تحميل رواية «عثمان و رغد» PDF
بقلم فريدة الحلواني
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
صباحك بيضحك يا قلب فريده. كل سنة وأنتي في هنا وراحة بال، ويا رب يكون ليكي دعوة ربنا استجابها في رمضان وتكون أيام جبرك وعوضك قربت خلاص. وحشتوني قد البحر وسمكاته. يلا نبدأ بسم الله. لا تحكم على الكتاب من عنوانه، فربما يكون محتواه مغاير تمامًا لذلك الغلاف المبهج والعنوان الملفت للانتباه. هكذا يكون الإنسان، يرتدي أغلى الثياب، وعلى وجهه أجمل ابتسامة يمكنك أن تراها يومًا. ولكن بداخله خراب. داخل إحدى الشقق الفاخرة التي يملكها فهد السوهاجي ويقيم بها هو وزوجته وابنه الوحيد. وقفت رغد تبكي بحرقة وهي عاجزة...
رواية عثمان و رغد الفصل الحادي عشر 11 - بقلم فريدة الحلواني
الخبيث مهما كان واعياً وحريصاً... يجب أن يخطئ في شيء ما.
والخائن... يحي دائماً وبداخله خوف يجعله لا يشعر بلذة الحياة... مهما أظهر عكس ذلك.
سحر... تلك الخبيثة الخائنة... خانت أهلها... دمرت حياة طفلة ليس لها ذنب إلا غيرتها العمياء منها.
كانت تعيش وسط أهلها ناقمة عليهم... ورغم أنهم من الأثرياء إلا أنها كانت طموحة حد الطمع.
حلمت دائماً أن تخرج من تلك القرية... تعيش تحت سماء المدينة وأضوائها المبهجة.
ولن تجد أحداً يحقق لها تلك الأحلام غير فهد السوهاجي.
الذي كان معروفاً عنه عشقه للنساء... لا يفرق بين قريب ولا بعيد... ولم يكن واضعاً لنفسه ضوابط تحكم تلك العلاقات.
بحثت عنه... علمت كل ما تحتاجه كي تتقرب منه برغم الثأر القائم بين العائلتين... لم يهمها كثيراً... بل كانت من الأساس تخطط للهروب معه.
حصلت على رقمه الخاص... بدأت في مراسلته دون أن تفصح عن هويتها.
ولأن كل ما هو خفي يصبح مثير... جعله فضوله وأسلوبها الشيق أن يستمر معها على أمل معرفة هويتها.
ظلت على هذا الحال بضعة أشهر إلى أن تأكدت من تعلقه بها... أفصحت أخيراً عن هويتها.
أقنعته بعشقها له منذ الصغر... وأنها لا ترى رجلاً غيره لهذا ترفض كل من يتقدم لها.
ظلا على هذا الحال عامين... إلى أن بدأ الحديث عن الصلح والنسب بين العائلتين لإتمامه.
كانت فرحتها عارمة ظناً منها أنه سيتقدم لها هي.
ولكن كانت المفاجأة لهما معاً حينما طلب عثمان يد ابن كبير العائلة لأخيه.
هنا جن جنونها وعمي قلبها... مات ضميرها حينما دبرت وخططت للهروب معه بل وأقنعته بذلك.
وبما أنه وقع فريسة داخل شباك عشقها الكاذب انصاع لها ونفذ كل ما طلبته منها.
أقنعته أن تلك رغد هي سبب عذابهم ويجب الانتقام منها.
وقد كان... ذاقت على يدها الأمرّين... فعلت كل ما يحلو لها وهي على يقين تام أنها لن تشي بها خوفاً على عائلتها.
ولأن طموحها كان جامحاً... لن ترضى بتلك الحياة... ظلت تأخذ وتطلب منه كل ما تطاله يدها وهي تخطط لتركه.
إلى أن فعلتها بعد أن حصلت منه على مبالغ مالية ضخمة غير المجوهرات الثمينة... حتى التي تمتلكها تلك المسكينة طمعت بها أيضاً.
لم تهتز لها شعرة حينما علمت بوفاته... قررت السفر بعيداً إلى أن تهدأ الأمور وتطمئن أن الجميع قد نسيها والأهم أن رغد لم تتفوه بحرف.
كانت تجلس داخل بيتها المستأجر شارده في كل ذلك.
وبعد أن فاقت من شرودها قالت:
كده أقدر أرجع وأعيش حياتي... دام الزفتة دي اكتملت ومحكتش لحد حاجة... ههههه طول عمرها هبلة أكيد خافت إن الثأر يتفتح تاني.
تطلعت للأمام بطمع ثم أكملت بتفكير:
الأهم دلوقتي... إزاي آخد ورثي وورث ابني من عثمان... ما أنا مش هسيب الملايين دي كلها.
أكيد هو كمان هيخاف على اسم عيلته وسمعة أخوه... لازم أفكر وأرتبها كويس عشان آخد اللي عايزاه من غير ما حد يقدر يوصلي.
يصدح هاتفها باسم حاتم.
زفرت بحنق ثم ردت عليه بفرحة كاذبة:
حبيبي... عامل إيه... زعلانة منك.
حاتم:
ليه بس يا قمر... مقدرش على زعلك.
سحر:
بقالي يومين مسألتش فيا...
أكملت بمغزى:
هو أنت مش عارف إني اتعودت عليك...
ضحك بفخر وقال:
أجيلك حالا... وأنا عندي كام سوسو يعني... بس المهم... عملتي إيه مع جوزك... كلمتيه؟
سحر:
كلمته... بس رفض يطلقني... هنزل مصر كمان يومين عشان أتصرف معاه... كلام الفون مش هيحل حاجة.
حاتم بطمع:
والمشروع... هتسبيهولوا؟
سحر بكذب:
لأ طبعاً... المشروع ده حلم حياتي... وبعدين أنا صاحبة الفكرة وأنا اللي تعبت لحد ما أقنعت المستثمرين الأجانب إنهم يدخلوا فيه.
حاتم:
خلاص يا حبيبتي يبقى نعمل زي ما اتفقنا... أنا هدخل مكانه وهخليكي شريكة معايا بنسبة كويسة.
ها قد وصلت لمبتغاها... ابتسمت باتساع ثم قالت:
تمام... هتنزل مصر معايا ولا لسه عندك شغل هنا؟
حاتم:
لأ طبعاً معاكي... هو أنا أقدر أسيبك يا جميل.
صرخت شادية بغيظ عبر الهاتف بسبب تلك الغبية التي ستصيبها بالجنون.
قالت بغيظ شديد:
أجول بووووه يا ولاد والم الخلج علي... صدج اللي جال عليكي بجرة.
رغد بغضب:
واااه... أنتي كماني... هو أنا عملت إيه طيب؟
تمالكت شادية حالها قليلاً ثم قالت بحكمة:
يا بتي افهمي... ده جوزك حلالك... وخلاص إنكشفتي عليه... يبقى ملوش عازة الكسوف... البسي يا ضنايا واتهني بحاجتك اللي لساتها بكياسها مجتيش يمه.
رغد بخجل:
مجدرش والله... كل ما أجي ألبس حاجة... أتحرج وأجول... هيجول علي إيه دلوقتي.
شادية:
بجاله أسبوعين داخل عليكي... وحتى لو مجولتيش اللي حصل بيناتكم بس أنا متأكدة إن الدكتور مخلعك على الآخر... يبقى ليه تستحي منه... يا بت... افهمي الراجل يحب المرة اللي عم تهتم بحالها وتحسسه إنه هارون الرشيد.
ضحكت رغد بصخب على هذا التشبيه ثم قالت:
هارون الرشيد مرة واحدة... ومينفعش مانقصش غير أجيب بدلة رقص كمان.
ردت عليها شادية بجدية:
ده المفروض على فكرة... كل حاجة بين الراجل ومرته ربنا حللها... يبقى إحنا نحرمها ليه... يا بتي افهمي... أنا بوعيكي لجل ما تسعدي جوزك وتهنيه كيف ما هو بيعمل وياكي.
رغد:
عارفة أولت امبارح كان سهران وياي و....
قاطعتها شادية سريعاً:
مريداش أعرف ولا من حجة.
رغد بحيرة:
ليه طيب ماني اتعودت أجولك كل حاجة.
شادية بتعقل:
كل حاجة تخصك أو تخص موضوع محتارة فيه... إنما جولتلك جبل سابج اللي بيحصل بين الراجل ومرته... حرام حد يعرف.
مامك الله يرحمها جالتهالي... الراجل ومراته كيه الجبر وأفعاله... أنا أنصحك... وإنتي تحكيلي أي حاجة... إلا اللي بيحصل في فرشتكم يا بتي... أوعاكي يطلع لحدي واصل.
رغد:
حاضر... حاضر يا حبيبة جلب بتك انتي... طب جوليلي... أعمل إيه وأنا هسمع حديدك طول.
شادية بغيظ:
متأكدة.
رغد بمزاح:
مش قوي... بس هحاول.
عاد الطبيب إلى السرايا في وقت متأخر من الليل لقيامه بإجراء عدة عمليات ولادة قيصرية... كان حقاً مرهقاً وحمد ربه أن الجميع قد خلد إلى النوم.
لكن... هل تلك الجنية ذات الشعر الذي يضاهي سواد الليل غفت هي الأخرى؟
قلبه وكل ما فيه اشتاقها... حسناً لا بأس... فل تغفو بسلام مادامت بين ذراعيه.
وبما أن طبيبنا قنوع... مراعي... فقد كافأه الله على هذا... حينما دلف بهدوء إلى جناحه ظناً منه أنها غافية.
تصنم مكانه حينما وجد أجمل منظر رآه يوماً... بل جحظت عيناه بعدما رأى تلك الفتنة أمامه.
كان منذ قليل يتغزل في سواد شعرها الحريري... أما الآن... وبعد أن ارتدت قميصاً شفافاً سواده يتحدى بياض جسدها المغوي... لم يجد كلمات يتفوه بها وهو يقترب بتمهل... عيناه تفترس كل إنش فيها.
أما هي... أخجلتها نظراته... لعنت بداخلها غباءها المزعوم إذ لم يكن يجب عليها أن تستمع لنصائح أختها.
وقبل أن تفكر في التحرك لتستر حالها بأي شيء... كان هو الأسرع إليها حينما حاوط خصرها وألصقها به.
تطلع إليها بنظرات ولهة ويده تسير ببطء على وجهها نزولاً إلى جيدها ثم أسفله... وكأنه توا يستكشف كل تلك الفتنة التي بين يديه.
نطق بصوتاً متحشرجاً:
كنت جاي تعبان وحاسس إني بقالي يومين مدوقتش طعم النوم... دلوقتي حاسس إني بقالي شهر نعسان... وصحيت على نور الشمس لما ضرب جوه عيني.
رفعها كي تصل لطوله وأكمل بعشق:
معقول كل الجمال ده بين إيدي... ملكي لحالي... قلبي هيوجف من كتر الدغدغة.
تنهدت عليه سريعاً متناسقة خجلها:
بعيد الشر عنيك... إن شاء الله عدوينك.
ابتسم بفرحة حينما استشعر صدق خوفها عليه.
سألها بهدوء راجياً:
خايفة عليّ يا رغد؟
نظرت له بعيون تلمع عشقاً وقالت:
مليش غيرك أخاف عليه... أنت جوزي وراجلي و....
صمتت بخجل فقال برجاء:
كملي... لجل خاطري كملي واروي قلبي العطشان... ارويه بكلمة منك.
تباً للخجل... بل تباً لي ولأي شيء يجعلني أرفض رجاءه.
كوبت وجه ثم ملست عليه بإغواء لم تقصده وقالت:
وحبيبي... حبيبي اللي عشجته ولا قادرة أبعد عنه... ولو أطول أحطك جوه عيني وأجفل عليك برموشي لجل ما حد يطلع عليك غيري هعملها... أموت عشقاك يا عثمان... قلبي جابلك مكتش حاسة بيه جوه ضلوعي... توني حاسيت بيه عم بيدق.
نفسي أسعدك... نفسي أعمل وياك وليك حاجات كتير... بس مخبراش إيه هي ولا كيف أعملها.
كل اللي أريده أسعدك وبس.
هل يجد حروفاً تستطيع الرد عليها... لا والله.
فليترك شفتيه التي تريد التهامها تعبر عما يجثم بداخله.
لأول مرة يقبلها بتلك الطريقة... كانت جامحة... ملتهبة... ولكن ما كان أكثر التهاباً هو جسدها الذي استباحته يده بعدها.
تحرك بها تجاه الفراش كي ينعم أكثر بكل هذا النعيم الذي بين يديه.
لن تخجل منه اليوم... إذا كان تفنن في إظهار عشقه... ستريه هي كيف يكون عشقها.
اهتزت كل خلية في جسده بجنون حينما تجرأت عليه... بل فعلت ما لم يتخيله يوماً رغم تمنيه لهما تلك اللذة.
أهذا هو العشق... ما يحدث الآن بعيد كل البعد عن الشهوة حتى لو كانت حلالاً.
ما يحدث الآن... عبارة عن إرادة قوية داخل كل منهما... أن يكونا جسداً واحداً مثلما توحدت الأرواح.
وطبيب وجد حاله أكثر فجوراً وجموحاً... وضع توقيعه على كل إنش بها.
"ألهبتيني أيها الصغيرة... فلتتحملي نار... نار عشقي... رغبتي... طمعي... فالمزيد... فهل لشهدك القدرة على أن يطفئها؟"
بينما كان يحاول الوصول لأعمق نقطة يمكنه الولوج إليها... نظر لها بعينين ملتهبتين وقال:
"رايدك... رايدك يا حظي من الدنيا... نعيمي اللي ربنا رضاني بيه... لو كنت أقدر أشج صدري لجل ما تشوفي عشقك عامل في إيه جواتي كنت هعملها... يا قلبي وعجلي اللي طار بعد ما عشجتك يا رغد."
يا ليت اللحظات الحلوة تظل معنا دائماً... ولكن تلك هي الحياة.
بعد مرور أسبوع... عادت تلك الحية إلى أرض الوطن... وقد قررت استغلال رغد مرة أخرى كي تأخذ كل ما تستطيع الحصول عليه... وكلها يقين أنها لن تشي بها.
بينما كانت تبدل ثيابها... وجدت هاتفها يصدح برقم غريب.
ردت بهدوء:
السلام عليكم.
ابتسمت سحر باستهزاء ثم قالت:
لسه عايشة دور الشيخة يا رغد.
ارتعشت يدها الممسكة بالهاتف... احتل الرعب كيانها بعدما علمت هويتها... وهل لها أن تنسى صوت تلك المقيته التي أذاقتها من العذاب ألوان.
سحر:
واااه... الجطة أكلت لسانك ولا إيه... ههههه عرفتيني صوتي؟
رغد بصوت مهزوز:
إيه اللي فكرك بيا... رايدة مني إيه تاني... مكفاكيش كل اللي عملتيه فيا؟
سحر بغل:
لأاه... لو أطول هعمل أكتر من كده... واللي عايزاه منك هقولك عليه... بس خلي بالك... لو فكرتي تجولي لحد إني كلمتك... هخبر الكل باللي حصل... وخلي الثأر يتفتح تاني... أنا كده ولا كده بعيدة ومحدش هيقدر يوصلي.
صرخت رغد بقهر ودموع:
يا جبروتك يا شيخة... بعد كل ده راجعة تاني... أنا معنديش حاجة أعرف أديهالك يا سحر... سيبيني في حالي... بكفياكي عاد حرام عليكي.
صرخت بها في المقابل:
لأاه... عندك كتير قوي... لسه متنعمة في عز السوهاجية... وولدي اللي انكتب باسمك... لهفته ورثه في بطنك.
رغد بدفاع:
جسمي بالله ما أخدت حاجة... ولا حد اتكلم في حكاية الورث دي واصل.
سحر:
هصدجك... يبقى جه الوقت اللي تطالبي فيه بورثك انتي وولدي.
رغد بصدمة:
واااه... ليه طيب؟
سحر:
لحل ماخدته منك... مفكرة إني هسيب حقي؟
رغد:
أنا مقدرش أطلب شيء... وحتى لو عملتها... هتاخديه كيف؟
سحر:
أخده كيف ملكيش صالح... أنا هتصرف وقتها... إنما تجولي مقدرش يبقى ذنب كل اللي هيتقتل في رقبتك.
بكت بقهر وهي تقول لها بتوسل:
أحب على يدك... خليكي بعيد واحمدي ربك على اللي أخدتيه... أنا مقدرش أعمل اللي هتقولي عليه ده... حرااام عليكي... همليني في حالي.
ردت عليها بتجبر:
هسيبك يومين... يومين مفيش غيرهم فكري وردي علي... بس لو فكرتي إنك لو جولتي لحد على الحديث ده... يبقى انتي الجانية على روحك وروح عيلتك كلها.
وفقط... أغلقت الهاتف في وجهها وهي على يقين أنها ستخاف ولم تتفوه بحرف لأحد.
رواية عثمان و رغد الفصل الثاني عشر 12 - بقلم فريدة الحلواني
داخل مكتبه في مشفاه الخاص بالقاهرة... يجلس ليتابع بعض التحاليل لأحد مرضاته التي سيجري لها عملية ولادة قيصرية.
طرق الباب ثم فتح.
أطلت منه لمياء وهي تبتسم له وتقول:
ممكن آخد من وقتك خمس دقايق ولا هعطلك؟
رد بجدية متعمدة كي يجعلها تلتزم بالحدود الذي رسمها لها:
اتفضلي يا دكتورة... لو خمس دقايق مش مشكلة، لإن عندي عملية كمان نص ساعة.
كتمت غيظها منه بشق الأنفس وتقدمت لتجلس أمام مكتبه وهي تقول:
مش هعطلك يا عثمان.
نظر لها باستغراب لرفع الألقاب التي لم يسمح لها، فوجدها تكمل:
أنا بس عايزة أعرف إنت مش بتدخلني معاك العمليات ليه... غير إن أي شغل أو متابعة حالة بكون مسؤولة عنها بتخلي دكتور فوزي يتابعني... برغم إنك بتتابع بنفسك كل الدكاترة تقريباً.
ممكن أفهم ده موقف شخصي حضرتك أخدته مني... ولا أنا زعلتك في حاجة... أحب أعرف.
رد عليها بصرامة:
أولاً دكتور فوزي نائب رئيس مجلس الإدارة اللي هو أنا... طبيعي جداً يكون مسؤول مكاني بحكم عدم تواجدي باستمرار هنا.
ثانياً معتقدش إن علاقة الزمالة اللي بينا كدكاترة بنشتغل في نفس المكان توصل لدرجة إني آخد منك موقف شخصي... لإن أصلاً مفيش حاجة شخصية بيني وبينك... ولا هتبقى.
كاد أن يكمل حديثه الجارح بين سطوره كي يجعلها تفيق من هذا الوهم الذي تعيش فيه... إلا أن هاتفه صدح بنغمة خاصة.
ابتسم وجهه دون إرادة منه.
فتح الخط دون أن يعير من تراقبه بغل أدنى اهتمام... بل من الأساس نسيها بمجرد أن رأى اسم معشوقته.
رد عليها سريعاً وهو يقول:
حبيبي.
ابتسمت على الطرف الآخر، ولكن للأسف قبل أن ترد عليه سمعت صوت تلك الخبيثة تقول بتعمد وهي تتجه للخارج:
خلص بسرعة يا عثمان ومتتأخرش... هستناك برة...
و فقط... هرولت سريعاً للخارج دون أن ترى غضبه الذي تصاعد.
أما الأخرى... اصفر وجهها ثم اشتعل بنار الغيرة مما جعلها تقول دون تفكير:
روح لها يا عثمان... مش معقول تهملها...
و فقط... أغلقت الهاتف دون أن تعطيه حق الرد.
أما هو... جن جنونه... ظل يهاتفها كثيراً، ولكنها لم تعيره أي اهتمام كما يظن... لا يعلم أنها جلست تبكي بانهيار... فقد كانت تهاتفه كي تشجع حالها لتقص عليه ما فعلته أو طلبته منها تلك الحية... ولكن ما حدث... بمجرد أن سمعت صوت أنثى تذكر اسمه مجرداً من أي ألقاب وبتلك الطريقة التي أوصلت لها مدى تقاربها... جعل نار الغيرة تنهش صدرها... وهنا اختفى العقل... وصمت الأذن.
طرق فوق مكتبه بغضبٍ جَمّ حينما لم يتلقى رداً منها... ألقى هاتفه فوقه حتى كاد أن يكسر، ثم هرول للخارج بحثاً عن تلك الخبيثة التي تعمدت فعل ذلك.
سأل إحدى الممرضات عليها فدلته على مكانها.
دلف إلى الحجرة الخاصة بتجمع الأطباء... وبمنتهى التجبر قال لها أمام الجميع:
حالاً تكوني عند دكتور فوزي يعمل لكِ إخلاء طرف من المستشفى.
نظر لها بغضب ثم أكمل بمغزى فهمته جيداً:
وإكراماً مني... هخليه يسلمك شهادة خبرة مختومة باسم مستشفى السوهاجي... أعتقد تقدري تشتغلي بها في أي مكان... لأنك مبقاش لكِ مكان هنا...
و فقط... تركها وسط الكثير من التساؤلات من رفاقها، والتي لم تجد رداً عليها سوى الهروب ودموعها جعلتها لا ترى أمامه.
لن يقوى على المبيت بالقاهرة وهي ما زالت لا ترد عليه... بل أغلقت هاتفها نهائياً.
ولم يرد أن يحادثها عن طريق أخته أو أمه كي لا يثير التساؤلات.
اعتذر عن الحالات التي كان سيتولى فحصها وتركها لأحد الأطباء.
ثم اتجه بعد منتصف الليل إلى مطار القاهرة ليستقل الطائرة المتجهة إلى مدينته.
وصل قبيل الفجر وكل خلية بداخله تغلي غضباً...
سيربيها من جديد حتى تعلم من هو عثمان... سيعاقبها على عنادها ورأسها اليابس كما يقول دائماً.
توعد وأقسم ونوى... وكل هذا ذهب أدراج الرياح حينما وجدها تجلس أرضاً... واضعة رأسها بين قدميها... شهقاتها ملأت الأركان.
ضاع الغضب في تلك اللحظة... تنحى العقل جانباً كي يفسح مجالاً لذلك القلب الذي اعتصر ألماً وقلقاً عليها.
هي... انتفضت بجزع حينما أفاقها صوت الباب من تلك الأفكار السوداء التي غرقت بها منذ ساعات.
هو... انتفض رعباً على مظهرها الذي مزق طيات قلبه.
لن يفكر مرتان... بل اتجه سريعاً نحوها... ركع أمامها ثم قبل وجهها الباكي بحنان وقال:
ليه كلتي ديه... عم تبكي من وجتها يا جلب عثمان.
عقب قوله بالجلوس أرضاً وسحبها رغماً عنها ليحتويها بين ذراعاه...
زادت شهقاتها المقهورة حينما وجدته يملس على شعرها برفق ويقول:
ليه كلتي ديه... اهدي يا جلبي... بكفياكي بكي... عينك ورمت يا بويا.
ابتعدت قليلاً لتنظر له بحزن وتقول كلمات غير مترابطة، ولكنها كانت تذبحها وقت خروجها:
رغد: هي دكتورة صح... حلوة... هتلبس عالموضة... أني جاهلة... مليش بالدكتور... غدتني غصب صح... كت رايح وين وياها... جلبي مجهور... توي عرفت مجامي...
ااااا... أسكتها بقبلة ساحقة كي يمنع ذلك الجنون الذي احتلها... فصلها وقال بقوة:
كنك اتخبلتي يا رغد... مين دي اللي أطلع عليها وأنا جلبي مشافش غيرك.
أني شفتك بجلبي... وعشجتك بروحي... انتي مجامك عالي عندي... بكفاية إنك دوناً عن حريم الدنيا اللي جدرتي تهزي جلب الدكتور.
مرت علي نسوان أشكال وألوان... ولا وحدة لمست جلبي يا رغد... أما انتي... هزتيه... خلعته من موطرحه وطمعتي فيه لحالك.
برغم تلك النبرة الصادقة التي يتحدث بها... إلا أنها لم تصدقه... ما مرت به جعل بداخلها ندوباً لم تشف بعد... ورغم كبريائها المزعوم وعنادها... إلا أنها حقاً فقدت الثقة في نفسها... ولما لا ما مرت به ليس بالهين.
وطبيبنا كان يمتلك من الخبرة والحكمة ما يجعله يعلم ذلك ويشعر به داخل عينيها المهتزة بعدم تصديق.
أكمل بيقين:
لو عالجمال... شوفت كتير... ولو على العلام شوفت أكتر.
بس بياض جلبك وروحك الطيبة ماشوفتش ولا هاشوف.
أني عشجتك في وقت ما كنتش طايجك فيه... لما كنت أتوعّدك جواتي بأيام لون سواد شعرك.
أول ما أطلع في عينيكي... ألاقي جلبي عم ينخلع مني... حاولت أمسكه... أثبت فيها لجل ما يضل مكانه... بس كنتي أجوي مني... خدتيه وطمعتي فيه لحالك.
البصة في وشك بالدنيا وما فيها.
مهما سافرت وروحت وجيت... مبجيتش ألاقي حالي إلا جوات حضنك يا رغد.
لو بعد كلت ديه لسّاتك هتشكي فيا يبقى متستاهليش عشجي ليكِ.
ردت عليه شاكية:
حاسة حالي قليلة قوي عليك... إنت دكتور ورجل وكبير عيلة... والف مين يتمناك... وأني شوفت بنات مصر وحلاوتهم... وخلجاتهم... انهاردة بس افتكرت إني جاهلة... مكملتش علامي...
بكت بقهر نابع من غيرتها عليه وخوفها من تلك الخبيثة:
أني خايفة... خايفة في يوم تزهجي مني... أو يحصل شي يبعدك عني... أني مجدرش أبعد عنيك صدقني... والله ما هجدر.
ضم وجهها بحنان وقال:
وإيه اللي يخليكي تبعدي بس... ربنا ما يجيبش بعاد.
رغد: الدنيا وعرة قوي... خايفة تفرجنا... تبجي جاعدة وراضي بحالك... تلاقي اللي ييجي ينغص عليك عيشتك ويستكترها عليك.
شعر بداخله أن حديثها وراءه شيئاً ما... لن يسألها... بل سيتركها تقص له ما حدث بإرادتها... وبأسلوبه معها.
أراد أن يخرجها من تلك الحالة فقال ممثلاً الغضب المازح:
بعيداً عن كل اللي عم تجوليه ديه... أني هملت شغلي وكت جاي أطربق الدنيا فوق نفوخك اليابس ديه... جلبتي الطربيزة عليكي وبقيت أني اللي عم أراضيكي... ينفع أكده.
اشتعلت بداخلها الغيرة مرة أخرى فقالت بجنون:
هملت شغلك... ولا الغندورة المصراوية.
ضحك بصخب وهو يرد بمزاح وفرحة:
واااه يا بويا... دانتي غيرتك وعرة قوي... تطلع لها بعشق ثم أكمل:
هتغيري على صح يا رغد.
ردت بصدق:
مالخلجات اللي عم تلبسيها... من كلت الناس اللي حواليك... ربي يعلم الليلة اللي بتقضيها ويا عيشة بيكون حالي إيه.
بحاول أصبر نفسي وأقول حجها... انتي اللي خدتيه منها... بكرة هيكون جوات حضنك وتشبعي منه وتعوضي غيابه.
وياجي بكرة... ولا بجدر أشبع... ولا بجدر أنسى إن بكرة عم تكون في حضن غيري.
بموت من الغيرة... بس بردك لازم أتحمل... لما عم تغيب... بتاخد جلبي وياك... بلاقي روحي فاضية ملهاش معنى... لحدت ما تعاود تاني.
وجتها بقول لحالي... توك جلبك عاود موطرحه يا بت العبايدة.
ما أحلى حديث يخرج من القلب ليصل بكل صدق إلى قلباً آخر متلهف شوقاً لسماع المزيد.
حاوطها بقلبه قبل ذراعاه... احتواها بروحه قبل ضلوعه... طمأنها بجموحه لا بمجرد حروف.
ولكن... رغماً عنه حروف من نور خرجت منه وهو يعزف معها أجمل أنغام العشق... جعلت منهما تناغماً رائعاً مثل فريق موسيقي يعزف خلف مغني صوته عذب.
بعدما انتهيا معاً... وبمنتهى الغباء... في وقت لا ينفع فيه هذا السؤال.
كان يحاوطها تحت ذراعه وهو ما زال متمدداً معها فوق الأرض، إذ أنه لن يجد لديه حتى الوقت ليتحرك تجاه الفراش... كان جموحه أكبر من أن يضيع لحظة واحدة.
تصلبت يده التي تعبث في خصلاتها المشعثة حينما سمعها تقول:
هو ورثي وورث رحيم كد إيه؟
هنا... تيقن مغزى حديثها منذ قليل... أحيا نفسي بل أرفع لها القبعة على ذكائي بل الأهم... شعوري بها فهمها بسهولة.
سحب جسده للخلف كي يستند على الفراش... سحبها معه... وضعها فوق ساقه.
نظر داخل عينيها التي اهتزت قلقاً ورعباً وهي تلعن لسانها المنفلت.
ولكنها تفاجأت به يقول بطريقة خرجت منه طبيعية:
كتير... وجوي كمان.
أكمل بخبث لم تلاحظه:
لساتني كنت عم بتحدث ويا المحامي لجل ما يجهز الوصايا على رحيم... وأحسب نصيبك كد إيه وأحطهولك في البنك.
رغد بذهول:
إنت عملت كلت ديه من غير ما أطلب منك... يعني ما زعلانش مني؟
عثمان بمهادنة كي يصل لمبتغاه:
واااه... هو الحج بيزعل يابت الناس... أني لقيتك مش سائلة جولت أتصرف.
أني بس المشكلة في رحيم.
رغد بعدم فهم:
كيف ديه؟
عثمان بمكر:
رحيم مش ولدك يا رغد... وأني عمه اللي هبقى وصي عليه... خايف الخاينة دي تظهر في أي وقت... وتجول الحقيقة لجل ما تاخد الواد.
تعبت حقاً بداخلها وقالت دون تفكير:
لااااه... ديه ولدي... أني اللي ربيته وتعبت وياه من أول ساعة اتولد فيها... وهي أكيد مش هتفكر تاخده... هي بس هتطمع في حاجة... تغور بيه بس تسيب الواد.
هو اقترب بحنكة لمراده.
سألها بهدوء:
وإيش خبرك انتي... هي كلمتك ولا انتي بتجري الغيب اياك؟
تأكد... بل تيقن أنها تخفي شيئاً يخص تلك الحقيرة حينما اهتزت حدقتاها يميناً ويساراً وهي ترد عليه كذباً على نصف سؤاله الأول فقط:
لااااه... لااااه... هتكلمني كيف بس... أني مليش صالح بيها... لااه مهتجدرش تكلمني... ولا حتى تهددني بشي.
صفق لنفسه إعجاباً وفخراً... فقد فهم ما حدث أو استشفه بمنتهى البساطة.
ولكن ما أحزنه هو... مداراتها عليه... ولكن بعيداً عن العاشق الذي يختلق أعذاراً دائمة لحبيبه... كانت الحكمة هي أساس تفكيره... لن يغضب منها قبل أن يسمع لما فعلت هذا... يعلم أن أمامه طريقاً طويلاً كي يزيل الخوف الذي زرع بداخلها... ويضع مكانه أماناً نابعاً من ثقتها به.
غير مجرى الحديث فجأة حينما بدأت يده تعبث بجسدها وهو يقول ممثلاً الغضب الذي ينافي ما يفعله الآن:
المهم دلوك... أني زعلان منكِ... ومطايقش أطلع في وشك اللي كيه البدر ديه... هتصالحيني وإلا أبات غضبان والملايكة تلعنك طول الليل... قصدي لحد الضهر.
نظرت له بذهول وقالت بصوت لاهث متأثراً بما يفعله:
واااه بعد كلت ديه...
أمسكت يده لتوقفها عما تفعله وأكملت:
واللي لسّاتك هتعمله... طيب كيف؟
رد ببراءة وقحة:
جلبي هو اللي كان رايدك ومقدرش يمسك حاله عنيكي... دلوك عقلي زعلان وعايزك تصالحيه... راعي إني جاي من سفر وعاملت مجهود... دورك بقى تفكلي جثتي اللي اتخشبت من هرس الأرض ديه.
خرج معها صباحاً من جناحهما ويداهما متعانقتان كعناق قلبيهما العاشق.
تنير الابتسامة وجهيهما... ولكنها اختفت حينما وقفت عائشة فجأة تقطع عليهما الطريق.
من نظراتها المعاتبة لحاله وشعر بتأنيب الضمير.
أما هي فقد تطلعت لهما بغير وحقد تملك منها وظهر على صوتها جلياً حينما قالت:
رايدك في كلمتين يا واد عمي.
هز رأسه بتفهم ثم التفت إلى تلك الغيورة وقال برفق:
اسبقيني على تحت وأني هحصلك يا رغد... حينما رأى عينيها المشتعلة تركها وهرب سريعاً مع الأخرى... حتى لا يضعف أمامها ويراضيها قبل الآخر.
بعدما أغلقت الباب... نظرت له بحزن وقالت:
هتوقف جدام ربنا نصك مايل يا واد عمي.
عثمان: ليه أكده... أني قصرت معاكي في شي يا عائشة؟
عائشة: فيها إيه زيادة عني لجل ما تعشقها وأني لا.
كاد أن يرد عليها إلا أنها أكملت بغضب:
أوعاك تنكر... أطلع لحالك وأنت وياها... شوف عينك عم تبرج برج وهي قدامك... جيت على كتير... مرة اتحرجت وهبات وياها... ومرات كتير تهمل شغلك وتعاوود نص الليل ليها... وأني صابرة وساكتة وأقول يا بت... الغربال الجديد ليه شدة... انتي الأساس... بكرة يزهج منها ويعاود ليكِ.
بس طلعت كيه الحية... لفت عليك وسحبتك عندها كي ما عملت جبل سابج ويا خوك.
كل ما قالته لها كل الحق فيه... إلا أن تنعتها بتلك الصفة... وغيرته العمياء رفضت أن تذكره بأخيه الراحل حتى وإن علم الحقيقة.
قاطعها صارخاً:
لحدت أهنه... ووقفي... أوعاكي تزيد كلمة تانية... رغد مرتي... مهجبلش تجولي عليها كلمة شينة... كيف ماني مهجبلش عليكي الهوا.
جولي لي متى قصرت وياكي... من أول يوم جوازي منها... كنت كل يوم بكون وياكي جبليها... انتي اللي أخدتي حقها الأول... ولما فوقت لحالي... ولجل ما أقف جدام ربنا نصي مايل كيف ما جولتي... بدأت أعدل... يومك ليكي لحالك... ويومها ليها لحاله.
ولو على مرة أو تنين بيت وياها في يومك كان لظروف مش بالمزاج... وكنت بعوضك بعديها.
أوعاكي تكوني مفكرة إني مش واخد بالي من طلباتك اللي كل يوم عم بتزيد... هاتلي خلجات وأنت معاود من مصر... حاضر... في حتتين دهب عاجبيني... حاضر.
كأنك هتجولي لحالك أطول اللي أقدر عليه... أحسن مني ولا هتاخدي تمن سكوتك على جوازي.
اهتزت عيناها خجلاً لصحة حديثه فأكمل:
كلت ديه مهيفرجش معايا... لكن تتهميني إني ظالم... دي اللي مهجبلهاش واصل يا عيشة.
بكت وهي تقول:
عنديك حق... بس لو جبت لي الدنيا كلياتها تحت رجلي... مهيكفنيش يا عثمان... أني رايدة جلبك... رايداك تطلع علي كيف ما بتطلع عليها.
ولأنه رجل... ولأن ما تطلبه ليس بيده... وجب عليه مراعاتها.
ضمها لصدره بحنان... قبل رأسها برفق ثم قال:
يا بت دانتي بت عمي وأول بختي... وأم عيالي كماني.
عائشة بقهر:
بس مش حبيبتك يا عثمان.
رد عليها كذباً ولأول مرة يشعر بداخله أنه خائن:
دانتي الغالية يا عيشة... انتي خبراني مليش في الحديث المزوح ديه... بس ليا في الفعل... وأني هثبتلك دلوك غلاوتك عندي.
وبينما الطبيب المسكين يحاول أن يثبت ما قاله فعلاً.... كانت رغد تغلي كالمرجل بعد أن اشتعلت نار الغيرة بداخلها.
وقفت داخل المطبخ تقطع بعض الخضروات بغل... بل كانت تتخيل أنها تقطع يداه التي تلمس غيرها.
نظرت لها نرجس بخبث وقالت:
الغيرة وعرة قوي يا بويا.
انتبهت لها بغضب... رفعت السكين أمام وجهها وقالت بجنون:
نرجس... متخلينيش أشج بطنك اللي عم تتهز وأنتي كاتمة الضحكة... أني ماشيفاش جدامي... بعدي عني أحسن لك.
هنا ولم تتمالك نرجس حالها إذ أطلقت ضحكاتها التي كانت تحاول أن تكتمها... هرولت إلى الخارج بخوف حينما ألقت عليها تلك المجنونة إحدى الأواني كي تخرج غضبها منها.
ولسوء حظها مالت إلى الأسفل فارتطمت بكتف طبيبها الخائن كما نعتته.
عثمان بوجل:
واااه هي الحرب جامت أهنه ولا إيه؟
نرجس بضحك:
مرتك جنت على الآخر يادكتور الحجة.
نظر داخل عينيها المشتعلة وقال:
مرتي ست العاجلين يا مخبلة انتي... غوري من أهنه.
اقترب منها ممثلاً الخوف وهو يقول:
مالك يا جلبي فيكي حاجة؟
ستقتله... حقاً ستمزق قلبه... أم تفصل رأسه عن جسده... لا الأفضل أن تقطع يداه التي مست غيرها.
ظلت تتخيل ما تريد فعله به ولم تشعر إلا وهو يحاوطها من خصرها ويقول باعتذار دون مواربة:
حجك علي جلبك.
نظرت له بغضب جَمّ... دفعته في صدره بقوة.
صرخت به:
جاك وجع في جلبك يا جوز لتنين....
و.... ماذا سيحدث يا ترى؟
نرى.
رواية عثمان و رغد الفصل الثالث عشر 13 - بقلم فريدة الحلواني
خاصمته باقي اليوم، ظلت تتقلب على جمراً ملتهب، وكلما حاول أن يتصل بها ترفض المكالمة.
حسناً، قد أفرط في دلالك صغيرتي، وجاء وقت تقويمك.
فاليوم التالي، والذي من المفترض أن يبيت معها، لم يتصل بها طوال اليوم.
تحملت رغم غضبها، ولكن ما ظنت حالها أنه سيبدي ندمه واعتذاراته الكثيرة حينما يبيت معها ليلاً، لن يغفو إلا بعد أن يراضيها، هذا ما اعتمدته.
ولكن طبيبنا، لا يتوقعه أحد.
قضى اليوم بشكل طبيعي، ولكن لم يغرقها باهتمامه ولا نظراته العاشقة في الخفاء.
وجاء الليل، استعدت وتسلحت بغرورها لصد كل محاولات الصلح التي سيقوم بها.
ولكن ما حدث جعلها تصدم حقاً.
دخل إلى الجناح بمنتهى الهدوء، ملامحه هادئة، لن يكلف نفسه عناء النظر إليها.
توجه إلى خزانة الثياب الخاصة به، أخرج منها بعض القطع، توجه إلى المرحاض ثم أغلق بابه.
تطلعت ببهوت نحوه، هل تجاهلها؟ لن ينظر إليها حتى.
حسناً أيها الطبيب، ستأتي إلي رغماً عنك.
خلعت عنه روبها كي تظهر فتنتها، قررت محاربته بأسلحتها الأنثوية، سنرى إن استطاعت.
ظلت منتظرة بغيظ إلى أن سمعت صوت إغلاق مرش المياه.
تحركت سريعاً تجاه الخزانة، تصنعت العبث بها إلى أن فتح الباب.
وطبيب النساء، رغم جنونه بمظهرها المهلك، إلا أنه يحفظ عن ظهر قلب تلك الألاعيب.
حد بنظره بعيداً عنها سريعاً حتى لا يضعف.
اتجه بهدوء ناحية المرآة، وقف يمشط شعره بهدوء.
جلس فوق الأريكة بعد أن تناول جهاز اللاب توب الخاص به، وأخيراً ارتدي نظارته الطبية وبدأ يشاهد شيئاً ما، وكأنه جالس وحده.
أما هي، حقاً لم تقو على التحرك.
كل توقعاتها فشلت، ناهيك عن مظهره الرجولي، خاصة بتلك العدسات التي ما زادته إلا وسامة جعلتها تريد الارتماء بين يديه.
يعلم الله كيف تمالك حاله كي لا يملأ الدنيا ضحكاً على زهولها.
أيها الخبيث، قرأت ما تنوين، وأحبطته.
قررت الانفجار، لن تصمت، ستخرج نارها كي تحرقه بها.
وقفت أمامه بغضب ثم قالت: إني أريد أن أنام.
لم يرفع عينه من الشاشة، بل رد ببرود: وأنا حاشك إياك، إني فتلك السرير كلاته، برطعي فيه على راحتك.
صرخت رغد بجنون: نور الكمبيوتر مضايجني، طفيه.
رفع عينه بتمهل، تطلع لها بتقييم، عاد ببصره دون رد.
وما زادها هذا إلا اشتعال.
صرخت رغد بصوت أقرب للصراخ: هو أنا مش بتكلم وياك! أجفل الزفت ده ورد عليا.
لم يغلقه، بل كاد يهشمه وهو يلقيه جانباً.
انتفض بغضب مما جعلها تعود للوراء رعباً من مظهره.
لحق بها سريعاً ممسكاً بذراعها بقوة ثم قال بنبرة حقاً جعلت جسدها يرتعش: أوعاكي تفكري تعلي صوتك علي يا بت العبيدي.
أنا جوزك، كيف ما بحترمك، وجب عليكي احترامي، سامعة.
دمعت عيناها من ألم ذراعها وقالت بحزن وخوف: إني بحترمك، بس أنت لما أتكلم وياك ومتعبرنيش يبقى إيه.
ضغط على ذراعها أكثر وقال بعتاب غاضب: مردتش عليكي مرة، وأنا قاعد وياكي، أما أنتِ، بقى لي يومين بطلع وأدخل، مفكرتيش تطلعي فيا حتى.
اتصلت بيكي كام مرة، ولا هان عليكي تجولي أرد يمكن رايد حاجة ولا فيه شيء.
بكت بغيرة وهي تقول: مش كنت زعلانة منك، مكنتش طايجاك، كل ما أشوف اسمك ألاقي النار عمتنهش في روحي، ومكنتش رايدة أطلع عليكِ لجل ما أمسك روحي ومجتلكش.
نظر لها بذهول ثم قال: تجتليني، ومش طايجة اسمي، كأنك أجننتِ إياك، ليه قلتِ ديه يا مخبلة أنتِ.
ألقت رأسها فوق صدره، أجهشت في البكاء وهي تقول: قلبي جايد نار من غيرتي عليك، عقلي هيشِت مني كل ما أتخيل عملت معاها إيه.
أنت كنت لسه معايا، لمستني، عشقتني، كيف بعدها تلمس غيري، ولا حتى تجولها حديث كيف اللي بسمعه منك.
أتجننت، شهقت بعنف ثم أكملت بحرقة عاشقة: مجدرش أتحمل، والله ما جادرة، عشجك اتملك مني، بقيت رايدة أقفل عليك الباب ومتشوفش حد غيري واصل، جولي كيف أعملها دي لجل ما أريح قلبي يا دكتور.
طبيبها يشعر بها، ولما لا؟ وغيرته عليها تضاهي ما تشعر به، بل تزيد أضعافاً.
ضمها بحنو قوي، رفعها بتمهل ثم تحرك بها تجاه الأريكة.
جلس وهي مازالت متشبثة به.
أبعدها برفق، اقترب بوجهه كي يجعل من شفتيه منديلاً ناعماً يجفف به دموعها.
الآن، يحتويها بعشقه أولاً، ثم يعلمها ويعرفها خطأها برفق.
بعد أن جفف دموعها، قبل عيناها باعتذاراً على خطأ لم يرتكبه.
كادت أن تبتعد إلا أنه تحكم بها بيداه الفاجرة، من بين قبلاته التي التهمت ثغرها، ومن بين لمساته التي ألهبتها.
وبرغم جموح جسده الذي كان قاسياً في ضمها إليه، بل وإدخالها بين ضلوعه، ولاول مرة طبيبها يكون عنيفاً معها لدرجة ألمتها.
لكنه حقاً لم يستطع تمالك حاله، قد فعلها كثيراً من قبل، ويعلم الله كم كان يحارب نفسه كي لا يطلق جماح عشقه فوق جسدها.
جسدها أصبح يحركه ويقلبه مثل الدمية بين يديه الماجنة.
وبداخله يقول: إذا كان لساني عاجزاً عن إخبارك بمدى عشقي لكِ، فلا تترك جسدي يخبرك.
علاماتي فوق نهضيك ستخبرك ما أكنه لكِ، جموحي بكِ داخلك، سيخبرك ما أشعر به تجاهك.
أردتِ إثباتاً لعشقي، فلتتحملي، لن أستطيع كبح شوقي ورغبتي بكِ أكثر من ذلك.
دللتك كثيراً صغيرتي، خفت عليكِ مني، إذا كان هدوئي خدعك، فلتتحملي ناري.
وصغيرته، رغم رغبتها به، إلا أنها كانت حقاً تشعر بصدمة مما يفعله، لم يكن يوماً معها بتلك الطريقة.
انتهت نوبة الجنون، لا أعتقد.
تمسك بها بقوة، نظر داخل عيناها بثبات، لم ينسيه غضبه وجنونه تلك القبلة الممتنة التي يهديها لها بعد كل لقاء.
عثمان: من أول ما لمستك، كنت بحارب حالي لجل ما ألجم نفسي عنيكي، عشقي كيف الإعصار يا رغد، لو طلع هياخد في طريقه الأخضر واليابس.
كنت بحارب لجل ما أكون هادي وياكي، ما كنت رايد أخوفك مني.
بس أنتِ، ما خليتيش جدامي فرصة ولا جدرة أني أتحكم في جنوني بيكي.
اللي حصل ده، نقطة في بحر عشقي ليكي، رايد أقطعك وأكلك وكل، هتجنن، ما جادرش أمسك حالي عنيكي، رايد أضل وياكي ليل نهار، ما جادرش أبعد عنيكي ولا أكون ويا غيرك.
يعلم ربي اللي بيكون جواتي وأني بعيد عنيكي.
أني بين المطرقة والسندان يا بت العبيدي، مطرقة ضميري اللي عمت يجلد فيه، وخايف أظلم حد ملوش ذنب في عشقي ليكِ.
وبين قلبي اللي عمت ينهش فيه وأني مع غيرك، عمت يجولي كلمة واحدة: هتخوني رغدك يا دكتور، جدرت تلمس غيرها، جدرت تطلع لغيرها.
وعقلي بيفكرني بظلمي، مرايدش أقف قدام ربنا ونصي مايل يا حبة الجلب، ساعديني أكون عادل.
بس بردك كيف هعدل وإني بجيت كلي وياكي.
أنتي ملكتي قلبي وعقلي يا دكتورة، الدنيا والآخرة اللي ربنا كرمني بيه.
مش مكفيكي كل ده، طمعانة كماني في كلمة بقولها لجل ما أراضي وحدة ملهاش ذنب إني عشقت غيرها.
برغم إنها خابرة زين من الأول إنها بالنسبالي مرتي وبت عمي وأم عيالي وبس، بس كانت عايشة وراضية، كنت ليها لحالها.
لكن دلوقتي، مبقاش ليها شريك فيا وبس، لااااه، الشريك سرقني كلي منها، سابلها بس جسم من غير روح، ف الظاهر بيكون وياها، ومن جواه، فاضي ما فيهوش شيء.
لأن عقلي وقلبي في حتة تانية، مع واحدة تانية، والست هتحس برجالها حتى لو مكنتش عشجاه.
أكلتِ ديه وأنتِ اللي زعلانة يا بت العبيدي، ورايدة تعاقبيني.
اوعااااكي تاخدي من البعد عقاب، وجتها نار حرقتني منك هتحرقك أنتِ، وأنا هرمي حالي في النار وياكي، ماني حتى النار مهاملِكش فيها لحالك.
ماذا تقول، بماذا تنعت حالها، كل سباب العالم لن يطفيء نار غضبها من حاله.
لم تكن تعلم أن كل هذا بداخله.
لن تجد كلمات تليق به.
أمسكت كفه برفق، طبعت فوقه قبلة شغوفة معتذرة، نظرة يملأها الأسف، واعتراف خرج من قلب صغير يحمل عشقاً فاق الحدود.
رغد: حقك على راسي وقلبي، إني معرفش أتحكم في حالي كيفك أنت، قلتِ ديه جديد علي، أول مرة أعشق، أول مرة أتمنى راجل، وأول من لمسني كنت أنت.
بجيت شبه كيف الفرس العمي، بتخبط في الكل أول ما تسمع صوت صاحبها.
عشجك عماني عن الدنيا، مبجيتش جادرة أشوف غيرك.
وأني جاهلة، جاهلة في العشق، وجاهلة في الجواز، وجاهلة في كل أمور الدنيا، بس اللي أنا عارفاه وحافظاه أكتر من اسمي، إني بعشقك يا طبيب قلبي اللي عمت تداوي فيه.
وأني بكل غباء عم بوجعك من غير ما أحس، أجولك أنت صح، إني بجرة.
بعد أن كان مندمجاً بل ومستمتعاً بحديثها المعسول، أطلق ضحكة رجولية أهلكت قلبها الصغير، قبلها بعنف مازح ثم قال: أحلى بجرة.
قضى معها ليلة كانت حقاً بدايتهم معاً، ترك جموحه يخرج للعلن، وهي تخلت عن خجلها تمام، بل كانت معه مثل فتاة الليل التي تريد إرضاء رجلاً حتى يغرقها بأمواله بل ويرغب في العودة لها مرة أخرى.
وكل هذا كان بتوجيهات من طبيب النساء، الذي قرر أن يجعل منها أنثاه، العاهرة، له وحده، فقط.
ويأتي صباحاً مشرقاً، ولكن ماذا يحمل لنا؟ سنرى.
أجمل ما يميزه، أنه يعطي كل شيئاً حقه، عقله مرتب، أفكاره وقراراته متراصة باحترافية، يخطط وينفذ دون أن يشعر أحداً ماذا يفعل.
وبينما كان يعمل بجد داخل مكتبه، ونبه على الجميع ألا يقاطعه أحد.
جاءه الاتصال المنتظر منذ يومين.
رن هاتفه باسم الرجل الذي يعمل في إحدى شركات الهواتف المحمولة.
رد سريعاً: إيه الأخبار، ما غبتش عليا المرة دي، عفارم عليك.
الرجل: أصل المرة دي غير، أنت طلبت سجل مكالمات لسه حاصلة من أسبوع، يعني الوقت قريب، فكان سهل إني أجيبه يا باشا.
عثمان: ابعتهولي على الواتس دلوقتي وانتظر مني مكالمة كمان عشر دقايق.
بالفعل أرسل له الأرقام، والتي لم تكن كثيرة.
رقمه يعلمه، رقم أختها مسجل لديه، وأبيها أيضاً.
دقق النظر في ذلك الرقم الوحيد الذي يجهل هوية صاحبه.
ابتسم بخبث ثم أعاد الاتصال بالرجل، وبمجرد أن جاءه رده قال: هبعتلك رقم، اعرفلي مين صاحبه وهاتلي تسجيل المكالمة، بسرعة.
الرجل: وأنت معايا هقولك متسجل باسم مين، بس التسجيل، أديني ساعتين بالكتير وابعتهولك.
بعد أن أملأه اسم صاحب الرقم، أغلق معه وهو يشعر أنه يريد أن يقتل أحداً.
نظر للورقة التي دون عليها الاسم وقال بجنون: حاتم عبدالمجيد الولي، مين ده؟ وإيه صلته بيكي يا رغد؟
لن يترك نفسه للشيطان، بل سيغلق بابه ويستغل الوقت المتبقي لاستلام تسجيل المكالمة.
فالبحث عن هوية صاحب الاسم.
أمسك هاتفه وهو يشعر بنار حامية تحرق أحشاءه، ليس شكاً بها أبداً، بل غيرة وسؤال يجب أن يعرف إجابته.
هل حادثت رجلاً حقاً دون أن يعلم؟
وربه الكريم كان رحيماً به، إذ بمجرد أن فتح موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، دون اسمه في خانة البحث بعد أن سجل الرقم، ظهر له في أول الاقتراحات.
اطلع على صفحته الشخصية، والتي علم منها أنه من أكبر رجال الأعمال، يمتلك كثيراً من شركات المقاولات.
ظل يجمع كل ما يستطيع من معلومات، حتى أنه احتفظ ببعض الصور التي وجدها.
وبينما كان غارقاً في أفكاره، وجد من أصابته بالجنون تدخل عليه بابتسامة مشرقة، وبين يديها صينية وضعت عليها قدحاً من القهوة وكوباً من الماء.
رغد: جبت لك فنجان قهوة يظبط دماغك.
تطلع لها بغموض لم تلاحظه ثم قال: تسلم يدك، بس أنا ما طلبتش قهوة، كل اللي طلبته محدش يقاطعني.
ردت عليه بدلال وهي تزقه بكتفها داخل صدره: بس أنا مش أي حد يا دكتور، أنا رغد الدنيا والآخرة كيف ما جلتلي.
بعدين مهانش علي إهمالك تشتغل من غير جهودك.
لف ذراعه حول خصرها وقال: جولي إني اتوحشتك طوالي، مش لازمن كلت ديه.
نظرت له بعشق وقالت: مش اتوحشتك بس، أنا هموت عليك، قلبي مهيطمنش إنك معايا ومن حقي، غير لما أطلع عليك، وأشوفك قدامي.
ملست على ذقنه الخشنة وأكملت: وألمسك بيدي، أشوف روحي جوه عنيك، وجدتها بس قلبي هيهدى.
نظراته العاشقة ملأها الحيرة، إذا كنت لكِ كل هذا، فلما تعذبيني بنار الحيرة والغيرة.
رد عليها بمغزى لعلها تفهم ما بين السطور: أنا واثق من كلت ديه، خابرة ليه.
نظرت له بتساؤل فأكمل: لأني لو شكيت فيكي واحد في المية، هتغابه عليكي، ولو قلبي جالي أحن عليكي، هطلعه من صدري وأحطه تحت رجلي.
أهم حاجة الثقة يا رغد، هي اللي بتقوي الحب وبتكبره، من غيرها الحياة هتبقى جحيم، محدش هيقدر يتحمله.
ارتعش جسدها رعباً بعد حديثه، تطلعت إليه باهتزاز، وقلبها يحسها أن تخبره عما حدث وما يقلقها.
ولكن ليس دائماً يكون الوقت في صالحنا.
قبل أن تجد رداً مناسباً على ذلك الحديث المبهم، سمعت صوت هاتفه يصدح.
وبمنتهى الغباء وجدتها حجة كي تهرب من أمامه الآن، مقررة أن تطلعه في وقت لاحق على ما حدث معها.
والطبيب أغمض عينه بقهر من هروبها بعدما سمعها تقول بصوت مهزوز: هسيبك لشغلك وأبقى أطمّن عليك كمان شوية.
وفقط لم تمهله الفرصة للرد، بل هرولت سريعاً تجاه الباب الذي بمجرد أن خرجت منه وقامت بإغلاقه، وضعت يدها فوق قلبها لتهدأ.
انتفضت بوجل حينما سمعت عائشة تقول بغيظ: مش هتبطلي حركاتك دي، ليل ونهار عمت تشاغل فيه.
لأول مرة لا تلقي بالاً لكيدها أو لرد الصاع صاعين.
بل قالت ببهوت دون أن تشعر بما يخرج منها: حقك علي يا أختي، إني كنت بدخله القهوة.
وفقط تركتها كي تصعد غرفتها وتختلي بحالها كي تفكر جيداً فيما يجب عليها فعله.
أما بالداخل، كان عبارة عن كتلة من نار، وجهه تحول إلى اللون الأحمر القاني، عيناه ينطلق منها شرارات الجحيم.
يجز على أسنانه بغضب حتى كاد أن يحطمها وهو يستمع لتلك المحادثة، والتي علم منها هوية المتحدث مع زوجته المصونة.
زوجته التي لم تعتبره رجلاً بالقدر الكافي الذي يجعلها تشعر معه بالأمان وتتخذ منه درعاً صلباً يحميها من تلك الحقيرة.
خافت منها؟ هل حقاً كذلك؟
لن تسمي رجلاً يا ابن السوهاجي يوم أن تشعر امرأتك بالخوف من أحدهم وأنت على قيد الحياة.
أغلق التسجيل بعد أن استمع إليه جيداً، نظر أمامه وكأنه يرى شياطين الأرض.
لا، بل شياطين الأرض جميعها تلبسته الآن وهو يقول: ......
ماذا سيحدث يا ترى؟ سنرى.
رواية عثمان و رغد الفصل الرابع عشر 14 - بقلم فريدة الحلواني
اتقي شر الحليم إذا غضب. جملة سمعناها كثيرًا، ولكن لا نفهم معناها الحقيقي إلا إذا رأينا شخصًا يتسم بالهدوء والحكمة والرصانة يصبح في قمة غضبه. وقتها حقًا تصبح الرؤيا معتمة أمامه، فلا يرى غير أفكاره السوداء التي صورها له عقله.
يعلم الله أنه حاول كثيرًا ألا يصعد لها ويكسر رأسها اليابس. ظل يأكل حاله طوال ساعة كاملة، يمنع نفسه عنها. ولكنه رجل، وأكثر ما يؤلمه أن يجرحه أحدهم بالتقليل من رجولته. فما بال إن كان هذا الشخص هو حبيبته التي عشقها حد الجنون.
حتى حينما أقسم على الانتقام منها في بادئ الأمر، لم يفعل معها شيئًا يذكر. بل صدق حدسه أنها بريئة من ذنب أخيه. سار ورائه حتى أثبت صدقه. لم يفعل معها ما يخيفها منه، بل فعل كل ما بوسعه كي يكسب ثقتها ويشعرها بالأمان. ولكن... فشل.
عند تلك الكلمة، والتي لم تكن موجودة في قاموس عثمان السوهاجي، توقف عقله عن العمل. تحرك سريعًا للخارج، ومنه إلى الأعلى. دفع الباب بقوة أرعبتها. علمت من مظهره الإجرامي أنه علم سرها. لم يكن لديها الوقت أن تفكر كيف علم بذلك، أو هو لم يمهلها هذا الوقت.
انقض عليها مثل الثور الهائج. صرخت بألم ورعب حينما لف خصلاتها الطويلة حول يده. أمسك وجهها بعنف كي يجبرها على النظر له وقال بغل: "اطلعي علي... اطلعي علي يا بت العبايدة. شيفاني مش راجل جدامك."
شد على خصلاتها دون أن يهتم ببكائها المرير، وأكمل بغضب: "مامليش عينك صوح. خوفتي من واحدة فاجرة هجيبها تحت رجلي وأقطع منيها جزل. ماعرفش أحميكي. انطجي، ليه خبيتي علي؟"
ما كانت تفعله هو محاولة هز وجهها المتحكم فيه بيده القابضة عليه، كي تنفي كل ما يقوله. صاح بغضب وهو يتحكم بحاله بصعوبة كي لا يضربها: "انتي خوفتي منيها صوح؟ مفكرتيش إن معاكي راجل يجدر يحميكي صوح؟ يبجي متلزمنيش. المرأة اللي تجلل مني لو كنت هموت من غيرها، متلزمنيش."
اتسعت عيناها بذهول. لا تصدق أنه سيتركها. انهمرت دموعها، انهارت وحاولت الرفض بصعوبة: "لااااه."
ترك وجهها، وقبل أن يتفوه بحرف كانت تتوسله قائلة: "أحب على يدك. جسماً بالله كنت هقولك."
تركها وابتعد كي لا يضعف من انهيارها، وقال بحسم: "كنتي، وإيه اللي منعك؟ خلاص يا رغد."
اقتربت منه وقالت بجنون: "لااااه، مفيش حاجة خلصت. إني خوفت مهكدبش عليك، بس فكرت وجولت لازمن تعرف. كنت مستنية تخلص شغلك وأقولك، والله صدقني يا عثمان."
عثمان: "خابرة. إني توك عرفت إني أهون الناس عليك."
هزت رأسها بهستيريا رفضًا لما قيل. لم يهتم وأكمل: "هي دي الحجيجة. إنتي خوفتي لينفتح الثأر من جديد. ضحيتي فالأول لجل ما تحافظي على عائلتك ومتخسريش حد منهم. وضحي تاني بجوازك مني، بردك لجل عيونهم. ولغيتي رجولتي لجل خاطرهم. عجلك الغبي مخليكي تبصي تحت رجليكي وبس. لو بتفكري صوح هتلاقي إن هما اللي هيبجي ليهم ثأر عندينا. ولدنا هو اللي خد بت عمك. هيخلصوا عارهم كيف يا رغد؟ بلاها كل دي. رحيم، اللي بتحاولي ولدك، مفكرتيش فيه؟ كيف هيضل مكتوب باسمك؟ لو خلفتي مني بت، هيكبروا على إنهم أخوات صوح. مهيحضنش خيته، مهيجلعهاش. شكلة دي حرام لأنها بت عمه مش خيته يا رغد. طب كيف تتحل؟ كيف الناس تعرف إنه مش ولدك لجل ما ينفعوش في حرمانية ورثها؟ مهما عملت هتضل ليها حق عندينا. ولا هنضلل حالنا يا رغد؟ إني، إني ما كنتش ضمن حساباتك يا رغد. إني اللي على مواجهة كل دي، والأجل حل كمان. كل دي كوم، ومرتي، مرتي اللي عشقتها ومبقتش ناظر غيرها... تطعني في ضهري بسكينة تلمني."
تنفس باختناق، ثم أكمل بحسم: "من انهارده اعتبري حالك ملكيش راجل. هتضلي أهنية لحد ما أحل كل دي. بعدها مش هتكوني على ذمتي لحظة."
كادت أن تتوسله، إلا أن هاتفها صدح باسم تلك الخبيثة. أمسكه سريعًا، وحينما رآه، كاد أن يحطم الهاتف من شدة غضبه. نظر لها وقال: "ردي عليها. جولي لها إنك سألتيني على الورث وإني زعجتلك. جولت لك إني الوصي على واد خوي وإني اللي هتصرف في ورثها. يا إياكي تبيني إنك خايفة، سااامعة."
انقطع الاتصال، ولكنها عاودت مرة أخرى. فتح الخط وفعل خاصية مكبر الصوت.
سحر بغل: "خبر إيه عاد، مهتهوديش طوالي ليه؟ إنتي بايعه دم أهلك ولا إيه؟"
خرج صوتها مرتعشًا رغما عنها وهي تقول: "كنت فالحمام."
سحر باستغراب: "صوتك ماله يا بت عمي؟ شكلك بكيانة." أكملت بشماتة: "الدكتور ضربك، ولا أمه مشندلة عيشتك، ولا يمكن ضرتك؟"
رغد ببكاء لم تتحكم به: "عثمان مشندل عيشتي من يوم ما جولتله عالورث."
سحر باهتمام: "ليه؟ جالك إيه؟"
رغد: "جالي من ميته والحريم هتسأل على ورثها. إني الوصي على واد خوي. وإنتي حقك هتتنازلي عليه لرحيم بردك."
انتفضت سحر من مجلسها بغضبٍ جَم. صرخت قائلة، بينما هو بذكائه سحب ورقة وقلم سريعًا كي يكتب شيئًا ما ويضعه أمام عين رغد كي تقوله لها.
سحر: "وااااه! وإنتي مجدرتيش تقفي جصاده؟ إنتي أكده هتخربي عالكل. لازمن تجمعيه أحسن لك. إني مهاسيبش حقي، سااامعة."
قرأت ما كتب لها وقالت: "اسمعيني زين يا بت عمي. الدكتور مالأصل مش طايجني. مفكر إن إني السبب في موت خيه."
سحر: "كيف أكديه؟"
رغد: "ما إنتي خابرة إنه كان مبين جدامهم إنه عاشجني. المهم مش وقت الحديث دي. الحل الوحيد إنك تتحدتي ويا الدكتور."
سحر بخوف حاولت مداراته: "كنك اجنيتي إياك؟ ده كان يقتلني. إنتي رايدة أرمي نفسي فالنار يا مخبلة إنتي."
رغد بثبات وحقًا قد قوي قلبها بوجوده: "هو إني بجولك تاجي لحدت عندي. اتصلي بيه، وجولي له إنك رايدة ولدك. هيجيلك من الفضيحة ووجتها هيعمل كل اللي هتطلبيه مني. أما إني لو جعدت لميت سنة جدام أطالب بحقي مهيسألش فيا. وإنتي خابرة عوايدنا زين."
صمت خيّم على المكان، وتلك الحية اقتنعت بالفعل بذلك الحديث الذي يبدو عقلانيًا لأقصى حد. أما هو، كان يهرب من نظراتها المتوسلة له وينظر إلى الهاتف بغلس.
سحر: "حديثك مظبوط. همليني يومين أفكر فيها زين. بس إنتي خابرة إني ممكن أعمل إيه لو فكرتي تنطقي بحرف. أنا حذرتك وبأكد عليكي."
فقط... أغلقت الهاتف سريعًا. وقبل أن تفتح فمها كي تتحدث، كان هو الأسرع في التحرك للخارج، آخذًا معه هاتفها كي لا تتصرف بغباء كعادتها.
أسبوعًا مر لم تره فيها. تحجج بعمله في القاهرة، ومن وقتها وهو يقيم هنا. لم يحادثها فيهم، وهي... هي كانت تتلظى فوق جمر ملتهب. نار حزنها أحرقته. نار ندمها أكلت أحشاءها. والأكثر من ذلك، لهيب شوقها إليه.
أما هو، كان يتمدد فوق فراشه داخل شقته الخاصة. ألمه قلبه على ابتعاده عنها. أمسك هاتفًا جديدًا مليئًا بصور لها، بل مقاطع مصورة أيضًا. ابتسم بهم حينما تذكر.
فلاش باااااك.
لف عليها وهو يحمل الكثير من الحقائب المليئة بالثياب الخاصة التي يتمنى أن يراها عليها، والكثير من الأغراض. وكان أهمها هاتفان جديدان من نفس النوع.
رغد بفرحة: "وااااه! كلت دي عشاني؟"
لف ذراعه حول خصرها وقال بعشق: "لو أقدر كنت جبت الدنيا بحالها تحت رجليكي يا حبيبتي."
رغد: "يخليك ليا. إني مريداك شي غيرك."
قبلها بنهم، ثم فصلها وقال بعد أن تحرك بها تجاه الفراش: "أهم شيء في كلت دي... دول."
أخرج الهواتف من إحدى الحقائب ومدها لها.
رغد بفرحة: "الله! ده حلو جوي. بس ليه تتكلف حالك كلت دي؟ لاااه، هو جايلك اتنين كمان."
عثمان: "واحد ليكي وواحد لـ..."
رغد: "مبارك عليك يا جلبي."
عثمان بمكر: "مسألتش ليه؟"
نظرت له بعدم فهم، فأكمل وهو يحيط وجهها وينظر لها باشتياق: "لما هتدلي مصر بتوحشيني. ببجي هتجنن عليكي. بتحدث وياكي كتير صوح، بشوفك فيديو صوح، بس طول الوقت رايد أملي عيني منك. فكرت أجيب تليفون جديد ليكي لحالك بس... أصوّرك بيه لحال ما تبجي معاي طول الوقت."
رغد بسذاجة: "هو تلافونك ماهيصور؟"
ضحك برجولة ثم قال: "لا هيصور، بس إني بهمله في المكتب أو في أي مكان. ممكن يضيع مني أو حد واد حرام يفكر يفتحهم. مينفعش يكون عليه صورك يا رغدي." أكمل بخبث وقح: "أصلي هصورك حبة صور وفيديوهات... ناااار يا بوي ناااار."
بااااك.
عاد بذاكرته وهو يملس فوق شاشة الهاتف التي تظهر إحدى صورها وهي عارية. قال باشتاق أهلكه: "على جد ما وحشتيني، على جد ما قلبي موجوع منك. ليه أكده يا رغد؟ ليه؟"
صدح هاتفه باسم أختها. رد سريعًا.
شاديه: "سلامو عليكم."
عثمان: "وعليكم السلام. كيفك يا دكتور؟"
شاديه: "لما اتحدث وياي من أكتر من أسبوع، وجلتلي اللي حصل. أنا فجأت على حديثك إني مروحش لخيتي لجل ما تعاتبها على اللي عملته. جولت لك وقتها إنت صح. لازم المرة دي بالذات تفكر لحالها وتعرف إن اللي عملته كان غلط من غير ما أدخل ولا أوجهها. أنا بذاتي اتزعلت منها."
تنهدت بحزن ثم أكملت: "بس مش كتير أكده يا دكتور. فات أسبوع وأكتر وهي لحالها. أجرب اتنين ليها هملوها. زمناتها لا واكلة ولا شاربة ومقطعة نفسها بكي. جلبي واكلني عليها يا دكتور. لو هانت عليك تجسي عليها، مهتهونش علي."
عثمان بنبرة تقطر وجعًا: "ومين جال إنها هانت؟ ولا إني قادر أتحمل فراقها. أنا عم أحارب حالي لجل ما أضل بعيد. كان لازم أجسي عليها لجل ما تتعلم. لو حنيت هتفكر إن الحكاية سهلة ويومين وعدوا. لما طلبت منيكي متروحيش، لأنها اتعودت تاخد رأيك في كل شي. دي حاجة زينة، ومتأكد إنك بتنصحيها بالصالح. بس بردك لازمن يكون ليها رأي لحالها. مينفعش تعتمد عليكي في كل حاجة. جولت أهملها لحالها تراجع نفسها، تشوف الصح من الغلط."
شاديه بهم: "خيتي رغم عنادها وطول لسانها بس هبلة. ولما بتزعل عجلها بيوقف وبتتصرف من غير تفكير."
عثمان: "عشان أكده إني خدت تليفونها."
شاديه برجاء: "طب بكفاية لحدت أكده لجل خاطري أنا. فهمها بالعجل، علمها بالراحة. دي لسه صغيرة وجواها كيه الصفحة البيضة. إنت اللي بيدك هتكتب فيها اللي تريده يا دكتور."
جاءه الاتصال المنتظر. أخيرًا.
عثمان باهتمام: "ها يا عماد عرفت توصل؟"
عماد بفخر: "عيب عليك يا باشا. جبت لك كل المعلومات عنه من أول ما اتولد، لحد اللحظة اللي بكلمك فيها."
عثمان: "طب اخلص وقول يا عم كرومب."
ضحك عماد وقص عليه تاريخ حاتم كله، وكل المعلومات التي يريدها. وأخيرًا قال: "بس كده، ده كل اللي وصلت له. وأهم حاجة إن الناس كلها بتشكر فيه، وبتقول إنه حقاني، عمره ما جه على حد ولا ظلم حد."
عثمان: "ده في الشغل. أما خربان في حياته الخاصة صح؟"
عماد: "هو خاطب بنت خالته زي ما قولت لك. بعدين شباب بقي يا دكتور وبيعيش يومين قبل ما يدخل القفص. إحنا اللي يهمنا أخلاقه وطريقته في الشغل."
عثمان: "عندك حق. هو رجع من يومين مصر، صح كده؟"
عماد: "حصل يا باشا."
عثمان: "حدد لي معاد معاه في أقرب وقت."
دَلفت عليها عائشة كي تعطيها ولدها، ولكنها تصنمت مكانها حينما رأتْها ملقاةً أرضًا. وضعت الطفل جانبًا واتجهت لها تحاول إفاقتها وهي تقول بقلق حقيقي: "رغد! إنتي يا بت، فُوقي! إيه اللي جرالك؟"
لم تتلق ردًا. فهرولت إلى الخارج تصرخ من الأعلى بوجل: "يا نرجس، الحجوني يا خلق!"
هرول الجميع إلى الأعلى برعب، لا يعلمون لماذا تستجير بهم. وجدوها تتجه نحو جناح رغد فزاد رعبهم أكثر.
عفت ببهوت: "وااااه! مالها البت. شيلوها حطوها فوق السرير."
حملتها نرجس وعائشة ومعهن إحدى الخادمات.
عائشة: "رحيم كان عم يبكي. جولت أطلعهولها. دخلت لجيتها مرمية أكده وسخنة مولعة."
نرجس بقلق وهي تحاول أن تفيقها بتقريب بعض العطر الفواح إلى أنفها: "يما دي سخنة جوي ومهتفوقش. لازم دكتور."
عفت: "اتصلي بجوزك يجيب دكتور بسرعة يا بت."
عائشة بحكمه تحسب لها: "لااااه، دكتورة يا حاجة أنا عارفة ولدك زين. مناقصين يولع فالدار. تحية بغيظ همست لها: "خايفة عليها جوي. ماتسيبيها إنتي مالك. يكش يولع فيها يا واكلة ناسك."
عائشة بطيبة وعقل: "وااااه ياما. مهتوصلش لحدت أكده. إحنا بيناتنا كيد ضراير. أما توصل إني أبجي عارفة طبع جوزي وأخالفه؟ لاااه. كيف هجيب لحمي يتعرى جدام غريب حتى لو كان دكتور؟ ده عرض جوزي وأبو عيالي يا ما."
حضرت الطبيبة وقامت بفحصها. أعطتها بعض الأدوية عن طريق محلول معلق. وبعدها قالت بجدية: "حرارتها كانت أربعين. الحمد لله إنكم لحقتوها. مفيش أي حاجة عضوية. تقريبًا السبب نفسي. يا ريت تبعدوها عن أي حاجة مزعلاها."
رفضت عفت رفضًا قاطعًا أن يتصل أحدهم بولدها ليخبره. كانت تشعر أن غيابه وراءه شيئًا ما كبيرًا حدث بينهم. وأن تلك المسكينة لم تتحمل قسوته، لذا كتمت بداخلها حتى مرضت. قررت معاقبة ولدها بعدم إخباره كي يؤنبه ضميره بعدما يعلم بما حدث لها.
اهتمت بها نرجس وعائشة التي تغاضت عن غيرتها منها وحكمت ضميرها. بل والأكثر من ذلك، حينما نهرتها أمها على كل ما تفعله مع رغد. ردت عليها بحسم: "ياما حرام عليكي. البت تصعب عالكافر."
تحية: "طول عمرك هبلة. نسيتي جوام إنها خطفت جوزك منك."
عائشة بحزن: "لاااه، منسياش ياما. بس بردك مكانش لازمن أنسي إن دي عوايدنا. يا ريتني ما سمعت حديثك لما خلتيني أطلب منه دهب. خليتي منظري شين جدامه. وهو حق ربنا عمره ما قصر وياي. حتى بعد ما اتجوزها بقى يعاملني أحسن من الأول."
نظرت لها بهدوء ثم قالت بقناعة تامة: "همليني ياما أحافظ على اللي باجيلي من راجلي. لو فضلت ماشية ورا حديثك ده، محدش هيخسر غيري."
عائشة بهمس: "إني خايفة يا نرجس. خيك لما يعاود ويعرف إننا دارينا عليه هيسود عيشتنا."
نظرت للغافية أمامهم لا تشعر بمن حولها، وقالت بحزن: "والله ما عارفة يا عيشة. حاولت أعرف منها السبب. شندلتني."
عائشة: "وأنا مهسكتش أكتر من أكده. أنا هقوله والي يوحصل يوحصل."
عقبت قولها بالاتصال عليه. وبمجرد أن سمعت صوته يسألها عن حالها، تملكها الرعب وردت بصوت مهزوز: "هااا... بخير يا واد عمي."
ضم جبينه باستغراب بعدما استشعر أن هناك شيئًا ما، فسألها: "في إيه يا عائشة؟ مالك؟"
ألقت ما تريد إخباره به سريعًا: "رغد عيانة بجالها تلت أيام. والحاجة مردتش حد فينا يجولك."
انقبض قلبه، بل شعر أنه سيخرج من مكانه. انتفض من مجلسه وقال بهلع لم يفكر أن يداريه: "مالها رغد؟ انطجي! وإزاي محدش خبرني؟" كان يتحدث وهو يهرول إلى خارج منزله الذي كان توه وصل إليه.
ارتاعبت من صراخه وقالت: "الحاجة هي اللي جالت."
عثمان: "اقفلي. وبس."
أغلق معها وهو يصعد سيارته متجهًا إلى المطار. اتصل بأمه وحينما ردت عليه قال لها بعتاب غاضب: "ليه ياماااا؟ ليه تخبي علي؟"
علمت بعلمه بما حدث. ردت بنبرة أكثر غضبًا: "إياك مفكر إني موخدش بالي. إنت سافرت بجالك ياجي عشر أيام. والبت يا حبة عيني بعد ما كان وشها كيه البدر منور، بقى زي اللمونة الصفرا. لا بتاكل ولا بتشرب لحدت ما وقعت من طولها. أيوه أنا اللي جولت لهم محدش يخبرك. خلي جسوتك تنفعك يا دكتور."
صاح بها لأول مرة بقهر: "ياما إنتي مخبرة حاااااجة."
عفت بحسم: "ولا رايدة أعرف. شكل اللي أعرفه إن البت لساتها صغيرة. حتى لو غلطت، تفهمها بالعجل مش بالجسوة والبعد يا دكتور يا كبير."
أغلقت في وجهه دون أن تعطيه فرصة للرد عليها. نظرت للأمام بغضب وقالت: "أنا اللي هربيك من أول وجديد يا دكتور. لازم أبطل لك كبرك وجسوتك دي."
ماذا سيحدث يا ترى؟
رواية عثمان و رغد الفصل الخامس عشر 15 - بقلم فريدة الحلواني
وقت الشدة تظهر معادن الأشخاص والمواقف أيضاً، ومن خلالها نتأكد من عشق أحدهم.
لا يعلم كيف وصل إلى بلده، ولا شعر بحاله وهو يصرخ في حمزة الذي كان ينتظره أمام المطار كي يسرع في قيادة السيارة ليصل إليها بأقصى سرعة.
لم يهتم بمن يجلس في بهو السرايا، بل لم يراهم من الأساس.
قلبه كان يجره جراً إليها. ماذا حدث لها؟ هو السبب. حمل نفسه المسؤولية كاملة.
حينما دخل الغرفة ورأى وجهها شاحباً، غافية لا تشعر بمن حولها.
وقفت عائشة ونرجس، وقالت الأولى:
"حمد الله بالسلامة يا ولد عمي."
حاول تمالك حاله كي لا يجرحها بلهفته عليها التي كانت ظاهرة بوضوح.
"الله يسلمك يا عيشة."
"اطمن يا خوي إني وعيشة مفايتنهاش ليل ولا نهار."
نظر لتلك التي تكتم حزنها من لهفته عليها رغماً عنها، وقال بإجلال:
"طول عمرك جلبك طيب وبت أصول، ربنا يباركلي فيكي."
ابتسمت له بهدوء ثم قالت:
"خليك وياها بردك، انت دكتور وهتفهم عنينا."
تحركت من أمامه وهي تقول:
"يلا يا نرجس."
بمجرد أن أغلقوا الباب خلفهم بهدوء، أسرع تجاه الفراش. جلس بجانبها ثم سحبها بتمهل مليء باللهفة، ولكن بحرص كي لا يؤلمها سن الإبرة المغروز في كفها.
ضمها بحنان، قبل رأسها كثيراً، ثم قال بحزن وندم:
"حجك علي عيني يا جلبي، فتحي عنيكي واعملي فيا اللي بدك إياه، أنا محجوجلك، بس كنت مجبورة منكِ، أوعاكي تكوني صدجتي إني أقدر أهملك، داني روحي فيكي."
لم تشفق عليه ولم ترحمه. ظلت غافية بين ذراعيه رغماً عنها. ظل طوال الليل على هذا الحال، لم يغمض له جفن. بين الفينة والأخرى يجس نبضها، يتحسس جبهتها كي يطمئن على درجة حرارتها، إلى أن أتى الصباح.
***
وصلت سحر إلى مطار القاهرة الدولي، وجدت في انتظارها حاتم الذي سبقها بيوم.
بعد تبادل السلامات، صعدت معه السيارة ثم قالت بخبث:
"أنا هرفع قضية خلع على جوزي، حاولت معاه كتير لما اتصلت بيه امبارح بس رفض."
نظرت له بمكر تدرس ملامحه بعد تلك الكلمات، ثم قالت:
"مش كده أحسن؟"
رد عليها بتسويف، فهو رجل أعمال. كل ما يهمه المكسب وفقط، ولا مانع لديه أن يستغل علاقاته النسائية في تسيير أعماله. ولكن حينما أراد الارتباط، اختار ابنة خالته التي يعلم تمام العلم حسن أخلاقها وتربيتها الحسنة.
"الأصلح ليكي اعمليه، انتي بتقولي إنه مش مكفيكي كزوج، ولا بيعاملك كويس، يبقى حرام تضيعي شبابك معاه، انتي لسه صغيرة وحلوة وألف راجل يتمناكي."
ابتسمت بفرحة داخلية حينما فهمت حديثه بشكل خاطئ، فقد هيأ لها غرورها أن تلك الكلمات مجرد مقدمة لارتباطه بها.
وهل يحتاج مقدمات بعد كل ما حدث بينكما أيتها الحقيرة؟
بمجرد أن تململت بين ذراعيه، فتح عينيه سريعاً قبل أن تأخذه غفوة لم تدم أكثر من عدة دقائق.
أول ما فعله هو اختبار حرارتها للمرة التي لا نعلم عددها.
أزال عنها سن الإبرة بعد انتهاء المحلول المعلق.
ظل ينظر لها بتمني، علها ترفق بحاله وتنير يومه بإشراقة شمسها.
لم تشعر براحة في ذلك الوضع الذي لا تعرف ماهيته. هذا ليس ملمس فراشها. ما بالي أشتم رائحته؟ هل وصل بيا الحال أن أتخيله؟ ولكن... ذلك الصدر الصلب ليس وسادتي. وسادتي... هنا بدأ عقلها ينتبه أن هناك خطأ ما.
فتحت عينيها بتمهل، وجدت قبالتها وجهاً يصرخ قلقاً رغم ابتسامته الباهتة.
حاولت تكذيب حالها أنه هو، وأن كل ذلك تخريف الحمى التي أصابتها.
إلا أن صوته الشجي أكد لها وجوده حينما قال بعشق:
"توه شمسي طلعت لما فتحتي عينيكي يا حبيبتي."
"عثمان... أنت عدت؟"
مسح وجهها برفق وقال بلهفة:
"هو إني قدرت أبعد لجل ما أعود يا جلب عثمان."
ردت عليه باكية، معاتبة:
"بعدت، وهملتني، كنت تايهة من غيرك، هونت عليك... والله ما كنت أقصد أخبي."
بدأت نوبة انهيار لحقها سريعاً حينما ضمها وقال:
"بس... متبكيش، لساتك دافية، بلاش حديت دلوقتي، لساتك تعبانة."
"دفنت رأسها داخل صدره وقالت من بين دموعها بطفولة: مانت زعلان مني، وهتهملني تاني؟"
قبل رأسها بحب وقال:
"لااااه... إني جاعد وياكي، ونسيت أي زعل بعد ما خدتك في حضني، هنتعاتب يا جلبي، وهفهمك الصح من الغلط، بس لما تطيبِ وتبجي زينة، وتعوّدي رغد الكيادة العنادية تاني."
"بس أنت قلت هتطلقني."
ضمها بقوة دون شعور منه وقال:
"هو إني أقدر؟ في حد يبعد عن روحه؟ اهدي بس، اطمن عليكي لأول وبعديها هنتحدث كيف ما انتي رايدة."
***
جميع العائلة ملتفة حول طاولة الإفطار إلا عثمان ورغد، والذي أمر أن يحضروا له الفطور في الأعلى.
"هي لساتها عيانة؟ مكنوش حابة سخونية دول؟"
"الدكتورة قالت دور واعر جوي، الله يشفيها."
"كلياتنا هنتعب، بس مفيش حد يضل راجل أكده، بس الدكتور شكله مجالعها."
أغمضت عائشة عينيها بغيظ من أمها.
وردت عفت بقوة:
"حجها، مرته وهو حر، بس اتجي ربنا، البنية مكنتش قادرة تفتح عينيها، وضلت يومين غايبة عن الدنيا، رايداها تنحرك كيف وهي مجدرة تصلب طولها يا نضرين."
"قبل ما أنزل فوت عليهم أطمن، عثمان جالي لساتها فايقة بس مدروخة، والسخونية نزلت شوية عن الأول، بس لساتها عالية بردك."
"ربنا يشفيها، ديه فرح ولد أخوها بكرة."
"ملهاش نصيب تحضره."
وطبيبنا، اعتبرها ابنته الصغيرة التي سيغدقها دلالاً. سيعلمها بتعقل، سيعاتبها بحب، ولكن ليس الآن.
***
وضعها برفق فوق الفراش. اتجه ناحية المرحاض. غاب لبضع دقائق ثم عاد لها مرة أخرى.
قربها منه وهو يقول:
"جهزتلك البانيو، تعالي اجعدي فيه شوية لجل ما تفوقي."
حاولت القيام وحدها وهي تقول:
"يخليك ليا."
منعها سريعاً من التحرك وهو يقول:
"رايحة وين؟"
"هسبح كيف ما جلت."
ابتسم بعشق ثم قام بحملها سريعاً وهو يقول:
"وأني رحت فين يا جَلبي؟ جهزتلك كل حاجة، هحميكي بيدي كمان."
دفنت رأسها داخل صدره بخجل وقالت:
"إني هعرف لحالي."
لم يلقِ بالاً لرفضها الواهي، بل أنزلها بالداخل برفق. جردها من ثيابها، رفعها بهدوء كي يجلسها داخل حوض الاستحمام. جاهد حاله كي لا ينقض عليها، فهو عاشق، اشتاق لحبيبته، والتي تجلس أمام عينيه الجائعة، وهي لا تشعر بما يدور بداخله.
لم تتلقَ دلالاً قط مثل الذي نالته على يده. غسل شعرها برفق. ملس على جسدها بحنان جامح ورغماً عنه كانت يداه تخونه وتظهر ما يجيش في صدره.
جفف جسدها بحنو، ألبسها ثياباً نظيفة، حتى أنه جلس خلفها يجفف شعرها ويمشطه.
ابتسمت بحلاوة وقالت بعد أن شعرت بتحسن كبير:
"وااااه، كتير على الجلع ده كلياته."
وضع خصلاتها على جانب واحد، دفن رأسه في تجويف عنقها بعد أن ضمها من الخلف وقال:
"الجلع اتخلج عشانك انتي بس يا رغدي، لو أطول أفرشلك الأرض حرير كنت عملتها."
أسندت رأسها للخلف وقالت بوهن:
"وجودي وياك أكبر نعمة يا عثمان، متحرمشنيش منها."
حينما شعر بالاختناق في صوتها، سحبها لتجلس فوق ساقيه وتواجهه، ثم قال بحنو:
"انتي جلب عثمان من جوه، كيف أبعد عنيكي؟"
"مش أنت اللي جلت..."
قاطعها سريعاً وهو يقول بجدية:
"مش كل اللي هيتقال في وقت الزعل نمسك فيه ونصدقه. إني كان حقي أزعل منكِ، كان حقي أعاتبك، بس لتجتني بعزب روحي ببعدي عنيكي. انتي غلطي غلط واعر جوي لما ما وثقتيش في وحكيتلي، واني غلطت لما ما قدرتش خوفك واللي عيشيته قبل سابج. كان لازم أفهمك بالعجل، وحتى لو زعلان، مبعدتش. إني عرفت... لاه اتأكدت من قيمتك جواتي. جلبي معادش يدق غير لما ضميتك جوه حضني. لما جالي إنك عيانة... حسيت روحي بتتنسحب مني. ملعون أبو الزعل على أي حاجة في الدنيا قصاد اللي حسيته وقته. لا عارف وصلت المطار كيف ولا كيف لقيتني جنبك. على جد ما الخوف كان شاغل بالي ومحسيتش بكل ده. على جد ما حسيت إنهم أطول ساعتين عدوا علي في حياتي كلياتها."
قبلها برفق ثم ابتعد وقال:
"المهم دلوقتي مش وقت حديت، هاكل بيدي وأكشف عليكي، تاخدي علاجك وتريحي، ولما تفوقي خالص وربنا ياخد بيدك، هنجعد ونطلع كل اللي جواتنا لجل ما بيكونش في حد جواته شي من التاني، ولجل ما نفهم بعضينا."
قبلها بسطحية ثم أكمل:
"ماشي يا حبيبتي."
***
يومان مرا عليهم، تعافت فيهم بعد اهتمامه بها، بل أغرقها دلالاً وعشقاً. خوفه عليها، لهفته الظاهرة للعلن جعلتها تعض على أصابعها ندماً على ما اقترفته في حقه. لم يعاتبها، بل لم يلمح لها بكلمة حتى عما فعلته، كان كل همه أن يراها كما كانت، تملأ دنياه صخباً وعشقاً كما اعتاد عليها من قبل.
واليوم اضطر راغماً أن يتركها ويرحل بعدما أتاه اتصال من عماد يخبره بميعاده الذي كان ينتظره بشدة مع هذا الحاتم.
بعد أن ارتدى ثيابه جلس أمامها وقال:
"ما هغيبش عليكي، هسافر وأعود طوالي، غصب عني، شغل مهم مهينفعش يتاجل."
ابتسمت له بعشق ثم قالت:
"يا حبيبي إني بجيت زينة، متشغلش بالك بيا، شوف اللي وراك."
قبلها بقوة وشوق ثم فصلها وقال:
"مليش غيرك أشغل جَلبي وبالي بيه، خدي بالك من حالك، وإياكي تهملي الدوا، إني راجع عشية بامر الله."
***
وصل مقر شركة عملاقة، وبعد أن عرف نفسه للسكرتارية، أبلغت حاتم ثم أدخلته، مغلقة الباب خلفها.
وقف حاتم يرحب به باحترام وهو يقول:
"أهلاً بيك دكتور عثمان، شرفتني بوجودك."
"الشرف ليا يا حاتم بيه، أنا مش هعطلك كتير، أكيد بتسأل إيه سر الزيارة مع عدم وجود معرفة سابقة بينا."
"حضرتك تشرف في أي وقت، دكتور عثمان السوهاجي أشهر من نار على علم."
"شكراً، أنا قبل ما أقرر أقابلك سألت عليك، وبصراحة آراء الناس فيك هي اللي شجعتني إني ألجألك تساعدني."
"لو بإيدي أكيد مش هتأخر."
"هحكيلك، بس يا ريت مندمنش إني حكيتلك، عشان مزعلش."
لم يهتم بذهوله من وقاحته وتهديده له في مكانه. قص عليه الحكاية من أولها تحت صدمة الآخر مما يسمع.
بعد أن انتهى قال:
"أنا كل اللي محتاجه منك إنك توصلني ليها، أي حاجة بعد كده بتاعتي أنا."
"معقول في حد بالحقارة دي؟ أنا كنت عارفة إنها طماعة وتعمل أي حاجة عشان الفلوس، إنما ما كنتش أتخيل أبداً إنها بالوساخة دي. اللي يجبرها تعمل كده وهي أصلاً من عيلة كبيرة، يعني مش محتاجة لكل ده."
"في ناس نفوسها مريضة، المهم... هتساعدني؟"
"أكيد، هي أصلاً مستناني النهاردة في شقتها الجديدة. شوف إيه المطلوب مني وأنا أعمله."
***
ليلاً، تجهزت تلك الحقيرة بثياب عارية، وضعت زينتها التي لا تتخلى عنها. جلست تنتظر ضحيتها الجديدة وهي تمني حالها أن تحكم شباكها عليه.
دق جرس الباب، فتحركت سريعاً تجاهه، ولكنها وقفت أمام المرآة تتفحص هيئتها ملياً. تأكدت من تمام مظهرها الرائع بالنسبة له.
نظرت من خلف الباب للتتأكد أنه هو. حينما رأته ابتسمت باتساع وقامت بفتح الباب.
ابتسم لها حاتم بخبث وقال:
"إيه الجمال ده كله؟"
ضحكت بعهر وهي تفسح له المجال كي يدخل ثم قالت:
"عيونك الحلوة يا حبيبي، اتفضل."
جلس معها خمس دقائق فقط كما اتفق مع عثمان.
وبعدها دق جرس الباب مرة أخرى، وحينما كادت أن تقوم كي ترى من الطارق، منعها حاتم وهو يقول بغيرة كاذبة:
"استني، هتفتحي إزاي كده؟"
مثلت الخجل وقالت:
"هشوف مين."
"ده البواب كنت باعته يجبلي سجاير."
اتجه للباب ثم فتحه وقال:
"كله تمام يا دكتور."
والدكتور ابتسم بشر وهو يتجه لها بتمهل. دب الرعب في أوصالها حينما ظهر أمامها.
عجزت عن الصراخ، شلت حركتها، لم تقو حتى على اتخاذ أي رد فعل. هي الآن لا ترى عثمان السوهاجي، بل كل ما تراه أمام عينيها هو ملك الموت الذي سبق قبض روحها النجسة.
"عامله إيه يا..... مرات أخوي؟"
برقت عيناها برعب ونظرت لحاتم بصدمة، فقال بشماتة:
"أنا كده عملت اللي عليا، تأمر بحاجة يا دكتور؟"
"....."
ماذا سيحدث يا ترى؟
رواية عثمان و رغد الفصل السادس عشر 16 - بقلم فريدة الحلواني
الحقيقة... سلاح ذو حدين... إما تذبحنا... أو تمر فوق أعناقنا بسلام دون أن يجرحنا نصلها الحاد.
صدمة... ذهول... عدم تصديق... بل الأدهى من كل ذلك... هو ملك الموت التي تشعر به حولها.
هذا كان شعور تلك الحقيرة وهي تنظر إلى عثمان تارة وحاتم تارة أخرى.
والذي قال الأخير بعد أن رمقها باحتقار:
"عايز مني حاجة تاني يا دكتور... ولا أسيبك براحتك... أظن مليش مكان في الوقت الحالي."
لم يحيد نظراته القاتلة عنها وهو يرد عليه قائلاً:
"لاااه... كتر خيرك لحد أكده يا حاتم بيه... تعبتك وياي."
"مفيش تعب ولا حاجة... أسيبك براحتك... سلام."
كل خلية فيها ترتعش رعباً... دموعها سالت ملوثة وجهها بمساحيق الزينة التي كانت تجمل حالها بها كي تقضي ليلة ماجنة.
ولأنها حرباء تتلون في الدقيقة الواحدة مئة لون... لم تنتظر أن يبدأ بالحديث.
بل انطلقت تركع تحت قدمه كي تقبلها وهي تقول:
"أحب على رجلك يا..."
آه...
قبل أن تمس قدمه كان يدفعها به بعيداً بعنف حتى لا يتلوث بها.
انقض عليها جاذباً إياها من خصلاتها المصبوغة قائلاً دون أن يهتم بصرخاتها المتألمة:
"عملت فيكي إيه... خوي عمل فيكي إيه يستاهل منيكي القتل... أهلك عملوا إيه لجل ما تكسري عينهم ويعيشوا بعارك... ولدك... ولدك الغلبان اللي كل ذنبه إنك أمه... هيعمل إيه لما يكبر ويعرف حقيقة أمه الشينة."
صفعة... تلتها صفعات قوية جعلت صوتها يتحشرج من كثرة الصراخ.
لأول مرة في حياته يضرب امرأة... ولكنها ليست كأي واحدة... هي قاتلت أخاه الوحيد.
برغم أنه وعد نفسه ألا يمسها ويعيدها إلى أهلها كي يتكفلون بها... إلا أنه حقاً لم يستطع.
ألقاها من يده أرضاً قبل أن يقتلها.
جلس فوق أحد المقاعد يتنفس بقوة ثم قال:
"أديني سبب واحد للي عملتيه."
برغم ألمها وبكائها المرير إلا أنها فكرت أن تقول له الحقيقة عله يرحمها.
سحر بصعوبة:
"مكانش قصدي... مكتش فاكرة إنه هيقتل حاله."
عثمان بغل:
"احكي من الأول... اخلص."
سحر:
"كنا هنعشق بعضنا من قبل ما يتجوز رغد بسنتين... مكانش عارف يتجملي بسبب الثأر."
صرخ بها بغضب:
"مفيش مجال للكذب يا فاااااجرة... حولي الحقيقة... اللي أنا خابرها."
علمت أن رغد أخبرته بما حدث.
تنفست بصعوبة ثم قالت بمنتهى الحقارة:
"إني اللي لفيت عليه وجريت وراه لجل ما يعشقني... كنت رايدة أطلع من النجف... كان نفسي أعيش في مصر... كارهة البلد وكارهة التقاليد الشينة اللي اتربينا عليها... مكتش شايفة حالي وأنا متحوزة واد عمي وجاعدة في الدار أربي عياله... جولت هو فرصتي الوحيدة... كنت مفكرة إنه راجل وهيجدر يطلبني مهما كانت الظروف."
غل في نفسه بعد سماع كلماتها الأخيرة ولكن ظل صامتاً حتى تنتهي.
"ضليت وياه سنتين... كل شوية يوعدني إنه هيتحدت وياك لحل ما يتجملي... بس مكانش بيعمل حاجة وكل شوية بحجة شكل... لحد ما أنت جرت تنهي الثأر اللي بيناتنا... جولت اتحلت من عند ربنا وهيطلنيلجيتك طالب يد رغد... بت عمي... اللي مهكرهاش في حياتي كديها."
"النار جادت جواتيمعجول... طول عمرها واخدة الجلع كله من الكل... حتى ولاد أعمامي... كل واحد منهم كان يحلم ياخدها لحاله."
"اخرسي... هكذا صرخ بعد أن انقادت نار الغيرة داخله.
أكمل بوعيد:
"جيبي سيرتها على لسانك الوسخ ده وأنا أقطعهولك."
ارتعشت رعباً ثم أكملت:
"فكرت وخيرته بيني وبينها... بس هو قالي مهجدرش أكسر كلمة أخوي الكبير... لجيتها فرصة... أنتقم منها على كل اللي اتحرمت منه بسببها... وفي نفس الوقت أخلص روحي من العيشة الشينة اللي أنا فيها... اتفقت وياه نهرب ويتجوزني قبلها... هأوصل... والباجي أكيد مراتك قالتهولك... بعد ما خلفت... كنت زهجت... مكنتش رايدة أضل متخبيه... طلبت منه كتير يجولك وأنت أكيد هتلاقي حل... بس هو رفض وقالي دي اختيارنا من الأول... ودي عيشتنا بتيجي عمرنا... جولت لحالي إني مهضلش متخبيه ومحرومة من الدنيا... حتى رغد مع كل اللي عملناه فيها... بردك فضلت أحسن مني... على الأقل هي مرته قدام الكل... تطلع وتدخل وتروح وتيجي من غير خوف... والاسم مرت فهد السوهاجي... حتى الواد انكتب باسمها... طلبت منه عشرين مليون... لجل ما أشتري فيلا لحالي... وأنا كنت مخططة إني أهرب... ماهو اللي حداه كتير... مش هيفرقوا وياه... مكنتش خابرة إنه هيقتل حاله... جولت في عجل بالي شوية وهينسى... وبعدها أطلب الطلاق وخلاص."
صمت حل على المكان... لا يسمع فيه إلا صوت تنفسه الغاضب... وشهقاتها المرتفعة وهي تنتظر حكمه عليها.
أخرج هاتفه من جيبه... اتصل بأحدهم وحينما جاءه الرد قال:
"أنا مستنيك... متغيبش علي... زي ما جولتلك بالظبط."
أنهى تلك المكالمة الغامضة وهو ينظر لها بابتسامة شيطانية أرعبتها أكثر.
سألته برعب:
"مش هترجعني لأهلي صح؟"
رد بغل:
"هما أولى بغسل عارهم."
صرخت... وبينما كانت تتقدم منه زحفاً كان هو يخرج زجاجة صغيرة من جيبه ويوجهها ناحية وجهها.
بمجرد أن استنشقت الرزاز الخارج منها... ما هي إلا ثواني وغابت عن الوعي في الحال.
بعد مرور نصف ساعة كانت تقف سيارة إسعاف أسفل البناية.
صعد إليه شاب وفتاة.
وقفا قبالته فقال بأمر:
"مايسة... جهزيها زي ما اتفقنا... امسحي القرف اللي على وشها ولبسيها لبس تاني."
تحرك هو والشاب تجاه إحدى الغرف وأغلقوا على أنفسهم حتى تنتهي الفتاة مما تفعله.
عثمان:
"جبت كل الأوراق اللي قولتلك عليها."
الشاب ويدعى هاني:
"أيوه يا دكتور.... الأشعة والتحاليل اللي بتأكد إنها في مرحلتها الأخيرة من السرطان... يعني يومين وتودع... حضرتك جهزت الطيارة الطبية صح؟"
"بس ليه كل ده؟ ما كنت سافرت عادي وخلصت."
"لو سافرت بالعربية في لجان... ولو في طيارة أكيد مكنتش هتسكت... دي واحدة رايحة للموت تفتكر ممكن تعمل إيه عشان تنقذ نفسها؟ كده أسلم حل وأنا معايا قسيمة جوازها يعني كده كل حاجة تمام ومفيش شبه شك واحدة."
هاني بتأثر:
"ربنا معاك يا دكتور."
عثمان بتحذير:
"هاااني.. أنا اخترتك أنت ومايسة عشان فعلاً بثق فيكم... مش عايز أنبه عليك تاني... مفيش مخلوق في الدنيا يعرف اللي حصل ده فاهم."
هاني بصدق:
"ولا كأننا شوفنا حاجة... وإن شاء الله ثقتك في محلها يا دكتور... اطمن."
فعل كل ما قيل... وبفضل اسمه المعروف... مرت الأمور بسهولة أراحته.
وبمجرد أن وصلت الطائرة مطار سوهاج كانت سيارة إسعاف أخرى في انتظاره... بعد أن حملوها داخلها وما زالت تحت تأثير المخدر... انطلقت بها إلى مكان لا يعلمه أحد غيره.
أخيراً... عاد إلى بيته... ولكن بحال مغاير تماماً لما كان عليه قبل مغادرته.
برغم تعامله بشكل طبيعي إلا أن حبيبته التي تعافت من مرضها شعرت به.
نظرات التقت ببعضها البعض...
واحدة تسأل بقلق عما به... والأخرى توسل ألا تتركه مهما كانت الظروف... فالقادم ليس بهين ولا يعلم مداه إلا الله.
قطع تواصلهم البصري أمه حينما قالت كي تلفت انتباهه:
"مالك يا ولدي... الأكل قدامك زي ما اتحطلك."
انتبه أخيراً وقال:
"سلامتك يا أما... أنا بس واكل قبل ما أجي طوالي... مجدرش آكل تاني... أنا قعدت وياكم لجل ما تزعلون."
عبد العظيم:
"بقالك مدة يا ولدي مهتيجيش المصنع ولا المزرعة."
حمزة:
"في شغل وحسابات لازمن تراجعها يا عثمان من آخر مرة قعدنا فيها مشوفتش شيء تاني."
عثمان بهم واضح للجميع:
"بالي مش رايق... يومين وأفضالك يا واد عمي."
انقبض قلب رغد... تعلم أن سبب حالته هو ذلك الأمر المعقد... ولكن حديثها ينبئها أنه نجح في الوصول إليها.
أما عائشة فسألته باهتمام:
"مالك يا خوي... تعبان من شيء ولا فيه حاجة وياك."
عثمان بتسويف:
"سلامتك يا بت عمي... أنا بخير... إيه يا جماعة مالكم.... كل الحكاية كان عندي كام عملية ورا بعض... تعبت شوية مش أكتر."
عفت:
"اطلع ارتاح في فراشك يا ولدي... وجوم براحتك حدش هيصحيك... خد كفايتك في النوم."
وقف من مجلسه بعد انتهاء حديث أمه وقال بأمر لا يقبل النقاش مما جعل الجميع في حالة ذهول:
"أنا طالع أنام في جاعتي القديم... معايزش حد يدخل علي واصل... هملوني لما أقوم لحالي."
وفقط تحرك تجاه الأعلى تاركاً الجميع ينظر لبعضه البعض.
حتى رغد وعائشة نظرا لبعضهما بذهول وقالت الأخيرة:
"واااه هو زعلان منينا احنا الاتنين ولا إيه."
رغد بتيه:
"والله ما خابرة يا خيتي... أنا معملتش شيء والله."
تحدثت نرجس بمزاح كاذب:
"وااااه دي الحب ولع في الدرة يا سعدية... الضراير اتفجوا يا ناس."
"لوحظ بغيظ:
"ربنا يهدي... نظرت لرغد وأكملت بغل:
"يكش يطمر فيكي اللي عملته بتي وياكي وأنتي مريضة."
قبل أن يرد عليها أحد وجدت ابنتها تقول بغضب مكتوم:
"أماااا.... ملوش لازمة الحديث ده.... رغد خيتي الصغيرة... وراجلنا واحد... خلينا نعيش في هدوء سر... النج والمشاكل مهايجيش من وراها غير الهم."
عفت بفرحة:
"ربنا يكملك بعقلك يا بتي."
رغد بامتنان:
"اللي عملتيه وياي هفضل شايلاه فوق راسي طول عمري... حقك عليا لو يوم زعلتك ولا كايدتك... متزعليش مني يا خيتي."
بعد أن خلع عنه ثيابه... لم يكن يطيق شيئاً فوق جسده... يشعر به ملتهباً من فرط التفكير.
القادم ليس بهين... كيف سيقص للعبايدة ما حدث... كيف سيقدم لهم ابنته بل ويشي بأخيه.
كان سهلاً عليه أن يتخلص منها... ولكن هذا ليس حلاً... ابن أخيه يجب أن يكمل حياته بهويته الحقيقية... صغيرته يجب أن يأخذ لها حقها.
الوضع صعب... صعباً للغاية... وفي ظل غرقه في بحور أفكاره وجد هاتفه يصدح باسمها.
فبعد أن صعد الجميع إلى النوم... ظلت هي تجوب الغرفة ذهاباً وإياباً بجنون... قلبها يخفق ألماً من شدة قلقها عليه.
فكرت كثيراً أن تذهب له ولكنها كانت تتراجع في آخر لحظة.
وأخيراً قررت أن تهاتفه عليه يجيب ويطمئن قلبها الملتاع عليها.
وحبيبها كان يعلم بما يدور داخلها.
أشفق عليها ورد قائلاً:
"لسة ما انعستيش... مالك تعبانة."
ردت عليه بصوت شجي:
"جلبي واجعني عليك... طمني... فيك إيه."
زفر بهم وقال:
"مفيش شيء... بالي مشغول ورايد أقعد لحالي... انعسي يا رغد... انعسي."
رغد:
"كيف ده وأنا حاسة إنك تعبان يا جلب رغد من جوه.... كيف هييجيلي نوم وأنت قاعد مهموم لحالك... ريح جلبي... مالك يا عثمان."
أغمض عينيه بحزن ثم أكملت:
"أنت لقيتها صح."
لم يستطع سماع نبرتها الحزينة... ولم يرد أن يقلقها فقال بتسويف:
"أنا خلاص مجادرش أفتح عيني... تصبحي على خير... وبس."
أغلق الهاتف دون انتظار رداً منها.
تنفس بصعوبة وكان حجراً ثقيلاً جاثم فوق صدره.
أما هي: لم يطاوعها قلبها على تركه في هذا الحال وحده... ستذهب له وليحدث ما يحدث.
ارتدت روباً طويلاً فوق قميصها الحريري... فتحت باب غرفتها بتمهل كي لا يصدر صوتاً... ثم تسحبت إلى الأسفل كي تذهب له في غرفته القديمة.
في بعض الأحيان لا نحتاج إلى حديث... كي نخرج ما بداخلنا... بل نحتاج لحضن دافئ يحتوينا.
جسد عاشق يتحمل نوبة غضبنا التي تخرج على هيئة رغبة جامحة... خوفاً وعشقاً في آن واحد.
لم يتفاجأ بدخولها عليه... بل كان في انتظارها بعدما أخبره قلبه العاشق لها بذلك.
بمجرد أن أغلق الباب... وقبل أن تتفوه بحرف أو تتجه إليه بعيون يملأها العشق والحيرة والخوف.
كان هو ينتفض من فراشه الذي كان ممدداً عليه... اختصر المسافة بينهما في بضع خطوات متعجلة.
رفعها من خصرها بقوة ثم التقم ثغرها في قبلة ماجنة تعبر عن شوقه واحتياجه... وخوفه من القادم.
لم تفزع من هجومه الضاري عليها... بل كان بداخلها احتياج أكبر... بادلته بكل ما تحمله داخلها من عشق واحتياج لوجوده معها.
بادلته باحتواء... أرادت أن تأخذ من داخله حزنه... حتى لو امتلأت هي به.
دم شفتيها دون قصد... هبط بقبلاته الملتهبة إلى عنقها... تحرك تجاه الفراش وهو يقول من بين تلك القبلات المحمومة:
"محتاجك يا رغد.... رايدك."
مددها وهو فوقها بعنف غير مقصود وهو يكمل:
"حسي بعشقي ليكي... مجادرش أكتمه... بموتي لو بعدت عنيك... أنت حياتي اللي معشتهاش."
كان يتحدث بجنون وهو يلتهم جسدها بجموح وعنف لم يقصده.
حتى حينما صرخت ألماً حينما قضمها بأسنانه... وجدته يبتعد قليلاً ويقول بجنون:
"لااااه... صرخي بعشجي.... جولي إنك هتعشقيني يا رغد."
اعتصرها بقوة وهو يكمل بهياج نابع من رغبته بها وخوفه من ابتعادها:
"جولي هتفضلي معايا.... مهتبعديش.... اااانطقي."
صرخت بدموع... ليس دموع ألم جسدي أكثر منها حزناً على تلك الحالة التي لأول مرة تراه عليها.
رغد:
"بعشقك... أنت بقيت تجري في دمي يا عثمان... متخافيش... مجادرش أعيش من غيرك."
كان الوضع أشبه بالجنون... بينما يلجها بقوة وكأنه يريد أن يكون بكامل جسده داخلها.
كانت هي بالأعلى تحتوي رأسه بين ذراعيها وتملس على شعره بحنو ينافي ما يحدث.
همست له من بين تاوهاتها:
"أنت جلب رغد... أنت اللي خدت كل حاجة حافظتها بنت العبايدة... جلبها اللي مدخلش قبلك... وجسمها اللي محدش لمسه غيرك... وعمرها اللي جاي وهبته ليك يا جلب رغد ونعيمها.... اطمن... أنا وياك لآخر نفس فيه."
حقاً... كل ما كان يحتاجه احتواء... بضع كلمات حانية تخرج من قلب عاشق بصدق... تخبره أن كل مخاوفه مجرد أوهام... حبيبته معه ولن تتركه.
أخيراً... فاق من نوبة جنونه الغريبة... بعد أن أراحها قبل أن يخلص حاله.
ولكن كان الأهم والأجمل من كل ذلك هو... صوتها الشجي الذي ظل يتردد داخل قلبه قبل أذنه وهو تقول:
"أنا معك."
ظل فوقها لم يتحرك... يلثمها بقبلات معتذرة عما بدر منه منذ قليل.
ومن بينهم كان يقول بصوت يتحشرج يملؤه الندم:
"وجعتك ببيه جلبي.... كنت محتاجك يا رغد.... بس بعدت... كنت خايف عليكي... مكنتش رايد أكون وياكي وأنا فالحالة دي... مجصدش أوجعك... بس أنا موجوع... جلبي واجعني يا رغد.... بس اطمن لما جيتيله... شوية."
ضمته بحنو وقالت:
"كان لازمن أجيلك... مهما عملت... المهم إنك معايا... خليك وياي مهما كانت حالتك... هفهمك وهحس بيك... وهتحملك... أنت حبيبي وروحي يا عثمان... متبعدش تاني مهما حصل."
وكان رده عليها منافياً تماماً لما تقوله... تخشبت جسدها أسفله حينما قال بصوت يملؤه الحزن والخوف من القادم:
"أنا لقيت الفاجرة... جيبتها وياي أهني."
زفر بجنون ثم أكمل بحسم:
"بكرة هسلمها لأهلك."
تصلبت أسفله... سالت دموعها بغزارة فجأة.
قلب يخفق بجنون.
جملة واحدة تتكرر داخلها.
تلك هي النهاية.
ماذا سيحدث يا ترى.
سنرى.
رواية عثمان و رغد الفصل السابع عشر 17 - بقلم فريدة الحلواني
يا الله...
الخوف وحش مفترس ينهش أحشاءنا. أما أن نواجهه ونقتله بسكين الشجاعة، أو نتركه يمزقنا من الداخل حتى يقتل روحنا ونصبح أحياء بلا حياة.
طبيبنا الحكيم... فكر في الأمر من جميع الاتجاهات. لن يظلم أحد. لن يسمح لباب الثأر أن يفتح، ولن يترك حق صغيرته المسكينة التي تحملت ما لم يقدر عليه من عاش أضعاف عمرها. سيعيد هوية ابن أخيه الحقيقية، حتى يستطيع العيش بطريقة سوية. وفي الأخير سيأخذ حق أخيه، والذي كان معترفًا من داخله أن له النصيب الأكبر من الخطأ.
لم ينم ليلته. لا هو ولا حبيبته التي كان الخوف يقطعها أربًا من الداخل. حاولت أثناءه عما انتواه بشتى الطرق، ولكنَّه أبدًا لن يتراجع. بل أقنعها بأن ما يفعله هو عين الصواب. وعدها ألا يفتح باب الثأر مرة أخرى. طالبها بالوثوق به وبحكمته التي لا تعلم عنها شيئًا حتى الآن. رأت عثمان المتجبر، ثم شديد الاحتواء، والعاشق الذي أغدقها بدلاله لها. والآن جاء دور الطبيب الحكيم ذي العقل الراجح، الذي أبدًا لن يرضى بظلم أحدهم.
مع بدء ظهور أول خيط من نور الصباح، قبل رأسها المسنود فوق صدره وقال بمزاح:
"قومي يا حبيبتي، ارجعي أوضتك قبل ما نتجف."
اعتدلت كي تنظر له وتقول:
"واااه... إني مرتك."
"مرتي وحبيبتي كماني. بس انتي خابرة زين اللي فيها. بلاش تعملي ناصحة علي."
تعلم أنه يريد التخفيف عنها بعد بكائها، وستفعل معه المثل.
قالت بدلال:
"حاسة إني عيلة صغيرة راحة تقابل حبيبها من ورا أهلها. وحبيبها خايف عليها."
لمس على وجنتها بحنو ثم قال بصدق:
"حبيبها معندوش أغلى منها يخاف عليه. يلا يا جلبي حبيبك، ما رايدش أتأخر. خلينا نخلص و نفوج لحالنا."
"عثمان..." قالت رغد بخوف. "انت وعدتني."
قبلها بعشق ثم قال:
"و إني عند وعدي يا رغد. عثمان... مفيش نقطة دم هتنزل من حد فينا. ربنا يقدرني و أحلها ويا أبوكي من غير ما حد يدري بينا."
فاقت من تأثير المخدر منذ بضع ساعات. لم تقو على الحراك. نظرت حولها وجدت نفسها ملقاة أرضًا مكبلة يداً وساق. حتى فمها مربوط بوشاح. غرفة داخل مخزن مهجور، هو ما استشفته مما حولها. انهمرت دموعها بغزارة. ليس ندمًا، بل رعبًا من القادم. علمت أنها النهاية في كل الأحوال، سواء عاقبها هو، أو قرر إعادتها إلى أهلها، وهذا الاحتمال الأقرب.
بعد أن ارتدى ثيابه وتأهب للخروج، اتصل على عبد الحكيم العبيدي. وحينما رد عليه قال بجدية:
"السلام عليكم. كيفك يا حاج؟"
رغم استغراب الأخير من هذا الاتصال المبكر، إلا أنه رد بهدوء:
"وعليكم السلام ورحمة الله. كيفك يا ولدي؟ والبت زينة، فيكم حاجة؟"
"بخير يا حاج. اطمن." سحب نفساً عميقاً ثم أكمل:
"إني رايدك في موضوع مهم."
"تعال يا ولدي الدار مفتوح. هو انت غريب تاخد الإذن قبل ما تيجي؟"
"لاااه. خلينا بعيد عن الدار. أو... خلينا نقعد في المندرة لحالنا. اللي رايدك فيه ما ينفعش حد تاني يعرف بيه."
"جلجلتني يا ولدي. هستناك في المندرة. متطولش علي."
جلس معه على انفراد داخل قاعة الضيوف المنفصلة عن السرايا. ورغم استغراب الجميع من هذا الأمر، إلا أن لم يجرؤ أحد على التدخل أو حتى السؤال. نظر له هذا الشيخ الحكيم وعلم أن الأمر جلل. سأل بهدوء ينافي قلقه الداخلي:
"خير يا ولدي."
"يا حاج عبد الحكيم. إني اللي جيتك وطلبت ننهي الثأر اللي بين العيلتين. واللي راح بسببه زينة شبابهم ورجالتهم. كفانا بحور الدم اللي روت النجع. ما أخذنيش الكبر وقتها ولا قلت كيف إني اللي أتنازل وأروح لهم. بديت مصلحة الكل وطلبت نسبك لأخوي، الله يرحمه. وقتها كنت خابر إن عنديكم بنته أكبر منها. لكن إني اخترت لأخوي نسبك انت، يا كبير العبايدة."
"وهو يعلم ربي كنت هعمل في أخوي إيه لو بس حسيت إنه زعلها." تغاضى عن تلك النقطة سريعًا حينما كادت غيرته أن تظهر عليها.
أكمل بنبرة عاشقة لم يقصدها:
"ويعلم ربي إن بنتك من يوم ما بقت مرتي وإني شايلها جوه حباب عيني. مش لجل إنها مرتي وبس. لااااه. عشان هي تستاهل تتشال فوق الراس." أكمل بداخله رغماً عنه: "وجوه الجلب."
هز الرجل رأسه بتفهم. ورغم أن بداخله فرح لعشق هذا الطبيب لابنته، إلا أن خوفه من القادم كان أكبر. زفر عثمان بهم ثم أكمل:
"إني بقولك كل ده عشان اللي جايلك فيه. لو ما تحلش بالعجل والحكمة. هيفتح علينا اللي حاولنا نقفله. ووقتها مفيش حاجة هتقدر توقفه."
"جول يا ولدي. إني جلجت. في إيه لكل ده؟"
ذكر اسم ربه بداخله ثم حوقل كي يستمد القوة من خالقه. ثم بدأ يقص عليه كل شيء منذ البداية إلى اللحظة التي يجلس أمامه فيها. استمع إليه وكل خلية بداخله تغلي غضباً. وبعدما انتهى، انتفض من مجلسه ثم طرق بعصاه الأرض وقال بحسم:
"وينها الفاجرة؟"
وقف عثمان وقال:
"في المخزن الجبلي."
"هاجي وياك آخدها. وبعديها..." نظر له بغضب ثم أكمل: "بنتي تلزمني."
هل تشعرون بكم النار التي اشتعلت داخل صدره؟ حتى أنها خرجت من عينيه. نظر له بقوة غاضبة ثم قال:
"مرتي. مالهاش صالح بكل ده. إني كان ممكن أقتلها وأتاويها من غير ما حد يحسب. بس إني جبتها ليك لحدت عندك. لجل ما تعرف الحقيقة. ولجل ما أريح ولد أخوي. والأهم من كل ده. آخد حق مرتي. أوعاااك تفكر إنها هتبقى طرف بيناتنا. طلعها بره الليلة دي. وإلا.... لا هيهمني ثأر ولا حتى النار تحرق النجع كله."
هز عبد الحكيم رأسه بغل ثم قال بمهادنة:
"أغسل عاري الأول. بعدين لينا حديث تاني."
صاح بحسم:
"ولا تاني ولا تالت يا حاج. تاخد اللي ليك عندي وبس."
لم يتلق منه ردًا، وإنما أخرج هاتفه ليتصل بولده البكر، والذي ورث العقل والحكمة منه. وحينما رد عليه قال بحسم:
"هات عمك وتعال المندرة."
بينما هم يتحركون أربعتهم بوجه متجهم متجهين إلى مكان تلك الحقيرة التي ستنال جزاءها كما يجب. كان هناك من هو أحقر منها يتوارى خلف أحدب الأشجار منتظر رحيلهم بعدما سمع كل ما قيل بالداخل.
اتخذت من غرفتها مخبأ كي تبتعد عن الجميع حتى لا يلاحظوا رعبها الظاهر بوضوح عليها. وبينما لعبت بها هواجسها وتخيلت أسوأ السيناريوهات. وجدت خافقها يخبرها بيقين، أن تثق في طبيب قلبها لن يخذلها. سيحل الأمر دون ضرر لأي من العائلتين. لن يضيع كل ما ضحت به هباءً.
وقفت سريعًا ساحبة وشاحاً لتغطي به رأسها كما أمرها. قالت لحالها بتشجيع:
"انزلي الهي حالك وياهم. عثمان عاجل وهيحلها بأمر الله."
أعقبت قولها بالخروج متجهة إلى الأسفل. ومع انشغالها نسيت هاتفها ملقى فوق الفراش.
هرول ابن عم رغد إلى داخل السرايا بعدما تأكد من مغادرة عمه وعثمان. صاح بالجميع كي يأتوا إليه وقال بغل فقد جاءته الفرصة كي ينتقم من عثمان الذي تسبب في إهانته والتقليل منه وسط الرجال وقتما كان آتيًا ليتقدم لرغد.
"تعالوا. تعالوا يا عبايدة شوفوا اللي حصل واحنا نايمين على ودانا. لو فيكم راجل يغسل عاره وما يخليش واحد من السوهاجية عايش على وش الأرض."
التف الجميع حوله بغضب، وأولهم كان وهدان الذي قال:
"إيه اللي هتقوله ده يا واكل ناسك؟"
"إني لسه هقول. هقول اللي مستخبي كله." قال تلك الكلمة وهو ينظر إلى شادية التي ماتت رعباً. "السر انكشف. يا ويلك يا ابنة قلبي."
قص عليهم سمير ما سمعه حينما وقف يتصنت عليهم منذ أن أتى عثمان. وبعد أن انتهى قال بخبث:
"عمي ويونس رايحين يجيبوا الفاجرة. إحنا بقى نروح سرايا السوهاجية نجيب بتنا من هناك. بكفيها بهدلة لحدت كده. الله أعلم عثمان عمل فيها إيه هو كمان."
قبل أن يرد عليه أحد كانت شادية تصرخ برعب:
"لااااه. مالكومش صالح برغد. البنية عايشة متهنية. متخربوش عليها يا خلج."
وجدت انصاف الفرصة كي تشفي غليلها الواهي من تلك المسكينة وتطفئ نار غيرتها منها. قالت بصوت يملأه الحقد:
"كنك اتخبلتي يا شادية. كيف يهملوا خيتك بعد كل ده. هأتمني عليها كيف وياهم. دي غير الثأر اللي هيفتح من أول وجديد."
"يلا يا رجالة." قال وهدان بحماقة. "ناخد بتنا الأول بعدين هنولعها حريقة. يا ويلكم يا سوهاجية."
صرخت. توسلت. وقفت تحاول منع أي منهم من التحرك، ولكنها فشلت فشلاً ذريعًا.
قالت بجنون:
"منك لله يا سمير." هرولت للأعلى حتى تحضر هاتفها كي تحاول إنقاذ أخته.
بينما انصاف تقول بشماتة:
"خلاص يا شادية. النار ولعت وما فيش حد هيقدر يطفيها."
ردت عليها بصراخ غاضب:
"إلهي النار دي تحرق كل اللي رايد ببختي شر. منكم لله."
عادت الاتصال بها للمرة الخامسة ولم تجد رداً. فكرت سريعاً واتصلت بأبيها الذي أيضاً كان يغلق الهاتف. لم تيأس. ظلت تحاول مع أبيها وأخيها إلى أن رد عليها بغضب:
"خبر ااا..."
قاطعته صارخة:
"الحج يا خوي. سمير عرف اللي حصل. وجاء الدنيا نار. يونس أخوك خد ولد عمك والرجالة وطلع على السوهاجية لجل ما ياخدوا رغد. الحجهم يا خوي."
أغلق معها سريعًا، بينما هي اتصلت على هاتف نرجس، وحينما ردت عليها صرخت بها:
"رغد وينها؟"
انتفضت نرجس من صراخها وقالت:
"اهي قاعدة ويانا مالك."
لم تعطها الفرصة للسؤال، أمرتها سريعاً:
"اديهالي بسرعة."
أمسكت الهاتف بيد مرتعشة. سمعت أختها تقول:
"اقفلي الباب يا رغد لو ما فيش حداكم رجال. أخواتك جايين ياخدوك."
سألتها بخذلان:
"عثمان قالهم؟"
صححت لها شادية الأمر سريعاً كي لا تسيء الفهم:
"لااااه. محدش كان خابر جوزك رايد بوكي في إيه. لكن اللي ربنا ينتقم منه سمير الكلب كان هيتأصت عليهم. وأول ما طلعوا دخل السرايا وجاء الدنيا حريجها. وعشان تسمعي حديثهم. جوزك ما باعكيش يا بتي. بلاش تديهم فرصة يجيبوا النار من تاني. اتحملتي كتير يا بت جلبي. كملي للآخر لجل خاطري وخاطر جوزك اللي عشقك."
أما زوجها فقد أصبح مثل الثور الهائج بعدما سمع يونس يقص على أبيه ما حدث. وقد كانوا على وشك الوصول إلى وجهتهم. صاح بغضب جم:
"هتتعدوا على حرمة بيتي يا عبايدة.?"
أوقف السيارة فجأة وقال بجنون:
"إني حاولت أقفل باب الدم. لكن انتوا اللي رايدين. ولو حد مس شعرة من مرتي ولا طلعها بره دارها مهخليش حد فيكم عايش."
لم يهتم بصياحهم عليه. بل أعاد تشغيل سيارته وانطلق بها بسرعة جنونية. أمسك هاتفه بصعوبة وقام بالاتصال على حمزة. وبمجرد أن رد عليه قال بأمر:
"لم الرجالة بسرعة واطلع عالسرايا."
"في إيه؟"
"العبايدة رايحين يخطفوا مرتي. مرّة أخوك يا حمزة."
"على جثثنا يا خوي. يعدوا على جثثنا الأول بعدين ياخدوها."
في نفس التوقيت كان يونس وأبيه وعمه يقومون باتصالات هاتفية مع بعض أفراد العائلة كي يحاولوا منع تلك الكارثة التي ستحصد الأخضر واليابس. وتلك المرة حقاً. لن يستطيع أحد منعها.
كان المشهد... حقاً مرعب.
توجس أهل القرية خوفاً حينما شاهدوا رجال العبايدة يتجهون نحو سرايا عائلته السوهاجي وعلى ملامحهم غضباً شديد. أما تلك المسكينة فقد وقع منها الهاتف بعدما فشلت في الإمساك به. فقد انفلتت أعصابها من شدة الرعب.
التف حولها النساء يسألن بلهفة ماذا حدث.
"واااه مالك يا بتي. أبوكي زين؟ حد من أهلك جرى له حاجة؟"
"جولي يا خيتي ولو خايفة من عثمان. الحاج يتحدث وياه لجل ما تروحي تطمني عليه."
مهنا فاقت قليلاً وقالت بارتعاش:
"اقفلوا الباب. أهلي هياخدوني. رايدة أكلم بوي. كلمي عثمان." بكت بقهر وهي تتوسل لهم: "اتصلوا بيه أحب على يديكم."
لم تتركها عائشة تتوسل. بينما كان الجميع يهدئها. كانت هي تطلب زوجها الذي رد سريعاً:
"حد جيه؟"
لم ترد عليه بل وضعت الهاتف فوق أذن تلك الباكية. وبمجرد أن سمعته يقول:
"وينها رغد؟"
ردت عليه بوهن:
"إني خايفة."
اعتصر قلبه ألماً حينما سمع نبرتها المرتعبة. ولكنَّه قال بقوة:
"بوكي وأخوكي معاي وسامعني زين." أكمل بصياح قوي: "إنتي مرتي. وما فيش جوه على الأرض هيبعدك عني. لو حد منهم فكر يمس شعرة منك. مش هيكفيني رجابيهم كلهم. إني جايلك. جايلك يا جلبي عثمان. أوعاكي تخافي ولا تطلعي من دارك."
وصل وهدان بصحبة الرجال. ولحسن حظه كان حمزة ما زال في الطريق مع رجاله. ولكنَّه قام بمهاتفة بعض الرجال المتواجدين بالقرب من السرايات. تصدوا لهم وقامت معركة حامية. الجميع يضرب. الجميع يسب. إخوتها وعلى رأسهم وهدان يحاولون اقتحام السرايا.
والخبيث ينفخ في النار كي يشعلها أكثر حينما وسوس لأخيها أن يدخلوا من الباب الخلفي متمنين أن يكون مفتوحاً.
في نفس لحظة وصول حمزة مع باقي الرجال. والذين اشتبكوا مع البقية دون تفكير. كان وهدان وسمير ومعهم ثلاثة رجال اقتحموا السرايا من الباب الخلفي.
صراخ وعويل. خوف ورعب حد الموت. هذا كان حال النساء بالداخل. صاح وهدان بهم:
"اكتمي يا حرمة منك ليها. إني هاخد خيتي من سكات."
سحبتها عفت خلف ظهرها وقالت بقوة:
"كنك اتخبلت. انت مفكر إن حد هيسيبك تاخد مرة السوهاجي. انت كتبت على حالك الموت بعملتك الشينة دي."
"أما نشوف يا دكتور مين اللي هيقتل التاني."
صرخت رغد بتوسل:
"أحب على يدك يا خوي. اجصر الشر. عثمان ما عملش حاجة لجل ما تقتله. دي أكرم خيتك وحطها جوات حباب عينيه."
"إنتي لساتك هتيجي على نفسك لجل ما توقفي الدم يا بت عمي. مش كفاية اللي اتحملتيه من أخوه."
بين شد وجذب. في نفس اللحظة التي قررت فيها نرجس أن تهرول تجاه الباب كي تفتحه وتستنجد برجال عائلتها. كان ذلك الأرعن يهجم على أخته بغتة ويجرها جراً من ذراعها تجاه الخارج.
خطوة فقط. واحدة. هي ما خطاها خارج الباب ثم تصنم مكانه حينما سمع دوي إطلاق نار قوي. ليس طلقة واحدة بل ثلاث طلقات.
أنا هي. تخشب جسدها. جحظت عيناها حتى دموعها جفت من هول ما رأت.
ماذا سيحدث يا ترى؟
رواية عثمان و رغد الفصل الثامن عشر 18 - بقلم فريدة الحلواني
صدر صرير مرعب من سيارة عثمان الذي أوقفها فجأة.
هبط منها بطريقة تنم على أنه سيقتل كل من يقابله.
لما لا، فقد أخذ سلاحه الناري الذي كان يضعه داخل سيارته قبل أن يتركها.
كان المشهد كالتالي:
في نفس وقت وصول عثمان، كان وهدان يسحب رغد للخارج.
وفي نفس وقت دخوله، وبينما هم كي يلتحم في المعركة الدائرة أمامه، وجد وهدان يخرج من باب السرايا الداخلي ساحباً تلك المسكينة التي تحاول أن تمسك الباب لتمنع خروجها.
في لحظة، بمنتهى الحرفية، حينما فشلت رغد في أن تقاوم أخيها وقبل أن يخطو بها أكثر من خطوتين، كان عثمان شاهراً سلاحه نحوه ثم أطلق منه أول رصاصة مرت فوق رأس هذا الجبان الذي لم يهتم بمظهر أخته أمام الرجال.
بمجرد أن دوى الصوت في الأرجاء، ثبت الجميع كل في موقعه.
أما هذا الأسد الذي يدافع عن عرينه، كان يتقدم للأمام ويطلق رصاصة أخرى مرت بجانب وهدان.
ثم الثالثة تحت قدمه حينما أصبح قريباً للغاية منه.
أثناء تقدمه، كان يقول بنبرة خرجت من الجحيم:
فكر تخطي بها خطوة كمان.
أكمل بعدما وصل أمامه واضعاً فوهة السلاح فوق جبينه وهو يكمل:
سيبها.
بينما يثبت السلاح فوق رأسه ويأمره بتركه، كان هو يسحبها بيده الأخرى.
في نفس وقت صياح عبد الحكيم:
همل خيتك يا واكل ناسك.
نزلو سلاحكو يا عبايد.
انخفض الجميع أسلحتهم الذين أشعروها في وجه الخصم، خاصة عثمان مع انطلاق الرصاصة الثانية.
رغد... هل أحدكم يستطيع تخيل ما تشعر به؟
لا، والله قد عجزت الحروف عن وصف.
فقد تخشب جسدها وشعرت أن الرؤية انعدمت أمامها.
كل ما تراه دماء ستسيل ولم تروي أرضاً يملأها الغربان.
أفاقها صوت أبيها الصارخ وقتها فقط أيقنت خطورة الموقف.
وبينما كان حبيبها يسحبها من يد أخيها، كانت هي بمنتهى الشجاعة والارتعاش تقف بينهما.
نظرات التوسل انطلقت منها تجاه هذا الغاضب.
ذراع تحركت بصعوبة كي ترتفع وتمسك بيده المثبتة فوق جبين أخيها.
صوت يملأه الحزن والرجاء:
لجل خاطري... وفقط.
نظر لها بجنون وقال بصياح:
لساتك هتدافعي عنه؟
أعلى صوته وهو يكمل:
حرمة بيتي اللي اتعدوا عليها... مهتكفنيش جصادها حرج الكل.
صرخت برعب:
لاااااه... أحب على يدك بكفاية... لجل خاطري.
رد عليها بغضب أشبه بالعتاب:
خايفة عليهم... رايدة تروحي وياهم؟
هزت رأسها بهستيرية رافضة ما وصل إليه وهي تقول:
لاااااه... أنت راجلي اللي اكرمني... ومهطلعش من دارك غير على جبريت.
تطلعت حولها وهي تكمل:
وهما أهلي وفوق راسي.
كادت أن تكمل حديثها المتعقل، إلا أنها لمحت هذا النذل يشهر سلاحه في الخفاء تجاه ظهر عثمان.
لا تعلم من أين أتتها القوة كي تتشبث به وتلف جسده معها كي تتلقى الرصاصة بدلاً عنه وتفديه بروحها العاشقة.
قبل أن يستوعب ما حدث، كانت هي تمسك بثيابه وهي تقول بوهن:
أهلي يا عثمان.
عثمان... عثمان يشعر أن الأرض تدور من حوله.
لن يستطيع استيعاب ما حدث.
لا يعلم كيف تمسك بها.
بل هبط بجسده معها أرضاً، والصدمة الجمّت الجميع.
حتى النساء لم تجد صوتاً يخرج منها كي يصرخن حزناً وفزعاً على تلك المسجية داخل حضن حبيبها.
وحبيبها ينظر لها بدموع حبيسة تأبى الهطول.
كل ما استطاع نطقه بهمس حارق:
بتفديهم بحياتك؟
ردت عليه بصعوبة ودمائها تسيل فوق يده الملتفة حولها:
إني فديت روحي... ما كنتش هقدر أعيش بعديك.
أتمنيتك جوزي في الدنيا... وهاستناك في الآخرة.
لو أنت اللي اتقتلت... كنت هقتل حالي بعيدك... و أبقى اتحرمت منك بردك دنيا وآخرة.
عشاني... أهلي... فقط.
كانت آخر ما تفوهت به قبل أن تغلق عيناها تزامناً مع ضمه لها وصياح بصوت رجلاً عاشقاً فقد الحياة لتوه:
لاااااه...
فوقي... متسبنيش... مهجربش يمه أهلك... فوقي يا رغد... فووووقي.
بدأ الجميع يمتص الصدمة.
اقترب منه عمه وأبيها المكلوم، يحاولون فحصها.
وحينما رفض وتشبت بها، صرخت بها أمه كي تفيقه:
فوقي يا دكتور... اكشفي عليها يا ولدي... عم تتنفس.
حج مرتك يا دكتور.
هنا تنبه عقله، تذكر مهنته.
نظر لها محاولاً رؤيتها من بين الغيمة التي حجبت عنه الرؤية.
جس عرقها النابض بتفحص ويد مرتعشة.
عاد قلبه ينبض من جديد بعدما شعر بنبضها هي ما زال موجوداً رغم ضعفه.
لم ينتظر لحظة، عاد لحاله وتجبره، بل وقوته التي استخدمها في حملها.
هرول بها إلى الخارج وهو يصرخ بهم:
الحج مرتي... واتحملوا جحيم عثمان السوهاجي يا عبايد.
كان حمزة في ذلك الوقت أمر ثلاثة رجال أن يلحقوا بذلك الحقير حينما يراه يهرب بعد ما فعله.
صعد السيارة خلف المقود بعدما صعد أخيه بزوجته في الخلف.
تحرك سريعاً وهو يقول:
سمير الكلب هو اللي عملها.
الرجالة لحقته قبل ما يهرب.
ضمها بقوة وهو يقول بهمس حارق وصل لأذن الأخير:
اجفل عليه لحد ما أفجولوا... مفيش كلب مالعبايدة رجليه تخطي عتبة المستشفى... سامع.
يعلم الله كيف تحكم في حاله كي يمارس مهنته كطبيب وهو يحاول إخراج تلك الرصاصة الغادرة.
وما ساعده على ذلك حينما وصل بها إلى مشفاه الخاص وقام بفحصها.
اطمأن قلبه العاشق قليلاً حينما اكتشف أن الطلقة أصابتها كانت في كتفها.
رفض أن يسعفها أحداً غيره.
بل دلف هو معها إلى غرفة العمليات ورافقه اثنان من الممرضات كي يخرجا لها.
ثم يقوم بتقطيب جرحها.
ذلك الجرح الذي شعر به داخل قلبه ليس في جسدها هي.
ولاول مرة منذ أن مارس مهنة الطب يده ترتعش أثناء إجراء عملية جراحية.
لكن ذلك لم يكن ضعفه منه، بل رعشة قلبه الذي يعتصر ألماً أصابت جسده بالكامل ليس يده فقط.
أمام المستشفى، كان المشهد... حقاً مرعب.
رجال العائلتين يقفان قبالة بعضهما البعض في حالة تأهب تام لنشوب معركة حامية.
قوات الأمن التي وقفت في المنتصف في محاولة منها لمنع احتكاكهم ببعض.
أبيها... ذلك الرجل الحكيم الحزين، الذي يقف مكتوف الأيدي.
غاليتها بالداخل لا يعلم عنها شيئاً، ولا يستطيع أن يكون بجانبها.
أما النساء، كان يخيم عليهم الحزن والبكاء وهن يجلسن منتظرين أن يطمئنوا عليها.
عفت ببكاء:
عيني عليكي يا بتي... يا جهره قلبي عليك.
نرجس بحزن:
إني هتجن... عقلي هيفط مني... ليه كلت ديه؟
إيه اللي حصل لجل ما العبايد يعملوا أكده؟
عائشة ببكاء:
محدش خابر شيء... الدنيا اتقلبت مرة واحدة... والبت ضحت بروحها يا نضري.
تحية بغيظ:
الدكتور هيلحقها متخافيش.
عفت:
إني لازم أعرف السبب.
نظرت لابنتها وقالت:
اتصلي بشادية.
ردت عليهم ببكاء مرير:
طمنيني يا حاجة... خيتي عملت إيه؟
ولدك مانع حتى أبوها يدخل المستشفى... ومحدش رايد يريحه بكلمة حتى.
عفت:
شادية... تجدري تاجي عندينا دلوك... حديث التليفون مهينفعش.
فهمت شادية ما تريد.
ولأنها تثق في تلك السيدة الحكيمة ردت عليها بحسم:
مسافة السكة هكون عندكوا.
وبالفعل، بعد مرور أقل من نصف ساعة كانت تجلس وسط النساء في بهو سرايا السوهاجية.
عفت:
أنتي خابرة سبب كلت ديه... صح؟
جوليلي يا بتي... ريحي قلبي... إني هتجنن.
نرجس:
شكلها حكاية واعر جوي يا أم شادية.
شادية:
إني معرفش إذا كان اللي هقوله ينفع ولا لأ.
نظرت لعفت برجاء ثم أكملت:
إني هقولكم على كل حاجة... لجل ما تعرفوا خيتي استحملت إيه... وعاشت كيف.
بس اللي طالباه منكم... مفيش حد يفتح الحديت ديه واصل لما نشوف الرجالة هتعمل إيه.
عائشة:
اطمني... مفيش حرف هيطلع بره... حتى الرجالة اللي كانت عم تطحن في بعضها محدش منهم فاهم ولا عارف السبب.
سحبت نفساً عميقاً، ثم قصت عليهم كل شيء.
كل ما عانته أختها من يوم أن خرجت من بيت أبيها... إلى تلك اللحظة.
لكن بمنتهى الحكمة تغاضت عن ذكر ذلك العشق الذي أصبح يجري في وريد الثنائي ولا حتى ما فعلته كي يتم زواجها.
زهول... صدمة تصحبها دموع غزيرة تهطل من عيون النساء كلما أسْهَبَت شادية في الحديث.
لا عقل ولا منطق يجعلهم يصدقون كل هذا.
وبعد أن انتهت قالت بحزن من بين دموعها:
كلت ديه خيتي استحملته لجل ما الثأر يوقف.
نظرت لعفت وأكملت برجاء:
ورحمة الغاليين يا حاجة... بلاش تخلي كلت ديه يروح هدر.
كلمي والدك... خليه يحكم عجلة... بكفايانه لحد أكده.
حد يتصل بيه... جلبي واكلني يا ناس... عايزة أطمن على خيتي... وهو مانع أي حد منا يدخل جوه.
عفت بصدمة:
كان جلبي حاسس إن فيه حاجة غلط... الله يرحمه ويسامحه... كان مبين للكل إنه عاشقها ومهنية.
لكن عينها الحزينة اللي كلها هم... كانت بتكذب كلت ديه.
ليه بس يا ولدي...
بكت بحرقة وهي تكمل:
ضيعت شبابك هدر... وظلمت لابنية.
بعد أن انتهى من العملية بشق الأنفس، قام بنقلها إلى غرفة عادية نظراً لحالتها المستقرة.
لكنها كانت لا تزال تحت تأثير المخدر.
بعد أن وضعها بتمهل وحرص فوق الفراش، مال عليها مقبلاً جبينها برفق جامح ثم قال:
سامحيني... ما قدرش انفذ طلبك... هدفعهم تمن كل نقطة دم سالت منك... حرج قلوبهم كيف ما قلبي اتحرج واني فاكر إنك ضعتي مني.
ما قدرش أصدق إنك تعملي أكده... ليه يا بت قلبي لييييه.
بينما كان يجلس على أحد المقاعد منتظراً بلهفة إفاقتها بعد ذوال مفعول المخدر.
سمع طرقاً فوق الباب.
فتحه سريعاً وجد حمزة ومعه أحد الضباط.
تحرك خطوتين نحو الخارج ثم أغلق الباب بهدوء وقال:
خير يا حضرة الظابط.
الضابط:
محتاجين نحقق مع المجني عليها... وناخد أقوال الشهود.
نظر له ببرود ثم قال:
مجني عليها مين... وشهود إيه اللي بتتحدث عنيهم؟
إني مفهمش حاجة.
جز الضابط على أسنانه كي يكتم غيظه ثم قال:
المجني عليها... زوجة حضرتك اللي أصيبت بطلق ناري يا دكتور.
رد بلامبالاة ظاهرية:
محصلش.
نظر له بعدم فهم فاكمل بثقة:
مفيش حاجة من دي حصلت... مرتي وقعت فوق إزازة عورتها... وبس... جبت منين الحديث ديه.
نظر لحمزة وأكمل:
مش ديه اللي حصل يا خوي؟
حمزة بتأكيد:
ومفيش غيره يا واد عمي.
لم يتمالك حاله بعد أن رأى تلك التمثيلية الهزلية فقال بغضب:
اللي بيحصل ده غلط يا دكتور.
الناس تحت واقفين على تكه... كلمة واحدة وهتحصل مجزرة... ارجوك أنت إنسان متعلم ومثقف... يا ريت تكون أنت صوت العقل اللي ينقذ أرواح بريئة زي ما عملت قبل كده.
رد عليه بحسم دون أن يتأثر بما قيل:
إني جلت اللي عندي... ملياش صالح بأي حاجة تاني.
أكمل باستهزاء:
واللي بلغك... تجدر تعمله محضر بلاغ كاذب وإزعاج سلطات.
في أحد المخازن التابعة لعائلة السوهاجي، كان ذلك الحقير يتلقى ضرباً مبرحاً من رجال حمزة.
كادت أحباله الصوتية أن تتقطع من فرط صراخه المتألم.
لم يرافوه بل قال أحدهم بغل:
"صرخ... عالي صوتك كيف الحريم.
أما كنت عامل فيها سبع الرجال من اشوي... كلت ديه مهيجيش حاجة جصاد اللي هيعملوه فيك الدكتور."
تقدم يونس من أبيه وقال بغضب مكتوم:
وبعدين يا بوي... هنفضل واقفين أكده ومخبرينش خيتي إيه اللي حصل فيها.
أديني إشارة وأني أطربق المستشفى عالي فيها.
نظر له أبيه بغضب ثم قال:
و ماله... ولعها أكتر ماهي والعة... والغلبانة اللي ربنا أعلم بحالها دلوقتي هي اللي هتدفع التمن.
يونس:
يا بوي... إني رايد أطمن عليها... بجول أكده من غلبي... إني لحد دلوقتي مش قادر أصدق اللي حصل.
عبد الحكيم:
ولا أمي يا ولدي.
نظر له بثقة وهو يكمل:
طمن جلبك يا ولدي... خيتك في أمان.
يونس باستغراب:
كيف ديه يا بوي؟
ابتسم الرجل الحكيم لهم وقال:
لأنها مع اللي هيُهَد الدنيا لجل خاطرها يا ولدي... يكفيك شر راجل عاشق... لما حد يمس جلبه.
هل هي من تحاول فتح عينيها... أم قلبه المتلهف هو من يهيء له ذلك؟
اقترب منها بتهمل... جلس على حافة فراشها... أخذ يملس على وجنتها بحنان وهو يقول برجاء عاشق أرهقه الانتظار:
فتحي يا رغد دنيتي... خلي قلبي يرجع يدج... الدنيا اسودت في وشي لجل ما أنا محروم من نور عيني.
ارحمي قلبي وطمنيني عليكي.
و صغيرته رحمته حينما همست باسمه قبل حتى أن تستعيد وعيها كاملاً.
اقترب أكثر منها وقال بلهفة:
جلبي و عجله و روحه.
بدأت تفتح عينيها بوهن... أول ما قابلها وجهه المبتسم بفرحة لنجاتها وعودتها لها.
أخذت بعض الوقت كي تستعيد وعيها... وجدت مشاهد سريعة تمر أمامها لما حدث.
مما جعلها تفيق سريعاً بشكل كامل وتقول بلهفة رغم وهنها:
أنت زين... حصل إيه... طمني.
لم يتمالك حاله وهو يميل عليها كي يرفعها بحرص ويدفنها داخل أحضانه.
قبلات كثيرة فوق رأسها وهو يقول من بينها بنبرة باكية:
"توك قلبي عاود مطرحه.
هونت عليكي تعملي في أكده... هانت عليكي روحك."
ابتعدت عنه بصعوبة... تطلعت له بزهول وقالت:
أنت عم تبكي يا عثمان؟
قبض وجهها بحنو وقال:
ربي يعلم كتمتها كيف... كان نفسي أصرخ... أبكي... أنوح... أبوس إيد الكل وأجولهم... هملولي حبيبتي.
يدي كانت بتترعش وأنا بمسح دمك... ليه تعملي في أكده... ليييييه.
بكت في المقابل وهي تقول:
أنت هتجدر تكمل من غيري... أما إني أضعف من أكده بكتير... أنا فديت روحي مش روحك... أنا عشجاك يا طبيب جلب.
ينظر لها بعيون تصرخ عشقاً ثم اقترب منها وقال:
......
رواية عثمان و رغد الفصل التاسع عشر 19 - بقلم فريدة الحلواني
الصباح يهل على تلك القرية التي لم يغفل فيها أحد، ولم يذقوا طعم النوم. الكل في حالة قلق وترقب، ولكن كان أكثرهم وجعًا وقهرًا هو عبد الحكيم العبيدي، الذي أثبت ما حدث أنه بالفعل رجل حكيم. استطاع أن يلجم جموح بني عائلته، منعهم بحكمته الصارمة التي لا يستطيع أحد أن يعارضها من الهجوم على المشفى. فقد أخذتهم العزة ورفضوا منعه من دخولها، رغم ألمه الداخلي من ذلك الموقف المخذي بالنسبة له، إلا أن مصلحة ابنته وصحتها كانت أهم، خاصة بعدما أيقن عشق الطبيب له.
أما الطبيب، فهو الوحيد الذي نام قرير العين، حتى وإن كان مجرد ساعة واحدة غفى فيها بجانب رغد وهو يضمها داخل ضلوعه بعدما اطمأن أنها بخير.
أمرت عفت بتجهيز بعض الثياب لرغد ولدها الذي هي على يقين تام أنه لن يبرح المشفى دونها. جهزت أيضًا بعض الأطعمة، وتوجهت نحو عبد العظيم وقالت:
"مين فيكم هيوصلني المستشفى؟"
وقف قبالتها وقال بمهادنة:
"يا حاجة اسمعي بس، الدنيا مجلوبة هنا. رجالة العيلتين واقفين من عشية جبال بعضهم، والحكومة فالنصول. الجادر مانع أي حد يخطي جوه الباب، ودي عاملة وعرة جوي وأنتي خابرة زين أكده."
ردت عفت:
"خابرة، لكن بردك هروح للبت اللي دمها اتصفى جدامنا، ما نهملهاش لحالها."
قال عبد العظيم بحكمة:
"البنية جوزها وياها، ما فتتهاش دقيقة وحدها. إحنا حاطين إيدينا على قلوبنا، النار ممكن تشعلل في أي وقت. والحج يتجال، عبد الحكيم ماسك ناسه بيد من حديد، يبقى إحنا بجي منزودوهاش. ما يبقاش هما واقفين فالشارع مجدرينش يطمنوا على بتهم، وإحنا رايحين بحريمنا يزورها. أعجلي الحديث يا حاجة."
اقتنعت بما سمعت، فهو لديه كل الحق، ولكنها حقًا قلقة للغاية عليها ولن ترتاح إلا برؤيتها سالمة أمامها. زفرت بهم وقالت:
"طيب يا حاج، أديني قاعدة أها... بس بالله عليك لما توصل طمني، البيه قافل تليفونه من عشية ومعرفش أوصله."
البيه يشاكس صغيرته بل يتواثق معها أثناء فحصه لجرحها وتغيير ضمادته. ألقى بعرض الحائط كل ما يحدث بالخارج، كل ما يشغله فقط حبيبته وتحسين حالتها النفسية. بل الأصح كان يطمئن قلبه أنها ما زالت معه، لم تفارقه. هو يرى ابتسامتها حتى لو كانت باهتة، يشعر بحزنها مهما حاولت أن تداريه. يعطيها جرعات محسوبة من المسكن كي لا تتألم بقدر المستطاع.
بينما كان يضع ضمادة جديدة، سرحت يده تجاه صدرها قليلاً. لمساته الماجنة جعلتها تجحظ بعينيها وتقول بخجل واستنكار:
"وااااه... إيه اللي هتعمله ديه؟"
نظر لها ببرود عكس ناره المنقادة وقال:
"بغير عالجرح، في حاجة وجعاكي يا رغد؟"
نظرت له بغيظ وقالت:
"هو الجرح في كتفي ولا ااا..."
صمتت ولم تقو على التكملة. نظر لها بخبث وهو يقرب وجهه منها ويقول:
"من إيه... كملي."
عضت شفتها السفلى وأغمضت عينيها حينما لم تقو على مجابهة جرأته. ضحك برجولة ثم قبلها بسطحية وقال:
"جلبي اللي لسه هيخجل مني. طب ده اسمه كلام، عيبه في حقي والله."
نظرت له برجاء وقالت:
"عثمان..."
زفر بحنق لعلمه ماذا ستقول. لم تهتم وأكملت بعدما أمسكت كفه:
"لجل خاطري..."
رد عليها بغضب نجحت في إخراجه:
"لجل خاطرك، هطربق الدنيا على نفوخهم. لجل خاطر دمك اللي سال وجلبي اللي كان هيوقف من الرعب عليكي، هولع فيهم كلياتهم. هامحي اسم العبايدي من الدنيا."
بكت، كل ما فعلته هو البكاء بهدوء حزين، لا تقوى على ردعه، كما تعتقد. لا تعلم أن تلك الدموع المنكسرة هبطت على قلبه مثل شظايا النار الملتهبة.
كب وجهها كي يمسح دموعها وهو يقول بحنو بعد أن ضعف من مظهرها:
"عم تبكي ليه؟ لسه باقية عليهم بعد كل اللي عملوه فيكي؟"
ردت عليه بحكمة من بين دموعها:
"خليك حجاني يا دكتور، أهلي حقهم يعملوا كده بعد ما عرفوا اللي حصلي. لو كنت انت مطرحهم كان زمانك مولع فيهم، وأبويا إني متأكدة إنه كان هيحلها بالعجل، لولا الكلب ده هو اللي جاد النار."
لم تخطئ في حرف واحد مما سمعه، ولكن يبقى أيضًا ما حدث لها، هذا كفيل أن يقتلهم جميعًا.
رد بعناد:
"صح، أنتي صح. لكن حرمة بيتي اللي اتعدوا عليها، ملهاش عذاب؟ والأهم من كل ده اللي حصلك، كيف أعديه بالساهل؟"
نظر لها بعشق وأكمل:
"إني حسيت إني روحي طلعت مني أول ما غمضتي عينيكي. نسيت إني دكتور، كأني لأول مرة أشوف دم، مكنتش داري بالدنيا حواليا. جسمي بالله إني مخابرش مين اللي فوقني، كأني كنت في غيبوبة وفجأة لقيتك بجري بيكي. إيه حصل جابليها وبعد ما وقعتي بين إيدي، لحد دلوقتي مخابرش."
مدت ذراعها السليم ثم وضعت كفها فوق وجنته وقالت بحنو:
"حاسة بيك يا جلبي، اللي توصفه هو نفسه اللي حسيته وجت ما شفت السلاح متوصب ناحيتك. بس الحمد لله، ربنا نجاك ونجاني ليك، يبقى نحكم العجل يا حبيبي، بكفاية لحدت كده."
كاد أن يعترض مرة أخرى، فأكملت سريعًا:
"متضيعش كل اللي عملته واتحملته، إنت خابر اللي حصل فيا قد إيه، بلاش ترميه في الأرض وتدوس عليه برجليك."
تطلع لها بعتاب وقال:
"أنا يا رغد... أنا أعمل كده؟"
ردت عليه بحسم:
"لو العداوة جامت تاني بين العيلتين يبقى حديثي صح." أكملت بمكر تلعب على أوتار عشقه لها: "يبقى كده بتثبتلي إني مسواش حاجة عندك، وحتى لو كنت عاشجني كيف ما بتقول، أهو كلام ولد عم حديث. لكن إيه اللي يثبته ده لو مبتجدرنيش؟"
وقع في فخها، تلك الصغيرة الماكرة التي علمت نقطة ضعفه واستغلتها جيدًا. نظر لها بعشق خالص وقال مدافعًا عن حاله:
"أنا يا رغد، أنتي شيفاني كده صح؟ داني محسيتش إني عندي قلب غير بعد ما حطيتك فيه وقفلت عليكي جواته. لو أطول أحطك فوق راسي جدام الكل لجل ما أفخر إنك مرتي الجوية الجدعة اللي اتحملت كتير لجل ما تحافظ على أرواح ناس، كنت عملته."
لمست على ذقنه النامية بحنو وقالت:
"لجل خاطري يا طبيب جلبي، اقفل عالجرح لحدت كده... بكفاية أنا وجع ودم ومرار طافحاني. رايدة أعيش وياك اللي مجدرتش أعيشه من كتر الخوف والهم اللي كنت شايلاه. لجل خاطر رغد الدنيا والآخرة كيف ما هتقول، اقفلها على كده."
ضم رأسها بتمهل ليضعها فوق خافقه ويقول بغيظ وغضب مغلفان بعشق حانٍ:
"طبيب جلبي هيقفل عالجرح... لكن مهسامحكيش واصل. بتمسكيني من جلبي اللي عشقك يا رغد."
ابتسمت بهدوء حينما أيقنت موافقته على حديثها حتى وإن كان ضد رغبته. قبلت صدره بعشق وقالت:
"إنت جلبي رغد وهنا دنيتها. ربنا يريح بالك كيف ما ريحت جلبي. يا طبيب جلبي ونبضه."
وأخيرًا استطاع أبوها الدخول داخل المشفى، هو فقط، كما أمر ذلك المغلوب على قلبه. وقف أمامه وقال قبل أن يسمح له بالدخول إليها:
"لجل عويناتها... هي بس."
فهم الرجل الحكيم معنى الجملة جيدًا مما جعله يبتسم ويرد هو الآخر بمغزى:
"ولجل عويناتها... وراجلها اللي ربنا عوضها بيه... يا دكتور."
وفقط، أفسح له المجال ليمر بعدما فهم كلاهما ما يقصده وينويه الآخر.
وضعت رأسها على صدر أبيها تبكي بحزن. ضمها بحنو وقلب متألم على حال مدللته وأغلى أبنائه لديه. والعاشق يغلي من الغيرة، بل يضرب نفسه ويسبها على موافقته بحضور أبيها.
قال عبد الحكيم:
"بكفاياكي بكي يا بتي، كل حاجة هتتحل بامر الله."
ابتعدت عنه وقالت:
"صح يا بوي، ورحمة الغالية ما هتضحكش عليا."
قبل أن يرد عليها، كان ذلك المجنون يقول بغيظ وهو يتجه إليها:
"ماهو جالك خلاص."
أبعدها عن أبيها برفق شديد كي يمددها فوق الفراش وهو يكمل:
"ريحي حالك بجي، القعدة غلط عليكي، جرحك هيشد عليكي أكده."
نظرت له بغيظ لتقابل نظراته المشتعلة ولم تقو على الاعتراض. أما ذلك العجوز الذي يمتلك من الخبرة ما جعله يعلم ما يدور أمامه، ضحك برزانة ثم قال:
"اسمعي حديث الدكتور يا بتي." نظر له بخبث وأكمل: "إني بردك كنت بعمل كده مع أمك الله يرحمها."
قال عثمان بغيظ:
"كنت بتعمل إيه بجي؟ كنت دكتور بردك؟"
رد عليه بمغزى:
"كل واحد طبيب حاله يا ولدي، وإني كنت بريح حالي من وجع الجلب ومبعدها عن الناس كلياتها."
ابتسم عثمان باتساع ولمعت عيناه بهوس ثم قال:
"صدق بالله إني توي حبيتك يا حاج، طلعت فهمان أكتر مني بشهادات والله."
لم تفهم ما يعنيه ذلك الحديث، ولكن يكفي أنهما تقبلا بعضهما البعض.
بعد مرور ثلاثة أيام، قرر إخراجها من المشفى وإكمال علاجها داخل بيته تحت رعايته هو. وقد انفض التجمهر في نفس اليوم الذي سمح فيه لأبيها برؤيتها. أدلف بها إلى السرايا وهو يحملها بين يديه دون ذرة خجل أو اهتمام بمن حوله.
الكل فرح بعودتها سالمة وتجمعوا داخل غرفتها بعدما وضعها فوق الفراش.
قالت عفت بفرحة ودموع:
"بركة إنك نورتي بيتك تاني يا بتي، ملجياش حاجة أقولها بعد اللي عملتيه."
قالت عائشة بصدق ودموع:
"كلياتنا اتفجرنا عليكي يا خيتي، سوي لما أصبتي ولا من اللي عرفناه. كيف اتحملتي ده كله، يعلم ربي جهرتي عليكي كد إيه."
نظرت لهم بدموع فرحة وقالت:
"الحمد لله قدر ولطف، إني بجيت زينة دلوقتي."
قالت نرجس:
"تكوني طيبة وبخير يا رب، هعملك فرخة شامورت وحبة شوربة يرمو عضمك وأرجعلك طواليع."
قال عثمان:
"طيب متعوجيش عشان معاد العلاج كمان ساعة، على ما تغيري خُلجاتك وتتسبحي تكوني خلصتيه."
فهم الثلاثة ما يعنيه، وهو طلب مبطن بتركهم قليلاً حتى ينهي اهتمامه بها. أول من تحركت معها كانت عائشة وهي تقول:
"تعالي أساعدك لجل ما نخلص بسرعة."
أما عفت، انتظرت خروجهم ثم قالت:
"تحبي أساعدها يا ولدي، إني كيف أمها."
قال عثمان:
"تسلميلي يا حاجة، ريحي حالك إني وياها متجلجيش، عشان كماني أغير عالجرح بالمرة."
خرجت الأم، وبمجرد أن لف جسده ليتحرك تجاهها، وجدها تنظر له بغيظ. قطب بين حاجبيه وقال باستغراب:
"هتطلعي على كده ليه؟ عملتلك حاجة إني؟"
قالت رغد:
"إنت مش لسه مغير عالجرح قبل ما نيجي؟ ليه بتقول للحاجة كده؟"
رد عليها بغيرة حارقة:
"كنك اجنيتي يا واكلة ناسك إنتي؟ رايدة الخلج تطلع على جسمك؟ يا مخبولة."
ردت بغضب وجنون:
"أنا اللي مخبلة؟ خلج مين يا دكتور؟ دي أمك وكييف أمي تمام."
جلس قبالتها مكوبًا وجهها بقوة. نظر لها بعيون تغلي من نار الغيرة ثم قال بحسم:
"أنا... هغير عليكي من خلجاتك... سواعي يبقى هاين علي أقطعهم لجل ما في حاجة تلمسك غيري. يبقى تحمدي ربك إني مهملهم عليكي، وتلمي حالك وتجفلي خاشمك، سامعة يا بجرة إنتي."
بعد أن امتصت صدمتها بما سمعت، لم تقو على كتم ضحكاتها الفرحة والمزهولة في آن واحد. تطلع لها بغيظ وغضب ولم يجد طريقة يفرغ فيها كل هذا غير ثغرها الضاحك بحلاوة. التهمها بجوع وغيظ في البداية، ثم تحولت إلى اشتياق وعشق واطمئنان. إنها ما زالت معه. فصلها بعد مدة وقال:
"حمد الله بسلامتك يا رغد دنيتي."
جاء الليل سريعًا والكل خلد إلى النوم. إلا طبيبنا، فبعد أن أطعمها بيده وأعطاها جرعة الدواء، مدها فوق الفراش ثم فرد الغطاء عليها. قبل رأسها وقال:
"البرشام هينيمك يجي تمن ساعات. هروح لعائشة، وكل شوي هطمن عليكي، وقبل ما النور يطلع هكون عندك." أكمل بخجل طفيف: "بجالي يجي أكتر من أسبوع مدخلتش عندها."
ردت عليه بتعقل:
"متخافيش علي إني بجيت زينة. روحيلها يا عثمان، كتر خيرها والله، وإني هنام خلاص."
كادت أن تتجه نحو فراشها، ولكنها وقفت باستغراب حينما وجدته يدخل الغرفة ويغلق الباب خلفها. نظرت له بقلق ثم قالت باهتمام:
"خير يا واد عمي، البت فيها حاجة، محتاجة حاجة؟"
اقترب منها بتمهل وعيون بها لمعة لأول مرة تراها. وقف قبالتها وقال بهدوء:
"البت زينة، أنا جايلك إنتي يا بت عمي."
سألته باهتمام:
"محتاجة حاجة يعني؟ مفهماني إني؟"
ضحك بهدوء ثم لف ذراعه حول خصرها وقال:
"واااه... كأنك اتعودتي على غيبتي يا عائشة، مريدانيش أبأت عندك ولا إيه؟"
نظرت له بفرحة ولكنها قالت بحكمة:
"يعلم ربي اليوم اللي بتغيب عن فرشتي بيجي حالي ما يعلم بيه غير ربي. ولكن البنية متصابة، ما ينفعش تهمليها لحالها."
قبلها برفق وامتنان ثم قال بصدق:
"كل يوم عن يوم بتكبري في نظري أكتر. إني كيف كنت غافل عن جلبك الطيب ده؟ جوليلي أوفيكي حقك كيف بس؟"
رت على صدره وقالت:
"جايلك لحدت عندي دلوقتي تسوي الدنيا وما فيها يا واد عمي. يعلم ربي جلبي هيطير من الفرحة دلوقتي. ربنا يراضيك ويرضي عنك. روح يا عثمان خليك جارها لحد ما تطيب وبعدها ابجي تعالي براحتك."
رغم رغبته في العودة إلى قلبه الذي تركه هناك، إلا أن ضميره لن يسمح له بالانصياع لتلك الرغبة. سيظل معها، يربت على قلبها الأبيض، يعوضها غيابه. هي تستحق ذلك. ضمها بحنان ثم قال:
"إتوحشتك جوي يا عائشة، هقعد وياكي شوية، وبعدها هبقى أعود تاني."
أما بالجهة الأخرى، سالت دموعها بهدوء معاكس للنار التي تحرق قلبها. هي عاشقة وتموت قهراً من الغيرة. ولكن... صاحبة أطهر قلب قابلته يومًا تستحق منها أن تتحمل تلك النار. عائشة فعلت معها الكثير، وقدمت لها ما لم تتوقعه، بل كانت صاحبة الخطوة الأولى حينما اهتمت بها في مرضه. لن تسمح لحالها أن تصبح أنانية وجاحدة. يجب أن تتذكر دائمًا أنها هي من شاركتها زوجها. تنهدت بهم ثم قالت قبل أن تذهب في نوم عميق أثر مفعول الدواء:
"بكفاياني إن جابه معي، مبقاش طماعة يا بت العبايدي."
رواية عثمان و رغد الفصل العشرون 20 - بقلم فريدة الحلواني
اليوم التالي لاحظ الجميع عدم ظهور الحاجة عفت في الأرجاء.
حتى وقت الإفطار لم تكن حاضرة معهم.
وحينما سألتها نرجس قالت: "مش قادرة، هنام شوية وأبقى أفطر لما أصحى."
عثمان باهتمام: "يعني أمك تعبانة ولا إيه؟ مش عادة تنام لدلوقتي."
نرجس: "لا مش تعبانة يا خوي، شكلها زعلانة من يوميتها وهي مسهمة ومرضيتش تتحدت ويا حد واصل."
زفر عثمان بهم وقال: "حجها، اللي عرفته مش هين. روحي اجعدي مع رغد وإني هطلع أطل عليها."
بينما كان في طريقه إلى جناح أمه، قبل تحية.
وقفت أمامه تناظره بغيظ، فقال: "خير يا مرت عمي، فيكي حاجة؟"
تحية: "اللي فيا كتير يا ولدي، بس إني مش هكتم خشمي أكتر من كده."
نظر لها بشك وقال: "خير، جولي اللي عندك."
تحية برعونة: "إني ما عاجبنيش الحال اللي بتي فيه. بدأت تظهر عليه ملامح الغضب وهو يقول بحسم: "مرت عمي، اللي بيني وبين بتك شي يخصنا. هي اشتكتلك؟"
تحية: "لاااه، مش لازم تشتكي. أنا ناضرة بعيني كل شي. من وقت ما اتجوزت عليها وأنت مهملها. حتى بعد اللي حصل وأنت لازج لبت العبايد."
نظرت له بخبث وأكملت: "كان المفروض أول ما تعرفي عمايل بت عمها الشينة كنت تطلجيها. إيش دراك إنها ما تكونيش زييها؟"
هنا لم يتحمل أن يسمع كلمة أخرى. فهي لا تتهمه بالتقصير مع ابنتها فقط، بل تشكك في رغد، أطهر خلق الله كما يقول بداخله.
عثمان بغضب: "لحدت هنا ومعايز أسمع كلمة منك. أنتِ خابرة معنى حديك دي."
تحية بتبجح: "أيوه خابرة..."
قاطعها بصياح: "بااااس، ولا كلمة. لو بتك اشتكتلك، دي شي تاني. أما أبداً مهجبلش تجولي كلمة على مرتي الطاهرة."
"لو واحدة مكانها كانت ولعت الدنيا حريقة وما كنتش اتحملت كلت دي. بدل ما نحطوها فوق روسنا، هنطلع عليها كلام شين. اسمعي، فكري بس تجيبي سيرتها مع أي مخلوق. هكون دافنك في أرضك، ساااامعة؟"
حضرت نرجس وعائشة على أثر صياحه.
سألت الأخيرة بوجل: "إيه خير يا رب؟"
نظر لها بلوم ثم قال: "مخبرش أنتِ شاكية لأمك مني، ولا معجبكيش العيشة وياي؟"
نظرت له بصدمة وقالت مداعبة حالها: "واااه، مين قال أكده. نظرت لأمها وقالت بغضب مكتوم: "إني اشتكيت منه ياما، إني جبت سيرة جوزي. ليه أكده؟"
تحية: "مش لازم تشتكي، إني أمك وأدرى بحالك."
عائشة: "لاااه، مدرياش ياما. نظرت له وأكملت بدفاع: "والله يا واد عمي ما نطقت شي واصل. ويعلم ربي إني حامدة ربي وشكراه. أنت عمرك ما قصرت وياي في حاجة. وبقيت تعاملني أحسن من الأول كمان. ويا رغد إني اعتبرتها أختي. وما فيش جواتي ليها شي واصل غير المحبة."
تركهم عثمان دون أن يتفوه بحرف.
نظرت نرجس بغضب إلى تحية وقالت: "ما تخربيش على بتك، حرام عليكي."
"إنتي مالك؟ بتدخلي ليه؟ كلياتنا ناظرين للي بيعمله خوي، يبقي ليه النكد؟ يا مرت عمي."
تحية: "بتي ورايدة مصلحتها. وأخوكي عشق بت العبايد. لو كان ضميره مخليه يعامل بتي زين دلوقتي، بكرة تلحس عجلة ويخليه يطلقها."
صرخت عائشة من بين دموعها التي انهمرت حزناً: "حرام عليكي ياما! همليني في حالي. راجلي زين ومراعي ربنا فيا، ومقصرش وياي. ولا هو أول وآخر واحد يتجوز على مرته. وإني اللي ليا عنده العدل. اللي هتجولي عليه هيطلقني، كان بايت في فرشِتِ، ياما. همل البت اللي فديته بروحه وجالي لحل ما يراضيني. يعوز إيه أكتر من كده؟ والبت الغلبانة، المفروض نشيلها فوق روسنا كلياتنا. لولاها كان زمان الدم مالي النجعة، ولولاها بردك كان زماني مترملة، بعيد الشر."
داخل سرايا العبايد، كان الحزن والغضب مسيطران على الأجواء.
وكما يوجد من يحاول تهدئة الأوضاع، يوجد أيضاً من يحاول إشعال النار فيها.
أنصاف بحقد: "إني مجدرش أصدج. بجي رغد كانت عارفة مكان الفاجرة دي ودارت علينا. كأنها مش سهلة زي ما جولتي."
شادية بغضب: "والله ما في حد مش ساهل غيرك. بدل ما تزعلي على خيتك واللي اتحملته، تجولي كده."
أنصاف بخبث: "مانتي شريكة وياها. أكيد خبرتك كلت دي وأنتِ داريتِ علينا. لبستينا العمة كلياتنا. شايفة الكل بيدور عليها وأنتِ قاعدة كأنك مش وياي."
يونس بغضب: "حديت خيتك صح. لو كنتِ جلتيلنا ما كانش حصل كلت دي."
قبل أن ترد مداعية حالها، كان أبوها يسبقها ويقول بحكمة: "لو جالت، كان زمان واحد ولا اتنين منيكم مدفون في جبة يا ولدي. اللي عملته خيتك هو الصح."
يونس: "طب ادينا اتفضحنا، هنعملو إيه دلوقتي؟"
وهدان: "مفيش حد يعرف سبب اللي حصل يا خوي. الكل مفكر إنها مشكلة بين رغد وجوزها، وإحنا اتحمدنا عليها. منه لله سمير الكلب هو اللي شعللها."
أنصاف بمكر: "وأهو ديه كماني، كسر رجبة للعبايد. كيف تهملو السوهاجية تاخد ولد عمنا ومعرفينش موطرحه لحدت دلوقتي. ولا الفاجرة التانية بردك مهملينها عندهم من غير ما تغسلوا عاركم؟"
أبوها بغضب: "بكفياكي نفخ في النار يا واكلة ناسك. محدش له صالح بكلت دي. إني هحل بالعجل."
أخيه بحزن: "هنعلم إيه في سحر يا خوي؟"
عبد الحكيم: "المفروض تنجتل. دي حلها الوحيد. لكن بكفيانا دم."
وهدان: "ناوي على إيه يا بوي؟"
عبد الحكيم: "اللي فيه الخير يقدمه ربنا يا ولدي."
شادية بحزن: "إني رايدة أروح لخيتي يا بوي. جولت نهملهم يومين. وهما عدوا. جلبي واكلني عليها."
أرد عليها أبوها بارتياح: "جوزها حاطتتها جوه حباب عينه يا بتي. إني جولت نصبر شوية وأدينا بنطمن عليها بالتليفون."
أنصاف بغل: "معناته إيه الحدِت ده يا بوي؟ يعني مش هتخليه يطلقها؟"
بعد أن قبل جبينها، جلس جوارها وقال بحنو منافٍ لغضبه الداخلي: "مالك يا أم الدكتور؟ ليه حابسة حالك؟"
تطلعت له بحزن ثم بكت رغماً عنها وقالت: "مقهورة يا ولدي. حاسة حالي انكسرت."
رد عليها بلهفة: "لااااه، أوعاكي تجولي أكده يا أمي. دانتي وتد، ما عاش ولا كان اللي يكسرك."
عفت ببكاء: "خيك جهرني وكسرني يا ولدي. الله يرحمه ويساهمه. إني هتجن. كيف جدر يضحك علينا كلياتنا؟ كيف هان عليه البنية الغلبانة؟ مفكرش في أهله، مفكرش في ولده. رحيم يا جلبي، هيضل مكتوب باسم غير أمه. طب لما يكبر هيعمل إيه؟"
عثمان: "اطمني يا أمي، إني هحل كلت دي. من الأساس كنت هحله من غير ما حد يحس. لولا ابن الكلب اللي فضح الدنيا وشعللها نار."
عفت: "هتعمل إيه وياه يا ولدي؟ أدبه وخد حقك منه. بس بلاش تتوسخ يدك بدمه. بكفيانا يا ولدي."
عثمان بتعقل: "اطمني يا حاجة، كل حاجة هتتحل إن شاء الله من غير نقطة دم واحدة. أنتِ صح يا أمي، بكفيانا."
بعد أن اطمأن على أمه وطمأنها، اتجه إلى رغد. دنياه وآخرته كما يقول. اشتاقها لحد اللعنة.
منذ الصباح الباكر وهو مشغول عنها. يرتب ما ينوي فعله كي يكمل حياته في هدوء. وأيضاً تابع بعض الأعمال المتراكمة عليه.
يكفي هذا. يحتاج إلى جرعة من عشقها كي يعيد شحن طاقته من جديد.
دلف إلى الغرفة، وجدها تجلس فوق الفراش كما تركها، وتصاحبها نرجس كما وصاها.
ابتسم بحنو ثم قال: "كيفك دلوقتي؟ الجرح شادد عليكي؟ في حاجة وجعاكِ؟"
نظرت له بعتاب خفي وقالت: "لاااه، زينة الحمد لله."
نظر لأخته وقال بوقاحة: "روحي شوفي حالك يا نرجس."
نظرت له بصدمة، فاكمل ببرود: "هغير على الجرح."
اتجهت نحو الباب وهي تقول بغيظ: "يا مرتي يا نرجس! طول اليوم اجعدي يا نرجس! اطلعي بره يا نرجس! يا مرارك الطافح يا نرجس!"
مع آخر كلمة كانت تغلق الباب بغيظ.
لم يهتم لها كثيراً، بل اتجه إليها بلهفة.
ضم وجهها ونظر لها بعيون تلمع عشقا ثم قال: "المخبولة متعرفش إن أخوها عاشق. وما فيش على العاشق حرج."
طلعت له بلوم ثم قالت: "والعاشق يهمل حبيبته طول اليوم؟ كيف ده؟"
التقم شفتيها في قبلة أودع فيها اشتياقه لها، ثم فصلها وقال: "غصبن عني وأنتِ خابرة زين. وحشتيني يا رغدي. رايدك يا بت العبايد. سبحان من يصبرني لحدت ما تطيبين."
نظرت له بعشق وقالت: "وأني كماني اتوحشتك جوي يا عثمان."
هل يترك حبيبته تشتاقه؟ لا والله. فليبثها بعضا من شوقه لها، ويروي عطش اشتياقها له، حتى وإن كان عن طريق بعض القبل الجامحة.
بل الكثير منها، والتي لم تطفئ نارهم، بل أشعلتها أكثر وأكثر.
ابتعد عنها بشق الأنفس ثم وضع جبهته على خاصتها وقال بعشق خالص: "عشقك هو اللي روى أرضي البور. خلاها تطرح ورد وخضار ماله أول من آخر. مبقيتش أقدر على بعادك. رايد أضل وياكي ليل ويا نهار. لو أقدر كنت خدتك بعيد عن كل الدنيا. أضل أنا وأنتِ لحالنا. بس بصبر جلبي وأقول: حضنك هيعوضك. قلبك هيساعدك. الطلة جوه عيونها هتنسيك هم الدنيا."
لمست على ذقنه الخشنة وقالت: "إني ما أعرفش أقول حدِت كيف ما بتجول. أمسكت يده ثم وضعتها فوق خافقها وأكملت: "لكن خابرة زين إنك حاسس باللي جواتي، وإنك نور عيني اللي بشوف بيها. ربنا يديمك نعمة في حياتي ويرزجني منك بالخلف الصالح."
ابتسم بحلاوة بعد تلك الدعوة التي جعلته يشعر بفرحة عارمة. بل تخيل أطفاله منها.
لمس على شعرها وقال: "نفسي في بت شبهك. تاخد سواد ليلك، ونور بدرك اللي نور عتمتيه. تسميها جمر. جمر ليلي اللي نور حياتي."
ضحكت بدلال ثم قالت: "واااه، رايد بت وكمان اخترت اسمها؟"
قبلها بسطحية ثم قال بتملك: "أنتِ بالذات مريدش منك ولد. هغار عليكي منهم. يبقي نقصر الشر وتعملي حسابك. خلفتك تبقي كلها بنيتِك وبس."
نظرت له بزهول ثم انطلقت منها ضحكات مرحة وهي تقول من بينها: "حاضر. هتصل باللي هيبيعها وأجيبهم كلياتهم بنيته. حلو أكده؟"
نظر لها بغيظ ثم قال: "هتتمجلي على يا بت العبايد."
في لحظة، وعلى غفلة منها، كان يقضم شفتيها بأسنانه عقابا لها على عدم تقديرها لغيرته المجنونة عليها.
وياللعجب، لم تصرخ أو تتألم، بل بادلته بجموح ألهب حواسه وجعله يريد المزيد.
ولكن مهما كان ما يشعر به، ومهما كانت رغبته بها التي لا يعلم كيف سيتحكم بها، تظل راحتها هي الأهم بالنسبة له.
فصل قبلته سريعاً ثم انتفض من مجلسه.
هرول تجاه المرحاض وهو يقول بغل وغيظ: "مهينفعش يا بجرة أنتِ."
أعقب قوله بفتح صنبور المياه وقام بوضع رأسه أسفله عله يهدأ قليلاً.
ضحكت بحب على عدم تحكمه في نفسه معها. وطار قلبها فرحا بعدما وجدته يحرم نفسه مما يتمنى لأجلها.
فقط تركها ترتاح قليلا بعد أن أعطاها جرعة الدواء الذي يجعلها تنام بعمق.
جلس داخل مكتبه يدخن سيجارة وهو يفكر بعمق. يجب إنهاء كل ما حدث دون خسائر.
لن يفتح باب الدم مرة أخرى. لن يجعل تضحياتها تذهب هباء. هي غاليته. رغد دنياه وآخرته. لن يكسر لها كلمة.
ظل يفكر بحكمة، ويضع كل الاحتمالات والحلول نصب عينيه. يحسب حساب كل كبيرة وصغيرة.
وهو في الأخير، أمسك هاتفه وقام بالاتصال على من يجابهه في حكمته ورجاحة عقله.
رد عبد الحكيم سريعاً حينما وجد اسم الدكتور ينير شاشة هاتفه.
قال برزانة: "كنت عارف إنك مش هتعوج علي يا ولد الأصول."
ابتسم بهدوء ثم قال دون خجل أو مواربة: "ماني جلتلك يا حاج. لجل عيونها."
رغم تيقنه بعشقه لابنته، إلا أنه أراد أن يسمعها صريحة كي يرتاح للأبد.
سأله بهدوء: "عشقتها يا دكتور؟"
رد دون ذرة تفكير أو مكابرة: "بموت في التراب اللي عم تخطي عليه. معرفتش إن ليا جلب جواتي هيدج غير لما بقت بتك جواه."
لم تسعه الأرض من فرحته. لم يتخيل هذا الرد الصريح الذي أكدته نبرة صوته التي تقطر عشقا.
عبد الحكيم: "ربنا يديمكم في حيات بعض يا ولدي وميدخلش بيناتكم شيطان. ويرزجك بالذرية الصالحة سليمة معافاة."
عثمان بابتهاال: "اللهم آمين يا رب العالمين."
"المهم، رايد أقطع الدفاتر القديمة يا حاج. بكفاي لحدت أكده."
"وأني وياك يا ولدي."
"تمام. شرفني أنت وأم محمد. هي تطمن على رغد. وإني اجعد وياك. أقولك على اللي فكرت فيه. وشوف إذا كان ينفع ولا لا."
أكمل بقوة: "كان ممكن أتصرف لحالي. بس إني قدرتَك مكان بوي الله يرحمه. خابر كيف كانت معزتك عندي. أكمل بعشق: "وكمان أنت أبو الغالية. مرايدش أزعلها ولا أكسر بخاطرها. حتى لو على حساب نفسي."
عبد الحكيم: "تعيش يا ولدي. ساعة زمن ونكون عندك."
بمجرد أن وصل هو وابنته بعد رفضه القاطع اصطحاب أحدا معه. رغم اعتراض أولاده وأخيه الذي أراد أن يحضر تلك الجلسة. والتي من خلالها سيعرف مصير ابنته. فمهما فعلت، ستظل ابنته وأحب أبنائه إليه. ولكن أفسدها دلاله لها.
صعدت شادية بلهفة كي ترى ابنة قلبها وتطمئن عليها.
أما أبوها، فدلف مع عثمان، والذي رفض أيضا حضور أحدا معه.
أغلق باب غرفة المكتب عليهما.
جلس معا فوق الأريكة.
تطلع كلا منهما للآخر ثم بدأ عثمان الحديث قائلا بحسم: "....... ماذا سيحدث يا ترى؟"
نرى