الفصل 3 | من 34 فصل

رواية عطر سارة الفصل الثالث 3 - بقلم شيماء سعيد

المشاهدات
34
كلمة
3,745
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 9%
حجم الخط: 18

أنا أيامك اللي جاية كلها يا محمود. أخذ عقله يردد تلك الكلمة كثيراً، قالت وفرت من أمامه للمرة الثانية، مر أسبوع ومازال كلما رآها تذكرها. مرر يده على عنقه بتعب من كثر العمل والتفكير، هذه الفتاة نوع من الاثنين يا إما طائشة ولا تعلم ما تقوله، أو لعوبة. رسمت على ملامح وجهه ابتسامة ماكرة، تلك الصغيرة ربما لا تعرف مع من تلعب. دق باب المكتب فإذن للسكرتيرة بالدخول، أقتربت منه وقالت بهدوء: _سيد عايز يقابل حضرتك.

_خليه يدخل وأمنعي أي حد من الدخول. نفذت ما أمرها به رب عملها، وأراح هو ظهره على المقعد. سيد رجل المهام الصعبة، يبدو أنه وصل لكل ما يريد الوصول إليه. دلف الآخر مبتسمًا ابتسامة واسعة مزينة بلمعة الانتصار قائلاً: _أخبارك يا باشا؟! أشار إليه محمود بالجلوس مردفًا: _اقعد يا سيد وأدخل في الموضوع على طول، إحنا مش جايين نتعرف على بعض دلوقتي. أومأ برأسه سريعًا ثم قال:

_جوز أختها بيأخذ الفلوس اللي جنابك بتبعتها لنفسه وعايز يجوزها لواد صبي رقاصة، فهي هربت وجات عندكم. _اممم وبعدين كمل. _أختها بشهادة أهل المكان شريكة جوزها في كل حاجة والست هانم الصغيرة غلبانة معاهم، حتى المشروع بتاعها اتسرق. رفع حاجبه بتعجب قائلاً: _مشروع إيه ده؟ أجابه الآخر بحماس غريب: _عطور يا باشا، محل عطور اسمه عطر سارة.

عطر سارة… رائحتها لا تحتاج لمحل عطور، فهي بفطرتها صاحبة رائحة فواحة لذيذة تجعله يرغب يضمها إليه لعله يقدر على أخذ أكبر مخزون منها. تنحنح مع نداء سيد عليه ثم قال: _طيب خلاص يا سيد، روح عدي على الحسابات هتديك فلوسك. أومأ سيد بسعادة وخرج. أما كبير عائلة علام، ظل كما هو يفكر ويفكر فقط. للحظة سأل نفسه سؤال عجيب: "ماذا تريد منها يا محمود؟ همس بذهول من حاله: _إيه اللي بيحصل ده؟ هو أنا عايز منها إيه فعلاً؟

أنت عايزها والا إيه يا محمود؟ ده يبقى جنون. معه حق، هذا بالفعل جنون. والأكثر من ذلك هي. فتحت باب مكتبه ودلفت خلفها السكرتيرة بخطوات غاضبة قائلة: _أنتِ رايحة فين يا آنسة؟ قلتلك مفيش معاد. إنتبه إليها، لجمالها الخاطف للقلوب والعقول، ابتسامتها الساحرة التي تعطيها الي بصدر رحب، وفوق هذا وذلك فستانها الوردي الذي يصل إلى بعد ركبتها بقليل. نظرت إليه ببراءة قائلة: _هو أنا محتاجة آخد ميعاد عشان أقابل حضرتك يا أبيه؟

لا يا صغيرة، أنتِ قادرة على دخول أي محل بلا سابق إذن. قالت السكرتيرة بقلق: _أنا آسفة يا مستر محمود بس هي دخلت غصب عني، مع إنّي قلت لها أكتر من مرة إنها لازم تاخد معاد. هو ليس معك على الإطلاق، لا يرى غيرها. أستغلت سحرها الواضح عليه وأقتربت منه بخطوات رشيقة لتجلس على المكتب أمامه مردفة: _مش أنا أقدر أجاي في أي وقت يا أبيه صح؟ مثل المسحور أجابها: _صح. _وأقدر أدخل هنا من غير إذن أي حد صح؟! _أممم صح.

حركت كتفها بدلال وألقت نظرة سريعة على السكرتيرة مردفة: _سمعتي بنفسك، روحي بقى أعمليلي واحد نسكافيه. نظرت الأخرى لرب عملها منتظرة منه أي رد فعل تدل على وجوده معهم بأرض الواقع، إلا أنها لم تجد. حركت رأسها بذهول وقالت قبل أن تخرج من المكتب: _هو شرب إيه بالظبط؟ الراجل كان زي الفل من شوية، بس البنت مزة بصراحة وتستحق حالة السكر اللي هو فيها دي. أصبحت معه بمفردها فقالت بعتاب: _زعلانة منك بجد، أخص عليك يا أبيه.

عاد أخيراً محمود علام، ابتسم إليها ابتسامة رجولية بها معنى واضح جعلها هي الأخرى تبتسم ثم سألها: _مش حاسة إنك مهتمة بيا زيادة عن اللزوم؟ أومأت إليه ببساطة قائلة: _ده حقيقي فعلاً. الغريب بقى إنك عامل مش واخد بالك… قولي بقى بتهرب من وجودك معايا في مكان ليه؟! أعتدل بجلسته قائلاً بقوة: _مين اللي قالك كدة؟! لعبت ساقيها بالهواء ثم ألقت عليه غمزة شقية:

_محدش قال، أنا شوفت بعيني. كبير العيلة اللي مش بيفوت جالسة عائلة ولا أي واجبة، بقيت كل الواجبات هنا في الشركة. أكيد ومن غير لحظة تفكير تبقى بتهرب مني ومش عايز تشوفني. بحركة جريئة قرب مقعده منها ثم رفع كف يده ليلمس خصلاتها الناعمة بين يديه. ما هذا؟ حتى شعرها ذات رائحة مميزة. أخذ نفس عميق وقال بنبرة صوت باردة: _لو افترضاً إن ده صح، يهمك في إيه يا صغنونة؟ حركت رأسها برفض قائلة:

_بلاش صغنونة دي، خليها بسبوسة، بتطلع منك أحلى كتير. _وماله، عايزة إيه يا ست بسبوسة؟ قامت من مكانها ودارت حول نفسها عدة مرات بخفة قبل أن تعود إليه بابتسامة واسعة مردفة: _أنت عارف أنا عايزة إيه، بس عايز تعمل نفسك مش عارف. جذبها لتجلس فوق ساقه. الأمر وصل بينهما سريعاً إلى درجة لا رجوع. نظر داخل عينيها ليري إصرارها العجيب عليه، فقال ببعض السخرية: _عيلة صغيرة وحلوة عايزة إيه من راجل متجوز وأكبر منها.

تحولت نظراتها لأخرى حزينة. سأله رغم بساطة إجابته إلا أنها تشعر بالتخبط. ربما مرارة أيامها جعلتها تفعل أشياء بعيدة عنها كل البعد. دائمًا ما تضعها الحياة بمواقف أكبر منها وتجعلها تذهب بقدميها إلى حافة الهوية. أخذت نفس عميق وقالت إليه بكل صراحة: _فلوس. عايزة حياة أحس بيها بالأمان وإني قادرة أقف قصاد الكل. مش عايزة أبقى زي أبويا، عايزة مصلحتي وكل ده معاك أنت. أنت محتاج ست وأنا مش أي ست، وأنا محتاجة حياة ومش أي حياة.

صدم بالفعل، لم يتوقع إن تكون بهذا التفكير أو بتلك الصراحة. ما هذا يا فتاة، ما هذا؟ أبتلع ريقه لتقوم من على ساقه ببعض التوتر. جلس على المقعد المقابل للمكتب منتظرة أي رد فعل منه. عضت على لسانها بغيظ من حالها، يبدو أنها صدمته بها، ولكن ملت من لعبة الدلال تلك. دقيقة كاملة مرت وهو ينظر إليها بلا حرف واحد، شارد بها وعقله متوقف عن العمل. تبدو أن الملامح البريئة بمفردها غير كافية على فهم الشخص. حمحت قائلة: _أنت كويس يا أبيه؟

ضحك ضحكة خرجت من أعماق قلبه. حمقاء يا صغيرة، ألقت بنفسها داخل الجحيم دون أن تدري. ربما أخطأت بالعنوان، وربما لا تجمع المعلومات الكافية حتى تعلم أمام من ألقت نفسها. قام من فوق المقعد وبخطوات ثابتة وصل إليها. جذبها لتقف أمامه ثم سألها بنبرة مريبة: _فاهمة معنى كلامك إيه؟ أومأت إليه بترقب ليكمل حديثه: _عارفة أنتِ في نظري إيه دلوقتي يا بسبوسة. فعلت حركتها الشهيرة بتحريك كتفها بلا مبالاة مردفًا: _عارفة ومش فارق معايا.

_عادي بالنسبة لك إني أشوفك رخيصة زي أي *****؟! كانت قاسية الجملة، ولكن حياتها الماضية أقسى بكثير. رسمت على ملامحها الجميلة ابتسامة باردة ثم قالت: _شكلك فهمتني غلط، أنا مش هعمل حاجة حرام، كله بالحلال يا أبيه. ضحك من جديد ثم قرص أنفها مردفًا: _وأنا مش ناوي على الحلال يا قلب أبيه، هتعملي إيه بقى؟ مجنونة، لابد أن يعلم هذا جيدًا حتى يستطيع التعامل معها بالمستقبل. جذبته من مقدمة قميصه الفاخر مردفة ببساطة:

_هعمل كتير مثلاً. يعني مثلاً، أستناك لما تيجي زي أي فيلم أبيض وأسود وأقطع هدومي وأصوت، البيت يتلم وأقول بكل براءة: "أبيه حاول يتهجم عليا عشان غلبانة في بيته". ولأنك راجل محروم من الستات الكل هيصدق، وعشان نلم الفضيحة نتجوز يا ابن عمي. رأي إيه في الخطة دي. عض على شفتيه بهدوء وفكر لمدة قصيرة قبل أن يقول:

_هي حلوة، بس مفيش حد من أهلي هيصدق القصة دي. محمود علام أكبر من كده بكتير يا بسبوسة، بس عندي خطة حلوة هنفذها قدامك دلوقتي حالا. _وهي إيه بقى؟ _أنا مش بتاع كلام، هتشوفي وتحسي بكل حاجة دلوقتي يا بسبوسة، بس عايزك تصدي معايا للآخر. نظرت إليه بتعجب وقبل أن تفهم ما حدث كان يضم شفتيها بين شفتيه بداخل قبلة، أو ليكون صادقًا، هذه كارثة. ناعمة، طرية، بمذاق رائع. لو أبتلعها الآن سيكون معه كل الحق.

ضربته على صدره بمقاومة ورفض شديد ليقيد يديها ويكمل عمله متلذذًا. ثانية والثانية، فُتح باب المكتب ودلف معه علاء زوج شقيقتها بالنسكافيه التي طلبته من السكرتيرة مردفًا بذهول: _يا نهاركم اللي مش فايت، إيه اللي بيحصل قدام عيني ده؟ أستغفروا الله لعلها تكون ساعة استجابة. رغم التفاعل اللي مش لطيف الرواية بتنزل، بس ده مش هيستمر كتير. بكرا بإذن الله هكون موجودة في معرض الكتاب جناح دار الراوي صالة ٢ جناح c24.

اللي ناوي يشتري ولو مش ناوي، حابه أشوف الكل. دمتم بخير وعافية. اقتباس لذيذ من يمين طلاق. أخذت وسادة وغطاء خفيف وألقت بهما على الأرض مشيرة إليه قائلة بنبرة ساخرة: _تقدر تعتبر ده السرير بتاعك طول فترة وجودي هنا. ربما هي حمقاء، أو أخذت أي حبة تعطي لها القليل من الشجاعة. خلع عنه الجلباب ثم أرسله على وجهها بكل قوته قبل أن يرد عليها بقوة: _لبس العزا ده مكنتش ناوي أحاسبك عليه، بس شكلك بتحبي العنف. شهقت بعصبية وقامت من

مكانها لتقف أمامه صارخة: _أنت فاكر نفسك مين فوق؟ أنا هند الراوي. _طظ. أتسعت عينيها وفتحت فمها إلا أنها وبكل أسف لم تجد كلمة مناسبة تسبه بها، ليبتسم عليها ساخرًا قبل أن يجذبها لتكون تحت حصار ذراعيه: _عايزك تفوقي وتتلمي من غير ما أضطر أستخدم أيدي في التعامل معاكي. وضعت كفها على صدره مردفة بنفس السخرية: _ولا تقدر، زي ما أنت بتعرف تستخدم أيدك أنا كمان بعرف أستخدمها ورجلي كمان لو اضطريت لده.

ربما لم يصل إليه حديثها من الأساس، كان كل تركيزه على ملامحها الرقيقة رغم شراستها. يعشق الشعر الأسود الثقيل وتلك العيون الغزلان الغاضبة، وفوق كل هذا وذاك شفاه صاحبة جمال رباني تأخذ حجم مميز. وضع أحد أصابعه على خصلاتها مردفًا: _حضري الحمام عايز أطلع فايق لك، دي الليلة فرحك يا عروسة. بكل قوتها عضت أصبعه ثم أردفت بغيظ بعدما رأت أنه لم يتأثر: _شكلك نسيت مهمتك يا عمدة، أنت مجرد محلل عشان أرجع لجوزي. لما هذا الشعور؟

لما قدرت على إشعال النيران بداخله بكلمات ربما كان يتقبلها قبل أن يسحره عطرها؟ تحلى بالبرود مبتعدًا عنها: _حرام. رفعت حاجبها مجيبة: _نعم؟ _المحلل حرام يا مدام هند، عشان ترجعي لجوزك لازم جوازي بيكي يكمل بشكل طبيعي، بعدها بقى أقرر عايز أكمل أو لأ، وبصراحة أنا ماليش مزاج لكده. _يا نهاركم اللي مش فايت، إيه اللي بيحصل قدام عيني ده؟

أنتفض جسدها بين يديه ليضغط على خصرها مقربها منه أكثر ويكمل قبلته وكأنه بمفرده معها. مرت ثواني وهي تقاوم ليقرر تحرير شفتيها من بين أسنانه ويده مازالت تقيد حركتها. أغلقت عينيها غير قادرة على النظر لزوج شقيقتها، ربما تكون جريئة جدًا ولكن هذا الموقف بمثابة عار لها. نظر لعلاء بكبرياء مردفًا: _خير يا علاء، في حاجة؟ أبتلع الآخر لعابه بذهول من الموقف. ما هذا بالفعل، ما هذا؟ توتر من نظرات سيده القوية لكنه قال:

_إيه اللي بيحصل ده يا باشا؟ بقى هي دي الأمانة؟ عاد ليجلس على مقعده خلف المكتب مشيرًا له بوضع النسكافيه. وجدها مازالت تقف محلها مغلقة العينين فضحك بخفة مردفًا: _فضلت سنين أديك فلوس عشان تهتم بتربيتها، شكلك صرفتها على نفسك ونسيت تربيها. حط النسكافيه وغور من وشي.

فتحت عينيها بذهول من حديثه. شعرت بالقليل من الندم، ليتها ظلت تلعب معه لعبة الدلال بدل من صراحتها تلك. صدمتها الأكبر برد زوج شقيقتها الذي وضع المشروب على الطاولة وخرج مثلما أمره الآخر. أشار إليها بالجلوس قائلاً: _اقعدي. جلست ليعطي لها النسكافيه مردفًا: _اشربي يمكن أعصابك تهدى، مع إني شايف إنك محتاجة لمون بعد الموقف ده. صغيرة، ضعيفة، بلا سند، هذه هي سارة. جميلة لدرجة من يراها يتخيل أنها دمية.

حركت رأسها بحزن على حالها وقالت لنفسها جملتها الشهيرة: "من الواضح أن الجمال ميسواش حاجة في سوق الحظ". أخذت بعدها نفسًا عميقًا وعدة رشفات من الكوب تستعيد به قوتها ثم قالت: _عملت كل ده عشان تثبت إني ماليش ضهر مش كده؟ طفلة، طفلة صغيرة بملامح امرأة جذابة. أخذ نفسًا عميقًا ثم نظر إلى ساعته يده ثم إليها قائلاً بهدوء:

_لأ، عملت كده عشان أتأكد إن العيب مش فيكي، العيب في البيئة اللي طلعتي منها. أنتِ بنت عمي ومن النهاردة أنا ضهرك. حاليًا عندي اجتماع مهم ولازم أحضره، لما أروح هيبقى لينا كلام تاني سوا وكلام مهم. _بس. رفع حاجبه بنظرة محذرة قبل أن يقوم من مقعده مقتربًا منها حتى يوصلها لباب المكتب: _اششش، مش عايز أسمع كلمة زيادة تهز صورتك في عيني. لما أرجع هسمعك وهقولك كل اللي المفروض يتقال، يلا يا بسبوسة على البيت.

أومأت إليه بمشاعر تدلف لقلبها لأول مرة منذ وفاة والدها. حنون جدًا، جعلها تطمئن بأن القادم سيكون تعويض لكل ما مرت به بالسنوات الماضية. بخطوات سريعة خرجت من مكتبه لتجد علاء بانتظارها على الباب. آخر شخص تريد رؤيته هو ذلك الحقير. عضت على شفتيها مردفة: _خير، مش اللي مشغلك خدام قالك ارجع شغلك، واقف تعمل إيه هنا يا جوز أختي؟ نظر إليها بنظرات تعلمها جيدًا منذ زواجه من مريم ثم ألقى عليها غمزة سريعة مردفًا:

_ما أنتِ حلوة أهو، ليكي في الشمال، أمال عاملة عليا شريفة ليه يا بت أنتِ!! مستفز، وهي لا تكره بحياتها رجل مثله. ردت عليه بوقاحة كالمعتاد منها: _لأنك مش قد المقام، معفن يعني، وأنا ماشية بمبدأ الغالي للغالي يا معفن. أشتعلت عيناه بنيران الغضب، جذبها من ذراعها وضغط عليه بكل قوته مردفًا: _هتغوري معايا على البيت وهناك هعرفك مين المعفن اللي لمك من الشارع.

حركت شفتيها بسخرية وبكل ما أتتها من قوة ضربته تحت الحزام ليبتعد عنها بألم. أزالت أثر يده من على ذراعها بطرف إصبعها مردفة ببرود: _الشارع ده أهلي اللي لموك منه لما أبيه محمود أداك البيت تعيش فيه. كفاية كذب يا علاء، لأني كشفت كل الورق، وأوعدك قريب قوي هرميك إنت ومراتك في الشارع. أنهت حديثها وخرجت من المكان توعد نفسها وعدًا واحدًا فقط أنها من الآن وصاعدًا ستكون "سارة هانم". يا الله كم هو جميل اللقب ويليق عليها جدًا جدًا.

عودة لغرفة مكتب محمود، أغلق شاشة العرض بعدما رأى وسمع كل ما حدث بغرفة سكرتيرته التي كانت تحضر للاجتماع. مرر أصابعه على ذقنه هامسًا: _طيب، وفيها إيه يا ابن علام؟ بنت جميلة وصغيرة بتقولك عايزك، حتى لو مصلحة، إنت الكسبان. بالمساء. عاد للمنزل وأول شيء فعله دلف لغرفة نومه. وجد عايدة تتابع أحد البرامج على الهاتف. أغلق الباب خلفه واقترب منها ليجدها ترفض النظر إليه. رفع حاجبه بتعجب مردفًا: _إيه ده؟

مش تقوليلي حمدلله على السلامة يا حبيبي زي كل يوم. نفت بحركة سريعة من رأسها ثم قالت: _جبت لك عروسة حلوة أوي، إيه رأيك تشوفها. جز على أسنانه بغضب. مل من تلك اللعبة التي ترسمها عليه دائمًا. قام من جوارها وأزال جاكيت البذلة عنه ملقيًا إياه على أحد المقاعد قبل أن يقول: _عايدة، أنا مش عيل صغير. لما أحس إنك مش كفاية في حياتي ومحتاج أتجوز هختار العروسة بنفسي. سيبك من دور الخطبة ده واهتمي بصحتك.

خرج بخطوات غاضبة وتركها تعيد حديثه برأسها. ارتجف جسدها وشعرت ببرودة الجو من حولها. تقول هذا دائمًا حتى تسمع جملة واحدة: "لا أريد غيرك". لما اليوم غير إجابته؟ حاولت أخذ أنفاسها إلا أنها لم تستطع فوضعت جهاز التنفس على أنفها قائلة لنفسها: _كنت عارفة إن وجود البنت دي خطر. يا رب لو هيبقى لغيري خدني قبلها.

بغرفة أخرى، دق على الباب عدة مرات حتى أذنت له بالدخول. أغلق الباب خلفه واقترب من مكتبها الصغير. كم تبدو جميلة وهي تقرأ أحد الكتب. أبتلع ريقه مع تدقيقه بملامحها. هل كانت تحتاج لتلك الحمرة حتى تقتله قتلاً؟ لا والله، شفتيها بمفردها كانت كارثة. رفعت رأسها إليه بابتسامة لذيذة ثم قالت: _نورت الأوضة يا أبيه، اتفضل. جلس بطاعة عمياء، جعلتها تبتسم أكثر. تعلم جيدًا أنها مسيطرة عليه وهذا يشعرها بالأمان. أعتذرت إليه ببراءة:

_أنا آسفة يا أبيه. تفاجأ من هذا الاعتذار فرفع حاجبه بتعجب مردفًا: _آسفة على إيه يا بسبوسة؟ قامت من مكانها ووقفت أمامه مثل الطالب الذي ينتظر العقاب من معلمه. رمشت بعينيها عدة مرات قبل أن تهمس: _قلت كلام مش كويس الصبح حسسك إني بنت مش كويسة، بس أنا عملت كده عشان خايفة في يوم تزهقوا مني وأنا معنديش مكان تاني أروحه. أومأ إليها قائلاً بهدوء:

_فطبعًا قولتي كده، عشان لو بقيتي مراتي البيت ده هيبقى بيتك وهتفضلي موجودة على طول صح؟ أومأت إليه عدة مرات ليكمل ببساطة: _بصراحة عندك حق. أتسعت عيناها بذهول. جملة واحدة ولكن معناها لا يبشر بالخير على الإطلاق. سألته بترقب: _يعني إيه؟ قام فجأة، لتعود للخلف جذبها سريعا قبل أن تتحرك خطوة واحدة إضافية. تأمل جمالها الذي يجبره على فعل ما لم يفكر بفعله من قبل ثم همس بنبرة دافئة:

_يعني أنا راجل مراتي تعبانة ومحتاج ست، وأنتِ بنت زي القمر ومحتاجة أمان. كل واحد يأخد اللي عايزه من التاني وبكده هنبقى خالصين. فهمت، أتى إليها بنفسه وعرض عليها الزواج. يبدو أن خطتها تسير بالاتجاه الصحيح وهذا رائع. رسمت عدم الفهم على معالم وجهها ثم قالت: _يعني إيه برضو؟ _تؤ تؤ، دور الغبية مش لايق عليكي خالص يا بسبوسة، أنتِ فاهمة وأنا فاهم، يبقى إيه؟ _إيه؟

مرر يده على خصلاتها الناعمة. حلاوة رهيبة، يود تذوقها بأي شكل من الأشكال. نزل لمستوى طولها ووضع قبلة صغيرة على أنفها الحمراء مردفًا: _معاكي عشر دقايق هنروح لأقرب مأذون، هكتب عليكي حالا. بعد ساعة كاملة كانت بحالة من الذهول. تجلس على أحد المقاعد بمكتب المأذون الشرعي وبالمقابل إليها طاولة كبيرة يجلس عليها محمود بجوار المأذون وبجوارهما رجل غريب يبدو أنه صديق محمود يحل محل وكيلها. أتى إليها محمود وهو يحمل الأوراق مردفًا:

_امضي. ها هي على أبواب جنتها التي وصلت إليها ببساطة لم تتوقعها. تخيلت أن يأخذ الأمر منها أشهر حتى تستطع الإيقاع به ولكنها بعد عدة أيام نجحت بأخذ لقب "زوجة محمود علام". انتهت من التوقيع لتسمع المأذون يقول بابتسامة: _مبروك يا محمود بيه، مبروك يا هانم. "هانم" تلك الكلمة بحثت عنها كثيرًا والآن تسمعها. كم هي كلمة جميلة، وقورة، منعشة، تليق عليها وكأنها خلقت من أجل "سارة هانم". ابتسمت وهي تسمع الجملة

الأكثر شهرة بتلك المواقف: _بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير، زواج مبارك إن شاء الله.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...