والدتك فين يا معتز؟ قالها محمود بعد وصوله أمام غرفة عايدة بالمستشفى. وجد ولده يجلس على الأرضية يضم ساقيه لصدره ويبكي بخوف. نزل محمود لمستواه وقال بقلق: معتز رد عليا يا حبيبي. رد ويا ليته لم يفعل. بصوت مقهور قال: هي ليه عاشت عمرها كله تحبك أنت بس؟ ليه عمرها ما شافت حد غيرك رغم إن الكل كان بيحبها؟ عقد محمود حاجبه بتعجب وقال: هي مين دي؟
بكى معتز مثل الطفل الصغير وصوت بكائه بدأ يعلو ويعلو. لم يقدر محمود الصمود أكثر وجذبه لصدره مردفاً: اهدي يا قلب أبوك. قولي فيك إيه يا معتز؟
ماما بتحبك أنت بس ومش شايفة في الدنيا كلها غيرك. طول الفترة اللي فاتت بحاول أقرب منها عشان أحس بحنانها، لكن مش بحس غير بحب ليك. فرحت قوي لما أنت رجعتها أكتر ما فرحت بوجودي جنبها. وامبارح لما نزلت صورتك مع الهانم التانية، متحملتش. وقعت قدام عيني وما قدرتش أعمل لها حاجة. كنت بتفرج عليها وأنا عاجز. هي ليه بتحبك أوي كده؟ وليه حضرتك مش شايف غير عيلة الصغيرة دي؟
معتز بحالة نفسية تحت الصفر. مع رحلة بحثه عن الحب خسر صغيره وأصابه بعقدة نفسية سيكون من الصعب التغلب عليها. لحظة، هل قالت عايدة إنه ردها؟ مازالت مصممة على التخطيط والكذب. ماذا سيقول لمعتز الآن وكيف سينفي عودته إليها؟ جذب معتز ليقف وقال بقوة: اقف على رجلك وإياك توطي رأسك. أنا مخلف راجل. أمك هتخف وتقوم وبتحبك يا عبيط. حبها ليك مش زي حبها ليا يا معتز. خليك عارف كويس أوي إن مهما حصل بيني وبين عايدة، أنت فوق كل ده.
نفي معتز بتعب وقال: بلاش تكذب عليا يا بابا. هي بتحبك ومش شايفة غيرك وانت بتحب سارة ومش شايف غيرها. وأنا لا موجود في حياتك ولا في حياتها. يمكن كنت موجود في حياة حضرتك قبل ما سارة تيجي، لكن دلوقتي أنا فين؟ تقدر تقولي، لما ضربتني بالقلم عشان خاطرها، طيبت خاطري ولا لأ؟ جيت تعرف إيه اللي حصل بعد ما عرفت الحقيقة؟ حضرتك رديتها زي ما رديت ماما، مش كده؟
لأول مرة يرى نفسه بالفعل صغير أمام أحد. لأول مرة لا يعلم ماذا يفعل أو يقول. لأول مرة يتمنى الفرار من المواجهة، وخصوصاً لو أمام معتز. هو محق. ماذا فعل من أجله؟ حتى لم يطمئن عليه بعد ما حدث. هنيئاً لك يا محمود، حصلت على إتخاذ لقب أب فاشل عن جدارة. ضم وجه معتز بين يديه وقال: أنا آسف. بماذا يفيد هذا الاعتذار؟ حرك معتز رأسه بتعب وقال برجاء:
لو فعلاً أنا فارق معاك، بلاش ترد سارة. أو على الأقل بلاش أعرف. إحنا وماما، كذب علينا المرة دي كمان. وأنا هكون راضي بالكذب، بس بلاش تقول حاجة توجعنا. أنقذه خروج الطبيب من غرفة الكشف. أقترب منه مردفاً بهدوء: خير يا دكتور. بملامح كلها أسف قال الطبيب:
للأسف يا محمود بيه. الأحوال اللي قدامي مش خير خالص. مدام عايدة القلب عندها بقى شبه متدمر، ده غير طبعاً الكيماوي اللي أثر على كل أجهزتها. كل المطلوب منكم إنكم تدعوا لها. لأن اللي بإيدينا فضلنا نعمله سنين وما جابش أي نتيجة. دلوقتي بين إيدين ربنا. بين أيادي الله. يبدو أن تلك المرة عايدة تنتهي بالفعل. أخذ نفس عميق وقال:
هبعت أجيب لها كل الدكاترة بتاعتها من ألمانيا وأمريكا. ولو المستشفى هنا مش هتقدر تقدم لها حاجة، نسفرها هناك. حضرتك عارف كويس قوي إن دي أكبر مستشفى في مصر كلها. واللي بيقدمه بره مش أكتر من اللي إحنا بنقدمه هنا. صدقني يا فندم، مدام عايدة مش محتاجة غير الدعاء. يكفي لهنا انتهت قدرة معتز على التحمل. وسقط بين يدي والده فاقد الوعي. ليقول محمود برعب: معتز إبني...
ما يحدث معه الآن أقسى ما يمكن أن يعيشه إنسان. سقوط معتز أسقط روحه معه. ضمه إليه بخوف. فقال الطبيب: أهدي يا باشا. ده من ضغط الموقف عليه. افتح عينك يا معتز وأنا هرمي نفسي في النار عشانك. بمصنع سارة. كانت تدور حول نفسها مثل المجنونة. إتصال مجهول جعله يتحول 180 درجة. أوصلها على باب المصنع وذهب دون كلمة. هذا كثير. للمرة المئة تتصل به والنتيجة واحدة. تنتهي المكالمة بلا رد. دلفت لها ضحى بإبتسامة بسيطة وقالت:
في ملف لازم يتراجع وناخد توقيع حضرتك عليه. نظرت إليها سارة بضياع وقالت: بس أنا ما أعرفش أي حاجة في الشغل هنا. ما تقلقيش يا فندم. من وقت افتتاح المصنع ومحمود بيه متابع كل حاجة. وأنا هكون مع حضرتك خطوة بخطوة. محمود بيه. أين محمود بيه؟ زفرت بضيق وجلست مع ضحى تفهم منها المطلب. جسدها بمكان وعقلها مع زوجها. فقالت ضحى بقلق: حضرتك في حاجة تعباكي؟ أنا حاسة إنك مش مركزة معايا خالص. شكلك تعرفي محمود من زمان يا ضحى، مش كده؟
أومات إليها ضحى وقالت بخجل: من زمان أوي بجد يا مدام سارة. حضرتك معاكي أحسن راجل في الدنيا. لولا إنه واقف جنبي ما كنتش هعرف هعمل إيه ولا هوصل لإيه. غارت وبشدة. وهذا كان واضح بملامح وجهها دون أي كلمة. فقالت ضحى سريعاً: بلاش البصة دي. الموضوع ما يستاهلش كده. أنا قصتي وحشة قوي وأخاف أقولها أنزل من نظر حضرتك. قامت سارة من مكانها وقالت بتعب:
أكيد هسمعها يا ضحى. وقت ما تحبي تتكلمي أنا موجودة. بس الله يبارك لك. أنا مش فاهمة أي حاجة في الشغل ده دلوقتي. لما محمود يجي هبقى اتصرف. تفهمت الأخرى موقفها وأخذت الأوراق وخرجت من المكتب. رفعت هاتفها وقامت بالاتصال به من جديد. فتح تلك المرة فقالت بلهفة: إيه اللي حصل يا محمود خلاك تمشي بالشكل ده؟ وأنت فين دلوقتي؟ مش بترد عليا ليه؟ أنا هموت من قلقي عليك. هل هو غاضب أم مرهق؟ نبرة صوته كانت غريبة عليها وحديثه كان أغرب:
ركزي في شغلك يا سارة. ما ترنيش عليا تاني. لما أروح بالليل هحكي لك كل حاجة. يعني إيه؟ لما تروح بالليل هتحكي لي كل حاجة؟ هفضل قاعدة على نار كده لحد ما تروح؟ محمود أنا خايفة عليك. المفروض تطمني مش تزود قلقي. ماذا يقول لها وماذا تطلب منه؟ تريد أن يريح قلبها وهو بقلب نيران مشتعلة. لا يعلم كيف يقلل من التهامها إليه. ألقى نظرة على معتز النائم بدنياً أخرى وقال بغضب: هو في إيه؟ هو أنا مطلوب مني أقول لجنابك كل خطوة بعملها؟
قلت لك مش فاضي. هذا هو محمود علام الحقيقي. أما الآخر لا يظهر إلا وقت حاجته إليها. أبتلعت غصتها بوجع: لأ. مش تحقيق ولا حاجة. أنا آسفة. زفر بضيق من نفسه. ما ذنبها ليخرج خوفه بها؟ مسح على خصلاته بتعب وقال: لأ يا حبيبتي. ما تعتذريش. أنا اللي المفروض أعتذر. حقك عليا. سارة أنا دلوقتي تعبان أوي. استحمليني معلش. وأنا أوعدك هقول لك كل حاجة لما أروح. بصوت مختنق وصل إليه وجعله يسب حاله قالت:
حصل خير. وتاني مرة أنا آسفة. فضلت أرن كتير. وأنت لو كنت محتاجني أو حتى عايز ترد عليا، كنت رديت من أول مرة. هقفل دلوقتي وروح شوف إيه المهم عندك. صوتها يقول إنها على وشك البكاء. رائع. فهو دائما قادر على إحزان أقرب الناس إليه. خرج من الغرفة الموضوع بها معتز وقال بحنان: لو على مين مهم عندي، يبقى هسيب الدنيا كلها وهاجي آخدك في حضني. يا سلام.
طبعاً مش عايز يكون عندك شك 1% إنك مش أغلى الناس عندي. يلا قوليلي بحبك يا محمود عشان أقدر ألم المصايب اللي ورايا دي وأنا مطمن إنك جنبي يا سارة. حركت كتفها بدلال. وكأنه يراها. والغريب إن دلالها وصل إليه وجعله يتنهد بتعب. لتزيد عليه مردفة: تؤ. مخاصماك وهفضل مخاصماك لحد ما ترجع وتحكيلي اللي عندك بالتفصيل. ووقتها أحدد إذا كان يستحق أصالحك ولا لأ. ماشي يا بسبوسة. أقسي عليا براحتك.
كانت ستغلق الخط ويا ليتها فعلت. إلا أن من سوء حظها دلفت ضحى وقالت بهدوء: مدام سارة. المذيع أحمد رسلان طالب يقابل حضرتك. من؟ هذا ما كان ينقصه. صرخ بغضب أرعبها: إياكي تقفلي الخط. افتحي الإسبيكر وخليه يدخل. نفذت أوامره بصمت. سيطر عليها شعور قوي بالخوف من ما هو قادم. جلست على مكتبها ووضعت الهاتف فوقه. فدلف أحمد وعلى وجهه ابتسامة راقية. ثم مد يده إليها مردفاً: من يوم المطعم وأنتِ ما سألتش. قولت أسأل أنا.
مدت يدها إليه وقالت بتوتر: ما حصلتش مناسبة. اتفضل. تحب تشرب إيه. قهوة مظبوط. قوليلي بقى. إحنا مش كان في بينا اتفاق على شغل؟ اختفيتي فجأة ليه؟ يا الله. ما هذا الرعب الذي تعيش بداخله؟ مسحت حبات العرق من على جبينها وقالت: المصنع لسه مفتوح جديد وأنا تحت التدريب. الموضوع طبعاً صعب عليا و... قطع حديثها بابتسامة هادئة وقال:
سارة. أنتِ بتحاولي تلفي وتدوري وتهربي من وجود محمود علامي يوم المطعم وإنه قال إنك مراته. أنا جاي هنا عشان أسمعك وأفهم الحكاية بالظبط من غير ما أحكم عليكي بأي كلام يبوظ صورتك في عيني. اتسعت عينيها وقالت بذهول: وايه اللي هيشوه صورتي أو يخليني مكسوفة من حاجة زي دي؟ هو أنا أول واحدة تتجوز؟
مش أول واحدة تتجوزي. بس كلنا عارفين إن محمود علام رجل أعمال كبير. ومتجوز بقى له أكتر من 18 سنة وعنده شاب في سن المراهقة. لما بنت صغيرة زيك تبقى مراته من غير ما حد يعرف، يبقى ملهاش غير معنى واحد بس يا سارة. وأنا مش عايز أقوله. وصل إليها أنفاس محمود المرتفعة عبر الهاتف. شعرت بطعنة قوية دلفت إلى أعماقها بعدما فهمت حديث أحمد جيداً. أغلقت الهاتف بوجه محمود بأصابع مرتعشة. ثم نظرت لأحمد قائلة:
ولو اللي حضرتك بتقوله حقيقي، يفرق معاك في إيه؟ المفروض إن إحنا كنا أصحاب. حتى لو لدقائق. وكان في بينا اتفاقات على شغل. رسمت لك صورة حلوة في عيني. وجيت النهاردة عشان أفهم الحقيقة. قامت من مكانها وقالت بغضب:
اللي بيني وبين حضرتك كانت مجرد معرفة سطحية. ودي حياتي الشخصية ومش من حق حد يتكلم فيها. عموماً. أيوه محمود جوزي. ومش في السر زي ما بتحاول تلمح. كل عيلتنا عارفة. بس هرجع وأقول لحضرتك إن دي حياتنا الشخصية. وإحنا مش حابين نصدرها للإعلام. قام أحمد من مكانه وقال بهدوء:
طيب. طالما دي حياتكم الشخصية. كان الأولى إن جوزك يقعدك في البيت ويمنعك من الشغل معايا. بدل ما يوقف البرنامج بتاعي شهرين. سارة. أنا حاسة إن في حاجة غلط في العلاقة دي وعايز أساعدك. صممت. فأخذ نفس عميق ثم أخرج كارته الخاص وقدمه لها مردفاً: ماشي. على راحتك. طالما مش حابة تتكلمي. بس ده الرقم بتاعي. وقت ما تحسي إنك محتاجاني رني عليا وهكون جنبك. ومبروك المصنع الجديد.
أغلق باب المكتب خلفه. فألقت بجسدها على المقعد بوجع. مهما حاولت الفرار ستصل لنفس النقطة. "إنها مجرد زوجة سرية لمحمود علام". مسحت على وجهها وقالت بغضب: إياكي تعيطي. سامعة؟
مش هتقضي باقي عمرك كله نواح. فوقي لنفسك بقى واعرفي أنتِ عايزة إيه بالظبط. محمود بيحبك. وأنتِ بتحبيه. وكل العيلة بقت عارفة. فاضل بس باقي الناس تعرف. وهو هيعمل كده قريب. حتى إمبارح نزل صورنا مع بعض. يعني محمود ما عندوش مشكلة إن الناس كلها تعرف بجوازنا. فياريت بقى تبطلي تضغطي على نفسك وتوجعي نفسك على الفاضي.
حاولت بتلك الكلمات السيطرة على أعصابها. فدق الباب. دلف محمد السائق بنفس اللحظة. سمعت رنين هاتفها. ارتفعت دقات قلبها مع اسم محمود المزيف للشاشة. ومع ذلك فتحت مردفة بنبرة متوترة: الو. لمي حاجتك وانزلي مع محمد 10 دقايق وتكوني في البيت يا سارة. بلعت ريقها برعب قائلة: ليه؟ أنا لسه ورايا شغل كتير. وأنت كمان شكلك مشغول النهارده و... عشر دقايق. فات منهم دقيقة. وده مش في صالحك يا سارة. أغلق الخط بوجهها. لتنظر للهاتف مردفة:
يا لهوي يا لهوي. ده قالي يا سارة مش بسبوسة. كدة تبقي مصيبة رسمي. قال محمد بهدوء: يلا يا بنتي نمشي. محمود باشا متعصب. والأحسن ننفذ اللي هو عايزه بدل ما يقلب علينا. يلا يا عم محمد. أنت راجل غلبان. حرام أكون سبب في فرمك تحت إيده. كفاية أنا...
بمنزل محمود. دلفت سارة وهي تقدم ساق وتؤخر الأخرى. تتمنى لو تلك الرائحة التي تغرق المكان تكون مجرد وهم منها. للأسف. ليس كل ما يتمناه المرء يحدث. وجدته يجلس على أحد المقاعد بالصالة. يضع ساق على الآخر. وجاكيت بدلته ملقى على الأرض. وبين أصابعه سيجار يخرج بها نيرانه. أبتلعت ريقها ثم أقتربت منه مردفة بتوتر: حبيبي. إيه اللي معرفك كده؟ مش كنت مشغول النهارده؟ أنتفضت وعادت للخلف خطوتين على أثر صوته الحاد:
وأنا عارف ألف ضهري للهانم وهي حياتها كلها معجبين. ممكن كده شوية يا محمود وبلاش تقول كلام يزعلنا إحنا الاتنين. من أين يأتي إليه الهدوء وهي أغلقت الهاتف بوجهه حتى لا يسمع باقي حديثها مع الأحمق؟ قام من مكانه وألقى بالسيجار على الأرض بإهمال مردفاً: قفّلتي السكة ليه وإنتِ بتكلمي مع الحيوان ده؟ قال لك إيه وقولتي له إيه؟ ما كنتيش عايزاني أسمعه يا سارة. اتسعت عينيها بغضب من معنى حديثه مردفة:
هو أنت مستوعب أنت بتقول إيه بالظبط ولا معنى كلامك مش واصل لك؟ أنتِ اللي مستوعبة إزاي قفلتي السكة في وش جوزك وإنتِ بتتكلمي مع راجل غريب؟ لابد من أن تتحلى بالهدوء حتى لا يزيد الأمر سوء. تنهدت بتعب ثم قالت: كل اللي حصل إن سمعت منه كلام يوجعني. عشان كده قفلت السكة. ذهب غضبه مع رؤيته لضعفها. جذبها لتبقى بين أحضانه ثم قال بحنان:
أنتِ أغلى وأجمل ست أنا شفتها في الدنيا. سارة. النهاردة شفت يوم بشع. حسيت فين روحي بتطلع مني. كل اللي مطلوب منك شوية صبر. وأنا أوعدك إنك مش هتندمي على صبرك ده. لمست وجعه. وهذا جعلها تهدأ من غضبها. وضعت رأسها على صدره. سمعت دقات قلبه وشعرت بحرق روحه. مرت كفها على صدره وهمست: قول إيه اللي وجع أوي كده؟ يمكن أقدر أساعدك؟ ماذا يقول؟
سارة صغيرة ويصعب عليها فهمه. صمت بتعب شديد. معتز قطعة من روحه سقط أمام عينيه. ورغم قوته وماله لم يقدر على فعل شيء له. أخرج تنهيدة طويلة أخرج بها وجعه ثم قال بهدوء: هقول لك على كل حاجة. بس انتِ تقوليلي الأول الحيوان ده كان عايز منك إيه بالظبط. إبتعدت عنه وقالت برجاء:
محمود. الراجل ده ما فيش بيني وبينه أي حاجة تخليك تعمل معاه كده. اللي أنت وقفته ده مصدر رزقه. هو ما كانش يعرف إني مراتك. كل اللي عمله إنه حاول يساعدني. وشايفني موهوبة. يبقى ليه يبقى جزاته كده. رفع حاجبه بسخرية وقال: شايفك موهوبة إزاي؟
لا مؤاخذة. ده حتى ما خدتش من وقته تلات دقايق عشان يعرف إنتِ عندك موهبة ولا لأ. شافك مزة حلوة مش أكتر. احمدي ربنا إني ما خلعتلوش عينه الاتنين اللي بص لك بيهم. واكتفيت بقرصة ودن دي. وده عشان ما كانش يعرف إنك مراتي. لكن النهاردة بقى كان عارف إنك مراتي وتجرأ وجالك تاني. رأى بها امرأة جميلة لأ أكثر؟ أصابتها تلك الكلمة بمقتل. لماذا دائماً يكون جمالها مصدر أذى إليها؟ بللت شفتيها وقالت بحزن:
محمود. هو أنا ما فيا أي حاجة مميزة غير إني ست حلوة؟ مسح على خصلاتها وقال بحنان: إنتِ كلك مميزات يا حياتي. بس رجالة كده. أول حاجة بيشوفوها في الست شكلها. بعد كده بقى بنشوف باقي المميزات. دلوقتي هتدخلي تنامي لحد ما أشوف يومي هيخلص على إيه. وأرجع لك. أومات إليه بهدوء وذهبت معه لغرفة النوم. ساعدها بتبديل ملابسها. ثم نام بجوارها على الفراش مردفاً: نامي. وأنت؟ هفضل جانبك لحد ما تنامي. وبعدين همشي.
عاد للمستشفى. وحمد ربه أن معتز ما زال تحت تأثير المهدئ. اقترب من غرفة عايدة. وظل متردد لعدة ثواني قبل أن يمد يده ويفتح الباب الفاصل بينهما. دلف بخطوات هادئة ليجدها تجلس على الفراش بتعب. اقترب منها وقال: حمد الله على سلامتك يا عايدة. نزلت إليه بضعف وقالت: وهي سلامتي تفرق معاك في إيه؟ زمانك دلوقتي بتقول بركة يا جامع. ارتحت منها.
بلاش الكلام ده. ما بقاش بيأكل معايا. طول عمرك فارقة معايا. وإنتِ عارفة ده كويس يا عايدة. لكن اللي إحنا وصلنا له ده كان بسببك أنتِ. طول عمري بديكي من غير ما تطلبي. كان المفروض اليوم اللي أطلب فيه حاجة واحدة تفرحني، تبقي واقفة في ضهري. مش تبقي عدوة ليا. جاية دلوقتي تقولي لمعتز إني رديتك. بتلعبي على إيه وعايزة توصلي لإيه؟ ما تعبتيش؟ مش خايفة من ربنا وإنتِ بتعملي كل ده؟ وبينك وبين الموت خطوة واحدة.
حاولت أخذ أنفاسها بصعوبة. أصبح بينهما وبين الموت أقل من خطوة. حاولت مد يدها لتلمس يده. إلا أنه عاد خطوة للخلف. فقالت: ياه. للدرجة دي لمستي بقت بالنسبة لك مؤذية؟
أيوه يا محمود. أنا قولت لمعتز إنك رديتني. روح قوله إن كذابة. وإنك ما عملتش كده. ورحت رديت البنت التانية. قوله إن كل تفكيرك كان في نفسك بس. وفي مراهقتك المتأخرة. ونسيت إنك راجل. مراتك تعبانة وابنك شاب محتاجك تبقى جنبه. روح قوله أبوك القدوة ما ينفعش حتى يبقى قدوة لنفسه. بلحظة نسي إنها على فراش الموت. غضب منها تعدت كل الحدود. امرأة بشعة. ضاع عمره معها. كيف كان أحمق لتلك الدرجة؟ لا يعلم. ضغط على عنقها بقوة وقال:
مشكلتك إنك شفتي مني الحلو بس. وعمرك ما شفتي الوحش. من النهاردة مش هتشوفي غيره يا عايدة. لحد ما تدخلي قبرك. مش هتشوفي مني غير كل حاجة وحشة. تعرفي قد إيه أنا كنت بعد عنك شخصيتي الزبالة. لحد آخر لحظة بينا. كنت عامل حساب إنك بنت عمي اللي ربيتها على إيدي. وأم ابني. لكن إنتِ ما تستاهليش كل ده. عايزة تبقي قدام معتز مراتي؟
وماله. خليكي قدامه كده. لكن أنا طلقتك يا عايدة. وعلى إيد مأذون. طلاق بلا رجعة. ولو انطبقت السما على الأرض. مش هتبقي مراتي تاني. أنا دلوقتي متجوز ست واحدة بس. ومش هتشيل اسمي غيرها لحد ما أموت. أختنقت. وعاد هو أخيراً لوعيه. أبتعد عنها سريعاً مستغفراً ربه. فوضعت كفها على عنقها مردفة: أنا عايدة يا محمود. أنا حب عمري. أنتِ غلطة عمري.
خرج وتركها. بكت وهي ترى نهايتها معه. نظر لباب الغرفة المغلق أمامه بحسرة على نفسه. ثم ذهب لغرفة معتز. وجده نائم. فجلس بجواره. وسمع همسه تحت تأثير نومه: بابا بيكرهني. بابا أخد مني كل حاجة. في الأول أخد حب أمي. ما كانتش شايفة غيره. وأخد البنت الوحيدة اللي قلبي دق لها. حتى هو ما حبنيش. بابا بيكرهني. هل يراه هكذا؟ هل هو بنظر ولده مثلما يقول بنومه؟ اقترب من وجهه وطبع قبلة. حانة معها دمعة رجل مقهور. وقال: بكرهك إيه يا عبيط؟
ده أنا ما حبيتش في الدنيا دي كلها قدك. سامحيني يا معتز. مكنتش الأب إللي بتحلم بيه. بالمساء. استيقظت سارة بكسل. ثم مسحت على عينيها لتزيل أثر النوم عنها. قامت بخطوات بطيئة ودلفت للمرحاض. غسلت وجهها وسحبت منشفة تجفف بها بشرتها. لمحت بعينيها شيئاً خاصاً بالنساء. وهنا اتسعت عينيها بذهول. منذ عودتها الأولى لمحمود. ولم تأتي إليها عادتها الشهرية. تذكرت اختبار الحمل فقالت بتوتر:
أكيد مفيش حمل. ما أنا عملته قبل كده وما طلعش حاجة. ثلاث أشهر غياب. وتقول لا يوجد حمل؟ إذن ماذا يوجد؟ أخذت نفسها بتوتر وخرجت من المرحاض. أفضل حل قطع الشك. رفعت هاتفها وبحثت عن أقرب صيدلية بالمكان. وبعدما قامت بالاتصال عليها وطلبت الاختبار. بعد مرور ربع ساعة كانت تحدق به بدقات قلب متسارعة. خطين من اللون الأحمر. هي الآن تحمل بداخلها طفل من محمود. سقطت دموعها وقالت: حامل. معقولة أكون فعلاً حامل؟
لحظات ممتعة كانت أكثر من مميزة. من قال فاقد الشيء لا يعطيه؟ فهي عاشت بلا حنان أم. حتى والدتها على قيد الحياة. والآن تضع يدها على بطنها مردفة بسعادة: أوعدك إني هكون أحسن أم في الدنيا. عشان خاطرك يا حبيبي. اهتز هاتفها برقم ألفت. ففتحت الخط وقالت بسعادة: تيتا. أنا حامل يا تيتا. هبقى ماما حلوة أوي صح؟ حامل من محمود؟ إزاي تعملي في نفسك كده؟ دي مصيبة. مصيبة ليه؟
يمكن لأنه رد عايدة. ومعاها في المستشفى من الصبح. أو يمكن عشان جنابك لسة مراته في السر لحد دلوقتي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!