واليابس. وتلك المرة حقاً. لن يستطيع أحد منعها. كان المشهد... حقاً مرعب.
توجس أهل القرية خوفاً حينما شاهدوا رجال العبايدة يتجهون نحو سرايا عائلته السوهاجي وعلى ملامحهم غضباً شديد. أما تلك المسكينة فقد وقع منها الهاتف بعدما فشلت في الإمساك به. فقد انفلتت أعصابها من شدة الرعب. التف حولها النساء يسألن بلهفة ماذا حدث. "واااه مالك يا بتي. أبوكي زين؟ حد من أهلك جرى له حاجة؟ "جولي يا خيتي ولو خايفة من عثمان. الحاج يتحدث وياه لجل ما تروحي تطمني عليه." مهنا فاقت قليلاً وقالت بارتعاش:
"اقفلوا الباب. أهلي هياخدوني. رايدة أكلم بوي. كلمي عثمان." بكت بقهر وهي تتوسل لهم: "اتصلوا بيه أحب على يديكم." لم تتركها عائشة تتوسل. بينما كان الجميع يهدئها. كانت هي تطلب زوجها الذي رد سريعاً: "حد جيه؟ لم ترد عليه بل وضعت الهاتف فوق أذن تلك الباكية. وبمجرد أن سمعته يقول: "وينها رغد؟ ردت عليه بوهن: "إني خايفة." اعتصر قلبه ألماً حينما سمع نبرتها المرتعبة. ولكنَّه قال بقوة: "بوكي وأخوكي معاي وسامعني زين."
أكمل بصياح قوي: "إنتي مرتي. وما فيش جوه على الأرض هيبعدك عني. لو حد منهم فكر يمس شعرة منك. مش هيكفيني رجابيهم كلهم. إني جايلك. جايلك يا جلبي عثمان. أوعاكي تخافي ولا تطلعي من دارك." وصل وهدان بصحبة الرجال. ولحسن حظه كان حمزة ما زال في الطريق مع رجاله. ولكنَّه قام بمهاتفة بعض الرجال المتواجدين بالقرب من السرايات. تصدوا لهم وقامت معركة حامية. الجميع يضرب. الجميع يسب. إخوتها وعلى رأسهم وهدان يحاولون اقتحام السرايا.
والخبيث ينفخ في النار كي يشعلها أكثر حينما وسوس لأخيها أن يدخلوا من الباب الخلفي متمنين أن يكون مفتوحاً. في نفس لحظة وصول حمزة مع باقي الرجال. والذين اشتبكوا مع البقية دون تفكير. كان وهدان وسمير ومعهم ثلاثة رجال اقتحموا السرايا من الباب الخلفي. صراخ وعويل. خوف ورعب حد الموت. هذا كان حال النساء بالداخل. صاح وهدان بهم: "اكتمي يا حرمة منك ليها. إني هاخد خيتي من سكات." سحبتها عفت خلف ظهرها وقالت بقوة:
"كنك اتخبلت. انت مفكر إن حد هيسيبك تاخد مرة السوهاجي. انت كتبت على حالك الموت بعملتك الشينة دي." "أما نشوف يا دكتور مين اللي هيقتل التاني." صرخت رغد بتوسل: "أحب على يدك يا خوي. اجصر الشر. عثمان ما عملش حاجة لجل ما تقتله. دي أكرم خيتك وحطها جوات حباب عينيه." "إنتي لساتك هتيجي على نفسك لجل ما توقفي الدم يا بت عمي. مش كفاية اللي اتحملتيه من أخوه."
بين شد وجذب. في نفس اللحظة التي قررت فيها نرجس أن تهرول تجاه الباب كي تفتحه وتستنجد برجال عائلتها. كان ذلك الأرعن يهجم على أخته بغتة ويجرها جراً من ذراعها تجاه الخارج. خطوة فقط. واحدة. هي ما خطاها خارج الباب ثم تصنم مكانه حينما سمع دوي إطلاق نار قوي. ليس طلقة واحدة بل ثلاث طلقات. أنا هي. تخشب جسدها. جحظت عيناها حتى دموعها جفت من هول ما رأت. ماذا سيحدث يا ترى؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!