بعد مرور خمس سنوات.. بقصر علام العريق كانت الأجواء جنونية. دَلَفت سارة لجناحها وهي تحمل غضب العالم بما فيه، أغلقت الباب خلفها بقوة لعله يستيقظ. وصلت للفراش وجدته ينام بعمق شديد، فأخذت الوسادة خاصتها وضربت بها على رأسه. هنا استيقظ ابن علام. سحبها على فجأة فسقط جسدها على الفراش. رفع نفسه قليلاً وأصبح فوقها ثم قال بجدية: _أنتِ قد إللي أنتِ عملتيه ده؟ ابتسمت إليه بسخرية، خوفها منه أصبح ماضي بخانة الذكريات.
وضعت كفها على صدره لتبعده عنها قليلاً وقالت: _قدها ونص كمان. رفع حاجبه بذهول وقال: _مالك يا بت من الصبح عاملة قلق كدة ليه؟ تذكرت سبب جنونها فصرخت بقوة ثم دفعته بعيدا عنها. وقفت أمامه وقالت: _طلقني يا محمود طلقني بدل ما أموت نفسي وارتاح منك. ماذا تقول تلك الحمقاء؟ اندفع من فوق الفراش ليقف أمامها مردفاً بذهول: _هي هبت منك على الصبح وإلا إيه؟ _هو ده الحل الوحيد، أنا مستحيل أكمل حياتي بالشكل ده.
مسح على خصلاته لعله يقدر على التحكم بغضبه ثم قال من بين أسنانه: _ليه يا بسبوسة عملت لك إيه؟ كلمة بسبوسة بنبرة صوته الحنونة نقطة ضعفها. سقطت دموعها بحزن شديد ليزيد قلقه. جذبها ليضمها لصدره ثم أغلق يديه عليها بحنان مردفاً: _مالك بس يا بسبوسة إيه إللي مزعلك بالشكل ده؟ _أنا حامل. قالتها بحزن. سمعها لتعطي إليه بحر من السعادة اللذيذة. أتسعت ابتسامته ونزل بكفه على بطنها يؤكد لنفسه وجود قطعة جديدة منه بداخلها.
ظلت تبكي ومع صمته علمت إنه سعيد. ابتعدت عنه بغضب وقالت: _مبسوط مش كدة؟ طلقني يا محمود بقولك. علم سبب جنونها ليكن صبور معها. مسح على خصلاتها بحنان وقال: _تقدري تعيشي من غير محمود حبيبك؟ حدقت به ببراءة وعقلها يفكر بالسؤال بعدها حركت رأسها بقلة حيلة مردفة: _لأ مقدرش. _في حد يزعل من نعمة ربنا عليه؟ عضت على شفتيها بحزن ثم همست:
_يا محمود إحنا معانا دلوقتي أربع عيال في خمس سنين والخامس في السكة ماشيين بمعدل كل سنة عيل، لا نافع حبوب ولا لولب ولا حقن ولا أي نيلة على دماغك يبقي الحل إيه؟ لو بيده كان جعل المعدل ثلاثة كل عام. رسم الأسف الشديد على معالم وجهه ثم قال: _فعلاً الموضوع خرج عن السيطرة بس عندي حل أحلي من الطلاق. حدقت به باهتمام منتظرة حله فأكمل:
_أننا نحمد ربنا على نعمته علينا، الحمد لله معانا المال والبنون يا سارة عايزين إيه من الدنيا تاني؟ عندك بدل البت إللي بتساعد تلاتة ومن الصبح يبقوا عشرة لو حابة ده غير تيتا وماما. معه كل الحق مع كل طفل يوفر إليها كل سبل الراحة، حتى هو يساعدها بنفسه معظم الوقت. مررت لسانها على طرف شفتيها لتعطي لها بعض الطراوة وقالت: _بس أنا بتعب في الحمل يا محمود تعبت والله العظيم تعبت.
يعلم أنها صادقة ولكن ما باليد حيلة استخدم معها كل الطرق وبالنهاية تحمل، سعيد جداً بحملها وبربطها به أكثر إلا أن حزنها هذا يؤلم قلبه. وضع قبلة حانية على خصلاتها وقال: _عشان ربنا بيحبك بيديكي حاجة غيرك بيحلم بيها، هبقى معاكي خطوة بخطوة ولو ينفع أخد الوجع مكانك هاخده. طبطب على قلبها. تعلقة بعنقه مثل طوق النجاة وهمست بأمان: _ربنا يخليك ليا. تنهد براحة بعدما قدر على إقناعها.
حملها بين يديه ووضع جسدها على الفراش بحنان مردفاً: _حاسة إنك عايزة حاجة؟ أومات إليه بنظرة يعلمها فاقترب منها أكثر وهمس بنبرة خشنة: _إيه يا بسبوسة. _عايزاك أنت يا روح بسبوسة. _غالي والطلب. قطعته بوضع أحد أصابعها على شفتيه هامسة بنعومة: _أغلى بكتير يا حودة. بفيلا علي. على يد صغيرة ناعمة استيقظ علي. ابتسم بحب مع علمه بصاحب اليد. قربها من شفتيه وقلبها قبل أن يعتدل بنومته مردفاً: _يا صباح كل حاجة حلوة على عيون الست مسك.
بإبتسامة بريئة رائعة قالت مسك: _صباح الخير يا بابي. وضعها على ساقه وهمس: _هربانة من مامي شكلك كده؟ أومات إليه بتوتر وهمست: _مامي معلقة ياسين تحت. عقد حاجبه بتعجب، ياسين تؤام مسك وقطعة من قلب أروى منذ متى وهي تقسو عليه؟ يبدو إنه على باب كارثة. مال على صغيرته قليلاً وقال: _وهي مامي قلبت على ياسين كده لوحدها ولا في مصيبة في الموضوع؟ أشارت إليه بالنزول إليها أكثر حتى وضع أذنه أمام شفتيها فقالت:
_بص يا بابي مامي كانت بتعلم ياسين يدافع عن نفسه وكانت بتعلمني أنا كمان معاه فياسين لما بقى شاطر راح ضرب بودي ابن الجيران. _وياسين عمل كده ليه؟ نظرت للأرض بخجل وقالت: _أصل بودي امبارح قالي إن الدريس الأحمر حلو عليا قوي. صغيرته صاحبة الأربع أعوام لديها معجب؟ انتفض من فوق الفراش بغضب ونزل لمحل زوجته وولده. رأى ياسين معلق بمحل تعليق ماسورة الستارة وأروى تجلس بالمقابل على أحد المقاعد مردفة بغضب:
_أنت مش هتنزل من هنا غير لما تروح معايا تعتذر للولد اللي فتحت له دماغه ده. صرخ الصغير بغضب: _يحمد ربنا إنها جات على قد دماغه بس. _واد يا ابن علي احترم نفسك وما تعصبنيش إلا والله العظيم أعمل لك نفسك التلات غرز اللي الواد خدهم. جائها صوت علي الغاضب من خلفها: _نزلي الولد دلوقتي حالا يا أروى وتعالي ورايا. رغم عندها إلا أنها تعطي إليه كامل السيطرة أمام أبنائه. نفذت طلبه وصعدت فوق سلم من الخشب لتفك الصغير.
تركته مع شقيقته ودلفت لغرفة نومها. رأت معالم الغضب واضحة عليه فقالت: _هو أنت بجد زعلان على ابنك بعد اللي عمله في ابن الناس ده؟ _أيوه يا أروى مش عاجبني طريقتك في العقاب، الولد ده عاكس أخته امبارح وابني عشان راجل أخد حقه بإيده ما كانش المفروض يتعاقب بالعكس ده كان المفروض تجيبي له هدية. أتسعت عينيها بذهول من تفكيره وطريقته بتربية الأطفال. تخلت عن هدوئها وقالت بغضب: _إيه اللي انت بتقوله ده؟
عايز تجيب لابنك هدية عشان بقى بلطجي وفتح دماغ ابن الجيران وبعدين مين اللي يعاكس مين الولد عنده ست سنين وبنتك عندها أربعة دول أطفال. _الأطفال بتكبر يا هانم ولو الولد ده كبر إنه يقرب من البنت أو يقول لها أي حاجة قدام أخوها ابني لما يكبر هيركب قرنين، حتى لو شايفه إن صرف الولد وحش مش من حقك تعاقبيه بالشكل ده عشان ثقته ما تقلش في نفسه. رفعت حاجبها بسخرية وقالت:
_وماله ابنك عندك تحت أهو، روح شوف إيه المكافأة اللي حابب تديها له واديها له لكن لا أنت ولا هو ليكم كلام معايا بعد كده. _أروى. قالها بغضب وهو يراها تترك له الغرفة وتخرج. مسح على خصلاته بضيق وذهبت لغرفة ياسين. وجدته يجلس على الفراش حزين يرفض الحديث مع مسك الباكية فقال علي: _روحي يا مسك اقعدي مع مامي شوية. _ياسين مش راضي يتكلم معايا يا بابي. وضع قبلة حانية على مقدمة رأسها وقال: _روحي اقعدي مع مامي وأنا هخليه يكلمك. خرجت
الصغيرة بحماس فقال علي: _تفتكر اللي عملته صح ولا غلط يا ياسين؟ نظر إليه الصغير بقوة وقال: _أنا ما عملتش حاجة غلط يا بابا الولد ده بص على اختي وحضرتك قولتلي قبل كده إن ما حدش يقرب منها، قالها إن الدريس بتاعها حلو أنا كل اللي عملته إني ضربته في عينه اللي بصت لاختي. ابتسم إليه علي وقال بفخر:
_راجل من ضهر راجل ياسين، بس كمان لازم تعرف عواقب اللي حصل لو كان حصله حاجة في عينه هتدخل السجن، لما تشوف حاجة مش عاجباك تيجي تقولي وأنا هاخد حقك وحق أختك لحد أنت ما تكبر وتبقى في ضهرنا كلنا اتفقنا يا حبيبي. أومأ إليه الصغير بثقة: _اتفقنا، دلوقتي أنا عايزة أصالح ماما أنا مش بحبها تبقى زعلانة مني. أومأ إليه علي بهدوء وقال: _ومسك؟ زعلان منها ليه؟ _عشان أنا لو ما كنتش جيت وسمعته ما كانتش هتقول يا بابا.
مسح على خصلاته بحنان: _أختك رقيقة وبتخاف من كل حاجة وأنت سندها المفروض تعلمها الصح من الغلط مش تزعل منها. _صح يا بابا عندك حق طب أعمل إيه دلوقتي عشان أصالح مسك وماما؟ _هقولك. بقصر علام. كان يجلس محمود على رأس الطاولة وبجواره سارة من طرف وحنان من الطرف الآخر أما ألفت فكانت تجلس على رأس الطاولة بالمقابل إليه وباقي أفراد عائلته فاطمة، أحمد، محمد، مصطفى أبنائه من سارة. أخذت تقلب بالطبق بتوتر فسألها: _مالك يا سارة؟
رفعت رأسها إليه بالقليل من الخوف وقالت: _محمود معتز هيرجع من السفر النهاردة أرجوك كفاية عليه عقاب لحد كده؟ تعجب من طلبها، عن أي عقاب تتحدث؟ أشار لفاطمة مردفاً: _خدي باقي أخواتك واطلعوا العبوا في الجنينة يا طمطم. خرجت الصغيرة مع باقي أخواتها فنظر محمود لسارة بهدوء مردفاً: _عقاب إيه ده اللي أنا عامله لمعتز؟ تنهدت بثقل وقالت:
_من يوم فرحه على سمية وهو بينام في أوضة في الجنينة وبيشتغل مع العمال بعد الجامعة، بعدها راح أجر لنفسه شقة وفضل يحوش لحد ما سافر الولد بالشكل ده هيضيع مننا أكتر. تدخلت حنان بالحديث عندما رأته صامت: _هي عندها حق يا محمود معتز غلط بس بالله عليك كفاية عقاب فيه. الوحيدة التي أخذت وضع الصامت ألفت، تعلم ما يفعله محمود جيداً. أخذ محمود نفسه بهدوء وقال:
_مفيش عقاب ولا حاجة، أنا سبته يبعد عشان يكمل تعليمه ويعتمد على نفسه ويبقي راجل ولما يرجع النهاردة هتعرفوا معتز بقى عامل إزاي، يلا يا أستاذة على شغلنا خلينا نحضر للافتتاح. بعد عشر دقائق ظلت بهم صامتة بداخل السيارة، وجدته وقف بأحد الطرق الخالية فقالت بتعجب: _وقفت ليه؟ جذب كفها وقال: _عايز أعرف الجميل زعلان ليه؟
لا تعلم ماذا تقول وكيف تقول، اعتادت على سرد يومها إليه بالتفاصيل لتأخذ منه أكبر قدر من الدعم إلا بموضوع شقيقتها. شعر بثقل قلبها فقال بحنان: _قولي يا بسبوسة أنا سامعك. _مريم اتصلت بيا امبارح وطلبت تزود فلوسها بتاعت كل شهر غير أنها كمان طلبت شقة جديدة بتقول اللي عايشة فيها صغيرة مش عارفة أعمل معاها إيه مصرة على الطمع والكره. حاول كتم غضبه حتى لا يجرح مشاعرها بكلمة وقال:
_لو أنتِ حابة تديها زيادة اعملي كده ما فيش مشكلة، مع إنّي شايف إن اللي بتاخده زيادة وزيادة أوي كمان يا سارة، اختك بتستغل طيبتك، بس في النهاية اللي أنتِ شايفاه ومرتاحة فيه أنا موافق عليه. أخذت حظها من الدنيا به، ملت برأسها على كتفه براحة وقالت: _لأ مش هزود أي حاجة حابة تعيش باللي أنا بديهالها تمام، شايفة إنه قليل تنزل تشتغل بنفسها كتر خيري معاها لحد كده. وضع قبلة حنونة فوق رأسها وقال:
_يسلم لي العاقل الشاطر اللي عارف مصلحته. فلتت منها ضحكة وقالت: _أنت بتأخدني على قد عقلي وإلا إيه يا محمود؟ _وأنا أقدر برضو يا بسبوسة؟ يلا وصلنا مصنعك على الساعة 3 هعدي عليكي عشان معاد الطيارة ماشي؟ _ماشي. نزلت من السيارة واتجه هو لمطار القاهرة الدولي، دقات قلبه تعلو وهو يقف بانتظار أكبر أبنائه بعد سنوات من الغياب. أشتاق وقلبه يتلهف على عناق، عناق يحمل الكثير من الحب، الحنين لطفله الصغير.
رآه يأتي من بعيد، أصبح نسخة طبق الأصل منه، شاب وسيم جاذب، طويل القامة وبصدر عريض، مع ذقنه أصبح محمود الصغير. تجمد للحظة وهو يري والده يقف بانتظاره، أشار على نفسه برجاء يتأكد منه هل هو هنا من أجله أم ات لشخص آخر ووجده صدفة. فتح محمود ذراعيه إليه بلا كلمة، بلا عتاب، بلا وجع جديد. ألقى معتز بجسده داخل أحضانه والده مثل الغريق الذي وجد طوق النجاة أخيراً. كلاهما منه يضغط على الآخر وكأنه يخشي الفرار.
شعر محمود بدمعة معتز الساقطة على بذلته فأبتعد عنه قليلاً مردفاً بحب: _معتز. _بابا أنا آسف أنا. وضع محمود يده على فمه يمنعه من الحديث مردفاً: _خلاص مافيش أي كلام أو تفكير إللي فات، وحشتني يا ضهر أبوك. كلمة كبيرة سقطت على صدر معتز مثل الحجارة، يا ليته كان يعلم من البداية إنه ظهر أبيه. أومأ إليه بقوة مردفاً: _يمكن عمري ما كنت قد الكلمة دي بس أوعدك من دلوقتي أبقى الابن اللي بتحلم بيه يا بابا.
_مش عايزك بس تكون الابن اللي بحلم بيه، عايزك كمان تكون الأخ اللي بحلم بيه. _أوعدك يا بابا. بالمساء بفيلا علي. عادت أروى من عملها بغضبها من الصباح. فتحت الباب ووقفت لعدة لحظات متعجبة من ظلام المنزل، أين أطفالها؟ أين المربية والخادمة؟ تسلل إليها شعور بالقلق فقالت: _أم إبراهيم أنتِ فين وليه الضلمة دي؟ الصمت مسيطر على المكان. ألقت بحقيبة عملها أرضا واقتربت من رز الضوء سريعا ضغطت عليه وهي مستعدة للحرب.
أتسعت عينيها بذهول، وردها المفضل مزين للأرض مع بلالين حمراء رائعة وسفرة كبيرة عليها قالب من الكيك وباقي أنواع الحلوى المحببة لقلبها. زوجها يقف بالمنتصف وعلى كل طرف واحد من أطفالها. سألت بذهول: _هو إيه اللي بيحصل هنا بالظبط؟ أقترب منها ياسين مردفاً بندم: _أنا آسف يا ماما على اللي حصل مني وأوعدك إنّي بعد كده هقول لبابا قبل ما أعمل أي حاجة. نزلت لمستوي طوله ووضعت على رأسه قبلة حنونة مردفة:
_أنا عايزة أشوفك أحسن واحد في الدنيا يا ياسين، عايزك تحكم في عقلك في أي خطوة قبل ما تمد إيدك فاهم يا حبيبي. أومأ إليها مردفاً: _فاهم يا ماما المهم إن حضرتك ما تكونيش زعلانة مني. _مش زعلانة. ضمته وأشارت لمسك وضمتها هي الأخرى. غمز ياسين لعلي وأخذ شقيقته للخارج. حاولت الصعود لغرفتها إلا أنه قال بعدما سحبها إليه: _ممنوع يعدي علينا يوم واحنا زعلانين من بعض مش ده كان اتفاقنا. ردت بعتاب:
_بس أنت زعلتني وحسستني إني أم فاشلة، أنت عارف كويس إن الموضوع ده بيضايقني يا علي إحساس إني اتربيت وحيدة بيخليني دايما عايزاهم كويسين، يمكن ما بعرفش أربي بالطريقة الإيجابية لكن والله بحبهم. ضمها بالقرب من قلبه وقال: _مش عايز أسمع منك الكلام الأهبل ده تاني أنتِ أحسن أم في الدنيا دي كلها، أنا أوقات بغلط يا أروى وبسمع كلامك لما بتقولي ده غلط، مفيش مشكلة إننا نعمل حاجات غلط وفي حد بيوعينا إحنا مع بعض عشان نتعلم. صح؟
مثل الطفلة الصغيرة قالت: _صح. _طيب تعالى في حضني بقي. _ماشي. بمساء اليوم التالي. بفندق كبير بدبي كان يقام افتتاح برند عطور تحت عنوان "عطر سارة". بأجواء رائعة تم بدأ الحفل. وقفت سارة بجوار محمود بسعادة، حلمها أصبح حقيقة ملموسة أمام عينيها، ها هي الفتاة الصغيرة الضائعة أصبحت امرأة ناضجة ناجحة، معها زوج حنون وأبناء أتوا إليها بالنعيم على الأرض. شعرت بضمته إليها وهمسته الفخورة: _مبروك يا بسبوسة. رفعت عينيها إليه
بنظرة شكر واضحة وقالت: _شكراً يا محمود بجد شكراً. _على إيه؟ بشغف واضح بعينيها قالت: _بعد كل ده بتسأل ليه أنت عملت ليا كل حاجة يا محمود، اديني حياة كاملة قولتيلي عيشي أحسن ما كنتي تتمني. أخرج تنهيدة طويلة وقال: _آمال واحد كان عايش زي الإنسان الآلي جات بنت صغيرة كلها حياة رجعت فيه الروح من تاني يقولها إيه؟ ردت عليه بدلال: _قولها بحبك. أخذ نفس عميق من رائحة عطرها المميزة وقال: _بحبك يا بسبوسة. _وأنا مغرمة يا قلب بسبوسة.
ضمها بحب فحدقت بعيداً رأت معتز يقترب من سمية الواقفة بمكان بمفردها فقالت بتوتر: _تفتكر ممكن تسامح؟ _مش عارف بس متأكد إنه بيحبها. أقترب معتز من سمية بندم شديد. نظر إليها وعلم كم كان أحمق مغفل يأكله الحقد. زادت جمال وأصبحت أكثر أنوثة وجاذبية. رأى بعينيها قوة تثبت إليه أنه على مشارف حرب. همس بنبرة ثقيلة: _عاملة إيه يا سمية؟ بهدوء قالت: _حمد الله على سلامتك يا معتز، كويس جداً إنك رجعت. دق قلبه بقلق وقال: _ليه؟
_عشان نطلق كفاية اللي راح من عمري. سيف قاتل ضرب قلبه بكل قوة، كان يهرب طوال السنوات الماضية من تلك المواجهة. حرك رأسه بنفي وقال: _لأ يا سمية أكيد مش هنوصل للطلاق عارف إني غلطان بس والله العظيم ومش عايز أخسرك. فلتت منها ضحكة ساخرة وقالت: _لو مش واخد بالك أنا اتجوزتك غصب عنك، ما ينفعش تقولي مش عايز أخسرك لأنك عملت كل حاجة تخليك تخسرني. _سمية أنا بحبك. قالها بصدق فصرخت بغضب:
_بطل كدب بقى بطل كدب ولف ودوران لأن العيلة الصغيرة اللي ضحكت عليها زمان دلوقتي بقت كبيرة وبتفهم، أنت بالذات آخر واحد ممكن أثق فيك أو أصدقك، خليتني ألعب على أبوك، كنت حاطط كاميرات جوه أوضة نومي عشان تتأكد من تنفيذ خطتك صح، لو ما كنتش ذكية وروحت لمحمود بيه في مكتبه كان مستقبلي وحياتي ضاعوا، تعرف معتز أنا أول مرة أحس بشعور الكره كان معاك. حرك رأسه بندم وقال:
_كنت غبي وحمار عيل مدلل وضايع في الدنيا، حطيت الكاميرات مش عشان خاطر أي حاجة غير إني أطمن إنه ما قربش منك وإنك تحت الملاية بهدومك، سمية ارجوكِ اديني فرصة واحدة بس وأنا أوعدك مش هتندمي. _لأ. قالت كلمة واحدة بقوة وتركته بمفرده وذهبت لأحدي سيدات الأعمال. ضرب رأسه بقوة على العمود خلفه وقال: _الله يسامحك يا أمي. بعد عشر دقائق صعدت سارة لترحيب بالحضور وعلي وجهها ابتسامة مشرقة:
_السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أول حاجة حابة أشكر كل الناس اللي أخدت من وقتها وجات عشان تشاركني نجاح البرفان اللي أنا ماسكاه في إيدي، ده مش مجرد برفان عادي ده حياتي كلها من أول ما فتحت عيني على الدنيا لحد ما وقفت قدامكم النهاردة، حياة فيها الحلو والوحش فيها السعادة والحزن، فيها الحب اللي ممكن يحول أي حاجة لجنة، لو في سبب واحد لنجاح عطر سارة هيبقى محمود علام وأولادي من محمود علام، راجل اداني حياة اداني قوة قدرت بيها أقف بيها قدامكم النهاردة وأنا ناجحة وفخورة بنفسي شكراً.
نزلت لتقف أمامه فضمها أمام الجميع مردفاً: _بعشقك يا بسبوسة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!