شعرت الغرفة تدور من حولها، وأرجعت رأسها للخلف وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة. الممرضة بقلق: مدام، انتِ كويسة؟ هزت رأسها بالنفي، ثم شعرت بألم أسفل بطنها، فوضعت يدها موضع الألم. الممرضة: دا مكان الخياطة، هجبلك مسكن. نيروز بوهن: أنا عاوزة عبايتي اللي جيت بيها. الممرضة: مينفعش تخرجي دلوقتي. مسكت نيروز يد الممرضة بترجي: انتِ عارفة عنوان بيته صح. سحبت الممرضة يدها بخوف: ل.. لا، معرفش.
نيروز: متخبيش عليا، ارجوكِ. أنا ابني مشفتهوش. الممرضة: بصي، أنا والله العظيم ما أعرف عنوانه، بس أعرف حد يعرف العنوان. نيروز: مين؟ الممرضة: دكتورة نهى. هروح أعرف منها العنوان وأجبلك مسكن. نيروز بتألم: متتأخريش، ارجوكي. وهاتيلي العنوان في ورقة عشان منساش. الممرضة بابتسامة صفراء: حاضر. خرجت الأخرى، فنظرت نيروز أمامها وهي تتخيل ملامح طفلها الصغير. دخلت الممرضة بعد ربع ساعة ومعها الدواء وكوب ماء وملابس نيروز.
نيروز: جبتي العنوان؟ الممرضة: آه طبعاً، بس الأول خدي علاجك. أخذت نيروز منها الكوب والدواء وتناولت ذلك المسكن. نيروز: ها؟ الممرضة: الورقة اهيه. بس آسفة. نيروز: آسفة! على إيه؟ الممرضة: هتعرفي بعدين. يلا سلام. خرجت الممرضة وتركت ملابس نيروز على حافة الفراش. فنهضت ببطء وشعرت بنخزة أسفل بطنها، ولكنها تجاهلتها. ولكن قبل أن تترك الفراش، تثاقلت جفونها بشدة، وهنا أدركت أن ذلك الدواء به منوم، ولذلك السبب تأسفت الممرضة.
نيروز في سرها: لا لا، لازم أخرج النهاردة. ولكن هيهات، وقعت على الفراش في ثبات عميق. وهنا دلفت نهى والممرضة وعدلوا وضعية نومها. نهى بأسف: ربنا يصبرها. الممرضة: انتِ بجد كتبتي عنوانه الحقيقي؟ نهى: أيوه طبعاً، دي أم. واتحرمت من ابنها من قبل ما تشوفه. دا ربنا يحاسبني لو أنا عارفة مكانه وخبيت. الممرضة: فعلاً عندك حق.
في فيلة المصري، دلف مراد ومعه صغيره على يده وهو ينظر إليه بحنان، وصعد إلى تلك الغرفة التي أعدها له خصيصاً منذ معرفته بحمل نيروز. وضعه في سريره الصغير. ثم استدعى الدادة سعاد. الدادة سعاد سيدة في الخمسون من عمرها، تعمل في تلك الفيلا منذ فترة كبيرة، وتعتبر هي من اعتنت بمراد منذ صغره وتعتبره ابنها. الدادة: خير يا مراد بيه؟ مراد بحدة: الطفل ده يتعمله رضّعته حالاً وتجبيهالي. الدادة بتوجس: حاضر.
ثم ذهبت وأعدت تلك الرضعة وهي في حيرة من أمرها، ثم صعدت مرة أخرى إليه. الدادة: اتفضل يا مراد بيه. تناوله هو من يدها، ثم حاول إرضاعه ولكن ابنه رفضها وشرع في البكاء. مراد: هو انت منهم! الدادة: لمؤاخذة يا مراد يا ابني، بس هو عاوز لبن أمه مش صناعي. مراد بحدة: وانتِ أي عرفك! الدادة بحزن: أنا كنت أم في يوم من الأيام قبل ما ابني الله يرحمه يموت وهو صغير، ولما حاولت أُرضعه صناعي رفض.
مراد باهتمام: وانتِ كنتِ عاوزة ترضعيه صناعي ليه؟ الدادة: كنت تعبانة من الولادة وكنت لسه صغيرة ومش عارفة أتصرف. مراد وهو يتركها: هجيب له مرضعة بفلوس. الدادة في سرها: ياعيني على أمه وقهرت قلبها يا ناس.
في صباح اليوم التالي، تململت نيروز في فراشها وفتحت عينيها بوهن على ضوء الشمس المتسلل من النافذة وسقط على وجهها. جلست بحذر ونظرت حولها بتعجب، ثم أزاحت الغطاء عنها ووضعت يدها بحذر أسفل بطنها بتألم، وأنزلت ساقيها ونهضت وارتدت العباءة ووضعت حجابها بإهمال على رأسها. ثم نظرت على ذلك الكومودينو وسحبت تلك الورقة الموضوعة فوقه، واتجهت للباب وهي تجز على أسنانها من الألم وخرجت من غرفتها وهي تنظر حولها. ثم أوقفت سناء.
نيروز: لو سمحتي، أخرج منين؟ سناء: انتِ مدام نيروز؟ نيروز بتألم: أيوه أنا. سناء بابتسامة: دكتورة نهى عاوزة تشوفك، وبعدين هتخرجي. نيروز بترجي: لا، ارجوكي. أنا محتاجة أخرج حالاً. سناء: أوك، بس تعالي معايا. نظرت نيروز لها، ثم استندت عليها واتجهت إلى غرفة الطبيبة نهى ودخلوا سوياً. نهى: اتفضلي يا مدام نيروز. نيروز: ممكن أخرج من هنا. نهى: حاضر، هنخرجك. بس المهم، حاسة بإيه دلوقتي؟
نيروز: مش حاسة بحاااااجة. أنا عاوزة أخرج، بقولككك. نهى: حاضر، حاضر. بس لازم أعرف، حاسة بوجع مكان الجرح؟ نيروز: آه، ووجع جامد كمان. نهى: طيب، هكتبلك مسكنات عشان الوجع دا. نيروز: شك... ثم وضعت يدها على صدرها بتألم وتغيرت معالم وجهها. نهى: في إيه؟ نيروز: مش عارفة، زي ما يكون قرص جامد في الحتة دي. نهى: عشان لازم ترضعي ابنك. معنى إنك حسيتي بكده، يبقى ابنك جعان. نيروز بحزن: وأنا هحس إزاي من غير ما أشوفه يا دكتورة.
نهى: دا شيء طبيعي من غير ما تشوفي ابنك. زي ما كانوا بيقولوا زمان، صدر الأم بيحن ويحس بعيالها. نهضت نيروز وأخذت تلك الورقة منها قائلة: أنا لازم أمشي. وشكراً جداً. ثم خرجت وتركتها في الغرفة. كانت نيروز تسير مستندة على حائط المشفى حتى أوقفتها نهى. نيروز بضيق: عاوزة إيه تاني؟ نهى: هوريكي البوابة. نيروز: آه، صح. متأسفة. نهى: ولا يهمك. تعالي، اسندي عليا.
مالت نيروز عليها وسارت ببطء معها حتى خرجوا من المشفى. فوقفت نيروز وشكرت الطبيبة. نيروز: بشكرك جداً. نهى: العفو على إيه. بس خدي دول. نيروز: إيه دول؟ فتحت نهى كف نيروز ووضعت مبلغاً من المال قائلة: دول عشان المواصلات اللي هتوصلي بيها للفيلا. نيروز: هو عايش في فيلا؟ نهى: انتِ متعرفيش ولا إيه؟ نيروز بتهكم: هو أنا أعرفه أصلاً. نظرت نهى لها بتعجب ثم قالت: المهم، خديهم. وعندك العنوان في الورقة. بس بتعرفي تقري؟
نيروز: آه بعرف. على فكرة، أنا كنت هدخل كلية علوم، بس البركة في الدوك الكبير اللي عمل فيا كدا. نهى بشفقة: لا إله إلا الله. نيروز: عن إذنك بقى عشان متأخرش أكتر من كده. نهى: إذنك معاكي. نظرت نيروز لها بشكر ثم تركتها ووقفت تنتظر سيارة أجرة، حتى وجدتها وركبتها. نيروز: ممكن توديني العنوان ده. أخذ السائق الورقة ثم قال: تمام، مفيش مشكلة. بس هاخد مبلغ. نيروز: موافقة. يلا.
تحركت السيارة بها وهي تنظر إلى تلك الطرقات الجديدة على عينيها، حتى توقفت السيارة أمام بوابة كبيرة وأمامها حارسان ذو أجسام كبيرة. السائق: هي دي الفيلا يا مدام. نظرت نيروز إليها، ثم نظرت للسائق: هتاخد كام بقى؟ السائق: هاتي 80 جنيه. أعطته المبلغ المطلوب ثم نزلت بحذر من السيارة. نظرت إلى البوابة وخفق قلبها بشدة. فهل ياترى ستأتي لها الشجاعة لكي تدخل إلى ابنها أم ستتراجع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!