تحميل رواية «عثمان و رغد» PDF
بقلم فريدة الحلواني
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
صباحك بيضحك يا قلب فريده. كل سنة وأنتي في هنا وراحة بال، ويا رب يكون ليكي دعوة ربنا استجابها في رمضان وتكون أيام جبرك وعوضك قربت خلاص. وحشتوني قد البحر وسمكاته. يلا نبدأ بسم الله. لا تحكم على الكتاب من عنوانه، فربما يكون محتواه مغاير تمامًا لذلك الغلاف المبهج والعنوان الملفت للانتباه. هكذا يكون الإنسان، يرتدي أغلى الثياب، وعلى وجهه أجمل ابتسامة يمكنك أن تراها يومًا. ولكن بداخله خراب. داخل إحدى الشقق الفاخرة التي يملكها فهد السوهاجي ويقيم بها هو وزوجته وابنه الوحيد. وقفت رغد تبكي بحرقة وهي عاجزة...
رواية عثمان و رغد الفصل الأول 1 - بقلم فريدة الحلواني
صباحك بيضحك يا قلب فريده.
كل سنة وأنتي في هنا وراحة بال، ويا رب يكون ليكي دعوة ربنا استجابها في رمضان وتكون أيام جبرك وعوضك قربت خلاص.
وحشتوني قد البحر وسمكاته.
يلا نبدأ بسم الله.
لا تحكم على الكتاب من عنوانه، فربما يكون محتواه مغاير تمامًا لذلك الغلاف المبهج والعنوان الملفت للانتباه.
هكذا يكون الإنسان، يرتدي أغلى الثياب، وعلى وجهه أجمل ابتسامة يمكنك أن تراها يومًا.
ولكن بداخله خراب.
داخل إحدى الشقق الفاخرة التي يملكها فهد السوهاجي ويقيم بها هو وزوجته وابنه الوحيد.
وقفت رغد تبكي بحرقة وهي عاجزة تمامًا أن تفعل شيئًا لزوجها الذي يحتضر.
صرخت به بقهر ورعب: "جوم معايا، تعالي نروح أي مستشفى، ليه أكده، هانت عليك روحك."
رد عليها بشق الأنفس وهو يقول برجاء: "ادفنِ سري معايا يا رغد، أمانة في رقبتك، معايزش أهلي يدعوا عليّ وأني ميت."
نظرت له بقهر ثم هرولت نحو هاتفها وأمسكته بيد مرتعشة، ثم قامت بطلب رقمًا ما.
وحينما جائها رده، وقبل أن يسأل عن هوية المتصل، وجدها تصرخ بزعر: "الحقني يا دكتور، الحج أخويا."
انتفض من خلف مكتبه وقال بعدم فهم: "مين؟"
"رغد."
ردت عليه بانفاس لاهثة من بين دموعها: "أيوة أني رغد، الحج فهد بيموت."
ارتعش جسده رعبًا على أخيه بعد سماع تلك الكلمة التي طعنته في قلبه، فهو أخاه الوحيد الذي يحبه كثيرًا رغم عيوبه.
هرول إلى الخارج بعد أن التقط مفاتيح سيارته وقال لها بغضب: "ماله خوي يا واكلة ناسك، عملتي فيه إيه، انطقي."
بكت بقهر وهي تقول: "معملتش حاجة جسماً بالله، هو اللي شرب سم، وعم ينازع."
"الحجة الله لا يسيأك."
أعلم كيف التقط حقيبة إسعافات من إحدى غرف الطوارئ، ولا كيف وصل إلى سيارته التي انطلق بها بسرعة جنونية تجاه البناية التي يقطن بها أخيه.
يحمد الله أن اليوم كان ميعاد تواجده في مشفاه بالقاهرة.
وصل في وقت قياسي وهرول إلى الداخل.
طرق الباب بجنون.
فتحت له، وقبل أن تتفوه بحرف، هرول إلى الداخل ليحاول إنقاذ أخيه.
وقف أمام الفراش الممدد عليه، نظر برعب إلى السائل الأبيض الذي يخرج من فم أخيه وعلم أنها النهاية.
دمعت عيناه وهو يخرج من الحقيبة إحدى الأدوية المضادة للسموم كي يحقنها في ذراعه وهو يقول: "أخدت إيه يا ولد أبوي، جولي لجل ما ألحقك، ليه أكده ليييه."
أمسكه فهد بوهن ثم قال ودموعه تسيل بجانب وجنتيه: "سامحني يا خوي، قول لأمي تسامحني، أني عشقتها، مهجرش أعيش من غيرها، هملتني لحالي يا أخوي، معيزانيش."
نظر لرغد بشر وقال: "هتعيشي، وهخليها تجعد تحت رجليك، بس سيبني ألحقك."
برقت عيناه حينما وجد يد أخيه ترتمي بجانبه وقد فارق الحياة.
سحب جسده الهامد بيديه وظل يهز فيه وهو يصرخ هستيريا: "لاااااه، مهتموتش، اصحي يا فهد، أني مليش غيرك."
ضمه لصدره بجنون وهو يبكي لأول مرة في حياته ويقول: "اخوووووي."
ظل لبعض الوقت محتضنًا أخيه، ثم تركه فجأة واتجه إلى تلك الباكية بحرقة.
جذب شعرها بيده ثم قال بشر: "أنتي اللي جتلتي خوي، آآآني هخليكي تعيشي في جهنم، إن ما خليتك تموتي في اليوم ألف مرة مبجاش أني عثمان السوهاجي."
صرخت برعب وقهر: "آني معملتش حاجة، آني مليش صالح."
شد على خصلاتها بغباء وهو يقول: "جتل حاله عشان بيعشقك، كنتي رايدة تهمليه وتروحي فين يا فاجرة.
ده كان حاطط الدنيا تحت رجليك، عايشك عيشة متحلميش بيها، كل النعيم اللي عيشتي فيه هجلبو عليكي جحيم، مهرحمكيش كيه مرحمتيش خوي وجتل حاله عشانك."
ألقاها بعنف حتى وقعت أرضًا وقال آمرًا بتجبر: "اللي حصل ده محدش هيعرف بيه، ساااامعة."
نظرت له بعدم فهم، فأكمل: "خوي مات بسكتة قلبيه، حسك عينك حد يعرف إنه انتحر، هقتلك، جسماً بالله هقطع من لحمك وأرميه لديابة الجبل، ساااامعة."
هزت رأسها بهستيريا علامة الموافقة وهي تبكي بقهر ورعب على ما ستراه على يد هذا المتجبر.
انقلب بيت السوهاجي رأسًا على عقب واتشح بالسواد بمجرد أن تلقوا خبر وفاة فهد السوهاجي.
أوشكت عفت أن تصاب بالجنون وهي تصرخ قهراً على فقد صغيرها الغالي الذي نال من الدلال ما لم يناله أحد، كيف ستتحمل فراقه.
الكل حزين، والجميع يسأل كيف لشاب مثله يتمتع بكامل صحته أنه يموت فجأة.
عاد بجثمان أخيه وترافقه تلك الحزينة، تحتضن ولدها الصغير وكأنها تحميه من قسوة الدنيا عليها.
وجدت عائلتها تقف جنبًا إلى جنب مع عائلته كي تؤازرها في ذلك المصاب الأليم.
أول من تلقتها داخل أحضانها باحتواء هي أختها الحبيبة شادية.
ضمتها باحتواء، ولما لا فهي من قامت بتربيتها والوقوف بجانبها في أصعب لحظات حياتها.
شادية بحب: "شدي حيلك يا بت أبوي، طول عمرك قوية وشديدة."
همست لها بحزن: "آني خايفة."
فهمت شادية أن أختها ليست على ما يرام، ليس بسبب وفاة زوجها فحسب، وإنما تشعر أن بها شيئًا آخر.
ردت عليها بحنو: "متخافيش طول ما أني معاكي يا بت أبوي، نخلص من العزا ونجعد ويا بعضنا وتجوليلي كل اللي حصل، تعالي لجل ما حد ياخد باله منينا، أني واعية لعيشة عم تطلع علينا."
تمت مراسم الدفن سريعًا بعد أن استخرج تصريح دفن لأخيه، وقد كتب سبب الوفاة أزمة قلبية مفاجئة.
لم يكن أبدًا يستطع إخبار أحد أن أخيه الغالي أنهى حياته بيده.
سيعلم ما حدث وسينتقم منها أشد انتقام، سآخذ ثأر أخيه منها، أهلاً بكي في جحيمي.
وقف بشموخ مرتدياً جلبابًا أسود فوقه عباءة سوداء، قام بلف عمامة بيضاء حول رأسه.
بدأ يتلقى كلمات المواساة والعزاء في فقيده ومعه عمه وابنه وباقي العائلة.
أما عائلة العبيدي فلم تتركه إلى أن انقضى اليوم وانتهوا من تلقي العزاء.
جلست وسط النساء المتشحات بالسواد والعويل يملأ أركان السرايا.
كادت تصرخ بكل ما أوتيت من قوة، تشعر بقبضة حديدية تعتصر قلبها المنهك.
وقد شعرت بها أختها الحبيبة، شدت على يدها بقوة كي تتمالك حالها.
نظرت لها من بين دموعها وصمتها يشي بكل شيء.
مالت عائشة على أمها وقالت بخبث: "شوفي يا أما البت قاعدة مطلعتش صوت على جوزها."
نرجس ومرت عمي حسهم اتنبح وهي قاعدة باردة.
أردت تحية بحزن: "همليها يا بتي بكفاية خراب بيتها وهي لسه عيلة صغيرة."
عائشة بتوجس: "آني خايفة يا أما."
نظرت لها الأم بعدم فهم، فأكملت بوجل: "أنتي خابرة عوايدنا زين، البت لسه صغيرة على جوزك، ومخلفة ولد منها، فكرك هيهملوها تطلع بيه من السرايا، ولا هتجعد عازبة باقي عمرها."
فهمت تحية ما تعنيه ابنته وقامت بوضع يدها فوق فمها كي تكتم شهقتها ثم قالت: "وااااه يا حزينة، عندك حق، عفت تعملها، عمرها ما هتهمل ولد ولدها يطلع بره السرايا واصل، يا حزنك يا بت فتحية، هيجيلك ضرة."
بعد انتهاء اليوم العصيب وذهاب الجميع، لم يبق إلا عائلة السوهاجي والعبايدة معًا بالداخل.
يعلم الله كم تمالك حاله كي لا يدق عنقها وتحمل وجودها أمامه داخل أحضان أبيها الذي يواليها.
ركز معهم كي يعلم ما يدور بينهم همسًا، ولم يطل الأمر حينما لمعت عيناه بشرار الغضب بعدما سمع كبير العبايدة يقول.
عبد الحكيم: "هجولك يا ولدي."
نظر له عثمان باهتمام وقد استنتج ما يريده، ولكن أثر الصبر.
أكده: "بتي ملهاش قعاد حداكم، بيت أبوها أولى بيها، أول ما العزا يخلص تاجي حدانا."
تحكم في غضبه باعجوبة، ظن أن تلك الخبيثة هي من حرضت أباها على هذا الحديث.
انتفض بغضب مكتوم ثم قال بحسم: "لا عوايدنا ولا شرع ربنا يجول أكده يا حاج، عدة الأرملة فالشرع أربع شهور وعشر أيام، متطلعش من دارها واصل، هتخالف شرع ربنا أياك."
عبد الحكيم: "حاشا لله يا دكتور."
نظر لابنته التي تتوسله بعينيها ألا يتركها، ثم قال: "يبقى تاني يوم عدتها هتكون في دار أبوها، أكده عداني الغيب."
عثمان بتجبر وتسويف: "يحلها الحلال يا حاج، الحديث ده لا وجته ولا مكانه."
تمددت الأم المكلومة فوق فراشها تبكي بحرقة على صغيرها الغالي.
احتضنت ابنه بقوة حانية وأخذت تشم رائحته عله يعوضها عن فقدان أبيه.
نظرت لها رغد ونرجس ومعهم عائشة بشفقة، وقالت الأخيرة: "بكفاية بكي يا أمي، أنتِ مريضة لحالك."
نرجس بوهن: "ادعيله يا أمي، وهو ولده معاكي، اللي خلف ماماتش يا أم الدكتور."
لم تستطع الرد على أحدهم، ولكنها انتفضت بزعر حينما وجدت رغد تميل عليها كي تأخذ الطفل الغافي وهي تقول: "هاتي عنيكي يا أمي لجل ما ترتاحي."
"هبال."
هضمته بقوة وهي تقول من بين دموعها: "لاااااه، ولد الغالي هيضل معايا."
بكت بقوة وهي تكمل: "خليني أشم ريحته، ده عوض ربنا ليا، آآآه يا وليدي، آآآه يا ضنايا، سلامتك من الموت يا نضري."
بعد أن ذهب الجميع في نوم عميق نظرًا لإرهاقهم طيلة اليوم.
ظل هو جالسًا وحده في مكتبه، يشعر بالحزن والوجع على رحيل أخيه الوحيد.
بكى، بكى بقهر، هطلت منه أخيرًا تلك الدموع الحارقة التي كتمها منذ أن توفي أخيه.
لم يسمح لحاله أن يظهر ضعفه أمام أحدًا كان.
مسحها بقوة وهو يقول بغل: " هنتجملك منها يا أخوي، هاخد ثأرك، هخليها تتمنى الموت ولا تطلهوش، بس قبل كل ده، لازم أعرف كانت رايدة تهملك وتروح فين."
قام من مجلسه بعد آخر ما قاله.
اتجه إلى الخارج ومنه إلى الأعلى وهو يهرول فوق الدرج متجهاً نحو جناحها.
فتح الباب بقوة دون أن يكلف حاله عناء الاستئذان.
صرخت هي بزعر وتركت عباءتها تنسدل على جسدها مرة أخرى بعدما كانت توشك أن تخلعها.
تصنم مكانه للحظة ثم فاق على حالها وهي تنهره قائلة بغضب: "في حد يدخل كده من غير استئذان، مش تراعي حرمة مرة أخوك يا دكتور."
معها كل الحق، ولكن هل يعترف بذلك؟
بالطبع لا.
نظر لها باستهزاء وعيون يملأها الغضب ثم قال: "صدق اللي جتل أخوي."
نظرت له بقوة وقالت: "جولتلك أني مليش صالح، هو اللي جتل حاله."
عثمان بجنون: "لجل ما كنتي رايدة تهمليه، أني دلوقتي رايد أعرف، كنتي ناوي تغوري فين، مرافقة غيره."
انتفضت كل خلية في جسدها غضبًا، لم تصمت على هذا الاتهام البشع.
ردت عليه بصوت أقرب للصراخ: "قطع لسان اللي يجول عليا كلمة بالباطل."
نظرت له بتحدي وأكملت بكبرياء: "آني رغد العبيدي، بت عبد الحكيم العبيدي اللي الكل بيحلف بيه، حسك عينك تفكر تتهمني بالشين حتى بينك وبين حالك يا دكتور."
صفق بكفيه تحية لهذا المشهد الذي اعتقد أنها أجادت تمثيله ثم قال: "عفارم عليكي يا بت العبيدي، طب لما هو كده كنتي رايدة تهمليه ليه، كان مخليكي ملكة، عايشك في مصر كيف ما طلبتي، كل يوم والتاني تطلبي دهب وخلجات جديدة ومكانش هيجول لا، ليه معشقتوش، ليه وصلتيه بيدك للموت، في سر وأني لازم أعرفه."
زاغت ببصرها ثم قالت بتسويف: "أخوك راح للي خلقه يا دكتور، همل سره يندفن وياه، وأني بعد العدة كيف ما جولت لأبويا هاخد ولدي وأعاود دار أبويا، كأني مدخلتش داركم واصل."
خرجت منه ضحكة شيطانية مليئة بالغل ثم قطعها فجأة وهو يقول: "بالساهل كده، كأنك متعرفيش مين هو عثمان السوهاجي يا حزينة."
اقترب منها، وضع إصبعه السبابة بجانب رأسها وهو يقول: "عقلك الصغير ده صورلك إنك هتطلعي بالساهل كده."
نظر لها بغل وأكمل: "لو رايدة تخلصي مني جولي إيه اللي وصل أخوي لكده، يا أما، ورحمة أخوي اللي لسه دمه مبردش في تربته لاخليكي تتمني الموت ولا تلاقيهوش."
"ولو عقلك الصغير ده صورلك إنك لما تروحي أبوكي لجل ما ياخدك من هنا، يبقى لسه متعرفنيش زين."
"لسه قدامك وقت كتير فكري في حديثي زين، وأني هصبر للآخر، بس لو نشفتي راسك متلوميش غير حالك، ساااامعة."
فقط تركها وغادر كالاعصار دون أن ينتظر رداً منها.
جلست بهم فوق الأريكة وهي تقول بدموع منهمرة: "يا حزنك يا رغد، يا مرارك الطافح يا بت العبيدي."
نظرت للأعلى ثم أكملت بتضرع: "يارب... أنت عالم بحالي وغني عن سؤالي يا رب."
انقضى شهر على ما حدث، وقد بدأت الحياة تعود إلى طبيعتها قليلاً، ولكن الحزن هو السمة السائدة بين أرجاء سرايا السوهاجي.
ما زالت الحاجة عفت طريحة الفراش، وبرغم تحسن حالتها الصحية قليلاً إلا أنها فقدت الشغف في الحياة.
فضلت الانطواء داخل جناحها بصحبة حفيدها الغالي الذي رفضت ابتعاده عنها.
ظلت رغد ترافقها طيلة اليوم وتقوم بخدمتها، فهي تكن لها كل الحب والاحترام.
تبقى معها طيلة اليوم وتذهب فقط لجناحها وقت النوم، وقد أصبحت تغلق عليها بالمفتاح خوفًا من تهور هذا المتجبر الذي كان يرمقها دائمًا بنظرات التهديد التي ترعبها.
دلف إلى أمه وفي يده الحقيبة الخاصة به.
جلس على حافة الفراش ثم أمسك كفها وقبله بإجلال.
رمق تلك المنكمشة بنظرة جانبية حادة ثم قال لأمه بحنو: "كيفك يا أمي دلوقتي."
ابتسمت له بوهن ثم قالت: "نحمد ونشكر فضله يا ولدي."
أخرج الجهاز الخاص بقياس الضغط، وضعه حول ذراعها ثم قال بعد عدة لحظات: "لاااه داحنا بقينا عال العال أهو، يبقى لازمتها إيه الرقدة دي يا أم الدكتور؟ الجعة ضلمة من غيرك يا أم أمل."
أملست على كفه وقالت بحزن: "الدنيا كلها ضلمت يا ولدي من بعد الغالي، من رحمة ربنا بيا إنه سابلي حتة مني، وإلا كان زماني حصلته."
رد بوجل: "بعيد الشر يا أمي أوعي تجولي كده، دانتي نواره عيلة السوهاجي كلها."
نظر لرغد بتحدي ثم أكمل: "رحيم السوهاجي هيفضل في حضنك يا أم الدكتور، مفيش جوه على ضهر الأرض تجدر تاخده منك، اطمنيني."
أغمضت عينيها بهم، فهي تعلم ما يعنيه ولدها، ولكن تلك الصغيرة المسكينة التي تحبها كثيرًا، ما ذنبها أن تقضي ما بقي من عمرها لتربي صغيرًا عمره عامًا واحدًا، ناهيك عن إحساسها دائمًا بحزنها وقت ما كانت برفقة ولدها الراحل.
أخذوها صغيرة وقد أتمت السادسة عشر من عمرها، لم تر الفرحة داخل عينيها يومًا، وبرغم أنها حاولت معها لتعرف سبب حزنها، ولكنها دائمًا كانت تقسم أنها بخير.
انسحبت رغد بهدوء كي تفسح لهم المجال للتحدث بحرية.
نظرت عفت لولدها وقالت بحكمة: "متسألش عليها يا ولدي، البنية زينة وغلبانة، مشافتش يوم فرح، بلاش تخوفها بولدها، ده اللي طلعت بيه من الدنيا."
عثمان بعدم فهم وغضب بداخله من مدافعة أمه عنها دائمًا: "وااااه يا أمي، أني عملت إيه دلوقتي."
عفت: "معنى حديثك مفهوم يا ولدي."
عثمان: "كنك راضي عليها حديث أبوها، هتجدي تهملي رحيم يا حاجة، هتيهمليه يروح وياها سرايا العبايدة."
احتضنت الطفل بقوة وقالت: "لااااه، داني أروح فيها يا ولدي."
عثمان بحنو: "بعيد الشر عنك يا أمي، ماهو ده اللي بجوله طيب."
عفت بتعقل: "هتجعد كيف ويانا وهي عازبة يا ولدي، البيت فيه اتنين رجالة، والبت اسمالله عليها زينة ويتبصلها."
عثمان بتجبر رغم استنتاجه لما ترمي إليه أمه: "تغور بيت أبوها وولادنا يفضل حدانا، ولاد السوهاجية ما هيتربوش بره."
عفت: "وهتحرم أم من ضناها كيف يا ولدي، أني مرضاش واصل."
نظر لها بتمعن ثم قال دون مواربة: "رايدة تجولي إيه يا أم الدكتور، مش متعود منكِ على اللف والدوران في الحديد."
نظرت له بقوة حانية ثم قالت: "ولد أخوك أنت أولى بيه، ربيه يا ولدي وأحسبه عيل من ولدك."
عثمان بمكر: "ماهو ده اللي هعمله يا أمي، اياكي تكوني فاكرة إني ههمله."
عفت: "لااااه، عارفة إنك هتحطه جوه حباب عينيك."
صمتت للحظات ثم أكملت بوجل: "هو وأمه."
انتفض بغضب وهو يقول: "وااااه، ريداني أتزوجها، أتزوج مرة أخوي."
عفت بحزن: "أرملته يا ولدي وأنت أحق بيها لجل عيون ولده."
عثمان بجنون: "آني مجدرش المس واحدة لمسها حد غيري يا أمي، ما بالك أخوي، أنا مجدرش أتزوج تاني."
عفت بقوة: "وأني مهزلمش البنية اللي شيلاني من يوم ما دخلت دار السوهاجية، مع أنها لسه صغيرة بس كانت وياي كيف ضلي وشيلاني من عالأرض شيل، حرام يا ولدي لسه متمتش تمنتاشر سنة ونجعدها كده من غير راجل."
عثمان: "تغور تتجوز واحد من ولد عمامها، بس تهمل ولدنا."
عفت: "لااااه، مجدرش أحرم أم من ضناها جولتلك ميت مرة كده، أني مش ظالمة ولا هكون."
عثمان: "وأني مهتجوزش عازبة يا أمي."
عفت بقوة وحسم: "......"
ماذا سيحدث يا ترى.
رواية عثمان و رغد الفصل الثاني 2 - بقلم فريدة الحلواني
جلس داخل مكتبه يراجع بعض الحسابات الخاصة بأعمال العائلة ويرافقه حمزة ابن عمه وزوج أخته.
بعد أن راجع بعض الأوراق باستغراب، نظر إليه وقال:
"مين سحب عشرين مليون؟ الحساب ناقص من شهرين يا حمزة."
حمزة:
"أنا اتفاجأت بيهم يا عثمان. ولما سألت، قالوا لي فهد اللي سحبهم."
عثمان:
"كيف ديه؟ عمل بيهم إيه؟ كان محتاجهم في شغل يعني وإلا إيه؟ وليه محدش خبرني؟"
حمزة:
"لأ، مدخلوش في شغل. وأنا فكرتك خابراني. سألته وجدتها وقال محتاجهم. ولما لحيت عليه، زعج وقال: ماليكش صالح، دي فلوسي أنا وأخوي وإحنا حرين مع بعض."
جز على أسنانه بغضب وقال بداخلة:
"أكيد ليها. خرب بيته وكان رايد يبيع ورثه لجل عيونها. طيب يا بت الكلب."
وقف بانتفاضة استغرب منها حمزة، فوجده يقول وهو يتحرك من خلف مكتبه:
"خلي الكلام ديه بيناتنا. أنا هغطيهم من عندي. بلاها أبوك ولا حد ياخد خبر لحد ما أعرف راحوا فين يا ولد عمي."
حمزة:
"من مته اللي بيناتنا بيطلع لحد يا أخوي. اطمن."
اتجه إلى الخارج، ينوي الصعود لها ليعلم منها أين ذهب كل هذا المال. لكنه تفاجأ بجلوس أمه الغالية في مكانها المعتاد منذ ما حدث.
اتجه إليها بابتسامة برع في رسمها. مال عليها مقبلاً رأسها ثم قال:
"نورتي مطرحك يا حاجة. الجعة كانت مظلمة من غيرك."
تناول منها الصغير الذي لا تتركه أبداً. احتضنه بحنو ثم قبل وجنته وأكمل:
"واااه يا رحيم بيه. كأنك عاجبك جلع ستك. اكبر يا ولد وخليك راجل شديد. الجلع للبنت."
ابتسمت أمه لأول مرة وقالت بمغزى:
"أنا هلعنه صح. لكن خابره زين إنك هتربيه كيه ولدك."
امتعض وجه عائشة بعد سماع تلك الكلمات، وكادت أن ترد إلا أن أمها ضغطت على يدها كي تصمت.
نرجس بحزن:
"يا قلبي متعلق بستة. حتى أمه بتاخده ساعات منها بالعافية."
تحية:
"كل الولد متشعلجين بالحاجة يا نرجس. أمّال إيه مش ستهم."
عثمان:
"وينها أمه؟"
عائشة بغل مكتوم:
"مطلعتش من جعدتها. من وقت ما الحاجة نزلت وهي قاعدة لحالها."
فوضع الطفل فوق قدم أمه ثم اتجه إلى الدرج دون أن يتفوه بحرف.
لحقته زوجته وهي تقول باهتمام مبالغ فيه:
"أنا جايه وياك. تلاجيك رايد تغير خلجاتك."
أوقفها بكف يده قائلاً بأمر:
"لو رايد حاجة حجولك. ارجعي مطرحك ملكيش صالح بيا. وبس."
تركها تغلي من الغضب وردة الوقح عليها، ثم صعد إلى الأعلى وهو كله عزم على معرفة مكان المال.
وقف أمام غرفتها، وبعد أن وضع يده فوق المقبض كي يفتحه، سمعها تقول بنبرة تقطر حزناً، ومن الواضح أنها تتحدث مع أختها.
رغد:
"أكده موته وأكده موته يا بت أبوي. من مته وأنا عايشة. ماهو على يدك كل حاجة من الأول."
رغد:
"لأه... ولا عشت ولا كنت يوم ما حرم الحاجة من ولد ولدها أبداً. دي روحها فيه يا بت أبوي. كأنها شايفة المرحوم جدامها."
رغد:
"معرفش يا خيتي. أنا مهملاها على ربنا. اللي هون على اللي راح، يسترها فالي جاي."
سحب يده ووقف يفكر بعمق. حديثها لا يدل على أنها إنسانة سيئة. تفكر في أمه وتعلقها بابن أخيه. ولكن ماذا كانت تحرضها أختها كي ترد عليها بتلك الكلمات؟
هز رأسه ثم قال:
"هعرف إيه اللي وراكي. هعرف."
وجد حاله يطرق الباب، وقبل أن يسمع صوتها فتحه فوراً.
أدارت عيناها بنفاذ صبر ثم قالت:
"اجفل دلوك وهكلمك تاني. سلام."
أنهت الحديث مع أختها سريعاً ثم نظرت له بغضب وقالت:
"خبر إيه عاد يا دكتور؟ مناويش تراعي حرمتي. لو فضلت أكده أنا هعود لحد أبويا."
ابتسم لها باستهزاء كي يداري غضبه من قوتها أمامه ثم قال:
"حرمت إيه اللي أراعيها. يكش تكوني فاكرة إنك ست ويتبصلك. فوّجي إنتي مرت أخوي. لو عريانة جدامي مهشوفكيش واصل."
قبل أن ترد عليه أكمل قائلاً:
"فضّينا من الحديت الماسخ ديه وجوليلي. فهد الله يرحمه قبل ما يموت سحب عشرين مليون جنيه. وينهم؟"
ارتعش جسدها رعباً وقالت بتلجلج ملاحظ بسهولة:
"وأنا إيش دراني؟ المرحوم مكنش بيجولي على حاجة تخص الشغل."
عثمان:
"وينهم يا رغد؟ قبل منهم كان واخد مني نص مليون لجل ما يجيبلك الطقم الألماس اللي كنتي هتموتي عليه. طلبتي منه إيه تاني لجل ما يسحب ديه كلها؟"
أغمضت عينيها بقهر ثم تمالكت حالها وقالت:
"معرفش عنيهم حاجة جلتلك. رايد تصدقني أو لأه، براحتك يا دكتور."
اقترب منها بغضب ثم أمسك ذراعها وقام بثنيه خلف ظهرها. أصبحت ملتصقة به مما جعل عطرها الهادئ يتغلغل داخل أوردته ويصيبه بهزة قوية لم يشعر بها من قبل.
تمالك حاله ثم ضغط عليها وقال:
"حسابك عم يتجل معاي يا واكلة ناسك. انطقي أحسن لك. عثمان السوهاجي مفيش حد يقدر يضحك عليه."
كتمت ألماً وقالت:
"و غلاوة أبويا عندي ما عرف وينهم. ولا نظرتهم بعيوني حتى. فهد مكنش بيجولي حاجة واصل تخص شغله."
استشعر الصدق بين حروفها، ولكن شيطانه رفض أن يصدقها. قرب فمه من أذنها وقال بفحيح:
"أيامك الجاية لون السواد اللي متلفحة بيه يا رغد. وبس."
قال هذا فقط ثم ترك يدها وانطلق للخارج سريعاً.
وقف بعيداً عن جناحها الذي أغلقه عليها بقوة. ظل يتنفس بسرعة وكأنه خارج من سباق. أغمض عينيه وقال بهمس:
"إيه ديه. مجدرش آخد نفسي ليه. خبر إيه يا دكتور. أوعاك تهملها تصيبك بلعنتها كيف ما عملت في أخوك. أوعاك تنسى تارك عنديها."
داخل سرايا العبيدي، والتي لا تقل فخامة عن خاصة عائلة السوهاجي. جلست شادية بجانب أبيها الذي يبدو عليه الحزن. وبرغم علمها بما يحزنه، إلا أنها فضلت سؤاله حتى يخرج ما بداخله.
شادية:
"مالك يا بوي؟ حاسك مهموم."
نظر لها عبد الحكيم وقال بوهن:
"قلبي واكلني على خيتك يا بتي. لساتها صغيرة على كل ديه. العدة جربت تخلص والسوهاجية مهيهملوش ولد ولدهم. وخيتك مهتهملش ولدها. يبقى إيه الحل؟"
شادية بحكمة:
"وااااه هيحرموها من ضناها وإلا إيه؟ هي تيجي حدانا معززة مكرمة، والولد يبقى بناتها شوية هني وشوية حداهم."
عبد الحكيم:
"مخابرش يا بتي. غير إن خيتك لساتها مكملتش تمنتاشر سنة. هتقعد من غير راجل."
شادية:
"بكرة يجيلها نصيبها يا بوي. الحمد لله ربنا سترها ويانا وجدرنا نداري على عملة الفاجرة اللي كانت هتجيب لنا العار منها لله."
انتفض بغضب من مجلسه وقال:
"مش قولنا مفيش حد يجيب سيرتها الشينة هني؟"
دلف عليهم أخيه وقد سمع ما قيل فرد بخزي:
"أنا اعتبرتها ماتت يا أخوي. حقك عليا."
عبد الحكيم:
"إنت السبب. جلعتها وخليتها فوق الكل. يمين يلايمني عليها وأنا أشرب من دمها."
نظر للأمام وقال بإصرار:
"هلاقيه. جسمي بالله هلاقيه وهقطع لحمها وأرميه للديابة."
ارتعبت شادية بداخلها من مظهر أبيها الغاضب وما ينتويه، ولكنها تمالكت حالها كي لا يظهر عليها شيء ويفضح أمره.
دلف رغد إلى جناح الحاجة كي تطمئن عليها وتعطيها جرعة الدواء قبل أن تخلد إلى النوم.
ابتسمت لها ببشاشة وقالت:
"تعالي يا غالية. لساتك منعستيش."
اقتربت منها رغد ثم جلست على حافة الفراش وقالت:
"واااه. أنعس كيف قبل ما أطمن على الكبيرة وأديها علاجها بيدير."
ربتت عفت على كفها بحنو ثم قالت:
"يخليكي ليا يا بتي. من يومك وأنتي مفيتانيش كيف نرجس بالتمام."
رغد بصدق:
"ربنا العالم يا حاجة إني بعتبرتك كيه أمي اللي ما وعيتش عليها. ربنا يبارك في عمرك وتضلي كبيرتنا."
استغلت عفت هذا الحديث وقررت أن تجس نبضها فيما يخص عودتها إلى منزل أبيها، فلم يتبق الكثير على انقضاء عدتها.
عفت بحزن:
"المرة دي مهصدجش حديثك يا رغد."
رغد بوجل:
"ليه يا حاجة؟ والله ربنا يعلم غلاوتك فقلبي."
عفت:
"مانتي رايدة تهمليني أهه. لولا الدكتور قال لأبوك مهينفعش تهملي دارك قبل العدة، كان زمانك عاودتي معاه. وأنا مهقدرش يفوت يوم ما أشوفكيش بعيني يا بتي. بكت وهي تكمل: والولد الغالي اللي ربنا عوضني بيه هنعس كيف وهو بايت بعيد عن حضني."
رغد:
"يا حاجة بالله ما تبكي. أنا مجدرش أحزنك واصل. ولا عشت ولا كنت لما أحرمك من حفيدك. أنا هشيعهولك كل يوم. بس بردك أنا مبقاش ليا مطرح هني. ولو إني جبيلت أبويا عمره ما هيجبلها. وأنتي خابرة عوايدنا زين."
عفت:
"يعني خلاص أكده يا بتي."
أعقبت قولها بالدخول في نوبة بكاء مرير، مما جعل رغد تحضنها بحنو وتبكي هي الأخرى.
دلف عليهم في تلك الأثناء نرجس، وحينما رأتهم على تلك الحال قالت بوجل:
"واااه. خبر إيه يا أما. حصل إيه يا رغد عم تبكوا ليه؟"
فصلت عفت هذا العناق الدافئ وهي تقول من بين بكائها:
"قلبي واجعني يا بتي. رغد هتعود دار العبيدي خلاص."
نرجس:
"ليه يا رغد؟ إحنا حاسبينك واحدة منا."
رغد:
"ميجاش ليا مكان يا خيتي مانتي خابرة زين."
نرجس بعفوية:
"خلاص الدكتور يتجوزك وتضلي معانا."
ابتسمت عفت، أنا رغد انتفضت بزعر وهي تقول بغضب:
"إيه الكلام الماسخ ديه يا نرجس. كيف يعني؟"
نرجس:
"يا خيتي دي عوايدنا. هو جديد علينا يعني."
لمعت عين رغد بدموع حارقة، إلا أنها كتمتها وقالت بقهر:
"لأه. خابراها زين. بس هو إني انكتب علي أتجوز تخليص حق يا ناااس. مرة لحل ما توقفوا الثأر اللي بينا. ومرة لجل ما تحافظوا على ولد ولدكم. ده ميرضيش ربنا."
أعقبت قولها بالاسراع نحو باب الغرفة، وبمجرد أن قامت بفتحه بعصبية مفرطة. وجدت عثمان يقف أمامها بملامح متجهمة وشرارات الغضب تنطلق من عينيه التي نظرت داخلها بتحدي، ومن الواضح أنه استمع لما حدث.
دون أن تتفوه بحرف مرت بجانبه وهرولت تجاه جناحها، وقد سمحت أخيراً لدموعها أن تنهار بمجرد أن ارتمت فوق فراشها الوثير.
أما هو، فقد قال لأمه كلمة واحدة:
"تاني يوم العدة هكون كاتب عليها. يا أم الدكتور. طمني قلبك. وبس."
التف بجسده متجهاً للخارج، وبداخله غضب لم يشعر به من قبل.
لطمت نرجس خديها وقالت بوجل:
"يا حزني يا أما يجطعني. يا ريتني ما نطقت. عثمان هيولع في البنية."
عفت بتعقل:
"لأه. مهاتهونش عليه."
نرجس بحيرة:
"كيف ديه يا أما؟ ديه سمعنا. وإنتي خابرة ولدك هياخد رفضها ليه بالعند وهيطلع عينها. يا حزنين."
نظرت عفت للأمام وهي تقول بحكمة:
"قلبي هيجولي إنه ربنا هيجبرهم ويا بعضهم. ولدي عمره ما داج العشق ولا اتكوى بنبرة. والبت يا قلبي اتخدت صغيرة مخبرتش حاجة والمرحوم مكنش مهنيها. خيك ربنا يجعله عوض ليها لجل ما أريح ضميري اللي عم ينهش فيا بسببه."
نرجس بحيرة:
"كيف ديه يا أما؟ فهد الله يرحمه كان مخلعها ومعيشها فمصر."
عفت بتسويف:
"ده الظاهر يا بتي. إنما لو تطلعي جوه عينيها هتلاقي الحزن ماليها. ربك يدبرها من عنده."
انقضت الفترة المتبقية. غداً موعد انتهاء العدة. لم يتحدث أحد في أي شيء، ومر الوقت في هدوء حذر على جميع الأطراف.
جلست شادية مع أختها داخل جناحها تساعدها في جمع ثيابها وأغراضها الخاصة. ظناً منهما أن غداً موعد مغادرتها.
طرقت عفت الباب ثم دخلت، وعلى ملامحها حزن العالم. نظرت لتلك الحقائب وقالت بدموع:
"خلاص يا بتي. لميتي حاجتك وهتهمليني."
أعقبت قولها ببكاء مرير، مما جعل الاثنتين تتقدمان منها كي تواسيها. ولكن قبل أن تتفوه أحداهن بحرف... دخل عليهم عثمان بملامح إجرامية.
نظر لما حوله بغيظ ثم ثبت نظراته على رغد التي ارتعد جسدها رعباً، ولكنها مثلت القوة أمامه.
قال بنبرة تقطر شرا:
"سيبونا لحالنا."
شادية باستغراب:
"واااه كيف ديه؟"
لم يبعد عينه عنها وهو يقول:
"جلت سيبونا لحالنا. رايد أتحدث وياها كلمتين."
كادت أن تعترض إلا أنه أكمل بغضب:
"آآآني عثمان السوهاجي. مهتعداش على حرمت بيتي. يلاااا اخرج."
خرج الاثنان بزعر. أما تلك العنيدة، ربعت يديها أمام صدرها وقالت:
"خير."
عثمان ببرود غاضب:
"بكرة كتب كتابي عليكي."
برقت عيناها من شدة الذهول، ولكنها لم تهتم وأكمل:
"مبآخدش رأيك. أنا ببلغك للعلم بالشيء ولا الجهل بيه."
انتفضت كل خلية في جسدها غضباً من جبروته وصرخت به بقوة:
"ليه مفكرني جارية عندك ايااااك؟ ولا واحدة لقيتها فالشارع ملهاش أهل. فوّج يا دكتووووور. إني رغد العبيدي فااااهم."
هل تشعرون بتلك النار التي تلتهم أحشائه من تحديها السافر له؟ في خطوة واحدة كان يقف أمامها ساحباً إياها من ذراعها. ضغط عليه حتى صرخت ألماً ودموع.
قال بتجبر:
"آآآني هعرف أربيكي على بجاحتك معايا. اسمعي الكلام زين وحطيه فـراسك اللي هكسرها عن قريب."
ضغط أكثر وهو يكمل:
"لو رفضتي جوازك مني اللي من الأساس مككنتيش تحلمي بيه، يبقى هتفتحي باب الثأر اللي قفلته بيدي من سنتين. وبيدي دي أول واحد هيوجع من عيلتك أخوكي الكبير. إيه قولك؟"
نظرت له برعب وقد فشلت في كتم دموعها التي انهارت كالشلال على وجنتيها الحمراء. هزت رأسها بهستيريا علامة الرفض وهي تقول:
"لأااااه. خوي لأه. أحلف على يدك."
اعتصر قلبه ألماً على مظهرها الذي أثار شفقته، ولكن لم يهتم وأكمل:
"يبقى بلاش منه العند ووافقي. ولد أخوي مهيطلعش من السرايا. وأنا مهجبلش أحرم أم من ضناها."
رغد بقهر:
"يعني انكتب علي أفادي الكل على حسابي. آآآه يا رب خدني وريحني من المرار ديه."
ترك ذراعها ثم قال ببرود ظاهري:
"إيه قولك؟"
نظرت له بقهر وغِل ثم قالت:
"وأنت خلتلي قول. حسبي الله ونعم الوكيل."
رد عليها بغضب انتقاماً لغروره الذي يأبى أن ترفضه أنثى:
"هتوافقي. وهتضلي هني لحد ما أعرف إيه اللي عملتيه في أخوي لجل ما يقتل روحه. أياك فكرتي نسيت."
نظر لها بشر وأكمل بوعيد:
"أيامك الجاية كلها سواد معايا."
ردت عليه بتحدي رغم رعبها الداخلي:
"جلتلك مليش صالح بموت أخوك. وإياك تكون مفكر إني هستكت ولا هخاف منك. أنا وافقت عليك لجل ما أنجد أخوي من ظلمك. كيف ما وافقت على أخوك لجل ما أوقف بحور الدم. لكن أبداًاااا ما هسمح تدوس على كرامتي ولا تفكرني جارية عندك."
جز على أسنانه كي يكتم غضبه. من أين تأتي بكل تلك القوة؟ حسناً... يوماً فقط وستعرفين من تحديت. تركها مغادراً قبل أن يكسر عظامها. وقف قبل أن يخرج وقال دون أن يلتفت لها:
"اكسر نفوخك اليابس ديه. على يدي يا رغد."
وقف داخل غرفة مكتبه بعد أن استدعى عمه وولده كي يخبرهم على ما انتبه.
حمزة:
"خير يا خويا."
سحب نفساً عميقاً ثم زفره بحنق وقال:
"أنا هتجوز رغد. ولد أخوي مهيطلعش من السرايا. ولا هقدر أحرم أم من ولدها."
هز عمه رأسه بتفهم رغم حزنه على ابنته وقال:
"حقك يا ولدي ودي عوايدنا. كل اللي هطلبه منك متظلمش بتي."
حمزة بحيرة:
"عيشة هتحرج الدنيا يا بوي. مفيش واحدة تقبل ضرة مهما كان. والله ما عارف أقولك إيه يا أخوي. إنت حطيتنا بسن المطرقة والسودان."
عثمان:
"خبر إيه يا حمزة؟ دي عوايدنا مش جديد علينا. وعيشة قبل ما تبجي مرتي هي بت عمي. عمري ما هبدي الغريبة عنها. وربنا يقدرني ومظلمش واحدة فيهم."
جلست داخل أحضان أختها تبكي بقهر وهي تقول:
"هددني يا خيتي. أنا هموت. ديه هيسود عيشتي. ماهيسكتش غير لما يعرف سر أخوه."
أبعدتها شادية وقالت بزعر:
"إيااااكي. لو قطع منيكي بالحتة أوعاكي تنطقي بحرف. الدم هيبجي بحور يا بت أبوي لو السر انكشف. يا مري... يا حزني."
رغد بجنون:
"طب وأنا. أنا هعمل إيه وياه. انكتب علي أحمي الكل على حساب حالي وشبابي اللي محسيتش بيه. بكت بقوة وهي تكمل: هتجوزه كيف يا خيتي كيف بس جولي."
نظرت لها شادية بحيرة ثم قالت:
"والله ما خابرة أقولك إيه يا بت أبوي. الحكاية معجزة."
انتفضت رغد من مجلسها بعنف ثم قالت بتحدي وتصميم:
"مش هو رايد يتجوزني لجل ولد أخوه. مااااشي. إنما أنا مش هتسماله مرة ولا هخليه يلمس شعرة مني."
شادية بحزن:
"يا جهره قلبي عليكي يا ضنايا. هتضيعي شبابك من غير راجل وأنتي زينة والف مين يتمناك. بس فكرك الدكتور هيجبل بكده. ولا هيسيبك. ده قليل لو ما خدك بالغصب لجل ما يكسر مناخيرك كيف ما رفضتين."
نظرت لها برعب وحيرة ثم قالت:
".......ماذا سيحدث يا ترى؟"
رواية عثمان و رغد الفصل الثالث 3 - بقلم فريدة الحلواني
خرج من غرفة المكتب هو وعمه وابنه. وجد الجميع يجلسون سوياً. نظر لهم ثم قال ببرود، وكأنه يطلعهم على حالة الطقس:
عثمان: أما... جولي للبنيته تطلع تنضف الجاعة اللي فوق، وبعديها تنجل حاجة رغد فيها.
فهمت الأم معنى الحديث، فابتسمت برضى وقالت:
الأم: حاضر يا ولدي.
أما زوجته فانقبض قلبها وسألته بوجل:
زوجته: واااه ليه عاد؟ عدتها خلصت وراح تعاود بيت أبوها بكرة.
وقف الجميع ينظرون له في ترقب، منتظرين الانفجار المحتوم الذي سيحدث بعد رده عليها. أما هو، ذلك المتجبر، رد عليها وكأنه يطلعها على حالة الطقس:
عثمان: لااااه مش هتعاود.
نظر لها بتحدٍ أن يعارضه، ثم أكمل:
عثمان: أنا هكتب عليها بكرة.
صراخ... كل ما حدث هو صراخ ملأ الأركان، خرج من عائشة وأمها. هل يتقبل صدمتها؟ بالطبع لا.
بصوت يشبه زئير الأسد:
عثمان: اجفلي خاشمك بدال ما المأذون اللي هيكتب عليها يكون طلقك. اتجننتي اياك.
عائشة بقهر:
عائشة: يا مرك يا عيشة... يا حزنك يا عيشة هتجوز علي يا ولد عمي.
نظرت لأمها وأكملت:
عائشة: مش جولتلك يا أمي.
نظرت لأبيها وقالت:
عائشة: وانت يابوي... موافقة تعمل في بتك أكده؟
عبدالعظيم:
عبدالعظيم: دي عوايدنا يا بتي، ولدنا ما هيترباش بعيد عنينا.
قطع حديثهم بتجبر:
عثمان: عمي... مفاضيينش إحنا لرط الحريم الماسخ ديه. هم بينا لحل ما نروح نخبر أبوه.
ردت تحية بغل:
تحية: مالك طايح فالكل ليه يا دكتور؟ عم ترتب وتخطط كأنك مالي يدك من موافقتهم، مش يمكن ياخدوها لحد من ولد عمها؟ رايد تفرش ليك وياها جاعة جبل حتى ما تخبرهم باللي ناويته.
نظر لها بتكبر وقال:
عثمان: مفيش حد يجدر يقول لعثمان السوهاجي لااااه.
التفت بجسده وتحرك نحو الخارج وهو يقول:
عثمان: هموا يلا خلينا نخلص.
وفقط... ترك النار تأكل في أحشاء زوجته المسكينة وانطلق نحو هدفه الذي لن يسمح لأحد أن يحيده عنه. لحق به عمه وحمزة دون أن يبالوا بمن تصرخ قهراً على زوجها وغدره بها.
عائشة بغل:
عائشة: لاااااا... ديه متفج مالأول والله... هيجهز حاله جبل ما يعرف أهلها هيوافجه ولا لااااه.
التفت لتهرول إلى الأعلى وهي تكمل بوعيد:
عائشة: الله فسماه لاجتلها جبل ما تاخد راجلي.
انطلقت إلى الأعلى ولم تهتم لصرخات النساء خلفها، واللائي لحقن بها سريعاً قبل أن تحدث كارثة. وصلت إلى جناح تلك الباكية في حضن أختها. فتحت الباب بقوة مما جعلهم ينتفضون، ثم اتجهت إليها ناوية الفتك بها وهي تقول بجنون:
عائشة: هجتلك يا خطافة الرجالة.
سحبت شادية أختها لتقف خلفها كي تحميها من بطش تلك المجنونة وهي تقول بصراخ:
شادية: لو يدك مست خيتي هجطعهالك ساااامعة.
أمسكتها نرجس بقوة لتمنعها من الاقتراب وهي تقول:
نرجس: كأنك اتخبلتي ولا إيه... بعدي عنيهم يا عيشة متخربيش على حالك.
كادت أن ترد عليها وهي تحاول الإفلات، إلا أن عفت قالت بحسم:
عفت: عيشة...
وقفت متصنمة بعد سماع تلك النبرة التي تعرف أن الآتي بعدها ليس هيناً. أكملت بأمر:
عفت: خدي بعضك وروحي جاعتك... كل اللي هتعمليه ديه ما هيغيرش حاجة. رغد هتبجي مرة الدكتور، وولد الغالي ما هيطلعش من سرايا أبوه.
تحية بغل:
تحية: لادد عليكي انتي عمايل ولدك صوح... كل اللي همك ولد ولدك، لاكن بتي وجهرتها عادي صوح.
تدخلت شادية بقوة كي تدافع عن أختها وتحفظ لها ماء وجهها:
شادية: خيتي ما هتجوزش لجل حاجة واصل... خيتي ست البنيته والف مين يتمناها، ولو الدكتور محطهاش تاج فوق راسه يبقى بيت أبوها أولى بيها... أبوها اللي عاملها ملكة على الكل... دي رغد العباااايدة... أصغر واحدة في العيلة والجعل كله راح ليها...
نظرت إلى عفت وأكملت:
شادية: يا حاجة، إني خابرة زين إنك حجانية وعاملتي خيتي من يوم ما دخلت عندكم كيف نرجس بالتمام، ويعلم ربنا إنها كد إيه بتحبك... اتجوزت المرحوم لحل ما نوقف بحور الدم وكان النصيب. أما لو انتي خابرة إن الدكتور واخدها بس عشان عوايدنا وما هيحطهاش جوه حبايب عينيه، يبقى بناقصها بدل ما تبجي لسه في عز شبابها واترمّلت مرة واتطلقت التانية.
وصل ثلاثتهم إلى سراي العبايدة بعد أن اتصل بكبيرهم وأخبره بقدومه هو ورجال العائلة. وقد اصطحب معه عدداً لا بأس به من أبناء عمومته. جلس الجميع في قاعة مخصصة للضيوف تسمى المندرة. وبعد أن قُدِّم لهم واجب الضيافة على أكمل وجه، بدأ عثمان الحديث قائلاً بطريقة مباشرة:
عثمان: إني جاي أطلب يد بتك يا حاج عبد الحكيم. إيه جولتك؟
تعالت الهمهمات بين الجميع، وبرغم أن هذا ما كان متوقعاً، إلا أن الرفض كان ظاهراً بوضوح. صمت منتظر رده، ولكن عيناه الثاقبة أطلقت شرارات التحدي أن يرفض طلبه.
عبد الحكيم:
عبد الحكيم: يا ولدي طلبك على راسي... بس انت مش مجبور تتجوزها لجل خاطر ولد خوك الله يرحمه. إحنا ناس تيعرف الأصول زين، والواد هيضل بيناتنا.
فهم عثمان ما قصده، فقال بحكمة تتسم بها:
عثمان: بتك هتبجي مرتي مش لجل ولد خوي وبس... لجل ماهي بت العبايدة وأتشرف أي حد تبجي مرته... بتك هتضل متصانة ومتشاله فوق الراس يا حاج.
قبل أن يرد عليه، وجد شاباً في أواخر العشرينات ينتفض من مجلسه ويقول برعونة:
الشاب: لااااه... ميلزمناش يا دكتور... أنا ولد عمها وأولى بيها، وولدكم عنديكم اشبعوا بيه.
وقف جميع الرجال بغضب بعد تلك الإهانة. صرخ يونس بقوة كي ينقذ الموقف:
يونس: وااااه إيه اللي هتجوله ديه يا حزين؟ اجفل خاشمك.
صرخ الشاب ويدعي أسامة:
أسامة: لااااه... على جثتي لو ديه حصل. إني رايدها.
كل ما سمعوه بعدها... صوت زر أمان السلاح الناري، خاصة عثمان الذي أخرجه من جيب جلابيبه موجهاً إياه إلى ذلك الأرعن. في نفس التوقيت، كانت تهبط على وجه أسامة صفعة قوية من يد عبد الحكيم وهو يقول:
عبد الحكيم: ما عاش ولا كان اللي يعلي صوته على ضيوف عبد الحكيم العبايدة ولا يجلل منيهم. إني اللي أجتلك بيدي مش هما... اطلع برا غوووور... مليكش مكان وسط الرجالة... بتتحدت على بت عمك يا حزين.
بالطبع هو يعلم طريقة تفكير من حوله، فمنهم من سيظنون أن بينه وبينها شيئاً ما... وآخرون سيعتقدون أنه كان ينظر لها ويشتهيها حينما كانت على ذمة رجل آخر ولم يراعي حرمة. خرج مسرعاً وهو يكاد أن يبكي بعد إهانته المستحقة أمام الجميع. أما الرجل الحكيم، وقف وسط الجميع وقال:
عبد الحكيم: حجكم على راسي يا سوهاجية... عيل ما داريش باللي هيجوله...
نظر لعثمان الذي أخفض سلاحه ولكن يغلي غضباً، ثم أكمل:
عبد الحكيم: مبارك عليك يا ولدي... وهجولك كيف ما جولتلك جبل سابج... بتي كانت نوارت دار أبوها... مطفيهاش يا ولدي.
قال كلمته الأخيرة بحنو حزين شعر به عثمان، الذي رد برجولة:
عثمان: فوق الراس وجوه العين يا حاج.
فاليوم التالي كان كل شيء قد اكتمل. تم تحضير جناح جديد كي يقيما فيه معاً. اتفق مع أبيها أن يتم عقد القران في سرايا العبايدة مساءً، وقد عادت هي مع أختها كي تبيت تلك الليلة معها وتخرج مع عثمان من بيت أبيها بعد أن تصبح زوجته.
جلست عائشة داخل جناحها تبكي بحرقة وهي تعصب رأسها بوشاح. رغم صعوبة الموقف، إلا أن مظهرها حقاً مثير للضحك. جلست أمها بجانبها لتواسيها قائلة:
الأم: بكفياكي عويل يا عيشة مش هيغير حاجة يا بتي.
ردت عليها بغل:
عائشة: الباكس... الفاجر... رجع بالليل جبل ما أنطق ولا أقول كلمة. هب فيا كيف بابور الجاز لجل ما أجفل خاشمي. عينه جويه ولا هيهمه حد.
تحبه بتعقل:
الأم: يبجي بكفياكي عمايلك الشينة دي وفكري يا حزينة كيف تكسبى جوزك وتاخديه مني.
مسحت أنفها بمنديل ثم قالت بانتباه:
عائشة: كيف دبه ياما... دي هتبجي مرته هو أنا كنت ملاحجة على نسوان مصر لما تطلعلي الفاجرة دي كمانين.
نظرت لها الأم بمكر ثم قالت:
الأم: البت زي فلجة الجمر وشعرها حرير كيف سواد الليل.
وضعت عائشة يدها على شعرها الخشن بقهر وهي تسمع باقي الحديث:
الأم: شوفي الحريم بتعمل في حالها إيه لجل ما تتزين لجوزها... وغيري من حالك وبلاش تبجي كيف البجرة اللي بتنطح... خلي حديثك زين يا بتي لجل ما تكسبى جوزك.
تم عقد القران دون أي مظاهر للاحتفال. في ظل جلوس رغد داخل غرفتها القديمة مع أختيها. شادية وإنصاف التي قالت لها بغيره:
إنصاف: والله وبيضالك في الجفص يا بت أبوي... أجوزتي زينة شباب النجعر.
رغد بغيظ:
رغد: على درة... خابرة يا خيتي معناته إيه... هتحسديني على إيه بس.
إنصاف بغيظ:
إنصاف: وإني أحسدك ليه... مفكرة حالك أحسن مني في إيه؟
قلبت شادية عيناها بملل ثم قالت:
شادية: بكفياكي يا انصاف هملي خيتك باللي هيا فيه.
إنصاف:
إنصاف: أيوه أيوه دافعي عنها زي عوايدك.
لم تلق لها بالاً، بل نظرت لأختها الحبيبة وقالت بحنو:
شادية: مبارك عليكي يا خيتي...
أكملت بمغزى:
شادية: هجولك كلمتين حطيهم حلجة في ودانك... ربك له حكمة في كل حاجة بتحصل لينا... ارضي يا ضنايا عشان يراضيكي... اعتبري حياتك كراسة رسم... وفي يدك علبة ألوان... يا هتختاري الغامج وتلوني حياتك بيه... يا هتنجي الأبيض وتفرحي بيه...
نظرت لها بحنان يملأه القوة وأكملت:
شادية: لونيها بيدك المرادي يا بت قلبي... خليها زاهية... إني خابرة إنك طيبة جلبك بس ذكية وهتعرفي زين تختاري اللي فيه الصالح.
وقفت تحتضن أبيها كي تودعه. والمتجبر لم يهتم بتلك المشاعر التي تثير غثيانه. كل ما يهمه الآن البحث عن ابن عمها الذي أقسم أن رأه في المحيط سيقتله ولا يبالي. زفر بارتباك لا يعرف مصدره حينما لم يجد له أثراً. وجد حاله دون شعور يسحبها من كف يدها الذي شعر بنعومته وصغر حجمه داخل كفه الكبير الخشن، مما أدى إلى رعشة قوية أصابته من الداخل. أخفى هذا الشعور ببراعة وهو يقول ببرود ظاهري:
عثمان: يلا يا...
لا يعلم لما سكت لسانه عن نطق اسمها. هل يغار أن ينطقه أمام الجميع؟ أم شعر بحلاوته فقرر ألا يسمعه أحد أو بنطقه غيرهن. نظرت له بتيه وخوف، فأكمل:
عثمان: يلا يا أم رحيم عوّجنا على الحاجة.
وفقط... سحبها معه إلى أن فتح لها باب سيارته في حركة لا أول مرة في حياته يفعلها مع أحد. صعدت بجانبه، وقبل أن يغلق الباب، نظر لها بغيظ وهو يقول بأمر:
عثمان: دخلي شعرك اللي باين مالطرحة... ليه ملبستيش ملس يا واكلة ناس.
نظرت له بزهول يشوبه القلق ثم قالت:
رغد: وااااه ملس... إني شعري ناعم وبيطلع مالطرحة لحاله.
ما زادته كلماتها إلا غلياناً. أغلق الباب بقوة وهو يجز على أسنانه ويقول بوعيد:
عثمان: فكريني أجصهولك لجل ما نرتاح.
وصل الجميع إلى السرايا. وقفت عفت لتحتضنها بفرحة يشوبها الحزن وهي تقول:
عفت: جلبي توه ارتاح دلوك نورتي دارك يا بتي.
نظر لها ببرود ثم قال:
عثمان: اطلعي جاعتك... الجديدة وإني هشوف كانو بيتصلوا بيا من مصر ليه وهحصلك.
أعقب قوله بالتوجه داخل غرفة مكتبه سريعاً ثم أغلق الباب خلفه. وأخيراً... استطاع أن يتنفس. قد افتعل تلك الحجة التي وضعتها في موقف مخجل أمام الجميع كي يلملم شتات نفسه. ما الذي حدث له؟ هكذا سأل حاله ثم أكمل بهمس:
عثمان: خبر إيه يا دكتور؟ إيه اللي جرالك؟ من جلت الحريم اللي عرفيتهم تيجي هي بلمسة إيدها تحركك... أوعاك تنسى تارك عندها... ولا إنك عمرك ما هتلمس واحدة داجها حد جابلك.
أما هي، فبعد أن صعدت برعب داخلي إلى جناحها الجديد وقبل أن تخلع عنها عباءتها، وبعد أن حلت وشاحها، وجدت عائشة تقتحم عليها خلوتها وهي تقول بغيره عمياء:
عائشة: أوعاكي تكوني مفكرة حالك هتملي عين الدكتور... خلي فبالك إنه اتجوزك خلاص حج لجل عوينات ولد أخوه وبس.
نظرت لها رغد بقوة ثم ضحكت بدلال وقالت بكيد أشعلها. في الحقيقة لم يشعلها وحدها، بل أشعل الذي يقف منتظراً ردها وقد أطرب قلبه بتلك الضحكة التي لم يسمع مثلها من قبل.
رغد:
رغد: وإني مش رايدة أملا عينه...
أكملت بدهاء أنثى لن تسمح لأحد أن يقلل من قدرها:
رغد: إني هملا عينه وجلبه وعجله كماني...
أمسكت خصلة من شعرها الطويل ثم لفتها حول أصابعها وهي تكمل بصوت يملأه الدلال:
رغد: روحي شوفي حالك لجل ما الحج اتجهز... لجوزيلي.
ليست عائشة من صدمت من ذلك الحديث، بل الذي برقت عيناه وارتعش جسده وهو يتخيل ما هي تلك التجهيزات. تحرك سريعاً كي يتوارى خلف أحد الأعمدة.
أما عائشة، فصرخت:
عائشة: بوووووووه.
ثم خرجت سريعاً وهي تشتعل غيرة وغضب بعد أن خسرت أول معركة أمام غريمتها. تنفست الصعداء ثم قالت لحالها:
عائشة: داه باينه هيبجي مرار طافح.
لملم شتات حاله، تنحنح بخشونة ثم اتجه إلى الجناح الذي من الواضح أن الجنون سيصيبه بداخله. فلنرى.
أغلق الباب خلفه، وقبل أن يلتف، تفاجأ بها تقول بقوة:
رغد: عود حالك تخبط جبل ما تدخل.
زوّى بين حاجبيه ثم التفت لها وقال بذهول:
عثمان: أخبط كيف يعني؟
أكمل بغيظ وقوة:
عثمان: ده موطرحي خلاص... انتي اللي عودي حالك إن بجالك راجل.
رغد بتحدي هبة:
رغد: لااااه.
نظرت له بغضب صارخ لم تهتم له وأكملت:
رغد: إنسي إنك تبجالي راجل كيف الخلج... أجبرتني عالجواز ووافجت لحل عوينات خوي وأبوي... أما تفكر إن إني هتسمالك مرة... لااااااه... فوق يا دكتور.
نظرت له بتحدٍ يملأه القوة ثم قالت:
رغد: إني رغد العبايدة... خلي ديه في بالك... أنازل أه... لكن بمزاجي... لكن أبداااا ما هسمح إنك تفكرني جارية عندك... ولا إنك تستجوي علي أو حتى تفكر إن إني هخاف منك.
لا يعلم حقاً مدى قوة النار التي تلتهم أحشائها. كل ما يعلمه هو رؤية تلك المشاهد الدموية التي يصورها له عقله كي يفعلها معها انتقاماً لكرامته وغروره. تمالك حاله بشق الأنفس ثم قال بهدوء خطر:
عثمان: معناته إيه حديثك ديه؟
ارتعش جسدها من نبرته المليئة بالغضب، ولكنها أكملت تحديها له قائلة:
رغد: معناته إن مش هتسمالك مرة... جدام الناس انت راجلي ولك احترامك... لكن بيناتنا مليكش صالح بيا... انت في حالك وأنا فحالي يا دكتور... أو أجولك عندك مرتك ابجي ضلك وياها هي أولى بيك.
كل ما يسمع في تلك الغرفة التي من الواضح أنها ستصبح عنبراً لأكثر اثنين جنوناً على وجه الأرض... غير أنفاسها اللاهثة بعد ما انتهت من حديثها، وأنفاثه التي تخرج معها لهباً سيحرقها لا محالة. تحرك بتمهل جعلها تموت رعباً، فعادت إلى الخلف وهي تقول بتحذير واهية:
رغد: بعد عني أوعاك تفكر هسمحلك... أاااااه... هكذا...
قطعت حديثها وصرخت حينما...
رواية عثمان و رغد الفصل الرابع 4 - بقلم فريدة الحلواني
رعب... خوف... سب لحالها بداخلها.
كل تلك المشاعر كانت ثائرة داخل جسد رغد المرتعش بعد أن مثلت القوة وتفوّهت بما لا يحمد عقباه.
و مع من؟ مع من طمع في غرور العالم أجمع واحتفظ به لنفسه.
ظلت تعود للخلف إلى أن ارتطمت بالحائط الذي لعنته ألف لعنة.
وهو يتقدم منها بتمهل رغم غليانه.
وقف قبالتها ثم رفع يديه حتى يستند بهما على الحائط ليحبسها بينهما.
اعتقدت أنه سيضربها فاهتزت رغماً عنها.
كان مظهرها مثل الطفل المذعور مما جعله يريد أن يطلق ضحكات صاخبة.
إلا أنه تمالك حاله ثم ثبت عينيه الثاقبة داخل خاصتها اللامعة.
ظل هكذا لبعض الوقت كي يبث الرعب داخلها أكثر.
حتى نطقت بقوة واهية كذّبها صوتها المرتعش:
"واقف أكديه ليه... ااا... إني ما بخافش... وإني حذرتك... أوعاك تلمسني... إني بجولك أهااا."
هل يفصل عنقها؟ أم يقطع لسانها بأسنانه؟ لا يعلم.
ولكن كل ما هو متأكد منه... لن يسمح بسحق كبريائه على يد تلك الطفلة ذات الرأس اليابس والتي لا تعلم مع من تتحدث.
خرجت نبرته ببرود أشبه ببركان ثائر وهو يقول:
"انتي خابرة هتحولى حديثك ده لمين؟"
كادت أن ترد عليه إلا أنه صرخ بها:
"اجفلي خاشمك اللي عم يطلع روبة يا واكلة ناسك... بلاش تتجلي حسابك وياي."
لن تصمت ولن تظهر خوفها.
ردت عليه بتحدي:
"إني ما جلتش حاجة."
جز على أسنانه بغضب جم ثم قال:
"أوعاك تفكري حالك مرة بيبصلها... اااا... إني عثمان السوهاجي... شفت وعرفت نسوان بعدد شعر راسك اللي عايز يدج ده... أحب أقولك إنتي متسويش ضفر وحدة فيهم.
وحتى لو... لو فكرت... هتجبلك كيف وإنتي جالتله خوي... ليا عندك تار وهاخده... ووجتها هرميكي مش بره السرايا لااااه بره النجع كله."
طعنة قوية انشق على أثرها قلبها الصغير نصفين.
سترد له الصاع صاعين حتى لو قتلها لن تهتم.
لن تسمح له أن يدوس كرامتها بكل هذه القسوة.
اشتد جسدها علامة القوة والتحدي وهي تقول:
"مش رايك فيه هو اللي هيهمني... إني عارفة قيمة حالي زين... ولولا إني رغد بت الشيخ عبد الحكيم... كت عرفت أردلك حديثك ده... أجولك... لا انت طايجني... ولا إني جابلاك ولا حتى طايجة أشم الهوا اللي بيجمعنا.
أما تارك الواهي ده... خاليك تاكل حالك طول عمرك... لو جطعتني حتت مهطلعش كلمة من خاشمي... وفي ربنا مطلع وعارف مين الظالم... ومين المظلوم."
أنت مفكر حال... اممممم.
استفزه حديثها.
شفتاها الوردية التي تتحدّاه أن يلمسها.
شعرها الغزير الناعم الذي يتطاير حول وجهها البهي من شدة غضبها.
كل هذا جعله يريد الانتقام من ذلك اللسان السليط.
وكسر تلك الفاتنة التي دلفت عرين الأسد وهي تعتقد أنها قادرة على تحديه.
حبست بين جسده والحائط.
يدان قويان تحكما في وجهها كي يثبتانه جيداً.
فم غليظ ينتقم من خاصتها الصغيرة.
حالة ذهول انتابتها.
الصدمة جعلت عقلها يتوقف عن التفكير حتى في منعه.
خبرته أنستها ما حدث وتاهت معه في قبلة لن تختبر مثلها من قبل.
أما هو... تحول العقاب إلى متعة تجبره على التعمق أكثر.
إذا كان هذا طعم قبلتها... فماذا سيكون شعوره إذا أكمل.
هنا فاق... بعد أن أسقطه عقله من فوق سحابة حلقت به إلى الأعلى.
فصل قبلته بتمهل مميت.
نظر لها وجدها ما زالت مغمضة عينيها ولا تقوى على فتحها.
اصطبغ وجهها بحمرة قانية خجلاً ورهبة ومشاعر لم تختبرها من قبل.
حتى أنه ابتعد دون أن ينطق حرفاً واحداً وكأنه لم يفعل شيئاً.
ظلت واقفة كما هي لبعض الوقت إلى أن صرخ بها بكل تجبر:
"تعالي اتخمدي... يلااااا."
فاقت أخيراً من تلك الغيبوبة المؤقتة.
وتحمد الله أنه صرخ بها كي تداري على استسلامها المشين بلسانها السليط الذي سيؤدي بها إلى التهلكة.
رغد بغل:
"خاااابر لو جربت مني تاني... ااااا... انت مفكر إني ممكن أنام جنبيك... بتحلم... سااامع."
لااااا هذا كثير حقاً.
لن يستطيع تحمل كل هذا التحدي.
في لحظة كان أمامها يحملها فوق كتفه ويلقي بها فوق الفراش بمنتهى القوة مما جعلها تصرخ ألماً.
وقبل أن تتفوه بالمزيد قال بتهديد صريح:
"لو عايزة الليلة تعدي... اجفلي خاشمك وبذيداكي عناااااد."
أغمضت عينيها بقوة علامة النوم في مظهر حقاً... مضحك.
هز رأسه بيأس ثم تحرك تجاه المرحاض و بداخله غيظ العالم من تلك الطفلة الحمقاء.
في غرفة عائشة...
حقاً كان مظهرها مثيراً للشفقة.
هي امرأة... برغم بساطتها وبرغم أنها تعلم تمام العلم أن ما حدث هو نابع من عادات تربوا عليها.
إلا أنها حقاً ترفض هذا الوضع.
كان لها زوج ملكاً لها وحدها.
والآن أصبحت تشاركها فيه أخرى.
وأي أخرى؟ فتاة صغيرة... جميلة... هل سينفر منها؟ هل سيميل لها ويبغضها هي؟
وفي وسط بكائها وكل تلك الأفكار التي كادت أن تفتك بها وجدت نرجس تدخل عليها.
نظرت لها من بين دموعها ولم تستطع النطق.
اقتربت نرجس ناحيتها ثم جلست وقالت بشفقة:
"كت خابرة إنك هتضلي تبكي طول الليل... جولت لازمن أجي أطمن عليكي."
عائشة بحزن:
"مبجاش حيلتي غير البكي على حالي يا بت عمي... إني شايلة الروب وهو زمناته ممتع حاله وياها... جلبي جايد ناااار... مجدرش أتحمل... نفسي أصرخ وأجول بوووووه يا ولاد."
نرجس بحنو:
"هوني على حالك يا خبتي... إنتي خابرة زين إن دي عوايدنا... والي حاصل ده أمر طبيعي."
عائشة:
"خابرة... وكت متأكدة إن دي هتحصل بس غصب عني يا نرجس... الواحدة منا تجبل العمي ولا يبجالها ضرة... إني خابرة إني مليجش بيه... وبيشوف حريم تحل من على حبل المشنقة كيف ما بيقولوا... بس كت بصبر حالي وأجول... إني مرته وأم عياله.
أنما دلوك بحالة مرة تانية وبكرة يخلف منها."
نرجس:
"حتى لو ديه حصل هتضلي أول بخته وبت عمه اللي لا يمكن يستغني عنها... دانتو عشرة سنين يا بت."
نظرت لها بقهر وقالت:
"بس مش حبيبته يا نرجس."
بعد أن أخذ وقتاً طويلاً تحت مرش الماء يحاول أن يرتب أفكاره وينسى تلك الدقائق التي عاشها معها.
وفي كل مرة يتذكر شعوره يرتعش جسده بهزة قوية لم يختبرها من قبل.
بمجرد أن تمدد بجوارها فتحت عينيها بوجل.
تلاقت النظرات في حديث صامت... صارخ... تائه.
وكلا منهما يشعر أنه لم يمس من آخر.
لم تتحدث ولم يفصل تواصلهم البصري إلى أن أغمضت عينيها براحة لا تعلم من أين أتت.
وفي غضون لحظات كانت تذهب في نوم عميق.
أما هو ظل يتطلع لها لفترة إلى أن نام هو الآخر وبداخله حرب دروس لا يعلم متى ستنتهي.
ولمن سيكون الانتصار... العقل... أو الخافق بقوة.
صباحاً داخل سراي العبايدة.
كانوا يقومون بتجهيز ما يسمي ب... فطور الصباحية.
وكانت شادية تتابع ما تفعله العاملات باهتمام.
دخلت إليها انصاف وبعد أن نظرت لكل ما يحدث بغيرة قالت:
"وااااه... إيه كل ده يا شادية... هي بت بنوت اياك."
نظرت لها بغيظ وقالت:
"دي عوايدنا يا بت أبوي... ولا عايزانا نصغر بأختك جدام السوهاجية."
إنصاف بغل:
"وهي جديدة عليهم اياك... ماهي كانت مرة ولدهم جبل سابج... وروحتوا كلياتكم محملين بشي وشويات... غير الدهب اللي غرجتوه بيها... هتعملوها تاني... هو مفيش غير رغد الحيلة اللي الكل بيجلعها."
شادية بغضب:
"ميتة هتصفي جلبك لأختك... سيبيها لحالها... الكل شايفها متجلعة بس محدش شاف اللي عايشة فيه... بلاش غيرتك منها تعمي جلبك وتنسيكي إنها أختك الصغيرة."
تغاضت عن كل ما قيل وسألت باهتمام خبيث:
"وإيه اللي عاشته بجي."
شادية بمواربة:
"بكفاية إنها كانت تمن التار وهي عنديها سطاشر سنة... ويادوبها تمت التمنتاشر وترملت... جالت ديه مش كفاية ولا إيه."
إنصاف بحقد:
"وأهي اتجوزت الدكتور بذات نفسه... زينة شباب سوهاج كلها والف مين كانت تتمناه."
شادية بغيظ:
"على ضرة... اتجوزته على ضرة ومعاه جوز عيال... يعني مش خالي يا بت أبوي."
نفضت حزنها سريعاً وقد قررت ألا تستسلم لهذا الوضع.
ستحارب حتى تحتفظ بمكانها في حياة طبيبها المتجبر.
تزينت عائشة بشكل مبالغ فيه.
ارتدت الكثير من الحلي.
هبطت للأسفل ولأول مرة تفرض حالها على عاملات المنزل وتأمرهم بما يجب فعله.
رأتها عفت من بعيد فاتجهت لها ثم تطلعت إلى هيئتها وقالت:
"وااااه إيه اللي عملاه في حالك ديه يا عيشة... هي صبحيتك انتي ولا إيه."
"وميتة بتدخلي المطبخ ولا بتجولي إيه اللي بنعمل."
كتمت غيظها وقالت:
"لااااه يا مرت عمي... دي صبحية جوزي وجولت لحالي أعمله فطوره بيدي وأطلعهوله كماني... فيها حاجة ديه."
نظرت لها عفت بعدم ارتياح ثم قالت:
"لاه يا بتي... مافيهاشي... ربنا يكملك بعقلك ويهدي سركم."
بعد قليل اتجهت إلى الأعلى ومعها الخادمة تحمل معها صينية كبيرة فوقها الكثير من الطعام الشهي.
طرقت الباب بغل متعمد مما جعل رغد تنتفض من نومها.
نظرت جانبها لم تجده.
سمعت صوت المياه فعلمت أنه داخل المرحاض.
طرقت الباب مرة أخرى فردت بتحشرج:
"مين."
عائشة بغل متوارٍ:
"إني يا عروسة جايبالك فطور الصباحية انتي والدكتور بنفسي."
هنا فاقت سريعاً وعمل عقلها بشكل كامل.
تحركت من فوق الفراش.
وضعت أذنها فوق باب المرحاض وحينما تأكدت أن مرش المياه ما زال يعمل.
قالت سريعاً وهي تضم ملاء الفراش كي يصبح مظهرها مشعث ثم اتجهت إلى خزانة ملابسها لتخرج شيئاً ما:
"اصبري هبابة هستر حالي وأفتحلك."
انقضت النار داخل الواقفة بالخارج ولكنها كتمتها بداخلها كمداً.
ولكن... حينما فتح الباب ورأت تلك الماكرة ترتدي روب تعمدت ألا تغلقه جيداً وعبثت في شعرها كي يصبح مظهرها أكثر إثارة يوشي لمن يراها بالكثير.
ابتسمت بتشفي حينما وجدتها تطالها بغيرة ثم قالت:
"واااه جايبالي الفطور بنفسك يا أبلة عيشة."
عائشة بجنون:
"أبلة... ليه شيفاني شغالة في مدرسة اياك."
رغد بكيد:
"الاحترام واجب بردك."
تفحصت عائشة الغرفة بعين يملؤها شرار الغضب والغير ثم قالت:
"وينه الدكتور."
رغد بدلال:
"بيتسبح... ريداه في حاجة."
والدكتور يقف خلف الباب من أول لحظة ليستمع ويستمتع بمكرها الذي ستدفع ثمنه غالياً.
ارتدى ثيابه سريعاً بعد أن فكر بشيطانية.
خرج بطريقة طبيعية وهو يجفف خصلاته بمنشفة صغيرة ويقول:
"وينك يا رغد."
تصنع المفاجأة وقال بابتسامة:
"واااه عيشة بذاتها جايبالي فطوري... اقترب منها ثم قبل جبهتها وقال: تسلم يدك."
والماكرة كانت في موقف لا تحسد عليه.
كيف ستستر ما يظهر منها أمامه... وغريمتها تراقب كل نفس.
اقترب منها ثم ضمها من كتفها بذراعه وقال ممثلاً المزاح:
"شايفة يا رغودة... إني أكده جلبي ارتاح... واضح مهتبجوش ضرار... هتبجوا أخوات... ولا إيه."
مع ارتعاشة جسدها من هذا القرب خرج صوتها مرتعشاً وهي تقول:
"أيوه أمال إيه."
أما عائشة فقد أرضاها بتلك القبلة البسيطة.
ولكن غيرتها لم تسمح لها أن تبقى أكثر من ذلك.
قالت سريعاً:
"أسيبكم تاخدوا راحتكم... لو احتجت حاجة رن عليا يا عثمان... وفقط."
غادرت سريعاً مغلقة الباب خلفها بغل.
بمجرد أن أغلق الباب دفعته سريعاً ليبتعد عنها ثم صمت الروب بيدها كي تداري ما ظهر منها وقالت بغضب:
"مش جولتلك أوعاك تلمسني."
لم يهتم لغضبها بل ظهر عليه الاستمتاع وهو ينظر إلى الفراش ويقول بوقاحة:
"باينها كانت سهرة صباحي ولا إيه."
لم تجد رداً عليه بعد أن احمرت خجلاً.
قررت الهروب من أمامه لتتواري خلف باب المرحاض وهي تقول بصراخ:
"يا قليل الحيا."
أما هو دون إرادة منه خرجت منه ضحكات صاخبة جعلت قلبها ينبض بحنان وهي تقف مستندة على الباب من الداخل.
جلس يأكل بشهية لم يشعر بها من قبل وهو يفكر أن أيامه القادمة ستكون أكثر صخباً.
قال لحاله:
"إني مخابرش... إنتي عيلة صغيرة هتخاف من الهوا... ولا حية هتتلون بميت لون... بس الأكيد إني مهنساش اللي عملتيه في أخوي يا رغد."
حضر أهلها كعادتهم محملين بالكثير من الهدايا.
وقد صعدت الخادمة كي تخبرهم.
رد عليها من الداخل بخشونة:
"عشر دقايق ونازل."
نظر تجاه المرحاض التي ما زالت تحبس حالها بداخله ثم زفر بحنق وقال:
"أهلك تحت... هتباتي عندكِ ولا إيه."
ردت عليه بخجل تملك منها:
"طب روح انت وأنا هحصلك."
عثمان بغيظ:
"مهينفعش... لازمن ننزل ويا بعض... إنتي مش بت بنوت لجل ما يطلعوا يطمنوا عليكي... ولا نسيتي."
جرحها بتلك الكلمات وكان زواجها بغيره وصمة عار يشعر بها ويحتقرها.
ردت لحزن استشعره:
"مخدتش معاي خلجات... ومهقدرش أطلع جدامك أكديه."
عض شفته السفلي بغل ثم اتجه إلى عباءتها التي وجدها ملقاة في أحد الأركان.
مال بجسده والتقطها سريعاً ثم اتجه إليها وقال:
"افتحي خدي عبايتك يا بت الحسن والجمال... واخلصي... رايد أجولك كلمتين جبل ما ننزل لتحت."
خرجت له بعد لحظات.
وقفت تنتظر حديثه دون أن تتفوه بحرف.
نظر لها بتحذير ثم قال:
"اللي بينا مفيش حد يعرفه واصل سامعة."
نظرت له بعدم فهم فاكمل:
"محدش يعرف إننا مش طايجين بعضنا... إحنا جدام الناس عايشين عادي... فاهمة ولا أوضح أكتر."
احمرت وجنتها خجلاً من مغزى حديثه وقالت:
"فاهمة زين."
نظر لها بقوة وقال:
"ولا حتى أختك اللي تعرف عنيكي كل شيء... إني بحذرك... لو حسيت إنك جولتيلها حسابك وياي هيزيد... وإنتي اللي هتشيلي الروب مش حدي تاني."
هزت رأسها بتفهم ثم قالت:
"حاضر مهاجولش... اطمن."
رد بغيظ:
"هو إني قلقان عشان أطمن... لو حد لازم يقلج هيكون انتي."
بعد أن انتهت الزيارة والتي لم يعطها فيها الفرصة للاختلاء بأختها.
يعلم تمام العلم أنها ستقص لها كل ما حدث.
وهذا ما لم يقبله على رجولته.
قبل أن يصعد معها وجد أمه تهتف باسمه.
اتجه لها وقال:
"أيوه ياما."
ربتت على صدره بحنو وقالت:
"اتقي ربنا يا ولدي."
نظر لها بعدم فهم فابتسمت وأكملت:
"إنت خابر قصدي زين يا ولدي... لو كان الطلاق حاجة شينة مكانش ربنا حلله... ولا اللي بتترمل ليها يد في عمر جوزها يا ولدي.
ربنا بعتلك هدية... حافظ عليها ومتضيعهاش من يدك... مفيش حد وجتها هيندم غيرك يا ضنايا."
كاد أن يرد عليها إلا أنها منعته بكف يدها وهي تقول بحسم:
"إني جولت اللي عندي... عقلك في راسك تعرف خلاصك يا دكتور يا متعلم."
وفقط تركته وغادرت تاركة إياه يغرق في بحر أفكاره.
وبعد فترة قال بغل:
"لو تعرفي يا أم الدكتور إنها جابت له ولد... ااااخ يا ما... إني كاتم جهرت جلبي على خوي... سيبيني فحالي و فمراري الطافح لحد ما أجيب حجة منها يا ما."
بالأعلى.
بعد أن رأته يقف مع أمه.
ذهبت سريعاً كي تهاتف أختها قبل صعوده.
وأثناء ذلك كانت تراقب السلم من الأعلى حتى تراه وهو يصعد.
وبالفعل... رأته.
أغلقت الهاتف معها وكادت أن تتحرك إلا أنها رأت عائشة تقف في الطابق الأسفل ومن الواضح أنها تنتظره.
وقف معها قليلاً وهو يحدثها بهمس لم تسمعه.
رأت اقترابها منه حد الالتصاق.
وما هي إلا بضع لحظات وكان يتحرك معها تجاه جناحهما الخاص.
لا تعلم لما شعرت بوخزة داخل صدرها.
دمعت عيناها وقالت:
"كلهم كلاب... يجروا وري أي حرمة تلمسهم... حسبي الله ونعم الوكيل."
ماذا سيحدث يا ترى.
سنرى.
رواية عثمان و رغد الفصل الخامس 5 - بقلم فريدة الحلواني
بين الضعف والكبرياء حرب ضروس تأكل أحشاءنا، ترهقنا. لا نحن نعترف بضعفنا، ولا نتحمل كبرياءنا.
انقضى شهر بعد زواج طبيبنا المغرور وفاتنته العنيدة. كلاهما يعاند الآخر لمجرد العناد. هذا ظاهريًا، ولكن بداخل الاثنين يعلمان جيدًا أن كل ما يفعلاه هو محاولة قد تكون فاشلة كي يغطوا على انجذاب كل منهما للآخر.
ترى، من منهم سيرفع الراية البيضاء أولاً؟ لا أعلم.
الجميع لاحظ اعتناء عائشة بهيئتها كثيرًا عن ذي قبل. والحق يقال، طبيبنا رغم غروره وتسلطه إلا أنه تفهم موقفها، بل حاول ألا يشعرها بوجود أخرى في حياته. وبرغم أنه وضع قواعد المبيت لديهما، إلا أنه في اليوم الذي يكون فيه لدى رغد، يمر عليها أولاً كي يطمئن عليها ثم يذهب للأخرى. وهذا ما جعلها تطير فرحًا. ولكن كيد الأنثى جعلها تأخذ هذا الأمر سلاحًا كي تحارب به غريمته.
بعد أن ارتدت عباءة فاخرة ذات لون وردي، وقفت تمشط شعرها أمام المرآة، وتنتقي بعض الحلي كي تتزين به. خرج من المرحاض، وحينما وجدها على هذا الحال عقد بين حاجبيه وسأل باستغراب:
"ليه كلت ديه؟ من ميته بتجعدي فالدار بخلجات الخروج ديه؟"
نظرت له بتحدٍ ينتظر أن يرفض:
"لأني طالعة."
اشتد جسده غضبًا مما سمع. نظر لها بعيون ضاقت علامة الاستعجاب ثم قال بهدوء خطر:
"طالعة؟ أكده لحالك؟ من غير ما أعرف؟"
ردت بغرور سيهلكها مع هذا الوحش الذي ينتظر الفرصة كي يخرج غيظه منها:
"كنت هخبرك. إني رايدة أزور أبوي وأهلي."
هنا قد خرج الوحش. ناهيك عن فعلتها التي ستحاسب عليها حسابًا عسيرًا. إلا أنه لم يرَ أمامه إلا هذا الأرعن الذي وقف يجهر أمامه بأحقيته بها. لم تستطع الهروب، بل وجدت حالها مكبّلة، بعدما لف ذراعًا حول خصرها. أما الآخر فلف حول خصلاتها الطويلة ثم قال بغضب جم:
"إنتي فجرتي؟ فكرتي سكوتي على لسانك اللي عايز قطعه ورأسك اليابسة، رضيتي عني؟ فُجي يا رغد. إني صبرت عليكي كتير."
ردت عليه بارتعاش أثر خوفها من هجومه:
"إني معمّلتش حاجة. أنا رايدة أشوف أبوي وخواتي."
عثمان بغيظ:
"لحالك أكديه؟ ملكيش رحل تاخدي الإذن مني؟"
ردت عليه ببرود ظاهري كي تعانده:
"لأ. مكنتش هقولك. لجل ما تعرف."
سيجن، حقًا سيجن من تلك البلهاء التي لا تعلم بماذا أوقعت حالها. شد على خصلاتها مما جعلها تصرخ وهو يقول:
"هتعرفيني. كتر خيرك."
صرخ وهو يكمل:
"اجعلي يا رغد. إني لحد دلوقتي مجيتش يمك. وبعاملك بما يرضي الله. يكش تعجلي وتقولي عالسر اللي مدرياه. خلينا نخلص من بعض بالمعروف يا بت الناس."
لما رأى سحابة حزن مرت داخل عينيها اللامعة بدموع بعد نطقه لتلك الكلمة. ولما شعر بقبضة غليظة تعتصر صدره هو الآخر. لم يهتم كثيرًا. أكمل بغل:
"إنتي مكتوية على راجل. خابرة يعني إيه؟ النفس اللي هتاخديه يكون بإذن مني. جتلك منين الجرأة تعملي أكده يا واكلة ناس؟"
رغد بتحدٍ:
"ليه؟ مفكراني عبدة عندك؟ فُوج يا دكتور. إني رغ... آآآه!"
قطعت تفاخرها بنفسها الذي يصيبه بالجنون حينما أطبق على فمها الذي اشتاقه حد اللعنة. فمنذ أن ذاق حلاوة قبلتها التي اقتنصها في أول ليلة لهما معًا، كلما تذكرها تصيبه رعشة تهز جسده بقوة.
"ما لها تلك الشفتان؟ ملمسهما مثل الحرير. مال قلبي بشهوة الغرق بها. مال روحي تحلق في فضاء شهدها."
أما الأخرى، التي ما زالت تحتفظ ببكارة مشاعرها، لم تشعر بحالها بين يديه، بل أصبح جسدها هلاميًا رغم امتلائه. لما لا تقوى على ردعه؟ بل لما يصبح عقلها فارغًا بمجرد أن يخطفها؟ تهدم دفاعاتها، بل تصبح هباءً منثورًا.
بمنتهى التمهل القاتل، الجامح، كان يفصل قبلته التي لم يرد أن تنتهي. تطلع إلى عينيها المغلقة. مسح على وجنتها الناعمة لأول مرة. ثم قال حديثًا منافيًا لما حدث.
عثمان بصوت متحشرج جاهد لإخراجه طبيعيًا:
"حطي في راسك اليابسة ديه اللي في يوم هكسرها لك. إن عثمان السوهاجي متخلقش اللي يعلي حسو عليه، خصوصي لو كانت حرمة. سامعها."
أخرجها من تلك الدوامة التي عصفت بها. أعاد لها تمردها وكبرياءها.
أبعدها عنها بقوة واهية وهي تقول بغيظ:
"وأني متخلقش لسه اللي يتحكم فيه."
عثمان:
"ليه مش جوزك؟"
إياكِ. ضربته بقبضتها فوق صدره وهي تقول بغيرة لم تستطع التحكم بها:
"لأ. روح احكم على عائشة يا جوز التنين. وبس."
هرولت تجاه المرحاض الذي أصبح ملجأها الوحيد للاختباء منه.
أما هو، فابتسم بحلاوة وهو يمسح على شفتيه دون أن يهتم لهرائها.
وبعدما خرجت بعد الكثير من الوقت، وجدت قلبها ينبض بعنف كاد أن يخنقها بعدما وجدته يرتدي حلة رمادية اللون أسفلها قميصًا كحليًا. تاهت في وسامته التي ستهلكها لا محالة. فإذا كان ذا هيبة في جلبابه الصعيدي، فهو الآن أمير من إحدى الأساطير.
لاحظت تلك النظرات من خلال المرآة التي يقف أمامها كي يمشط خصلاته البنية. ثم ابتسم بكيد وهو يقول:
"خايلت لك كم صورة."
عضت شفتها السفلى غيظًا من هذا الغليظ ثم قالت:
"مردتش عليك. دلوقتي أنا لازم أروح عند أهلي."
التفت لها وسأل باهتمام:
"ليه؟ حد منيهم عيان؟"
رغد:
"لأ. الحمد لله. كلهم بخير. بت أختي هيطهرونها الليلة ورايدني وياهم."
عثمان:
"لسه هتعملوا الجهل ده؟ مسمعتوش إن ختان البنات غلط؟"
رغد:
"دي عوايدنا. م هنغيرهاش."
عثمان:
"يا بجرة أنتِ. الموضوع ده غلط كبير على بنيتها. إني بكلمك كدكتور. البت بتفقد في جوازها لما تكبر. حرام عليكم تدمرها."
رغد بعدم فهم:
"يعني إيه؟ إيه دخل الجواز في طهور البنت؟"
رد عليها بهدوء وتعقل لأول مرة:
"دي حاجة ربنا خلقها بيها. مسؤولة عن الإثارة الجنسية. لما تقطعوها البنت هتبقى باردة ويا جوزها. وطبعًا الراجل ما يحبش كده. هينفر منها. وهي هتفتكر إنها معيبة ولا مش مرغوب فيها. نفسيًا هتتعب. يبقى ليه من أساسه؟ ما تسيبوا خلقت ربنا لحالها."
رغد بحيرة رغم خجلها:
"إني ما أعرفش كل ده. آآآآ. يعني كل البنات كده؟"
عثمان:
"لأ. هفهمك. كل مكان ليه طبيعته. بمعنى إن اللي عايشين في المناطق الصحراوية حرارة الجزيرة بتبقى عالية بطبيعتها. هنا ختان البنات واجب. عشان يحلوا من شهوتها اللي بطبيعة الجو اللي عايشة فيه بتبقى عالية. أما في بلادنا الجو عادي وطبيعة الحياة غير. يبقى ملوش داعي لكده. فاهمة حاجة؟"
هزت رأسها بعدم فهم فضحك بهدوء وأكمل:
"عشان بجرة."
نظرت له بغيظ فأكمل بجدية:
"خلاصة الجول اتصلي بخالتك وجولي لها بلاها العملة الشينة دي. حرام عليكم."
قطبت حاجبيها بتعجب ثم تقدمت منه وهي تقول:
"واااااه. أتصل بيها ليه؟ هو إني مش هروح؟"
رد بحزم:
"لأ. رجلك ما هتخطيش دار أبوكي. اللي رايدك يجيلك أهني. السرايا مفتوحة للكل."
ردت بغضب:
"ليه بقى؟ هتحبسني؟"
التفت لها بتفحص ثم قال بصوت عذب ونبرة حانية لم يختبرها من قبل:
"أقفل عليكي بالضبة والمفتاح كمان."
وقبل أن تستوعب ما قيل، كان يميل عليها ويلثمها بقبلة سطحية. وبرغم بساطتها، كانت رائعة حقًا.
اعتدل وهو يتحول مئة وثمانون درجة وهو يقول بغلظة:
"غيري خلجاتك الماسخة دي وحصليني. وبس."
انطلق متجهًا إلى الخارج دون أن يعطيها حق الرد أو الفهم.
أما هي، فوقفت مذهولة من تحوله وأخذ عقلها يحاول فهم تلك الحروف التي خرجت منه على هيئة طلاسم بالنسبة لها. توقف عقلها عن العمل ولم يصور لها معنى حديثه في تغيير ثيابها إلا أنه يقلل منها. قررت التمرد والهبوط كما هي وليفعل ما يفعل. فلنرى أيها المغرور.
والمغرور اشتعلت النار داخل صدره حينما وجدها تهبط فوق الدرج دون أن تنفذ ما قاله، أو بمعني أصح أمرها به. هل سيراها الجميع بتلك الفتنة؟ برغم احتشامها إلا أن مظهرها كان مهلكًا لرجولته التي أصبحت تشتهيها. حتى أنه قال:
"بهاؤك يتحدى اللون الوردي. من منكما سيكون أكثر زهوًا؟"
ألقت عليه نظرة متحدية مع ابتسامة شامته لعلمها أنه لن يستطيع الاعتراض أمام الجميع.
قطع هذه الحرب المتوارية حديث عفت التي قالت بحنو:
"بسم الله الله أكبر. تعالي يا بتي."
مالت عليها لتقبل كفها بحب كما اعتادت ثم قالت:
"أصبح الخير يا حاجة."
وجهت حديثها للجميع:
"أصبح الخير عليكم."
ردوا عليها. مالت لتأخذ ولدها من جدته. احتضنته باشتياق وهي تقول:
"كيفك يا جلب أمك؟ أنستني وجاعد ويا ستك."
أعقبت قولها بتقبيل وجنته الممتلئة. مما جعل الذي يحترق بداخلها يركز مع ثغرها الذي كان يتنعم به منذ قليل ويريد أن يقتل ولدها كي لا يمسه.
أرادت عائشة لفت الانتباه لها ومكايدة تلك الفاتنة. مالت على زوجها وقالت:
"هتسافر دلوك يا عثمان؟"
من نظرات رغد المستغربة علمت أنه لم يطلعها على وجهته. طار قلبها فرحًا بذلك. وهذا الماكر استغل كيد النساء فأخذ بثأره منها، فقال بحنو متعمد:
"بأمر الله. مانتي خابرة مواعيدي يا عيشة. رايدة حاجة أجيبها لك وأنا راجع؟"
ابتسمت باتساع وقالت:
"رايدك طيب وترجع لنا بالف سلامة يا غالي."
مالت نرجس على أمها وقالت بمزاح:
"ولدك واقع بين اتنين كيادين يا أما. يا مرارك الطافح يا أخويا."
كتمت عفت ضحكتها وقالت:
"خلينا نتسلى يا بتي. التليفزيون مبقاش فيه حاجة عدلة. اطلعي. رغد هترد الصاع صاغين دلوك."
رغد لم تخيب أملها حينما قالت بصوت عذب تعمدته:
"متنساشي اللي جولتلك عليه يا حبيبي."
اهتز. حقًا أصابته هزة قوية بعد سماع تلك الكلمة، والتي يعلم أنها تقولها مكايدة في غريمته. إلا أن تأثيرها عليه كان قويًا لدرجة أنه عجز عن الرد.
أخرجه من تلك الحالة سؤال عائشة:
"يجب لك إيه يا رغد؟ هو أنتِ عندك شوية؟"
نظرت لها بدلال مفرط ثم قالت وهي تضم ولدها بقصد:
"هو مالأصل مش ناقصني حاجة. من غير ما أطلب بلاقيه جايب لي الحلو كله. كل اللي رايداه لعبة شوفت إعلانها وحولت يحبها لرحيم. فيه مانع؟"
قطعت عفت تلك الحرب حينما قالت:
"ده الغالي بيجيبه الحلو كله. ده رحيم بيه السوهاجي."
وقف سريعًا بعدما شعر أنه لن يستطيع الجلوس أمامها أكثر. بداخله غضب، غيرة، حزن تملك منه ولا يعرف سببه.
ألقى عليها نظرة معاتبة جعلتها تسبح في بحر الحيرة. ثم ودع أمه بقبلة فوق جبينها وغادر سريعًا.
داخل صرح كبير يعد من أكبر المشافي في مصر. تقدم بكل هيبة ووقار داخل أروقة مشفاه الخاص. يتابع الحالات التي تنتظره منذ أيام. يتحدث مع الأطباء ليطلع على آخر المستجدات.
وهناك، في آخر الرواق، تقف فتاة في أواخر العشرينات تنظر له من بعيد بنظرات يملأها الحب اليائس.
وجدت يدًا حانية تربت على كتفها وتقول:
"مش اتفقنا ننسيه يا لمياء؟"
نظرت لها بحزن وقالت:
"يا ريت كان بإيدي يا ولاء. مانتي عارفة أنا بحبه من أيام ما كنت طالبة وبتدرب معاه هنا."
ولاء بحكمة:
"يا حبيبتي عارفة. ومن وقتها وأنا حذرتك متسيبيش مشاعرك تكبر لأنه واحد متجوز. أنتي مسمعتيش مني وكنتِ متخيلة إنه هيحس بيكي. لأ، والادهى إن مكنش عندك مانع أبدًا تكوني زوجة ثانية."
دمعت عيناها وقالت:
"ويا ريتني عرفت ولا قدرت أحسسه بيا. وأهو بدل الزوجة بقى اتنين يعني الموضوع بقى أصعب كمان."
نظرت لها ولاء بغيظ ثم قالت:
"لأ انتي جري لعقلك حاجة. استحالة تكوني لسه حاطة أمل عليه. فيكي إيه ناقص عشان تاخدي واحد مشاركك فيه اتنين؟ فُوقي يا لميا. انتي دكتورة وجميلة ومن عيلة أي حد يتمنى يناسبها. مترخصيش نفسك."
نظرت لبعيد وهي ترى ذلك العاشق الصامت ثم أكملت:
"شوفي اللي شاريكي وهيبقى ملكك لوحدك."
مر يومان دون أي شيء يذكر غير حزن رغد التي حاولت أن تدّاريه. فقد انتظرته أن يتصل بها كما يفعل حينما يغادر إلى القاهرة بحجة الاطمئنان على ولد أخيه، ولكن لم يفعل.
لم تجد ملجأ لها غير أختها الحبيبة والتي دائمًا ترشدها للصواب.
أمسكت هاتفها وقامت بالاتصال بها. وحينما جاءها الرد قالت:
"كيفك يا خيتي؟"
شعرت شادية بتغيير نبرة ابنتها الروحية فقالت باهتمام:
"زينة الحمد لله. مالك يا بت. فيكي إيه؟ صوتك متغير."
زفرت بحنق ثم قالت:
"مفيش حاجة. البيه الدكتور. ليل نهار بيتكلم مع عائشة أو أولادها ومفكرش يسأل على ولد أخوه اللي اتجوزني لجل خاطره."
أكملت بغيرة:
"وهي بقى متهزرش خبر تاجي جدامي وتتكلم بمياعة. حاجة تجرف. متقوليش لسه عرسان."
ضحكت شادية بقوة على غيرتها الواضحة والتي ستنكرها لا محالة. قررت أن تزيدها لتشعلها أكثر فقالت:
"وإنتي شاغلك إيه؟ مرته وبتتكلم عليه بحجة."
رغد بجنون:
"يكش يولع جال يتكلم. وما كانش بيحصل كده قبل سابقة. إيش عجب دلوك؟"
شادية بجدية:
"دلوك بقى ليها شريك فيه. وده راجلها وأبو ولادها. حجها تعمل كل اللي تقدر عليه لجل ما تكسبه وتحافظ عليه. والله وطلعتي شاطرة يا عائشة."
انتفضت من مجلسها وهي تصرخ في أختها بجنون:
"واااااه. يعني إني اللي مجنونة دلوك؟ تشبع بيه. ولا يشغلني. مانتي خابرة اتفاجئ وياه وعيشتنا كيف ماشية."
شادية بحكمة:
"بس هي متعرفش يا بت أبوي. محدش يعرف غيري. وخلي بالك. هي أكده مرة صوغة."
رغد بحيرة:
"كيف يعني؟ هي أحسن مني في إيه؟"
شادية:
"في عجلة."
رغد:
"بقت مجنونة دلوك؟"
شادية:
"لما بيمسك فيكي الكبر والمعاندة بتبقي أحن المجانين. يا بتي افهمي. أنا عم بجولك الحديث ده من قبل ما يكتب عليكي. افتحي جلبك ليه. احكي له يا بتي عالمرار اللي عيشتيه. ابدئي وياه حياة جديدة يكون هو عوضك وجبرك من ربنا عن كل اللي اتحملتيه."
رغد بحزن:
"مهقدرش. هيفكر إني خايفة منه. ولا حبيته."
شادية بقوة:
"وده ما حصلش يا بت العبايدة."
ارتعش جسدها بقوة وقالت بمكابرة:
"لأ. وعمره ما هيحصل. لو عايز يعرف الحقيقة يدور عليها. مش هنطق حرف يا شادية."
أكملت بغيرة:
"ويشبع بست الشحرورة. جبر يلمهم هما الاتنين."
شادية:
"عملتي إيه يا رغد لحل ما يهملك من غير سؤال؟"
تلجلجت لعلمها بخطئها ثم قصت عليها ما حدث قبل أن يغادر.
صرخت بها الأخت بغضب:
"عارفة. إني اللي هاجي أدق نفوخك اليابس ديه. بتجري من راجلك يا رغد. دي تربيتي ليكي. تلبسي لجل ما تطلعي من الدار من غير إذنه. لاه وبتزيدي الطينة بلة ومتسمعيش حديته. كتر خيره إنه مأقطعش خبر."
رغد بخوف:
"أنا مقصدتش."
شادية بأمر لا يقبل النقاش:
"هنشوف بعدين تقصدي ولا لأ. هي كلمة واحدة. اقفلي معايا واتصلي بجوزك. سامعة؟"
رغد بعند:
"واااااه. أتصل أقوله إيه؟ إني عمري ما عملتها."
شادية بغضب:
"دي مشكلتك. اتصلي بيه أحسن لك. وأنا متأكدة إنه هيفهم سبب اتصالك. يلااااا."
انتفضت من صرخت أختها التي أعقبتها بإغلاق الهاتف في وجهها. قالت بغلب:
"يا مرك يا رغد. هيقول عليكي إيه دلوك. الله يسامحك يا خيتي."
زفرت بحنق ولم تجد بدا من مهاتفته فهي لا تعصي أمرًا لأختها.
أول مرة لم تجد ردًا. والثانية كذلك. حتى تمكن منها الغضب. أنهت الاتصال الثالث ثم اتصلت بأختها. وحينما ردت عليها قالت بغل:
"كلمته تلت مرات مهانش عليه يرد. عجيبك كده؟"
شادية:
"تلاقيه عنديه شغل ولا حاجة. وأول ما يفضي هيرن. إني متأكدة."
رغد بعناد:
"مهيردش عليه. هو مش أحسن مني في حاجة. هاااا. الحقيقة دي هيرن أها."
شادية سريعًا:
"هقفل وأفتح بسرعة."
أعقبت قولها بإغلاق الهاتف.
أغمضت رغد عينيها بوجل ثم فتحت الخط. وقبل أن تتفوه بحرف. برقت عيناها حينما سمعت.
ماذا سيحدث يا ترى؟
نرى.
رواية عثمان و رغد الفصل السادس 6 - بقلم فريدة الحلواني
صدمه... ذهول... عدم تصديق لما سمعته.
تصلبت وكأنها تمثال حجري بعدما سمعته يرد عليها قائلاً: "حبيبي، عامله إيه؟ سامحيني يا روحي، كان عندي حالة معرفتش أرد عليكي."
ظلت تفتح فمها وتغلقه في محاولة أن تخرج حرفاً واحداً، ولكنها فشلت.
كل ما استطاعت فعله هو أن تحرك يدها بالهاتف لترى اسمه بداخلها، لتتأكد أنه هو... وكان صوته ليس تأكيداً كافياً.
كاد قلبها أن يتوقف بالفعل.
أما ذلك الخبيث، فقد رد لها الصاع صاعين. هزته بكلمة "حبيبي" التي قالتها أمام الجميع لتكِيد غريمتها.
وهو أوقعها بكلمة "روحي" التي قالها عمداً حينما كانت لمياء تقف بجواره، حتى يجعلها تفقد الأمل فيه.
ولكن... ما له يشعر برعشة أصابته وأراد أن يقول المزيد، ولكن...
قد عاد طبيبنا المغرور إلى أرض الواقع هو الآخر، بعدما انسحبت لمياء كَمَداً من أمامه.
دون أي مقدمات، وكأن أحدهم صفعها فوق وجنتها ليُفيقها من تلك الحالة.
وكان صوته بمثابة تلك الصفعة حينما قال بطريقة فجة: "خبر إيه؟ زن زن متصلة تلت مرات. خير يا بت العبايدة، إيه اللي خلاكي تنزلي من برجك العالي وتتصلي بيه؟"
بمنتهى الذهول والهدوء العاصف، سألته دون أن تهتم بسخريته المبطنة: "كنت هتقولي لمين الحديث اللي في الأول؟"
ابتسم بشماتة على تلك الحالة التي تمر بها، وقد وشى بحالها المهزوز.
رد بفظاظة: "كان في ناس جاري مطيقهمش. جلت الكلمتين الناسخين دول لجل ما يفكروا إني رايد أتحدت ويا مرتي لحالي شوي."
صمت للحظات ثم زاد تجبره حينما أكمل: "أوعاكي تكوني مفكرة إني في يوم ممكن أقولهالك. يبني اتخبلتي في عجلاتك والله. المهم... عايزة إيه؟"
هل تعلمون النار التي تشتعل داخل الأنثى حينما يمس أحدهم كبرياءها؟ فما بالك إن جرحها فيه.
عادت إليها روح العزة والكرامة إذ قالت له بغرور وقوة تنافي انهيارها الداخلي: "ههههه، وأنت مفكر حالك إني صدجت. ولأني أساساً ممكن أسمحلك تقول الكلام الناسخ ده. لو واخد بالك يا دكتور، لما سمعتك مرديتش عليك. جلت يا أمن، بتجولهم لحد جارك. يا أمن، عجلك ساح ومفكرني حد تاني."
لااااااا.... هذا كثير. لن يتحمل كل هذا التكبر والإهانة التي لم يجرؤ أحد على فعلها من قبل.
عثمان بغضب: "قسماً بالله يا بت العبايدة..."
صمت للحظات، عجز أن يتوعدها. أصبح ذهنه خالياً من كثرة فورانه.
تنفس بقوة ثم أكمل: "شوفي... مش هقولك هعمل إيه. خلي عجلك يصور لك إيه اللي هيحصل فيكي لحد ما أعودلك."
فقط... أغلق الهاتف في وجهها.
ثم أخذ يدور حول نفسه داخل غرفة مكتبه.
يريد أن يذهب إليها الآن... يقتلها... ينتقم منها... على إهانته... أم على قلبه الذي أصبح يخفق بشدة بمجرد أن يتذكرها.
أما هي... كانت حقاً مرتعبه، ولاول مرة تعترف بخطأها الفادح في حقه.
منذ البداية هي من بدأت بالخطأ، وبدلاً عن إصلاحه، زادته سوءاً.
زفرت بحنق ثم قالت: "يا حزنك يا رغد... طينتيها فوق نفوخك. هتلاقيها مني ولا من خيتك اللي هتشيلك الروب. يا مري يا مري."
صعدت الخادمة إلى الأعلى ثم طرقت الباب. وحينما سمعت الإذن، دلفت وهي تقول: "ست شادية، الحاجة أم وهدان تحت ورايدة تشوفك."
قطبت بين حاجبيها وقالت بنزق: "وااااه، إني مش فايق لها دلوك. دي ولية رطاطة."
الخادمة: "أحولها نعسانة."
شادية: "لااااه... هنزلها وأمري للي."
بعد الكثير من كلمات الترحيب المبالغ فيها... والكثير من الأحاديث الجانبية التي أصابتها بالضجر.
قررت أن تنهي تلك الجلسة المملة.
شادية: "خير يا أم وهدان، جالتلي ريداني في خدمتك."
أم وهدان: "أيوه صح. بجولك... هي الست بسنت مش هتيجي البلد ليه؟ من يوم فرحها وهي مجاتش."
شادية: "مانتي خابرة جوزها مشاغله كتير في مصر."
أم وهدان: "أوه صح. سمعت إنه عنده شركة كبيرة هناك. الله يزيده."
شادية: "آمين. هتسألي عليها ليه؟"
أم وهدان: "الهي تتستري. رايدة تتوسطيلي عندها لجل ما تخلي جوزها يشغل وهدان عندي. الواد معاه شهادة كبيرة ونفسه يروح مصر يشتغل بيها."
نظرت لها شادية وقالت بسخرية مبطنة: "المعهد الفني شهادة كبيرة. أيوه صح. من عنيا هقولها وأرد عليكي."
ظلت المرأة تدعي لها إلى أن رحلت وتركته تفكر في حل لهذا المأزق.
في مكان آخر... بل في بلد آخر بعيد كل البعد عن تلك القرية.
كانت تجلس فتاة في أوائل العشرينات تدخن سيجارا رفيعاً.
ومعها رجل يبدو عليه الثراء، يدعى حاتم.
حاتم: "يا بسنت، الشغل كده مش هينفع. أنتي قولتي جوزك جاي يمضي العقود وأنا حطيت في حسابك أول دفعة. هنبدأ إمتى؟"
ردت عليه بدلال متعمد: "إيه يا حاتم بيه، أنت مش واثق فيا؟ من بكرة أسحبهم من البنك وأرجعهم لك لو حابب."
حاتم: "لأ طبعاً مش ده اللي أقصده. بس أنا شايف إن أنتي اللي شايلة الشغل كله. يبقى قدام هو مش موجود معظم الوقت، يبقى يعمل لك توكيل بدل العطلة دي. ده بيجي يوم ويختفي شهر."
مثلت الحزن ببراعة وقالت: "أعمل إيه... أهله مقويينه عليا. خايفين لا أطمع وآخد كل حاجة لنفسي. بكيت وهي تكمل: أنا اللي شايلة كل حاجة، وهو ولا في دماغه. أنا تعبت يا حاتم. أنا بدأت أنسي إني ست وليا حقوق، مش بيفكر حتى إنه يديهالي."
شيطانه... تعرف من أين توسوس لابن آدم.
تعلم مداخله جيداً.
وقد ألقت الفكرة بداخله عقله، وتركته يهيئها له كما يشاء.
وهو كان صيداً سهلاً لها بعدما ابتلع الطعم دون أي عناء.
قام من مجلسه ليحاورها... ضمها بذراعه كي يحتويها داخل أحضان محرمة، وهو يقول: "اهدي يا بسنت، أنتي ست جميلة وأي راجل يتمناك. معقول... معقول جوزك مش مقدر كل الجمال ده. أكيد اتجنن."
ابتسمت بخبث من بين دموعها الكاذبة، ثم قالت بوهن وهي تتشبث به: "يا ريته يفهم كده. بالعكس... ده كل يوم بيخوني مع واحدة. وصلت لأعز صحباتي، خاني معاها يا حاتم."
قالت اسمه بنبرة مثيرة، ثم أكملت بكاء.
أما هو، فمثل أي رجل تحركه فقط شهوة زائفة. يقضي وقتاً ممتعاً... ولكن مهما طال هذا الوقت سينتهي. ويظل الذنب الأعظم هو ما يكتب في صحيفته. إلا من تاب ورحمة ربه من هذا الجرم الشنيع.
عاد من القاهرة محملاً بحقائب كثيرة مليئة بالهدايا والألعاب لجميع الأطفال.
قلبه أجبره ألا يحرجها أمام عائلته.
اشترى ما قالت عليه أمامهم. لماذا؟ رغم توعده لها... لا يعلم. حقاً لا يعلم.
مالت تحية على ابنتها وهمست بخبث: "اطلعي يا بت، جايب لعب قد إيه عشان السنيورة طلبت مني."
عائشة: "ماهو جايب للكل ياما أهه."
تحية: "يا باخيبة، أمال رايداك تجيب لولدها بس ويركب نفسه العيب. اطلبي منه شوية دهب عشان تظهري قدامها إنك أحسن منها. اسمعي حديث أمك. شوفتي لما عدلتي خلجاتك بقى زين معاكي وبيعاملك أحسن مالأول."
كانت تقف داخل المطبخ تعد بعض الحلويات التي طلبتها منها نرجس والأطفال.
سمعت صوته بالخارج، وبرغم أنها أرادت أن تهرول إليه... إلا أنها تمالكت حالها وظلت بالداخل.
أما هو، فكان يبحث عنها بعينيه تحت نظرات أمه المراقبة له.
فجأة، سمع صراخها.
أول من كان ينتفض ويهرول تجاهها.
وجدها تقف تبكي بحرقة وتحاول أن تبعد ثيابها التي انسكب عليها الحليب الساخن، والخادمة تحاول أن تخلعه عنها.
جن جنونه حينما رأى ساقيها بدأتا في الظهور. صرخ بجنون: "بتعملي إيه يا مخبلة أنتِ؟"
الخادمة برعب: "بخلع لها العباية اللي اتدلج عليها."
كان في ذلك الوقت، ودون تفكير، يحملها بين ذراعيه ويهرول بها إلى الخارج ليصعد بها تحت نظرات مشتعلة من الغيرة... وأخرى مشفقة.
لحق به الجميع، وقبل أن يدلفوا خلف الجناح، صرخ بهم دون شعور بما يتفوه به: "خليكم بره... مرتي مش هتتعرى قدام حد."
وأغلق الباب بقدمه خلفهم، حتى دون أن ينظر لأمه التي كانت تقف مع الجميع.
أما تلك الباكية، ما خطى خجلها على ما تعانيه، وقالت برفض قاطع وهو يضعها فوق الفراش: "إني زينة، مفياش حاجة."
مد يده كي يرفع عباءتها ليكشف عن جرحها، فتمسكت بها جيداً وهي تقول بدموع: "وااااه... كأنك أحنيت إياك. هتعمل إيه؟"
غضباً أتى من الجحيم تملكه.
رغم القلق الذي ينهش صدره خوفاً عليها... إلا أنه حقاً أصبح لا يرى أمامه إلا رفضها له.
بمنتهى التجبر، ترك طرف العباءة، ثم مد يده للأعلى ليشقه نصفين.
لم يهتم بصرختها، ولكن قال: "أنا دكتور قبل ما أكون جوزك... دكتور نسا... خابرة يعني إيه؟ كلت ديه بشوف ميت مرة في اليوم وميأثرش فيا."
أكمل بغضب جعلها حقاً تخاف: "بعدي يدك لجل ما أشوف الحرجه."
أبعدت يدها، ثم أغمضت عينيها خجلاً وألماً.
اصطبغ وجهها باللون الأحمر القاني، وارتعش جسدها بمجرد أن لمست يداه الخشنة جسدها الناعم.
تفحص الجرح، ثم أتى ببعض الدهانات وقام بوضعها عليها.
في بداية الأمر، كان يتابع ما يفعله بمهنية بحتة... ولكن في النهاية، وأثناء ما كان يوزع الدهان فوق مكان الاحمرار... لم يشعر بيده التي أصبحت تسير فوقها بحميمية.
ولم يشعر بجسده الذي مال فوقها ليكمل تلم المعزوفة الحلوة.
تناغمت يده مع شفتيه... أصبح مثل أصابع البيانو... هما عبارة عن لونان فقط... ولكن هما يصنعان أعذب الألحان... وأعذبها.
أما هي، نسيت ألمها... ولم تتذكر خجلها... بل شعرت أنها مغيبة عن الواقع.
والواقع يطرق فوق الباب كي يعيدهم إليه.
انتفض فحاه حينما سمع صوت زوجته التي تغلي بالخارج تقول بغل: "طمني يا عثمان، الحرجه جامد ولا إيه. قلت ديه هتكشف عليها."
أنقذته أمه التي قالت بغضب: "أنا جلتلك هملوهم لحالهم وشوية ونبقى نطمن عليها. إيه اللي يوقفنا أكده."
تلك الثواني المعدودة التي اتخذتها أمه في حديثها... كانت كافية لجعله يجمع شتاته قليلاً ليرد عليهم قائلاً: "اطمنوا... بسيطة إن شاء الله. هتغير خلجاتها وترتاح أشوي."
عائشة بغيظ: "أنت هتبيت عندك. النهارده يومي."
صرخ بغضب. أخيراً وجد سبباً ليخرجه: "عِيشِة... هاسود عيشتك لو ما غورتيش من هنا."
ذهب الجميع... ابتعد عنها دون أن يتفوه بحرف.
دلف إلى الشرفة ليدخن سيجارة لا يلجأ لها إلا حينما يكون في شدة غضبه... أو منشغلاً بأمر هام.
أما هي، لم تقو على التحرك لتبدل ثيابها الممزقة... ليس بسبب جرحها، بل... بسبب ساقيها التي شعرت أنها لن تحملها.
سحبت الشرشف بصعوبة، وكأنه يزن أطناناً.
حقاً أعصابها تالفة، لا تقوى على فعل شيء.
سترته به... أغمضت عينيها... ظلت تسترجع ما حدث منذ دقائق معدودة.
وبرغم أنه لم يكن وقتاً طويلاً، إلا أنه كان كافياً ليجعلها في حالة... تتمنى ألا تخرج منها.
أما هو، سيجارته أصبحت اثنتين ثم ثلاث. حقاً سيجن.
ما تلك الحالة التي تملكت منه؟ أين غضبه منها؟ أين توعده لها؟
بل الادهى... أين انتقامه منها؟
حذر نفسه كثيراً حتى لا يقع في فخ بهاء مثل أخيه.
واليوم... اليوم فقط أعطى له كامل الحق أن يعشقها بتلك الطريقة التي أدت إلى أنه يفضل الموت على ألا يعيش بدونها.
اشتعلت النار داخل صدره... هل يشعر بالغيرة من أخيه الراحل؟
عشقها... لمسها... تمتع بما يتمنى هو، ولكن محرماً عليه.
لن يقوى على الابتعاد... ولن يستطيع الاقتراب.
سيرى كل ما يفعله معها بعين أخيه.
والأهم... هي... سيكون من الأفضل بالنسبة لها... هو... أم أخيه الراحل؟
كل هذا كان يدور بداخله.
ما جعله يشعر بالجنون، فأخذ يضرب في سور الشرفة عله ينفث عن ذلك الغضب الحارق.
ولكن... حقاً فشل في ذلك.
هي... هي من أشعلت النار وعليها أن تطفئها.
اتجه إليها مثل الثور الهائج، حتى أنها انتفضت زعراً حينما دفع باب الشرفة بقوة.
وقبل أن تسأله ماذا حدث، وجدته ينقض عليها ويجذبها من خصلاتها بغباء ويقول بغل: "إني صبرت عليكي كتير. انطجي! خوي جتل حاله ليه؟ كنتي هتهمليه ليه؟ كان عاجبك صح... كنتي بتمنعي عنه... ولا من كتر ما اتنعم بيكي مبقاش قادر يعيش من غيرك."
كانت تبكي... فقط تبكي... هل يسألها حقاً عن سبب وفاة أخيه؟ أم يحاسبها على عشقه لها؟
لا يعلم هو... ولا تفهم هيكل ما يحدث الآن... ضرب من الجنون.
هزها بقوة وهو يصرخ: "انطجي! إني شياطين الأرض كلها أمامي دلوقتي. مصبرش عليكي كتير. إني!"
أمسكت كفه كي تحاول إبعاده، ويدها الأخرى وضعتها فوق موضع الحرق الذي كان حقاً يؤلمها، ثم قالت بوهن: "معملتش حاجة... وحياة أبوي ما عملت شي واصل."
نظرت له من بين دموعها وقالت بنبرة تقطر حزناً مزقت قلبه: "متظلمنيش يا دكتور."
ودون شعور منها، وجدت حالها تكمل بتوسل: "أنتم بالذات دوناً عن الخلق. ظلمك ليا هيقتلني... آآآه."
قبل أن يسألها لماذا... ارتعد رعباً عليها حينما صرخت من الألم التي تشعر به ولا تقوى على تحمله.
والقلب في تلك اللحظة أصبح هو المسيطر الوحيد في هذا الموقف.
إذ أمره أمراً واجب النفاذ أن يضمها داخل صدره... فهو لم يقو على تحمل دموعها... وعتابها المستتر داخل حروف تصرخ وجعاً.
ضمها بقوة حانية للغاية.
ملست على خصلاتها التي كان يجذبها منذ قليل.
همس بصوت متحشرج يقطر ألماً: "اهدي... خلاص مش هنتحدت دلوقتي."
ضمها أكثر وقال بصوت خرج متوسلاً: "بكفياكي بكي... الحرجه هيشد عليكي كده."
راحت رأسها فوق صدره وقالت بهمس من بين شهقاتها: "موجوعة يا دكتور... مجدرش أتحمل."
رد دون أن يفكر حتى في معنى ما يتفوه به: "هيطيب... كل جرح وله دواء. أطمنك."
كلمات في ظاهرها حديثاً عن الألم الظاهري... أما باطنها معنى أعمق خرج من قلب يأن ألماً... وشوقاً... وعشقاً لن يخرج إلى النور بعد.
مر وقتاً لن نعرف قدره وهما على تلك الحالة... وكل ما يسيطر عليهما سكينة... هدوء... استراحة محارب يريد أن يكمل حربه.
ثغرها تحرك دون إرادة ليلثم أعلى رأسها ثم قال: "بجيتي أحسن دلوقتي."
حاولت الابتعاد كي ترد عليه وتهرب أيضاً من تشبثها به... ولكن قبل أن تتفوه بحرف... وجدت حالها لا تستطيع الابتعاد أكثر بعد أن تعلق السلسال التي ترتديه في زر قميصه.
نظر إلى السلسال وتذكر أنها لا تخلعه عنها أبداً مثل باقي الحلي.
هنا أنار عقله بأشياء لم يفكر بها قبل.
فهي لا تملك الكثير... إذا أين كل ما جلبه لها أخيه؟
وهنا أيضاً تحكمت فيه غيرته بعد أن اشتعلت مرة أخرى بسبب تلك الأفكار.
وقبل أن تحاول إبعادها بتمهل كي لا تقطع، أمسك يدها بقوة وقال: "ليه دي بالذات مش هخلعها من رقبتك؟ هو اللي جايبهالك صح؟ غالية عندك؟"
أكمل بجنون: "كان إيه مناسبتها؟"
جهزت رأسها رفضاً، وقالت بحنين: "لااااه... مش هو اللي كان جايبها."
نظر لها بعدم تصديق، فأكملت: "دي بتاعت أمي الله يرحمها. شادية لبستني إياها من وأنا عندي عشر سنين. جالتلي دي وصية أمك الله يرحمها متخلعهاش من رقبتك واصلاً."
أغمض عينيه غضباً من حاله.
فيما كنت تفكر أيها المخبول.
تطلع لها بهدوء ثم سألها برفق: "طب ليه مش بتلبسي دهبات كتير ولا الألماس اللي عندك؟ أنا ملاحظ إن كام حاجة بس اللي متعلقة عليها."
سؤال يظهر عادياً... ولكن في حقيقته هو أول خيط في بحثه عن الحقيقة.
رغد: "دول دهبات أهلي. كل حد فيهم جايب لي هدية. غير اللي أبويا كان جايبهولي وأنا بت."
عثمان: "طب وينها حاجتك... شبكتك... كل اللي اشتراهولك فهد الله يرحمه."
ابتلعت ريقها برعب ولم تجد رداً على أسئلته المنطقية.
لاحظ هو ارتعاش جسدها وعينيها التي اهتزت حدقتاها.
ليس بالصغير حتى لا يعلم أو يشعر بخوفها.
فكر بحكمة... يحتويها... يعطيها الأمان... حتى يصل إلى الحقيقة التي سترضي قلبه قبل عقله.
ضم وجهها بحنو... أمطرها بنظرات لاول مرة تراها... قال بصوت حانٍ: "جولي يا رغد... ليكي الأمان مني. مهما كان اللي هتجوليه... بس اعرف... ريحيني يا بت الناس. الحيرة عم تنهش في قلبي وعقلي. وعد مني ليكي مهما كان اللي هتجوليه... مهأذيكيش."
بكت... كل ما فعلته بكت ثم قالت بقهر: "........."
ماذا سيحدث يا ترى؟
سنرى.
رواية عثمان و رغد الفصل السابع 7 - بقلم فريدة الحلواني
مرت لحظات عليهما، من أصعب اللحظات، كل منهم بداخله حرب.
هي، ما بين الصراحة والخوف.
وهو، ما بين أمل ورجاء، أو العودة للتجبر.
حينما رأى حيرتها وترددها، والخوف الذي يصرخ داخل عينيه، هز رأسه بهدوء وهو يقول برجاء تراقص بين أحرفه:
"اتحدتي يا رغد، إني سامعك، متخافيش مني."
تنهدت براحة يملأها الحزن، ثم قالت:
"كل اللي أقدر أحولهولك يا دكتور."
سالت دموعها قهراً وهي تكمل:
"وكل اللي مرت بيه تراه أمام عينيها، أخوك الله يرحمه، ما كانش زي ما أنت فاكر."
قطب جبينه وقال بعدم فهم:
"كيف يعني؟"
"ما كانش عايش جني كيف ما كان مبين ليكم، كان مجعدني وياه في مصر لجل ما يهيني و يبهدلني."
بكت بحرقة وبدأت تشكي له حالها مثل الطفلة التي تطالب أباها بأخذ حقها:
"عمري ما حد مد يده عليا غيره، إهانة ومرار طافح عيشت فيه، اتحملت اللي ما فيش حد يطيقه. كنت لما أتمرد وأقول هعاود لأبوي، أو هقولك بما إنك كبير."
شهقت بقوة وهي تتذكر ما فعله ذلك الحقير بها وأكملت:
"كان يهددني بقتل أبوي، جالي هقتله ومحدش ليه عندي حاجة. جالي انتي هنا خدامة تحت رجلي. أتوسله كتير ياخد ولدي وأعاود البلد، حلفت له ما هتنطق بحرف، لدرجة جولت له قول إن إني شينة ومعمرتش وياك. رفض، وضربني، كواني بالنار وجالي إني اتجوزتك لجل ما أذلك و آخد تار أبوي منك. إني ما أنسى دم أبوي."
رفعت كم عبائتها لتكشف عن حرقاً أعلى ذراعها، ومن الواضح أنه كان شديداً للغاية.
أكملت بقهر وهي تكاد تأخذ نفسها بشق الأنفس:
"حرقني، ومرضاش يخليني حتى أحطها تحت المي. جالي دي نار جلب أمي اللي اتكوت لما قتلته بويا."
لم يستطع سماع المزيد، اختطفها في عناق ساحق رغم حنوه، كان هو من اكتوى بالنار. ظل يضمها ويزيد وهي تبكي.
ضمها باحتواء وهو يقول:
"بس، بكفياكي، بلاش تكملي دلوك، اكفايه أكديه، لجل خاطري."
"جهرتك دي حرقت قلبي."
تشبثت به وقالت:
"كنت صغيرة على كل ده يا دكتور، ستة عشر سنة عيشتهم ويا أهلي في عز وجل، مع أخوك ما كملتش سنتين وشوفت ذل و قهر ما فيش حد شافهم. تعبت."
ضمها بجنون ورغماً عنه قال:
"حقك على جلب الدكتور يا بت العبايدة، حقك علي إني... متبكيش. لجل خاطري."
ولأجل الطبيب لديها بالدنيا وما فيها، إن لم يكن لما تشعر به تجاهه، فلاجل كلماته الحانية، واحتوائه لها، بل وتصديقه دون دليل.
أبعدها عنه، ثم أمسك ذراعها، نظر داخل عينيها الباكيتين بعين تصرخ أسفاً عليها، ثم مال على تلك الندبة التي ألمته حقاً، أمطرها بوابل من القبلات المعتذرة على شيء لم يكن له يداً بها.
غمضت عينيها براحة لاول مرة تشعر بها منذ عامين.
اعتدل، تمدد فوق الفراش، سحبها لتأخذ من صدره وسادة، رغم صلابتها إلا أنها أكثر حنواً. انصاعت له دون حديث، قبله حانية فوق الرأس، معناها أبلغ من أي حديث.
لم ينم، حقاً لن يستطيع إغماض عينيه. عقله كان يعمل في جميع الاتجاهات، يجب عليه حل هذا اللغز المعقد. يعلم أن ما قالته مجرد قشور تخفي أسفلها الكثير، ولكن كان راضياً ببداية الثقة التي منحته إياها، وسيعمل جاهداً على إثبات استحقاقه لها، بل وسيُجعلها تؤمن به.
شعر بتململها، فأغمض عينيه سريعاً، وفي نيته ألا يحرجها حينما تستيقظ وتجد حالها تقريباً فوقه.
أما هي، أجمل ما يميزها، لا تعطي الفرصة لانهيارها أن يطول. مهما كان ما حدث ليلاً بالغ الصعوبة، إلا أنها تستيقظ صباحاً مستقبلة نور الشمس بأمل جديد، أن القادم أفضل بامر الله. بارعة في كتمان ألمها، في تخطي لحظة الانهيار. تعقد العزم أنها أقوى من أي لحظة ضعف. دائماً تقع ثم تقف في نفس اللحظة، حتى لو كانت تقف على قدم واحدة. لا يهم، الأهم أنها استطاعت الوقوف رغم الوجع.
فتحت عينيها بتمهل، حركت رأسها ببطء، وحينما وجدته غافياً بسلام، ابتسمت بإشراق، ثم ملست برفق شديد فوق لحيته النامية.
عادت لها روحها المرحة، خطر ببالها فكرة خبيثة وقررت أن تنفذها.
رسمت على ملامحها الجدية، انتفضت بقوة لتبتعد عنه وهي تقول بغضب:
"وااااااه، اصحي يا دكتووووور."
مثل الانتفاض وفتح عينيه سريعاً. لم تعطه الفرصة للتحدث وقالت بجدية زائفة:
"بتتحرش بيا وأنا نايمة، لجل ما نزلت دمعتين في الليل، ينفع أكده يا دكتور يا محترم."
رغم ملامحها الجادة، إلا أن عينيها التي تلمع بشقاوة أوحت بضحكاتها التي تكتمها بصعوبة.
والمتحرش قرر أن يستغل الموقف ويقلب عليها الطاولة.
في لحظة، كان يدفعها لتتمدد فوق الفراش ويقفذ ليكون فوقها.
صرخت بهلع حقيقي، وقبل أن تسأله ماذا يفعل قال هو:
"إني عمري ما كنت متحروش يا بت العبايدة."
برقت عيناها برعب حينما أكمل:
"أنا هغتصبك طواليا."
عقب قوله، دغدغها، فاطلقت ضحكات صاخبة.
"خلااااص حجك علي."
استمر فيما يفعله وهو يقول:
"مفكرة حالك هتلعبي مع مين يا بت، داني لعيب قديم."
ظلت تترجاه من بين ضحكاتها أن يكف عما يفعله.
انصاع لها بعد أن أطرب قلبه بصوتها الفرح.
تطلع لها وقال بهدوء ينافي ما بداخله:
"توهت الشمس طلعت بعد الضحكة الزينة دي."
نظرت له بخجل ثم قالت:
"ربنا يحلي أيامك يا دكتور."
وقبل أن يرد عليها، سمع طرقاً شديداً فوق الباب.
"ميييييبن."
"عائشة بغيظ: الساعة داخلة على عشرة يا عثمان، من مته وأنت بتنام لدلوكه."
قبل أن يرد عليها، أطلقت تلك الماكرة ضحكة رنانة جعلته يصدم، ثم قالت:
"شوي ونازلين يا عيشة، معلش انعسنا وش الصبح."
صرخت من الخارج كمداً وتحركت سريعاً كي لا تهجم عليهم وتقتلهم.
أما هو، فنظر لها بغيظ وقال:
"كنك مش هينة يا بت العبايدة، عم تكيدي فيها صوحه."
هزت كتفها بدلال لم تقصده ثم قالت:
"هي اللي بدأت، وأنا مجدرش أسكت على حجتي."
تطلع لها بضع لحظات، ثم وجد حاله يسألها باهتمام:
"ليه أنا يا رغد؟"
نظرت له بعدم فهم، فاكمل:
"ليه أنا دوناً عن باقي الخلق، كيف ما جلتلي في الليلة دي؟"
اهتزت حدقتاها، ثم تملكها الغباء حينما قالت سريعاً كي تهرب من الإجابة:
"لأنك كيف خوي يونس عندي بالظبط."
هل يلطمها؟ هل يقطع ذلك اللسان بأسنانة كي يرتاح من حروفها الغليظة؟
عض شفته بغيظ ثم قال:
"كيف خيك... ضغط على الكلمة الأخيرة... بالظبط."
هزت رأسها علامة الموافقة، فاكمل بوقاحة:
"بتأكدي عالكلمة وأنا نايم فوقيكي، طب كتي اختاري وضع تاني لجل ما أصدق."
"اااااه يا قليل الحيا." دفعته وهي تكمل:
"جوووم، جوووم بلاها مسخرة."
لن يصمت، لن يستطيع حقاً. أمسك بيدها الاثنان، ثم رفعهما فوق رأسها ومَالَ عليها مقتنصاً ثغرها الذي حقاً يصيبه بالجنون. ليس لجماله فقط، بل غيظاً مما يتفوه به.
فصلها بعد فترة حينما شعر أنه سيفقد التحكم في حاله. إذا ظل هكذا دقيقة أخيرة، لن يتركها إلا إذا جعلها ملكاً له حقاً.
ابتعد سريعاً وهو يقول بغيظ كي يداري على هباجه الواضح:
"جال أخوكي جاااال... جبر."
اتجه إلى المرحاض وهو يكمل:
"جبر يلم النسوان كلياتها."
صفع الباب بقوة ثم أكمل بهمس:
"إلا هي."
"أما هي، رغم حالها الذي لا يقل عما يشعر به، إلا أن لسانها لن يصمت."
ردت عليه بغيظ:
"حتى لو مت، عفرتي هيطلع لك."
صرخ بها من الداخل بغضب حقيقي:
"بعيد الشر، اكتمي خشمك يا بجرة انتي."
ابتسمت بفرحة ملأت أركان قلبها، ثم ردت مازحة:
"بردك، أحلى بجرة."
داخل فيلا رائعة الجمال، كانت تلك الفاجرة ممددة على الفراش عارية تماماً، لا يسترها إلا شرشف خفيف للغاية.
استيقظت على رنين هاتفها، سحبته لتري من المتصل، زفرت بحنق ثم مثلت السعادة وهي ترد قائلة بميوعة:
"صباح الفل على أحلى حتومي."
ابتسم الآخر بفرحة ثم قال:
"والله ما في أحلى منك يا سوسو، لسه نايمة؟"
اعتدلت ثم سحبت علبة السجائر وأشعلت واحدة ثم قالت بمغزى:
"آه... جسمي مكسر، مش قادرة أقوم."
ضحك الآخر بافتخار بعد أن أوحت له من بين حروفها أنه كان أسداً معها أثناء ليلتهما الماجنة.
"ليه هو أنا كنت جامد أوي كده؟"
قلبت عينيها بملل وقالت كذباً:
"بقولك جسمي مكسر، يبقى إيه؟ المهم... هشوفك النهارده بالليل عشان تحضر معايا اجتماع المستثمرين الأجانب."
"تمام، مفيش مشكلة. بقولك، انتي هتعملي إيه مع جوزك؟"
ردت عليه بجحود:
"هطلب الطلاق، خلاص أنا زهقت منه، عمالة أتعب وأكبر في شغله وفي الآخر مفيش تقدير ولا بيثق فيا. ده غير إنه عمري ما حسسني إني ست ومعايا راجل أصلاً."
"يمكن مراته مؤثرة عليه، وكمان أخواته زي ما أنتي حكتيلي."
"سحر بكذب: مراته متعرفش بجوازنا، خايف على مشاعرها قال عشان مش بتخلف، إنما أخواته عارفين وبردو خايفين إني أخلف منه وأجيبه الوريث اللي يحرمهم من العز اللي عايشين فيه."
"طب ما انتي كده بتظلمي نفسك، انتي ست ولكي حقوق."
"سحر: عشان كده أول ما المشروع ده يخلص، هطلق منه."
"حاتم بجدية: انتي دماغك حلوة وعجباني، وأساساً خيوط المشروع كله في إيدك، ما تنطريه وأبقى أنا وانتي بس واحنا أولى بالمكسب."
قد وصلت لمبتغاها، ولكنها أبداً لن تظهر ذلك. مثلت الحيرة ثم قالت:
"طب مش حرام، برده هو حاطط مبلغ مش صغير."
"حاتم: الحرام هو إنه يكسب عالجاهز وأنتي السبب في كل ده. أنا مستعد أشيل المشروع كله ولكي ٢٥% من نسبة الأرباح، يعني الربع مقابل مجهودك. إيه رأيك؟"
حينما تملأ السعادة قلبك، تظهر جلياً على ملامحك. وهذا ما حدث مع ابنة العبايدة، فقد تطلعت لها الحاجة عفت، وحينما وجدت وجهها مشرقاً، فرحت كثيراً وذكرت اسم الله بداخلها.
جلست جانبها ثم مالت عليها هامسة بمغزى:
"عيني باردة عليكي يا بتي، وشك منور النهارده. هو الدكتور شاطر كده؟"
نظرت لها بوجه أحمر خجلاً ثم قالت بتلجلج:
"آه... قصدك إيه يا حاجة؟"
ضحكت عفت بمكر وقالت:
"قصد على حرج بطنك يا ضنايا، ولدي الدكتور شاطر وخليه يطيب بسرعة أها."
سحرت للأمام تتذكر ما حدث ثم قالت دون شعور:
"الدكتور الشاطر يطيب الجرح اللي جوايا الأول، إنما الظاهر سهل يا حاجة."
لم تسألها عن معنى تلك الكلمات، بل صمتت تحت ذراعها بحنو ثم قالت بهمس:
"هي طيب، وما هيقعدش ليه أثر يا بتي، وبكرة تجولي أم الدكتور جالت."
بمجرد أن وصل مكتبه الخاص داخل المستشفى، أبلغ الممرضة ألا تدخل عليه أحد إلا أن يبلغها.
ظل يجري عدة اتصالات، كل مفادها الوصول لمن يساعده في حل لغز أخيه.
يعلم أن مفتاح اللغز في يد تلك الرغد، ولكن لن يضغط عليها الآن، سيتركها تخرج ما بداخلها تباعاً.
كلما بثها الأمان، ستثق به أكثر وستخبره، وإلى أن يأتي هذا الوقت، قرر أن يسير في طرق أخرى، ربما يصل من خلال إحداها.
خرج أحد الأسماء المسجلة على هاتفه، وبمجرد أن جاءه الرد قال بجدية:
"السلام عليكم."
"الرجل: باشا البلد، دكتور عثمان بنفسه بيتصل بيا."
"عثمان: مستغناش عنيك، رايد منك خدمة."
"الرجل: أؤمر أمر يا باشا."
"عثمان: الخط اللي باسم أخوي الله يرحمه، رايدك تجيبلي كل الأرقام اللي كلمها قبل موته بشهرين تلاتة عشان، والأهم تسجيل المكالمات دي، تقدر؟"
"الرجل وهو يعمل في إحدى شركات الاتصالات: صعب أوي حكاية التسجيل دي يا باشا."
"عثمان بجدية: مفيش حاجة هتصعب عليك، إني خابر. شوف حبايبك اللي هتثق فيهم يساعدوك، وأنا سداد من جنيه لمليون."
"الرجل: خيرك سابق يا دكتور، بس الحكاية دي هتاخد وقت كبير ده لو قدرنا نعملها."
"عثمان: براحتك، خد الوقت اللي يلزمك، بس المهم يكون فيه نتيجة وتجيبلي اللي جولتلك عليه."
"الرجل: هعمل كل اللي أقدر عليه وفي أسرع وقت، متقلقش."
أغلق معه الهاتف ثم ألقاه فوق المكتب وقال بهم:
"ليه أكده يا ولد أبوي، لا كنت مريحني وأنت عايش، ولا عرفت أدوق طعم الراحة بعد موتك. إيه يستاهل إنك تموت كافر بس، كيف هانت عليك روحك؟ وأمك اللي عم بتحاول تبان شديدة، حزنها عليك هد حيلها. الله يرحمك ويسامحك، الله يرحمك يا خوي."
مر شهر على آخر الأحداث، لم يكن به أي جديد إلا تقارب الطبيب ورغد بطريقة لفتت انتباه الجميع. اعتقد أنه قد كسب قلبها قبل أن ينال ثقتها، وهذا ما كانت تؤكده نظراتها الولهة به. هو لم يشعر بقلبه الذي سلب منه، فقد كان بفقد الحياة حينما يبتعد عنها، ولا ترد له روحه إلا بوجودها أمامه، أو... داخل أحضانه التي منذ أن غفت داخلها تلك الليلة وهو يرفض أن تخرج منها مرة أخرى.
كثيراً تمنى أن يتم زواجه بها، سيحاول نسيان لمس آخر لها رغم الغيرة التي كانت تنهش صدره، ولكن تمهل، تمسك بالصبر كي يكسبها أولاً، ومن بعدها، فليعينها الله على ما سيفعله بها.
جلست تشكو لأختها رفضه لحضورها حفل زفاف ابن أخيها، غير معاملته التي لا تفهمها، وقد بدا عصبياً للغاية آخر فترة بينهما.
"شادية بتعقل: إني هقول لأبوي يتحدث وياه، متجلجيش، وأكيد هيستحي مني."
"رغد بغيظ: مين اللي يستحي، ده حاله بقى مخبل على الآخر، إني احتارت واحتار دليلي وياه."
"شادية باهتمام: ليه يا حزينة؟ مش جُلتِ من يوم اللي حصل وهو اتغير وبقى يعاملك زين؟"
"زفرت بحنق ثم قالت: جُلت، بس بردك جُلت إني احتارت وياه. نبقى زينين وضاحكين، وفجأة يتحول ويبجي هاين عليه يطبج في زماره رجبته."
"شادية: أكيد بتعملي حاجة، هو إني مذ خابرة عندك."
"رغد: جسماً بالله أبداً، من يوميتها وأنا بطلت أعند، بس هو يلا جيني لابسة عباية فاتحة يزعج ولازم أغيرها. لو جاني ضحكت مع حد تحت يحرج دمي قدامهم. لو بصلي وما سكتش، كله كوم ولما يكيدني بعيشة دي كوم تاني، يبجي هاين علي أحش رجبته."
ضحكت شادية بصخب ثم قالت:
"الغيرة واعر يا بت أبوي."
انتفضت من مجلسها وقالت بعناد:
"بلا غيرة بلا هباب، بلاه حديثك الماسخ ده، كل ما أحكيلك حاجة تجولي أكده."
وقفت قبالتها وقالت بحسم:
"اسمعي يا بت، بكفاياكي لحد أكده. انتي راداه وهو رايدك، إيه اللي يخليكم تعذبوا حالكم؟ جربي منه يا بت أبوي، ده راجلك وحلالك."
"رغد بغيظ يملأه الكبرياء: لو قطعتيني جطيع، عمري ما أجرب منه. خليه حد الست عيشة، يكش يشبع بيها."
"شادية: يا بت اسمعي الكلام، متضيعيش جوزك من يدك. البعد بيولد الجفاء، ولما تجربوا من بعضيكم اللي جواتكم هيزيد مش هيجل."
"رغد بعناد: بردك لأ، ما هرميش حالي عليه أنا. هو الراجل وهو اللي يجرب ويحايل في كماني. ووقتها أفكر أءا كنت هجبله ولا لأ."
نظرت لها شادية بغضب ثم قالت بإصرار:
"طب جسماً بربي يا بت العبايدة لا أكون مربياكم انتو الاتنين."
كادت أن تسألها إلا أنها أكملت بصراخ:
"تِقْفلي خشمك، مريداشي أسمع منك حاجة. إني هعرف كيف أوقف شغل العيال دي."
أعقبت قولها بالنحرك سريعاً تجاه باب الغرفة دون أن تلتفت لتوسلات أختها بالبقاء.
"صفعت الباب خلفها بقوة."
"لطمت رغد خديها ثم قالت برعب تملك منها: يا مرك يا رغد، يا حزنك يا بت العبايدة. شادية ركبها العرج الصعيدي وهتهد الدنيا فوق نفوخ الكل. دارت حول نفسها وهي تكمل بوجل: أسترها معايا يا رب، أعمل إيه، يا حزني."
أما الأخرى، فهبطت سريعاً ثم وقفت بملامح متجهمة أمام الجميع، ثم وجهت له الحديث بجدية:
"رايداك في كلمتين لحالنا يا دكتور."
"عفت بوجل: خير يا بتي، شكلك زعلان، طمنيني."
"عائشة بغيظ: تلاقيها رايدة تحايله لجل ما يرضى عن أختها وتحضر الفرح."
"عثمان بغضب: عييييشه، بكفياكي عاد زودتيها."
نظر إلى الأخرى وقال:
"اتفضلي معايا يا أم محمد، وفقط."
تحرك معها تجاه غرفة المكتب ولحقت به وكلها إصرار على إنهاء هذه المهزلة كما وصفتها.
أغلق الباب خلفهم ثم قال:
"اتفضلي اجعدي. خير."
"شادية بغضب: ...... ماذا سيحدث يا ترى."
رواية عثمان و رغد الفصل الثامن 8 - بقلم فريدة الحلواني
صباحك بيضحك يا قلب فريده.
قومي يا بت ....
حطي راسك تحت الحنفيه عشان تفوقي من الكآبه، التعب، الزهق، الياس، الانتظار.
بدال ما أنا أفوقك بقلمين.
أنتي أقوى من كده... اللي تتحمل كل اللي مريتي بيه ولسه واقفة على رجليها يبقى قوية و أوي كمان.
هتكملي وهتوصلي... أنا واثقة فيكي وبحبك.
***
إذا فتحت الباب للوحش... أنصحك ألا تقف أمامه.
جلس معها ينتظر حديثها الذي من الواضح أنه لن يعجبه.
أما هي فقد حسمت أمرها... لن تسمح لتلك العنيدة أن تضيع شبابها هباءً، ولا لهذا المتكبر أن يجعل غروره يظلم صغيرها.
شاديه: ليه مراضيش تبعت رغد لبيت أبوها؟
هز رأسه بغيظ وقال: لحجت تشتكيلك.... بس أنا مستغرب ليه ما كل حاجة بتجولها ليكي أول بأول.
شاديه: رغد مش خيتي وبس لااااه... دي بتي اللي ربيتها من وهي عندي سنتين.... علمتها ووعيتها لجل ما تبجي زينة الصبايا... ملهاش صاحب غير... وأظن دي شيء ميزعلكش يا دكتور ولا إيه؟
عثمان: أنتم أحرار ويا بعضيكم... بس أنا محبش اللي بيني وبين مرتي حد تاني يعرفه.
ألقت عليه القنبلة دون أن تهتم لرده فعله حينما قالت بمغزى: وهي مرتك صوح يا دكتور؟
انتفض من مجلسه بغضب جم ثم قال: هي جالتلك؟
شاديه: أيوه.... وأنت طاوعتها.... لاااه دانت كماني ما صدجت وكبرت دماغك منها.... هتحاسبها على شي ملهاش يد فيه، وأنا مهسكوتش أكتر من أكده... خيتي لساتها صغيرة حرام تعيش حياتها عازبة والاسم على ذمة راجل.
صرخ بها بجنون: أعجلي حديثك يا مخبلة أنتِ....
شاديه بقوة: أنا خابرة زين اللي هجوله.... لو أنت ماريدش خيتي ألف مين يتمناها.
وقف أمامها يغلي كالمرجل وهي تحادثه دون خوف.... شعر أنه يريد قتل أحدهم.
قصت لأختها كل شيء.... هل تريد الابتعاد؟ بل قررت تركه.
نظر لها بشك ثم قال باستهزاء يغلفه الغضب: حداكي عريس ولا إيه؟
شاديه بخبث: ولد عمها موجود وهيتمناها.
نظرت له بقوة ثم أكملت: إيه جولك يا دكتور؟
رد عليها بغضب جم: ولد عمك خابر اللي بيناتنا.
ابتسمت شادية بداخلها حينما شعرت بغيرته التي ستحرق الجميع ثم قالت: لااااه.... مش لازم الكل يعرف بالحديث ديه.... هو من زمان رايدها... لولا اللي حصل كان زمانه مخلف م....
آخررررسي... اجفلي خاااشمك وإياااك تكملي حديثك الماسخ ديه يا واكلة ناسك أنتِ.
رغد مرت الدكتور عثماااان.... خاااابرة ولا لاااه....
وفقط.... انطلق بجنون إلى خارج المكتب ومنه إلى الأعلى.
سينتقم منها... سأقتلها... ابتعدت بعد أن عشقها تريد تركه... تفكر بغيرها.
نظرت تجاه الباب وكتمت ضحكاتها بصعوبة ثم قالت: كنتي طيبة يا خيتي والله... يلاه تستاهلي عشان كبرك اللي مضيعك ديه.
انتفضت بزعر حينما دخل عليها كالثور الهائج مغلقاً الباب خلفه بقوة.
نظر لها بشر.... خلع عنه جلبابه... أخذ يتقدم منها كالنمر الذي سينقض على فريسته وهو يقول بتمهل قتلها رعباً: اشتجتي للرجالة يا رغد....
هزت رأسها بهستيريا وهي تقول: لاااه... أنا مليش صالح... أنا مجولتش حاجة.
في لحظة كان يمسك بذراعها بغل... شق عبائتها بهمجية ثم قال بجنون: خبرتي خيتك إني مجربتش منكِ..... جايبة الدنيا وهتشتكي لجل ما تروحي فرح ولد أخوكِ... ياخداه حجة صوح... لجل ما تشوفي ولد عمك اللي رايدك.... صووووح.
صرخت بغضب دون أن تهتم بوضعها: جطع لسان اللي يجول عليا أكده.... أنا رغد العبايدة ترباية الشيخ عبدالحكيم..... لا عشت ولا كنت يوم ما أكون على ذمة راجل وأفكر في غيره.
أكملت بقهر دون أن تعي ما تقول ولا بما سيفهمه: أنا عشت بموت في اللحظة ألف مرة لجل ما أعملش أكده... وكان هيبجي حجي... بس أنا وحدة بتخاف ربها... حتى لو كان جواتي شي... مهسمحش واصل إني أطلعه حتى بيني وبين نفسي.
قبل أن يسأل على معنى حديثها والذي بالطبع وصله بطريقة خاطئة كانت هي تكمل بحزن: طلقني يا دكتور.
الآن... حقاً... لا يرى أمامه... غمامة سوداء غطت عيناه الغاضبة.... لف ذراعه حول خصرها ثم جذبها بقوة حتى التصقت به وقال: مش لما أتجوّزك الأول بعديها أطلقك.
ارتعشت بين يديه وقالت برعب تملك منها: لاااه يا عثمان... بلاش.... مريداش أكرهك أنت بالذات... أحب على يدك.
أمسك رأسها من الخلف... نظر لها بعيون يتطاير منها شرار الغيرة وقال: أنا رايدك تكرهيني.... جال كتي حبتيني يا بت العبايدة.
وهو فقط.... أطبق على فمها بعنف... حاولت دفعه ولكن كان متحكماً بها بقوة.
بدأت قبلته همجية.... تحرك تجاه الفراش ثم ارتمى بها فوقه.... لم يهتم بدموعها التي ذاق ملوحتها.
وكلما دفعته.... كلما تشبث بها أكثر إلى أن فصل قبلته وقال بجنون وهو يقيد يداها الاثنتان بيده ويرفعها فوق رأسها: أنا مهسيبكش غير وانتِ مرتي الليلة.... خليها بالرضي لجل ما تتوجعيش.
نظرت له بقهر وقالت: بس أنت وجعتني خلاص يا عثمان... متكملش على أحب على يدك.
تلاشت نظراته قليلاً.... وجد حاله يقترب منها ويقول بهمس حاني منافٍ لغليانه: أول مرة تنطقي اسمي.... أنا وجعتك يا رغد... وأنا اللي هداويكي... لجل بس اسمي اللي طالع كيه الشهد من خاشمك.
حينما وجدها تنظر له بتيه استغل الفرصة ومال عليها ملتقطاً شفتيها بقوة حانية.... كان جامحاً... مشتاقاً... متلهفاً للمزيد.
والمزيد قد أتى حينما تخلص من ثيابه وخاصتها.... لمعت عيناه بوهج العشق الذي يختبره لأول مرة.
رغم حيرته لجهلها التام.... وكأنها لم يمسسها أحد من قبل إلا أنه أرجعها لخجلها.
ما بال أشعر وكأني فوق سحابة قطنية.... لما أشْفِقَت عليها من ملمس جسدي الخشن.
هل حقاً أنا معها.... هل ذابت معه.... بل ثملت بعد أن غرقنا سوياً في نهر من خمر حلال.
ويلك يابن السوهاجي.... ستأكلها... رفقاً بها... ولكن أين يجد الرفق وكل خلية في جسده تطالب به.
لحظة إدراك.... هل ما أشعر به حقاً هو دماء عذرية... أم أن رغبتها هو ما أغرقني.
أسرع في ولوجها كي ينتهي سريعاً حتى يتأكد من شعوره القوي الذي كذبه عقله.
وبعد فترة... ابتعد عنها ثم نظر أسفلها... وجد بقعة من الدماء.
جن جنونه... أما هي.... أغمضت عيناها بقوة... سالت دموعها بقهر... ورعب مما هي مقدمة عليها.
أخذ ينظر إليها تارة وإلى الفراش تارة أخرى... وكلما أراد التحدث وجد لسانه منعقداً كأنه قد شُل.
ما جعله يستفيق قليلاً حينما وجدها تحاول سحب الغطاء كي تستر جسدها العاري أمامه.
سحبه بغل حتى ظنت أنه يرفض ما تفعله... إلا أنها تفاجأت به يسحبها كي تجلس... ثم لفه حول جسدها كما تريد هي... وأيضاً كي لا يغويه جسدها فيلقي بكل شيء عرض الحائط ويأخذها مراراً وتكراراً.
التقط قميصه القصير ثم ارتداه بعجالة.... جلس أمامها وقال من بين أسنانه: فهمني.
لم تقو على النظر إليه... ولا التفوه بحرف.
أكمل بغضب: انطقي.... أنتِ لساتك بت ولا أنا اتغابيت عليكي وجرحتك...... يعلم أن الاختيار الثاني خاطئ ولكن قاله بمغزى.
لم يتلق رداً أيضاً فأكمل وهو يمد يده كي يزيح عنها الغطاء ويقول: اتمددي لجل ما أكشف عليكي... أكيد اتعورتي.
هنا تشبثت جيداً بالملائه وقالت بخوف: لاااااااه.... أنا بتها.
قد وصل لمبتغاه.... نظر لها بجنون وقال: كيف ديه.... بجالك سنتين متجوزة ولسه بت بنوت.... طب ورحيم.... ولد مين ولا جبتيه من وين.... انطقي.
انتفضت من صرخته الغاضبة.... ولكنها حقاً لا تعلم من أين تبدأ ولا ماذا ستبرر موقفها الصعب.
تمالك حاله بصعوبة... بعد أن ألمه قلبه على انهيارها وخوفها.... سحبها بتمهل كي يجلسها فوق ساقه وحينما خافت قال لها: متخافيش مني.... أنا هتحدث وراكي بالعجل.
صدقته.... ولما لا... فهو لم يكذب عليها قط.... جلست فوق ساقيه بخجل تملك منها.
بدأ الهدوء يتملك منها حينما وجدته يملس فوق خصلاتها بحنان ويقول: عارفة أنا ماسك حالي كيف..... خابرة إيه اللي جواتي دلوقتي.
مهما أوصفلك مهلاجيش حاجة توصف اللي حاسس بيه يا بت العبايدة.... من يوم ما دخلتي حياتي... وأنتِ جننتني.... أنا دلوقتي... أفرح إن مرتي لساتها صبية.... ولا أتجن لجل ماعرف كيف ديه.
ألف سؤال هيدور جواتي... ريحيني... متسيبش شيطاني يصورلي حاجات تطير فيها رجاب.
تطلعت عليه برعب من بين دموعها ثم قالت: دم تااااني.... بعد كل اللي اتحملته لجل ما يوقف بحر الدم.... رايد تفتحه تاني ويضيع كل اللي عملته... حرام عليك... حراااام.
ضمها بقوة وقال: لااااه مقصودش أكده..... أنا رايد أفهم... ريحيني يا بت الناس.... لو كنتي مخلفتيش.... يبقى الولد ولد مين.... يكونش خوي ملوش في الحريم واتبنيتوه.
ابتعدت عنه سريعاً ثم قالت: لااااه... يمين يحاسبني عليه ربنا... رحيم ولد أخوك من صلبه وأنا شاهدة على أكده.
عثمان: طب كيف احكيلي.... مين أمه.... وأنتِ كيف توافجي إنه ينكتب باسمك.... وليه ترضي.
رغد بقهر وبكاء: كان متجوز.... كان عايش وياها في شقته اللي بمصر.... ولما أخدني أعيش وياه...... شهقت بقوة وأكملت: كان لجل ما أكون خدامة ليها وهي حامل.
ولما اعترضت... هددني بقتل أخوي.... عذبني هو وهي.... بهدلني.... لو اعترضت على شي كان يضربني.
جنون.... غضب.... فوران في جميع خلاياه.... هذا ما كان يشعر به.... يقسم بداخله إذا كان أخيه ما زال حياً لقتله بيده دون ذرة ندم.
مسح وجهها بحنو عكس فورانه ثم قال: بكفياكي بكي.... طب ليه مجولتيش ليا أو لأمي اللي بتحبك كيه نرجس..... عمرنا ما كنا هنرضى بالظلم أبداً.
رغد: خوفت.... وهو كماني ما كانش بيجيبني أهني كتير..... ولو جينا يومين كان بيبجي عامل كيه ضلي لجل ما يراقبني وما يجولش لحد.
عثمان: طب ليه كتب الواد باسمك..... وينها أمه الحجيجيه..... وليه مكنتش معاكم فالشقة...... نظر لها بقوة ثم أكمل: هي دي اللي عشقها وهملته صوح.
هزت رأسها علامة الموافقة فاكمل: مين هي... جوليلي.
هزت رأسها مرة أخرى وعلامة الرفض ثم قالت: مهجدرش....
عثمان بغضب: مش برضاكي... غصب عنيكي هتجولي مين.
رغد بتوسل: مهجدرش.... فهد أمنّي على سره.
صرخ بها بغيره عمياء: أوعاكي تنطقي اسمه على لسانك..... سااااامعة.
حينما رأى انهيارها الوشيك مرة أخرى.... ألمه قلبه عليها كثيراً.... ضمها بحنو وقال: خلاص... بكفياكي بكي عاد..... أجولك... بكفاية حديث دلوقتي.... الصباح رباح.
ابتعدت قليلاً ثم نظرت له برجاء وقالت: عثمان.
وعثمان يشعر باسمه الذي يخرج من بين شفتيها الورديتين وكأنه أجمل ما قيل عن الحب.
وجد حاله يرد بتيه: جلبه وعجلة اللي طار من جمالك يابت العبايدة.
برقت عيناها بذهول.... قلبها أصبح مثل المضخة التي تضرب صدرها كي يخرج منه.... لم تقو على سؤاله لتتأكد مما سمعته... هل هو حقيقة... أم نسج من خيالها كما اعتادت.
أما هو.... لم يقو على الاعتراف وعض لسانه عقاباً على انفلاته دون إرادة.
هرب سريعاً حينما قال: رايدة تجولي إيه.
ضمت شفتيها بغيظ ثم قالت: رايدة أجولك.... وحيااات أغلى ما عندك.... ما تجبرني أجل حاجة أكتر مالي جُلته..... دي أمانة ميت وأنا لو على رجبتي مهاخونش الأمانة.
حينما تتملك منه الغيرة يصبح أغبى إنسان على وجه الأرض.... نظر لها بغضب ثم قال: لدرجادي.... فارج عندكِ..... بعد كل اللي عمله فيكي ومعاكي لساتك بتفكري فيه وباجيه على عهده..... أمسكها من ذراعيها بعنف وأكمل: كتي عشجاه يا بت العبايدة.
ظلت تحرك رأسها يميناً ويساراً بهستيرية علامة الرفض.... وكأنها تنفي عنها اتهاماً شنيعاً ثم قالت: لااااه..... عمري ما عشجته جسماً بالله.... وأنت خابر سبب جوازنا ومن بعدها اللي عمله فيا يخليني أكرهش حد في الدنيا كده..... كنت خايفة أجول أكده من الأول لجل ما هو أخوك.
لكن كل الحكاية عهد وأمانة حملني إياها.... ولو كنت تعرفني زين يا دكتور... كنت هتعرف إني لا يمكن أخون الأمانة.
فكر بحكمة كعادته وهو ينظر لها..... يكفي ما عاشته الليلة.... لم يضغط عليها.... بل سيتركها لترتاح قليلاً... وسيعرف ما هو السر.... أراد أن يخفف من حدة الموقف.... ملّس على وجنتها بحنان ثم قال بنظرات تملاها المزاح العاشق: لااااه.... جولي عثمان... حبيتها منيك.
دون إرادة منها ابتسمت بوهن ثم قالت بخجل: لااااه... مجدرش احترامك واجب بردك.
ضحك بخفة ثم قال بوقاحة أصبحت جديدة عليه: وااااه وأنتِ لما تجولي لجوزك اسمه هيجلل كن احترامك ليه إياك..... أنتِ خجلانة بعد كل اللي حصل بيناتنا من هبابة.
اختبأت منه بداخله كي تداري خجلها وهي تقول: وااااه عيب أكده.
ضمها بقوة وأخذ يملس على ظهرها العاري وهو يقول: خلاص بجي..... مفيش عيب.... وأنا هيبجي عيب في حقي لو هملت مرتي خجلانة مني.
هههههههه.
ضحك بصخب وفرحة ملأت أرجاء قلبه حينما وجدها توكزه بقبضتها فوق ظهره ثم قال بعشق خالص بعد أن قبل أعلى رأسها بإجلال: ارتاحي يا رغد..... نامي وارتاحي الليلة.... ووعد مني ليكي... هجيبلك حقك من كل اللي آذوكي وظلموكي..... أكمل بداخله: وعد من جلب الدكتور اللي عشقك يا بت العبايدة.
صباحاً.... استيقظ على أجمل ما يمكن أن يراه الإنسان يوماً..... فقد كانت تفترش صدره وسادة لها.... وشعرها الذي يضاهي سواد الليل يغطي ذراعه الملتفة حولها منذ الأمس.
ابتسم بحلاوة نابعة من عشقه الذي زاد بداخله حينما اكتشف عذريتها..... وكان هو أول من يفضها..... ولكن السؤال.... إذا كان قد أخذ عذرية جسدها.... ألاهم هنا.... هل سيكون له الحظ أن ينال عذرية قلبها..... أم أنه قد سبقه إليه أحد.
مهلاً أيها الطبيب..... ستكتشف كل شيء في وقته.... وكما أكرمك الله وجعلك أنت أول من وطأ جنتها.... سيتم رحمته بك ويجعلك صاحب أول دقة داخل خافقها..... هذه ثقتي بربي.
لم يستطع الانتظار حتى تفيق لحالها.... ولم يأخذه بها شفقة ولا رحمة.... فقد اشتاقها حد الجحيم.
تركها ليلاً رغم تمنيه لها.... هذا يكفي.... الآن جاء دور قلبه كي يشفق عليه من اشتياقه الجامح له.
بدأ يوزع قبلات رطبة فوق وجهها.... ويده تكتشف ما فاته بالأمس.... حتى فتحت المليحة عينيها بتمهل.... سرعان ما أفاقت ووعت لما يحدث.
حاولت إبعاده ولكن.... أمسك كفيها بقوة حانية.... لثمهما بعشق ثم نظر لها وقال: احترت فيكي يا بت العبايدة.
نظرت له بعدم فهم فاكمل: شعرك كيه سواد الليل... ووشك كيف البدر اللي بينوره.... لما فتحتي عينيكي دلوقتي.... لجيت الشمس تغار منها.... جوليلي.... أنتِ بدر هينور ليلي..... ولا شمس جديدة طالعة تجولي حياتك توها بدت يا دكتور.
تاهت في حلاوة كلماته.... لم تسمع وصفاً بهذا الجمال من قبل.... فلتهديه نفحة تريح بها قلبه.... وهل هذا بإرادتها.... لا والله.... فالآن القلوب هي من تتحدث لا الألسن.
مدت يدها المرتعشة.... وضعتها على لحيته ثم قالت: أوجات البدر هيستحي يطلع... وسواعي الشمس هتداري وسط الغيوم.... بس أكمنها دافية لازمن تتحدي كل ديه وتطلع للناس.... أما البدر.... مهيطلعش غير للسهران... هو بس اللي يستاهل يشوف حلاوته.... يا دكتور.
بالطبع فهم معنى كلماتها الراقية فسألها باهتمام: أنتِ هتجولي شعر يا رغد.... حديثك واعر جوي.... لازمه دماغ صاحية لحل ما تفهم معانيه.
ابتسمت بخجل ثم قالت: وأنت فهمت.
اقترب منها ليقتف من ثمرتها الشهية ما يشبعه.... ثم ابتعد وقال: مش لازمن أفهم..... بكفايه إني أحس.... يا بت العبايدة.
وهو فقط.... لم يمهلها الفرصة للتحدث... ولا للخجل.... ولا حتى للرفض.
وبما أنها رجل مخضرم عرف كيف يجعلها تتوه سريعاً معه.
وبما أنها جاهلة بكل ما يحدث لم تستطع الصمود أمامه... إلا من بعض الرفض الواهي الذي تلاشى سريعاً مع فجوره في لمسه.
لا تعلم من أين أتت تلك الأصوات التي بدأت تخرج منها دليلاً على استمتاعها بما يفعله.
وحينما وجدته يقترب من أماكن لم تتخيل أن يمسسها أحد أو حتى يراها... حاولت منعه بصعوبة.
رفع حاله ونظر لها بهياج عاشق ثم قال بصوت متحشرج..... أنتِ ملكي.... خليني أمتعك.... وأعلمك.... وأعرفك كيف هو عشق الدكتور.
ماذا سيحدث يا ترى؟
رواية عثمان و رغد الفصل التاسع 9 - بقلم فريدة الحلواني
حينما نعشق...تشرق شمسنا حتي لو كانت السماء ملبده بالغيوم...دونا عن غيرنا..نشعر بالدفيء يحاوطنا.
ولما لا... يكفينا فقط... زراعا حانيه رغم قوتها...تخبئنا من سقيع العالم..وثلوجه.
وطبيبنا لم يبخل علي تلك النقيه التقيه بهذا الدفيء... غمرها حنانا واحتواء.... بل و مزاحا ايضا اكتشفته فيه جعل ضحكتها تخرج من القلب لاول مره منذ اعوام.
شغفها حبا وعشقا..وجموحا هو الاخر لم يكن يعلم انه يمتلكه... وهو معها قلبه من كان يحركه كي يعبر عما بداخله فعلا... ما دام اللسان ما زال عاجزا عن القول.
انتهي رغم طمعه في المزيد... وانتهت ولا تقوي علي الابتعاد.
كأنهما عاشقان منذ سنين وقد اشفق القدر عليهما فجمعهما في الحلال.... وما أجمل الحلال.
ظل ممددا فوقها... فقط يتطلع لها بعين ولهه... يده تسير دون شعور فوق وجنتها الناعمه... شفتها تشتاق لخاصتها رغم التهامه لها منذ بضع ثواني.
طبيبا اصبح طامعا.... عاشقا حتي الثماله.
بصوت متحشرج يملأه الاحتياج قال:
فتحي عنيكي يا رغد... متخليش شمسي تغيب.
ورغد لن تقوي علي رفض طلبه... بل هي الاخري تشتاق لملامح عاشق لن يعترف بالحديث ولكن ما فعله معها كان أبلغ من أي حروف.
فتحت عيناها بتمهل... تطلعت له... لاول مره تدقق في ملامحه الوسيمة بامعان.
تركها.... لن يخجلها... بل أهداها أجمل ابتسامة ارتسمت على وجهه يوما.
ثم قال:
مكتش خابر انك حلوة جوي أكده... كتي مخبية ديه كله فين يا بت العبايدة.
ابتسمت بخجل ثم قالت:
للي يستاهله.
لمعت عيناه بفرحة عارمة ثم قال:
وأني أستاهل يعني.
لم تقوي على الرد وعضت لسانها الذي ينطق رغما عنها:
ما يجيش بخاطره.
تفهم حالها... تحرك من فوقها ثم استند بظهره على ظهر الفراش.
وقبل أن تظن أنه تركها... وحدت نفسها فوق ساقيه محاوطها بذراعيه.
تطلع لها بضع لحظات ثم قبلها بهدوء.
فصل قبلته وقال:
متلوميش حالك عليا... عالي يطلع منك... أكتر شي عاجبني فيكي إن اللي في جلبك على لسانك.
اسمعيني زين يا رغد... جوازنا ما كانش بطريقة زينة... كل واحد فينا كان ليه أسبابه... أنتي اتجبرتي على.... وأني كان ليا تار عندك.
لمعت عيناها بالدموع بعدما فهمت حديثه بشكل خاطيء وقالت:
يعني اللي حصل بيناتنا كان من ضمن انتقامك يا دكتور.
نظر لها بغضب ثم قال:
انتقام إيه يا بجرة إنتي... كنك اتخبلتي ولا بتتفرجي على أفلام كتير.
وكزته فوق صدره بقبضتها وقالت بغيظ:
متجوليش بجرة... وبعدين ماهو ديه معنى حديثك.
عض وجنتها برفق ثم قال:
أول هام... أحلى بجرة.
تاني هام... عشان بجرة فهمتيني غلط... اتعلمي تسمعي للآخر لجل ما تقدري تفهمي وتحكمي صح.
ابتسمت له بهدوء فاكمل:
دي كانت البداية... وكل واحد فينا أخده الكبر... وماداش فرصة للتاني إنه يفهمه صح.
أنا كان ليا عذري... لكن انتي إيه كان عذرك لما خبيتي عليا... لاه واتحدتيني كمان.
رغد بخجل من تصرفاتها معه:
مانت اللي من أول يوم كنت بتوجعني بحديثك الواعر... وأني متعودتش أبداً أجبل الإهانة من حد واصل.
رغما عنها سالت دموعها وهي تكمل:
حتى اللي اتعمل فيا... ما كنتش هسكت... ويمكن ديه اللي كان بيخليهم يزيدوا عذابي وضربي.
فكرتك شبه أخوك يا عثمان... أنا كنت لسه صغيرة... ستة عشر سنة... خدوني من جنة أبويا اللي كنت عايشة فيها ملكة... لنار متمنهاش لعدوي.
خوفت... غصب عني خوفت وجلت يا بت احمي حالك... ومتسمحيش ليه ولا لغيره يدوس على كرامتك... بكفاية لحد كده.
رغم غليانه الداخلي إلا أنه أخذ يمسح على وجهها بحنان ثم قال:
عشان لسه متعرفنيش... بس الأكيد سمعتي عني... أو على الأقل لو فكرتي زين كتير هتلاقي فرج بينا.
أقولك... خلاص... وعد مني ليكي عينك مهتشوفش غير الفرح وبس... تحرم عليها دموع الحزن من تاني.
نظر لها بعشق ثم أكمل:
مصدقاني.
رغد:
هقولك الصراحة.
عثمان:
ومش هقول غيرها.
رغد:
جلبي بيقولي... صدقيه.... وعقلي بيحولي اوعاكي.
ماهو أكده ولا أكده هيهملك.
نظرت له بحزن وهي تكمل:
مش ديه اتفاجأت وياي من الأول... هتهملني.
صرخ بها بغضب لم يستطع التحكم به:
أهملك إيه يا مخبلة إنتي.... أقولك بلاه عقلك اليابس ديه... متفكريش بيه واصل.
وضع يده فوق صدرها ثم أكمل بحنو:
خلي جلبك بس اللي يدلك.
عثمان السوهاجي مهيهملش حاجة ملكه أبداً.
بمنتهى الغباء ردت عليه بغيظ:
إيه ملكي ديه... مفكرني جفطان.
إياكم الطبيب يرد بمنتهى الوقاحة:
أحلى جفطان.
ملس عليها برغبة اشتعلت به وهو يكمل:
وطالع على مقاسي بالملي... كأنه متفصل لي مخصوص.
قربها منه أكثر وهو يكمل:
تعالي أما أجربه تاني.... أصله عاجبني.
والمليحة تضحك بدلال... والباب يطرق ليفسد كل ما خطط له وهم لتنفيذه.
حقاً إذا قتل من بالخارج لن يلومه أحد... ولكن ماذا إذا كانت أمه الغالية.
والغالية حينما سمعت صرخته وهو يسأل عن هوية الطارق... ابتسمت بخبث ثم قالت بمغزى:
حجك علي يا ولدي... معرفش إنك لسه نعسان... خد راحتك يا دكتور... إني هتصرف ويا اللي تحت.
و فقط... تركته وغادرت وبداخلها شعور أن أخيراً ولدها وجد وليفته التي ستجعله يحيا ما حرم منه طيلة حياته.
عايشة بغيره:
كيف ديه... من ميتة وهو بينعس لدلوك... إني هطلع أصحيه.
عفت بقوة:
عيشة.... اصطبحي وجولي يا صباح... محدش هيهوب يمته جاعتك لما يكون عندك... يبجي بلاها عمايل فارغة مهيجيش من وراها غير الغم.
تحية بغيظ:
كلامك صح يا حاجة لكن بردك عمره ما اتأخر لدلوك ويا بتي... خاليكي حجانية دي مرته ودي مرته... يبجي يعدل بيناتهم.
تدخلت نرجس في الحديث وقالت بحكمة:
يا مرت عمي، عجلي بتك بدل ما تجوميها على جوزها... شغل الضراير مهينفعش مع خوي وأنتي خابرة طبعه زين... سمه وناره رط الحريم... يمكن رايد ينعس أشوي مجراش حاجة لكت ديه.
وفي سرايا العبايدة كانت تلك التي أقل وصف توصف به... امرأة بمائة رجل... رغم حنوها وطيب قلبها.
كانت تزرع الغرفة ذهاباً وإياباً بقلق بالغ وبيدها الهاتف التي كلما همت أن تتصل منه على أختها... تعاود وتصبر حالها أن تنتظر قليلاً.
لفتت عليها انصاف وقالت باستغراب:
وااااه مالك يا شادية.. واكلة حالك ليه... أكملت بحقد: تكونش الغندورة عاملة مصيبة كيه عوايدها مع الدكتور.
شادية بغضب:
خبر إيه عاد يا بت أبوي... من ميتة الغلبانة ديه عملت حاجة... همليها لحالها الله لا يسيأك.
نظرت لها بغيظ ثم قالت وهي تتجه للخارج مرة أخرى وتقول:
قال يعني عاتلة همها جوي... أكملت سراً: جبر يلم العفش.
جزت على أسنانها غيظاً ثم أغلقت الباب وقالت بقلق بالغ:
هو إني كنت ناقصاكي إنتي كماني.... لاااه مهقدرش أتحمل أكتر من أكده... إني هتصل واللي يحصل يحصل.
وبينما كانت رغد تحاول إبعاده عنها بعد ذلك الموقف المحرج بالنسبة لها... تحت رفضه وإصراره أن يفعل ما يريد... وجد هاتفها يصدح.
سب ببذاءة تحت زهولها ثم قال:
دي مؤامرة كونية عليك يا ابن السوهاجي.
ضحكت بحلاوة وهي تقول بشماتة:
دي خيتي وأني مهقدرش مردش عليها... الله يخليك.
تناول الهاتف الذي ما زال يصدح من جانبه ثم نظر لها بمكر وقال:
إني هطمنها....
لم يعطها الفرصة للفهم إذ فتح الخط سريعاً وبمجرد أن وضعه على أذنه سمعها تقول بقلق بالغ:
طمنيني يابت أبوي... عيملك حاجة... اتغابى عليكي... سامحيني... كان لازم أعمل أكده لجل ما تعيشوا إنتو الاتنين... العند والكبر كان هيضيعكم.
قطعت حديثها باستغراب ثم قالت:
مهتردشيش عليا ليه.
عثمان بهدوء:
وأني بأقولك انتي عملتي الصح يام محمد.
أغمضت عيناها بغيظ من تسرعها ولكنها ردت بقلق ظهر على صوتها جلياً:
خيتي... رايدة أطمن عليها.
ضمها إلى صدره وقال بصدق وفرحة استشفّتها بين حروفه:
خيتك زينة وفحضن جوزها... أكمل بفخر: زينة البنية... عاشت اليد اللي ربتك.
ابتسمت باتساع وقالت بفرحة عارمة:
صوووح... مبارك يا دكتور تتهني بيها ويرزقك منها بالخلف الصالح... لو مكانش الناس تجول عليا اتخبلت لكت مليت الدنيا كلها زغاريط..... يا فرحة جَلبي بيكي يا بتي.
ابتسم عثمان على فرحتها وقال:
طمني جلبك.... خيتك في عيني... بس إني عاتب عليكي... كان حجك تفهميني... ضمنتي من وين متغاباش عليا.
ردت بحسم دون مواربة:
مهيهونش علي جلبك يا دكتور... اللي إني خابرة زين إنها جواه... ولو ما كانتش عيملت اللي عملته.
عثمان:
والله وبتفهمي.... يا رب البجرة تفهم هي كماني.
أطلق ضحكات صاخبة حينما رسمت الغضب على ملامحها.
شادية بفرحة:
ربنا يهنيكم.... دكتور... رغد شافت كتير... واتحملت اللي محدش يجدر عليه... بلاش تجسي عليها.... إني خابرة إن جواه ألف سؤال... ولازم هتوصل للحقيقة كاملة.
اصبر عليها... اديها الأمان اللي عمرها ما عاشت بيه... أوعدها إنك هتصون سرها... هتلاقيها وحدها بتجولك على كل شي... وتفتح جلبها ليك.
أكملت بمغزى فهمه سريعاً:
خيتي جلبها لسه أخضر يا دكتور... ارويه وراعيه لجل ما يطرح كل الحلو اللي فالدنيا... رغد تستاهل تتحب.
رد بهدوء ينافي غليان قلبه:
خابر زين... إني مش صغير يا أم محمد... اطمني... خيتك في عيني وعلى راسي من فوق.
ابتسمت ثم قالت بخبث:
مش هطمن غير لما تجولي وهو فجلبك كماني.
يضحك على خبثها ثم قال:
كنك وعرة... ولو مش خابرة أكده ومتأكدة منه كنتي ولعتي النار.... يا بووي... بنات العبايدة طمعة في الكيد كله يا خلايق.
ضحكت معه ثم أغلقت لأول مرة دون أن تحدث أختها.
وأختها لم تستطع فك الطلاسم التي كان يتحدث بها واستغرابها من إسهابهم في الحديث بتلك الطريقة الودية لأول مرة.
رغد:
هي جفلت من غير ما تحدثني.
عثمان بغيظ:
بتفهم... عض على شفته السفلى وأكمل: شكلها مش مكتوبالنا.
نظرت له بعدم فهم فاكمل بخبث:
أقولك... حملها كي يتحرك بها تجاه المرحاض وهو يكمل بوقاحة: مهجعوش بحجرتي إني... تعالي نتسبح سوا ونكمل باقي اللي هموت عليه... وأهو يلجي تنين في واحد.
العشق ينير الوجه... حقاً كانت مشرقة وهي تجلس وسط النساء بعدما غادر طبيب قلبها إلى عمله بعدما أظهر لها جانباً جديداً من شخصيته... وحاول أن يروي ظمأ قلبه قبيل المغادرة.
تطلعت لها عائشة بتفحص ثم قالت:
وشك منور يعني انهارده... اللي يشوفه وهو بيزعق ميا خيتك عشية... ولا وهو طالع يفش غله فيكي... يجول الدنيا خربت.
خير إن شاء الله... شكله وافق على مراوحك لأهلك... مانتي مهتسكتيش بردك.
نظرت لها بهدوء وقالت:
اللي حصل عشية محدش له صالح بيه... واللي بيني وبين جوزي... مهينفعش أحكيه.
ديه أول هام.... تاني هام... سوا وافق أروح ولا صمم على رأيه... بيا من غيري الفرح هيتم.... يبجي بلاها مشاكل ونكد ملوش داعي... أكيد عندي سبب لكده.
عفت بفخر:
يسلم خاشمك يا بتي... عين العجل والله.
تحية بخبث:
ما تتحدثي وياه إنتي يا حاجة... ديه فرح ولد أخوها بردك مهما تجول مش زعلانة أكيد هتشيل جواه.
عفت:
إني ما أدخلش بيناتهم يا تحية... هما أحرار ويا بعضهم... ورغد اسم الله عليها طلعت عاجلة... وهتفكر صح... يبجي ليه نكبر الحكاية من غير داعي.
رغد:
بعد إذنك يا حاجة... رايدة أعمل الأكل انهارده.
نرجس بمزاح:
وااااه ديه المزاج عالي انهارده... يبجي هناكل أحلى أكل.
عفت:
ديه بيتك يا بتي اعملي اللي يلد عليكي.
وقفت تصنع الطعام بحب ملأ أركان قلبها الصغير.... غطى على ندوبها... لم تطب بعد... ولكنها في طريقها للتعافي... هي واثقة من ذلك.
وبعد أن التف الجميع حول طاولة الطعام... وقد أشادوا بجماله.... شعر بالغيرة تنهش أحشاءه... ليس من حق أحد أن يمدح بها غيره.... ولا تلك الابتسامة الحلوة تظهر لغيره....
فجأة تحول إلى طفل صغير يريد أن يأخذ حقه توا.... لم يجد غير فكرة خبيثة طرأت بداخل عقله وقام بتنفيذها دون تفكير.
مد يده أسفل الطاولة... ملس على فخذها بفجور.
برقت عيناها ووقف الطعام في حلقها مما جعلها تسعل بشدة.
مثل الخضة وقال بعد أن أمسك بكوب الماء ليعطيها إياه:
مالك يا رغد... شرجتي ولا إيه.
نظر بخبث وأكمل:
اشربي بح مي... سلامتك.
تناولت منه الكوب وارتشفته دفعة واحدة.... ثم ظلت تتنفس سريعاً إلى أن هدأت وهي تسمع الكلمات المعتادة في تلك المواقف... سلامتك يا بتي... اتشاهدي... و...
جعل ما سخن تصمت تلك العنيدة... سترد له الصاع صاعين... أنت من بدأت... والبادي أظلم.
صبرت حتى انتهى الطعام... وجلسوا يحتسون الشاي معاً.
قامت من مجلسها بحجة إحضار بعض الحلوى التي جهزتها خصيصاً له....
بمجرد أن كادت أن تمر أمامه مثلت التعثر.
مما جعله ينتفض ذعراً دون الانتباه للعيون المسلطة عليه... أمسك يدها ثم قال بخوف وهو يسندها:
حاسبي... خلي بالك.
ألا تعلم من أين أتت بكل هذا المكر... ولا الجرأة لفعل هذا... فقد التصقت به بطريقة مغوية فهمها سريعاً... وما زاد الأمر سوءاً حينما غمزت له في الخفاء وعضت شفتها بوقاحة ثم قالت بهدوء:
اتعثرت في طرف العباية... معلش... اطمن إنها بخير مجراش حاجة.
تلك الماكرة... كيف تقول إنه لم يحدث شيء... وماذا عن هياجي الذي إذا ما ظهر للعلن سينفضح أمري... تباً لكي.... كيف سأتركك تتحركين من أمامي الآن ويظهر للجميع حالتي التي كنت السبب فيها.
لا والله لن أتركك تنعمين بانتصار زائف... بل سأشكرك بطريقتي على إعطائي تلك الفرصة الذهبية.
دون أن يرد عليها... قام بحملها أمام الجميع واتجه سريعاً نحو الدرج وهو يقول:
تعالي أكشف عليها ليكون تمزق في الأربطة.
أكمل بهمس بعد سماع صرختها:
ولو مكانش أكده إني اللي همزج حاجات تانية يا بت العبايدة.
صرخت عائشة بغل:
شايفين اللي بيجري جدامكم.... كنه اتجن... البت لحست عجله خلاص.
نهرها أبوها قائلاً:
كنك إنتي اللي اتخبلتي يا قليلة الحياة.... هتعيبي في جوزك جدام الكل.
ردت بجنون:
يعني عاجبك المسخرة اللي عم توحصل جدامكم.
حمزة بحكمة:
يا بت أبوي هو معملش حاجة غلط.... مرته رجليها اتلوت... هيكشف عليها ولا يشوفها جدامنا كيف بس.... لو كنتي مكانها كان عيمل أكده بردك.
والذي أشعل النار في الأسفل دون اهتمام.... دلف بها جناحهم ثم أغلق الباب وألصقها عليه دون أن يفلتها.
قبلها أولاً بهمجية ثم نظر لها بغيظ يملأه الرغبة وقال:
بتلاعبيني يا رغد.
ردت عليه بجراءة لا تعرف عواقبها:
انت اللي بدأت لاول... إني معملتش حاجة.
أكلها بعينه وهو يقول بداخله:
لا وقت لمجادلة تلك الحمقاء... سأريها مع من تعبث... ويكون الرد بالفعل ليس بالكلام.
والفعل كان صادماً بالنسبة لها... لم يكن معها رجلاً يعاشر زوجته.... بل كان عاشقاً يتفنن في إسعاد معشوقته.
كان يعزف أعذب الألحان فوق جسدها المغوي مما جعلها لا تتحكم في صوتها الذي أطربه حقاً... وزاده استمتاعاً.
بل أيضاً زاده فجوراً في أفعاله معها... هل يستطيع الابتعاد الآن وهاتفه يصدح بالإلحاح.
لا والله... فليحترق العالم أجمع.... لن أتركها قبل أن أريحها أولاً... ثم أحاول الارتواء من نهرها العذب.
انتهت وانتهى ولكن ما زالت الأجساد متعانقة ترفض الابتعاد دون إرادة منهما.
لا يعلمان أن القلوب هي من تتشبث ببعضها البعض لا أجساداً فانية.
صدح الهاتف مرة أخرى فقالت بلهث:
رد يا عثمان أكيد حاجة مهمة دام بيلح أكده.
وجد أن حديثها به بعض التعقل ولكنها ترفض الابتعاد.
قلب جسده كي يتمدد فوق الفراش وسحبها معه لتكون فوقه.
سحب هاتفه كي يرى هوية المتصل وحينما رأى الاسم.... برقت عيناه بفرحة ثم فتح الخط سريعاً وقال:
.......
رواية عثمان و رغد الفصل العاشر 10 - بقلم فريدة الحلواني
دائما ما تضعنا الدنيا في اختبارات قوية. ولكن أصعبها.. أن نقع في حيرة بين ما يأمرنا به العقل، وما تتمناه قلوبنا. فـلمن تكون الغلبة؟
لم يمهلها الفرصة لتفهم، بل حركها برفق من فوقه، ثم أكمل محادثته الغامضة وهو يقول: "اركب أول طيارة طالعة على سوهاج. بلغني ميعاد وصولك، وأني هشيع لك عربية تجيبك لحد عندي."
عثمان: "لأه فاكس له مهينفعش. إني هحجز لك وعاود أحدثك."
وفقط.. أغلق معه، وقام بالاتصال بإحدى شركات الطيران، وقام بحجز تذكرة. ولحسن حظه أن أمامها ساعة للاقلاع. قام بإبلاغ الرجل مرة أخرى، ثم أنهى المحادثة.
كاد أن يتحرك من مرقده، إلا أنه لاحظ تغير لون وجهها وهي تقول بوجل وكأن قلبها أنبأها بشيء.
رغد: "خير يا عثمان.. في حاجة؟"
نظر لها بغموض، ثم مال عليها ليلثم وجنتها بقبلة غريبة. لم تشعر بها، ثم قال: "خير.. ما وشك اصفر أكده ليه؟ دي مكالمة شغل."
لا تعلم لما لا تصدقه، ولكنها هزت رأسها بهدوء وقالت: "الله يقويك يا دكتور."
تلاقت الأعين في حديث صامت. هي تترجاه أن يغلق صفحة الماضي، وهو.. يطالبها بالبوح قبل أن يعرف من غيرها. وما بين هذا وذاك.. كانت العقول متشبتة بقناعتها، فلم تستطع القلوب إرضاخها.
وصل مكتبه داخل مشفاه. جلس على جمر ملتهب إلى أن أتى له الزائر المنتظر.
بمجرد أن دلف عليه المكتب، ثم أغلق بابه، قال بلهفة: "وينها الكشوفات؟"
الرجل بابتسامة حرجة: "طب قولي اتفضل يا دكتور.. ده الصعايدة أهل الكرم."
لم يهتم بعتابه المتواري، بل قال: "اجعد وهات الكشف، وبعدها.. هعرفك كيف هو كرم الصعايدة صح."
التقط منه تلك الأوراق بلهفة. تطلع على عدد لا بأس به من أرقام الهواتف التي قام أخيه الراحل بالتحدث مع أصحابها قبل وفاته بشهرين. وكل رقم كان بجانبه اسمه. تفحصها جيداً.. منهم من يعرفهم جيداً.. ومنهم لا، ولكن عددهم قليل.
لا اسم واحد كان دائم الاتصال به.. ولكن مسجل باسمه. هل يحادث حاله؟ لمن كان هذا الرقم؟ لماذا يسجله أخيه باسمه؟
نظر للرجل بجدية، ثم قال: "وينها التسجيلات؟"
أخرج الرجل من جيبه فلاشة صغيرة، مدها له، ثم قال بفخر: "لما قدرت أحصل على سجل المكالمات.. فكرت أوفر عليك الوقت.. بدل ما ننتظر فترة عشان نحصل على كل التسجيلات للأرقام دي.. عملت فحص للسجل وخرجت كل أرقام العائلة بره. وجبت لك تسجيلات باقي الأرقام."
أكمل بوجل: "خاصة الرقم اللي متسجل باسم المرحوم. أنا كده اتصرفت صح ولا إيه؟"
ابتسم باتساع، ثم قال: "انت عملت عين العجل. براوه عليك."
أخرج من جيبه دفتر الشيكات الخاص به، ثم دون فوقه رقماً كبيراً. قطعه وأعطاه إياه.
برقت عين الرجل بزهول حينما رأى المبلغ المدون، ثم قال: "بس ده كتير أوي يا دكتور."
عثمان بجدية: "ولا كتير ولا حاجة.. دي حق تعبك أنت وزمايلك. جوم معايا لجل ما تاخد حق ضيافتك."
وقف الرجل، ثم نظر إلى ساعته، وقال: "اعتبرها وصلت وبزيادة. أنا يا دوب الحق أرجع المطار.. قبل ما أركب الطيارة. حجّزت تذكرة عودة.. يعني قدامي ساعة تقريباً."
غادر الرجل. وضع تلك الفلاشة داخل جهاز اللاب توب خاصته، بعد أن أمر السكرتيرة ألا يدخل عليه أحد.
أما الأخرى، فكانت تموت رعباً. حدسها ينبئها بأمر ما ليس جيداً. وما أكد هذا الإحساس هو عدم رده عليها كلما حاولت الاتصال به. أغلق الهاتف.
دَلفت عليها نرجس، وقالت بقلق: "وينك يا رغد؟ منزلتش ليه بعد ما عثمان مشي؟ كان شكله مضايج. انتوا اتخانجتوا؟"
رغد بتيه: "لأه.. جاله تليفون شغل وطلع طوال."
نرجس: "مالك يا خيتي وشك اصفر ليه أكده؟ جوليلي لو فيه حاجة مضايقاكي. إني كيف خيتك."
قبل أن ترد عليها، كان يدخل بملامح متجهمة. ثبت نظره عليها، وهو يقول لأخته بأمر: "هملينا وحدنا يا نرجس."
ارتعش جسدها رعباً بعد مغادرة الأخيرة، والتي قابلت في طريقها عائشة.
أوقفتها، وقالت بفضول: "فيه إيه يا نرجس؟ كأنها عاملة مصيبة. خيك جاي من بره، هيطلع نار. حتى مردش على أمك وهي بتنادم عليه."
نرجس: "ملناش صالح يا عيشة.. روحي شوفي ولدك ولا لاجيلك حاجة تعمليها."
أما بالداخل.. فكان الموقف حقاً.. مرعب. نظراته المشتعلة.. صمته المريب.. جعلاها تشعر أنه سيقتلها. أما هو، فكان بداخله حرب دروس.. بين قلبه المتألم من مظهرها.. وبين عقله الذي يحثه على الانتقام. ولكن ما ذنبها؟ هي الضحية الوحيدة داخل الحكاية.
أخيراً، قرر التحدث، حينما قال بأمر لا يقبل المجادلة: "احكي."
نظرت له بعدم فهم، فكمل بغضب: "احكي يا رغد.. إني عرفت مين الفاجرة اللي قتلت خوي. اتحملتي كل ده ليه؟ لجل ما تداري على بت عمك صوح؟"
صرخته الغاضبة.. صدمتها بمعرفته الحقيقة.. لحظة المواجهة المحتومة.. كل هذا جعل دموعها تهطل أنهاراً فجأة دون أن تقوى على الرد.
سحبها من يدها بقوة نحو الأريكة، أجلسها عليها عنوة، ثم قال: "إني سامعك.. بلاش تختبري صبري أكتر من كده. سالت كتير وخبيتي علي.. وأديني عرفت.. يبقي ملوش لازمة سكوتك دي."
ردت عليه بوهن: "عايز تعرف إيه يا دكتور؟"
عثمان: "كل حاجة.. كيف اتجوزها.. ولا كان مرافقها؟"
صمت للحظة، ثم قال بتذكر: "هي مش اتجوزت قبلك بشهر تقريباً.. ووجدها قلتم إن العريس من مصر وهيسافر بيها بلاد بره.. عشان كده عملتوا الفرح هنا."
رغد بقهر: "دي حكاية أبويا عملها عشان يداري على عارها لما هربت من الدار. دوروا عليها في كل مكان، ملجلوش ليها أثر."
عثمان: "طب وجهازها اللي طلع من البلد بالطبل البلدي.. كله ده كان تمثيل؟"
رغد: "قلنا للناس إنها قاعدة حد بت عم أبويا عشان تجهز شقتها هناك.. والجهاز اللي طلع قدام الناس اتبرعوا بيه.. وبعديها قعدنا يومين في مصر على أساس الفرح وكده، وعاودنا تاني. أبويا أمر محدش ينطق اسمها واصل لحد ما يلاجيها ويغسل عارنا."
عثمان: "وإنتي عرفتي كيف إنها مرته؟ فرحك.. ودم شرفك اللي فضل يتباهى بيه قدامنا كلياتنا."
أغمض عينيه، ثم قال بغيظ: "عور حاله صوح.. احكي يا رغد. إني مش طايق روحي.. مش هسحب منك الحديث.. اخلصي."
"يوم فرحنا.. إني كنت عيلة يا دوب كملت ستاشر سنة، بقالي يومين. كنت خايفة وخجلانة. بعد ما اتقفل علينا الباب.. لقيته بيقول لي بالراحة: شكلك خايفة.. اهدي ومتخافيش.. إني مهجربش منك غير لما نألف على بعض."
"قعد شوية وبعديها عور يده و..." أكملت بخجل: "ورمي الملاية على إنه شرفي."
قاطعه بغيره قاتلة: "مجربش منك نهائي.. مجاش يمك خالص؟"
رغد ببكاء: "ولا حتى لمس الفرشة.. فضل طول الليل ماسك التليفون في يده يكتب فيه لحد ما النهار طلع."
"أكمل عنها: "وتاني يوم قال إنه هيدلي بيكي مصر كأنه شهر عسل.. إيه بقى اللي حصل هناك؟"
أغمضت عينيها بقهر ووجع وهي تتذكر ما حدث ذلك اليوم.
***
ظل طوال طريق سفره معها صامتاً.. لن يتفوه بحرف.. إلى أن وصل أمام بناية شاهقة الارتفاع. صف سيارته أمامها، ثم قال بنبرة غريبة: "وصلنا.. انزلي."
بمجرد أن فتح باب شقته الخاصة.. دلفا اثنتين.. ثم أغلق الباب خلفه.
تصنمت رغد بصدمة قوية حينما رأت ابنة عمها الهاربة تقف أمامها، وعلى وجهها ابتسامة شامتة.
تاهت حروفها.. وكلما فتحت فمها كي تتحدث، تغلقه مرة أخرى. أما الأخرى، فأطلقت ضحكة ماجنة وهي تتقدم نحوها وتقول: "مالك يا كونتيسة؟ اتشلتي؟ مش قادرة تصدقي إني قدامك؟"
رغد ببهوت: "إني مش فاهمة حاجة.. انتي..."
أسكتها فهد بقوة حينما وكزها في كتفها، وهو يقول: "متحوليش انتي.. دي ستك وتاج راسك سامع؟"
رغد بجنون: "الفاجرة دي تبقى ستي؟ اللي حطت راس.. آآآآه.." قطعت حديثها بصراخ حينما لطمها بقوة فوق وجنتها، مما جعلها تفقد توازنها وتقع أرضاً.
لن يكتفي بهذا، بل مال عليها جاذباً إياها من حجابها، مصاحباً معه شعرها، وهو يقول بغل: "مفكرة حالك هتبقي مرتي صوح؟ دم أبويا في يدك انتي وعيلتك.. اللي قدامك دي مرتي سامعة؟ هتجعدي هنا خدامة ليها.. وإياااك تنطقي بحرف.. رجبت بوكي ويونس أخوكي هتكون التمن.. سامعة؟"
***
كادت تختنق من شدة البكاء، وهي تكمل: "ذلوني.. بهدلوني ضرب وحرق.. حتى الأكل كان ساعات يحرموني منه. تحملت كل ده لأجل عيون أبويا وخوي.. ولأجل ما الدم اللي بيناتنا يوقف لحد كده."
"بعديها بشهرين طلعت حبلى.. دُقت المر معاها.. وهي كل يوم تتبلى علي إني رايدة أصحيها.. وأخوكي يضربني. قلت ده ومكنتش عارفة أوصل لحد من أهلي عشان أخبرهم.. كان بيخليني أتحدث من تليفونه خمس دقايق عشان يطمن إني مش هقول شيء ليه."
"لحد ما ولدت رحيم.. هي اللي قالت له يكتبه باسمي.. قالت أهلك أكيد هيشوفوا شهادة الميلاد.. ولدته ورمتهولي عشان أربيه.. حتى الرضاعة ماهانش عليها ترضعه.. جاب له لبن صناعي."
صمتت قليلاً كي تلتقط أنفاسها، فقال هو بغل وغضب: "وطبعاً كل الدهب والفلوس اللي كان بيجيبها كانت ليها مش ليكي؟"
هزت رأسها بوهن، ثم قالت بقهر: "حتى شبكتي اللي المفروض جابها لي خدها مني وأداها لها."
أمسكت ذلك السلسال الملتف حول عنقها، وأكملت بقهر: "دي خبّيتها عشان ما ياخدوهاش مني. شوية الدهبات اللي عندي دول.. هدايا من أهلي بعد ما المفروض ولدت.. ولأجل حظي نسي ياخدهم وياه لما عاودنا مصر تاني بعد أسبوع المولود."
"وجت لي ما صدقت إنك كنت رايدة في شغل.. حكيت لشادية.. كانت هتجن.. بس صبرتني وحلفت ما تجيب لي حقي منهم.. بس قالت لي ميفعش نتحدث.. الدم هيبقي بحور."
"سكت وتحملت.. واللي هون علي شوية.. بعد ما المفروض ولدت.. بحي يهملني هنا أنا والواد. قبل ما يموت بحوالي شهرين.. خدني وياه بحجة إنها رايدة تشوف ولدها. أثاريها كانت رايدة تذلني شوية قبل ما تهرب مني."
"في يوم صحيت على صراخه.. وكان كيه المجنون.. بيجي يلف ويدور عليها.. ولما ملجاش ليها أثر.. فضل يكسر فالشقة.. خوفت واتخبيت أنا والواد جوه الأوضة.. ومن خوفي مكنتش مركزة إني دخلت وين.. ولقيتني جوات أوضتهم.. شوفت جواب.. جريته."
ابتسمت بوهن من بين دموعها، ثم أكملت: "بتقول له دورك انتهى.. كان كل اللي يهمني أذل رغد.. وأطلع من البلد المعفنة دي وأعيش حياتي. أنا خدت كل المجوهرات والفلوس.. تمن السنتين اللي قضتهم معاك.. متدوروش."
"ومن يوميتها بقى يدور عليها في كل مكان.. وهي فص ملح وداب. كان عاشقها صوح.. وهي كيه الحية استغلت ده عشان توصل لغرضها. دفع حياته تمن لواحدة جاحدة متستاهلش.. وأنا.. " بكت بحرقة وهي تكمل: "أنا إيه.. معرفش صوح إني إيه.. جوزتوني كبش فدى للعلتين.. وهو اتجوزني عشان يرضي حبيبته."
نظرت له بحزن العالم، وأكملت: "وإنت اتجوزتني عشان تنتقم لأخوك.. وأمك ريداني عشان يفضل حفيدها وياها."
ضربت على صدرها بقوة وهي تكمل بنبرة تقطر قهراً ووجعاً: "وأنا.. أنا وين من ده كله؟ كل واحد فيكم عم يقطع من روحي حتة.. وينها رغد.. محدش فكر فيها للحظة."
"يا خلق إني مكملتش عشرين سنة بس اتحملت اللي ميقدرش يشيله حد في الخمسين."
تطلعت له بجنون وهي تكمل بهستيريا: "هااا.. ارتحت يا دكتور.. عرفت الحقيقة.. دور عليها بقى.. وخد تار أخوك منها.. افتح بحور الدم من تاني.. بس وجتها مفيش رغد اللي هتكون كبش فدى تاني يا دكتور.. كده دورك في حياتك انتهى صووووووح.. " أكملت بإقرار يملأه التمني بالرفض: "هتسبني خلاص؟"
هل يوجد وصف لحالته الآن؟ لا.. قد عجزت حروفي لأول مرة.. لن أستطيع رسم شعوره ببضع كلمات.. الألم ينهش صدره.. سخطاً على أخيه النذل.. رغبة في الانتقام.. ولكن كل هذا غطى عليه قهره وألم قلبه على تلك الصغيرة التي تحملت ما لا يقوى عليه بشر.
كان هذا ما يدور داخل عقله وهي تقص عليه ما حدث.. ولكن حينما قالت كلماتها الأخيرة.. عجز عقله أن يفسرها على أنها تسأله.. هل سيتركها؟
أخذها على أنها تقول: "اتركني."
هنا غاب العقل.. اندحر أي شعور داخله إلا غليانه ورفضه فكرة تركها لها.
أمسك ذراعها بقوة وسحبها ناحيته. نظر لها بشر وقال: "تهمليني؟ كيف؟"
لم تستوعب ما يقوله.. ولكنها انتبهت جيداً حينما أكمل بنبرة خرجت من الجحيم: "كنت هتخليني أعشقك عشان تنتقمي مني بدل أخويا؟ بموتك يا بت العبايدة.. تمن قلب الدكتور روحك يا رغد.. سامعة؟ مهتطلعيش من هنا غير على جبرك.. سامعة؟"
ظلت تهز رأسها بجنون.. تحولت دموعها الحزينة إلى أخرى فرحة. يعتقد رفضها.. حقاً قد جن.. عن أي ترك تتحدث وأنا من تذوب فيك عشقاً أيها الطبيب.. طبيب قلبي الذي أجرى لي جراحة.. استأصل الحزن من داخل قلبي العاشق لك.
وبما أن اليوم.. هو موعد اكتشاف الحقائق.. وبما أنه اعترف.. لن أترك حالي للخجل.. ولا للضعف.. ولا حتى للخوف. عن أي خوف أتحدث وأنا احتمي خلف سد منيع؟ لن يسمح حتى نسمة هواء أن تجرحني.
وبينما هو يضغط على ذراعها بغل ويتطلع لها بجنون بعد أن ظلت تهز رأسها رفضاً لحديثه، والذي فهمها على أنها رفضاً لبقائها.. وقبل أن يفكر أن يسهب في تهديده.. تخشب جسده حينما قاومت يده المتشبثة في ذراعه.. ثم قفزت فوق ساقه.. لا تعرف كيف.. ولا من أين أتتها الجرأة أن تطبق على فمه لتسكته.. أو.. ترد على حديثه فعلاً لا بالحديث.
لأول مرة تشعر أنها حقاً تريده.. قبل ذلك كان الخجل والخوف يؤثر عليها أثناء علاقتهم الحميمة.. أما الآن.. ستطالب هي بها.. ستصرخ له بما تخبئه داخلها.
لم يفق من صدمة قبلتها التي لم يقو على مبادلتها.. فاجأته باعترافها الذي خرج من صميم قلبها.
كبت وجهه بيديها.. نظرت له بعيون لامعة بدموع العشق.. قالت بصوت مبحوح شجي: "وأنا عشجتك فوق العشق عشجين يا دكتور.. من غير ما تحس داويت قلبي الموجوع من غدر الدنيا.. رجعتلي روحي اللي كانت مفرجانـي.. بين دراعاتك عشت روحي.. لقيت رغد اللي كنت أعرفها زمان.. لما طلعت جوات عينيك.. لقيتني يا دكتور.. لقيت رغد اللي اتسرقت مني.. رجعتلي روحي وقلبي."
"مين يلاقي ده كله وما يعشقك التراب اللي عم تخطي عليه؟"
والطبيب.. قلبه توقف حقاً.. يحتاج إلى جهاز الصدمات كي يعيده إلى العمل.. لا يصدق.. لن يصدق.
نظر لها بتيه.. ثم فتح فمه ليسألها بعدم تصديق: "هتقولي إيه؟ انتي واعية لحديثك ده؟ ولا..."
لا يوجد مكان لـ... ولا.... بينهما الآن. لن تتركه لأفكاره.. بل ستكون هي بمثابة صدمة كهربائية عنيفة تعيد له رشده.. بل تجعله يستوعب ما قالته تواً.
قربت وجهها من وجهه حتى تلامست الشفاه دون تقبيل. تعمدت أن تتحدث داخل شفتيه المنفرجة. قالت بنبرة تقطر عشقاً وتمني: "إني بعشقك يا عثمان."
مدت يدها لتمسك بكفه وتضعه فوق خافقها، وهي تكمل: "لو مش مصدق اللي سامعه.. شوف قلبي بيدق كيف.. وإنت دكتور وخابر كيف تعرف اللي جواتي.. صوح؟"
وهل يجد ما يرد عليها به؟ لا والله.. حينما يعجز اللسان عن التعبير بما يعتمل صدورنا.. نجد أجسادنا تعبر عما عجزنا أن نوصفه. والطبيب ترك قلبه يحرك جسده كي يكون رده أبلغ من أي حديث.
قبله.. ساحق.. جموح.. رغبة.. بين طياتها اعتراف بعشق لأول مرة يذوق حلاوته.. والمليحة لأول مرة تبادله.
لا يعلمان من منهما كان يجرد الآخر من ملابسه.. ولم يهتما بمن منهما يلتهم الآخر.. ولكن الشعور المتفق عليه الآن.. هو رغبة ملحة أن يدخل كلاهما الآخر بين ضلوعه. كان درباً من الجنون.
تخلت عن خجلها.. وخلع هو عباءة غروره ووقاره. شعر أنه طفل صغير.. لا يشبع من ثدي أمه.. وشعرت هي أنها أسفل شمساً حارقة ملأتها دفئاً بعد كل هذا الصقيع الذي عاشت فيه.
لن يكتفي منها.. ولم تتألم من عنفه غير المقصود.. بل كانا يرغبان معاً في المزيد.
وحينما تلاقت الأرواح على أعتاب الأجساد المتلاحمة.. نطق لسانهما في وقت واحد بناءً على أمر وجب النفاذ من قلبيهما.
في نفس اللحظة.... "بعشقك."
ماذا سيحدث يا ترى؟ سنرى.