تحميل رواية «عطر سارة» PDF
بقلم شيماء سعيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
عادت للخلف برعب من هيئته المخيفة. أغلق باب الغرفة عليهما غير عابئ بصريخ باقي العائلة بالخارج. كل ما يجول بعقله الآن تلك الضحكة الرنانة التي خرجت منها مع أخيه الأحمق. نيران قلبه زادت اشتعال وهو يتذكر هذا المشهد. سارة تلعب معه وهو يفهم ذلك جيداً، ولكنها تلعب بالطريقة الأكثر خطورة عليها. أبتلع ريقه وهو يشير إليها بالاقتراب. رفضت بحركة تمرد مردفة: _ أرجع لورا يا أبيه.. _ تعالي هنا بنفسك بدل ما أجيب أنا.. الحمقاء نست عقابها ووضعت كفيها حول خصرها مردفة بنفس الغيرة: _ مش جاية تعالى أنت لو عايز.. أومأ و...
رواية عطر سارة الفصل الحادي عشر 11 - بقلم شيماء سعيد
_طلبك ايه ؟!..
_ أنا بحب سارة وعايز أتجوزها..
تصلب جسده من الجملة، حرك شفتيه وسأله بنبرة صوت متحشرجة :
_ عيد طلبك تاني كدة يا معتز..
توتر الآخر من تحول نظرات والده، يعلم فرق العمر بينهما ولكنه يشعر معها بأشياء تجبره على الاقتراب منها، بلل شفتيه الجافة بطرف لسانه ثم قال بالقليل من التردد :
_ عارف رد حضرتك على فرق السن وكمان لأني صغير، بس يا بابا سيدنا محمد عليه افضل الصلاة والسلام كان متجوز السيدة خديجة أكبر منه بكتير وحياتهم كانت حلوة، لو عشان لسة بدرس هعمل أي حاجة حضرتك تطلبها حتى لو هنزل الشغل في فترة الدراسة المهم أضمن جوازي من سارة..
يسمع فقط وتعبيرات وجهه تقول الكثير، بداخل صدره نيران مشتعلة ومع كل كلمة تخرج من معتز يزيد اللهيب أشتعالاً، الفكرة بمفردها جنونية ولده ينظر لزوجته، لحظة وهل معتز يعلم إنها زوجته من الأساس، ها هو يحصد أول زرعة من زواجه السري.
تغلب على غضبه كيف لا يعلم ولكنه قام من فوق المقعد وجلس على الاريكة الكبيرة مشيراً لمعتز بالاقتراب قائلا :
_ تعالي أقعد جانبي هنا..
نفذ الآخر طلبه وجلس فأكمل محمود حديثه بهدوء يحسد عليه :
_ أنت عندك كام سنة يا معتز؟!..
_ 17..
أوما إليه محمود بثبات ثم أخذ نفس عميق وكتمه بداخله لعدة لحظات وهو غارق ببحر التفكير بعدها أخرجه بتمهل مردفا :
_ يعني لسه في سن المراهقة مش كدة؟!..
_ حضرتك تقصد إيه يا بابا، يمكن أكون صغير لكن حضرتك بتقول عليا دايماً راجل وسابق سني..
وضع محمود يده على فخذ الآخر وقال :
_ صح يا معتز أنت راجل وسابق سنك، بس في حاجات يا حبيبي مينفعش نسبق فيها الزمن وأهمها الحب والجواز..
جاء ليتحدث الا أن محمود أشار إليه بالصمت وأكمل حديثه :
_عارف سن المراهقة ده مينفعش فيه جواز ليه يا معتز؟!..
_ عشان وقتها الشاب بيكون مش قد المسؤلية بس أنا مش كدة يا بابا..
_ صح يا ضهر أبوك أنت مش كدة، بس مش ده السبب اللي عشانه مينفعش الجواز في السن ده..
_ أمال إيه السبب؟!..
إبتسم إليه محمود وقال بجدية :
_ مشاعر سن المراهقة مشاعر مجنونة، يعني ممكن تحب واحدة انهاردة بعد شهر تحب غيرها وتسأل نفسك هو أنا حبيت دي إزاي، الجواز مش بحب مشاعر إعجاب بواحدة حلوة الجواز مودة ورحمة وسنين عمر بتعيشها مع انسان اختارته، تفتكر لو أنا قولتلك تمام موافق تقعد تقولي بعد سنة أو اتنين لما تدخل الجمعة وتقابل واحدة من سنة ودماغها زيك هتعمل إيه مع سارة غير انك تسيبها؟!.. بلاش دي نفترض إن بعد عشره سنين جواز حسيت فجأة إنك ضيعت مراهقة وشبابك في وقت طيش منك وعايز تصلح ده وقتها هتظلمها معاك ولو في أولاد هيروحوا في الرجلين، ركز في دراستك ومذاكرتك وبس ولما توصل لسن الجواز اللي بجد هتختار اللي تنفعك.. فهمتني؟!..
حرك رأسه برفض وقال :
_ طيب ما في بنات بتتجوز رجال أكبر منها بكتير ليه بتكمل ومش بييجي عليها وقت تندم وتقول ضيعت عمري مع واحد مش من سني، ليه في بنات بتتجوز في سني ده عادي؟!..
_ البنت غير الولد، ربنا خلقها بطبيعة تخليها سابقة سنها لدرجة إنها تقدر تعيش مع راجل أكبر منها وتبقى فاهمة دماغه وحابة الحياة معاه، ممكن تبقى عندها 17 سنة بس عقلها زي راجل عنده 30 سنة ومشاعرها ثابتة أكتر منه، أنسى موضوع سارة هي في مقام أختك الكبيرة يا معتز مش أكتر..
ربما لم يدلف حديث أبيه بالكامل داخل عقله الا إنها تقبل القليل منه، أؤما إليه قبل أن يقوم من مكانه مردفا :
_ ماشي يا بابا هحاول أعمل كدة لكن لو مقدرتش خليها ليا..
_ سيب كل حاجة في وقتها يا معتز..
____شيما سعيد _____
بغرفة سارة..
وقفت أمام المرايا تحدق بنفسها بتشتت، خائفة من لحظة قدومه ثقته العمياء بأنها ستقبل قربه منها بترحاب صدر زرع الشك بداخلها، سقطت دمعة ساخنة من عينيها وهي تسأل نفسها بقلة حيلة :
_ هو ده ممكن يطلع بجد؟!.. ممكن أكون لعبة في أيده يعمل فيا أي حاجة هو عايزها بمزاجي؟!..
حركت رأسها برفض شديد لتلك الفكرة، يستحيل أن تكون وصلت لتلك المرحلة، لم تخضع بحياتها لأحد ولن تفعلها الآن، رفعت كفها المرتجف وأزالت دموع عينيها بقوة هامسة :
_ مش أنا مستحيل أكون كدة، لو حابب يتأكد ولو دي الخطوة اللي ممكن أوصل بيها لحريتي فهيبقي هو الخسران..
ظلت تردد تلك الجملة أكثر من مرة حتى تعطي لنفسها أكبر قدر من الثقة، هو يحاول بخبرته اللعب برأسها يحاول رسم صورة غير حقيقية ويجبر قلبها وجسدها على تصديقها وفعلها وكأنها حقيقة ملموسة وهذا ما لن تسمح به..
ظلت بأنتظار قدومه لأكثر من عشر دقائق تعد نفسها كأنها بداخل لجنة إمتحان، زاد توترها فخرجت للشرفة لتأخذ بعض الهواء، نظرت للمكان حولها بتعجب من يرا هذا القصر من الخارج يحسد أصحابه، ليت أيامها مع والدها تعود على الأقل كانت تشعر بالأمان..
اهتز جسدها مع أغلق محمود لباب القصر بعنف، رأته يسير للخارج بخطوات غاضبة يأكل أي حارث يأتي بوجهه، أبتلعت لعوبها بخوف لتجده يفتح باب سيارته ويدلف بها ثواني وكانت تفعل صوت احتكاك قوي وغبار من التراب خلفها، تابعته حتى ذهب مردفة بتعجب بعدما أخذت نفسها براحة أخيراً مع إختفاء سيارته عن نظرها :
_ ماله ده؟!.. الحمد لله انه مشي الواحد مش ناقص رعب هو مفتري وهو عادي أمال لما يبقى عصبي بيعمل إيه؟!..
_____ شيما سعيد _____
بالحي التي تعيش به أروى..
أوقف على سيارته أمام العمارة، نزل بخطوات سريعة يتمنى أن تكون أتت لهنا بالفعل، أقترب من البواب لينظر إليه الآخر بخوف مردفا :
_ خير يا باشا؟!..
إبتسم إليه على بقوة ووضع يده على كتف البواب مردفا :
_ جدع وشكلك فاكرني مش كدة…
أؤما إليه الآخر سريعا :
_ ومين بس اللي يقدر ينسى جنابك يا باشا، أمرك..
_ مدام أروى في شقتها؟!..
_ أيوة يا باشا في الشقة..
أخرج على مبلغ من النقود وأعطى له ثم قال قبل أن يفتح المصعد :
_ خلي عينك مفتحة لحد ما أنزلك..
بعد أقل من نصف دقيقة كان يقف أمام باب منزلها، دقة والثانية وقبل ان يدق الثالث كانت تقف أمامه بثوب الصلاة، كم هي جميلة دون أن تتعب نفسها كم هي رائعة بوجهها الخالي من أي مسحوق للتجميل، دفعها للداخل ودلف مغلقا الباب خلفه، عادت للخلف مبتعدة عنه تتابع ما يفعله بصمت، رفع حاجبه مردفا :
_ إيه مش باين عليكي متفاجئة بوجودي…
حركت كتفها بهدوء قائلة :
_ وأعيش شعور المفاجأة ليه ما أنا عارفة ومتأكدة إنك كدة كدة جاي..
رسمت إبتسامة تلقائية على وجهه ليقترب منها خطوة عادت هي على أثرها ثلاث خطوات فقال :
_ كنتي عارفة إني جاي ودي بقى ثقة زيادة والا أمنية في خيالك كان نفسك تحققيها؟!..
فلتت من بين شفتيها ضحكة ساخرة قبل أن تقول :
_ لا ده ولا ده، كل الموضوع إنك عملت حاجات كتير عشان حاجة معينة ولحد دلوقتي موصلتش يبقى أكيد هتيجي..
ذكية وقوية وهذا ما يجعله يريدها أكثر وأكثر، جلس على مقعد السفرة الموضوعة بمنتصف الصالة وقال :
_ طيب كويس ما أنتِ شاطرة وزي الفل أهو، سبتي البيت وجيتي هنا ليه لما أنا ليا حق لسة ماخدوش؟!..
شهقت بطريقة كانت سوقية من وجهه نظره ووضعت يديها حول خصرها مردفة:
_ حق مين يا عينيا ده عند الحاجه أمك اللي لو كانت اخدت من وقتها تلات دقايق وربتك ما كنتش وقفت تتهزق قدامي الوقفه دي..
اتسعت عينيه بذهول من تحولها وقال:
_ إيه الأسلوب ده ؟!.. وبعدين ما أنا فعلاً دفعت كتير وليا حق عندك..
دفعته بقوة ليعود للخلف ثم قالت:
_ اللي دفعته الأول دفعته لواحد ندل واظن أنك أخدت حقك منه تالت ومتلت، أما حتة بقى انك كتبت الشقه دي بإسمي وطلقتني منه فده فعلا معروف ليك في رقبتي عشان كده رديته لك لما طلعت من بيتك وسبتك سليم بعد ما دخلت بيتي وحاولت تهجم عليا وتاخدني بالغصب، ده قصاد ده ونبقى خالصين ومش عايزة اشوف وشك تاني..
خرجت من بين شفتيه صوت إعتراضي معروف قبل أن يجذبها إليه بهمجية من ذراعها مردفاً:
_الكلام اللي أنتِ بتقوليه ده بقى عند الحاجه امك إنتِ، بصي يا حلوة أوعى يكون غرك الفيلا والبدله اللي انا لابسها دي انا اساسا عيل معفن وشوفت الفقر بكل أنواعه وأشكاله، فوقي لي كده وتعرفي إن مش أنا اللي يتضحك عليا ولا أخد على قفايا..
أبعدته عنها بقوة ورفعت رأسها بغرور قائلة:
_ وماله يا عشوائي كده أحسن كتير عشان نعرف نتعامل مع بعض ويبقى البساط احمدي، قصر الطريق على نفسك وقولي كده عايز ايه تاني معلش أصل نسيت..
أومأ إليها بابتسامة باردة وقال بعيون ظاهر بها الرغبة مثل الشمس:
_ عايزك أنتِ..
ردت إليه إبتسامته بأخرى منتصرة وجلست على المقعد المقابل إليه واضعه ساق على الآخر قبل ان تقول:
_ وماله يا باشا طالما خبطت على بيتنا وطلبت الحلال يبقى أهلا وسهلاً بيك، عدتي تخلص وهات أهلك وتعالى أتقدم بشكل رسمي وانا اوعدك إني هسأل عليك، لو طلع ملفك حلو شبة وشك كده نقرأ الفاتحة ونكتب الكتاب يا سيدي كمان..
خرجت من بين شفتيه ضحكة رنانة، أستمر بالضحك لأكثر من دقيقة قبل أن يتملك نفسه مردفاً بسخرية:
_ لأ ده إنتِ عقلك اخدك لحته بعيده قوي، الحكايه اللي انتِ بتحكيها دي انا ما ليش فيها خالص تقدري تقولي كده ما ليش في اليمين..
رفعت حاجبها بطريقة مستفزة قبل ان تضرب بيديها على الطاوله بقوه مردفة:
_ طالما عايزني يبقى سكتك معايا من هنا ورايح كلها يمين عقلك هيقول لك اني ممكن اكسر لبنت دي جناحاتها ما هي غلبانه وما لهاش حد تبقى سوحت نفسك على الآخر، ممكن أدب أيدي في بطنك أطلع مصارينك وأدخل فيك السجن بس ابقى رافعه رأسي غير كده ما عنديش، خد نفسك وأرجع فيلتك أقف في البلكونه شوية كدة تتفرج فيهم على الجنينة وأسرح مع نفسك حبه شوف الموضوع عايز يوصل معاك لفين وأنا معاك، يا يمين يا شمال وفي الحالتين مش فارق معايا يا باشا بس ممكن يفرق معاك أنت..
أنهت جملتها وإنتظرت مغادرته لبيتها، لكن كانت صدمتها الحقيقيه عندما جذب المقعد التي تجلس عليه ليكون أمامه بشكل مباشر وقال بنظره لم تفهمها:
_ وماله يا قلب الباشا أمشي مرة يمين لأجلك عيونك..
_____ شيما سعيد _____
بعد منتصف الليل..
بفيلا على ألقى محمود بجسده على الاريكة بقوة بعدما انتهت من ماتش الملاكمة مع على الذي جلس بجواره بجسد يصرخ من الألم، وضع محمود يده علي ظهر صديقه مردفا باعتذار :
_ معلش يا على اتغبيت عليك بس كان جوايا غل لأزم يخرج..
نظر إليه الآخر وهو يضغط على فكه لعله يخفف من ألمه قليلا ثم قال :
_ ربنا ينتقم منك يا جدع، تقدر تقولي هروح الشركة إزاي بكرا بشكلي ده، الموظفين هيقولوا إيه المدير بتاعهم قطار عدي عليه؟!…
نظر إليه محمود بقلة حيلة قبل أن يقول وهو يرتدي قميصه :
_ مهو كان لأزم اخرج اللي جوايا يا فيك يا في معتز وسارة..
_ وأنا بقى إبن البطة السودة، كنت خلص نفسك وقول للولد إنها مراتك بدل ما مشاعره ليها تزيد مع الوقت..
صرخ بجنون :
_ أنت بتقول إيه يا على عايزني أقوله إني متجوز على أمه في السر ومين سارة، عارف شكلي قدام إبني هيبقى عامل إزاي؟!…
زفر على بضيق وقال :
_ مهو كدة كدة هيعرف يا بني آدم يبقى يعرف دلوقتي أحسن ما يعرف بعدين وتبقى في نظره أخدت منه البنت اللي بيحبها وأنت عارف إنه بيحبها..
لم يتحمل محمود البقاء أكثر من ذلك، عاد بركان الغضب يغلي بداخله من جديد، أخذ جكيت بذلته وضعها على كتفه وذهب دون كلمة..
ظل طوال الطريق يقود السيارة شادراً، عينيه تحدق أمامه وعقله بعيدا عنه كل البعد، لأول مرة بحياته يشعر بالضعف، هي تود الطلاق والعقل يقولها بكل صراحة الحل الأمثل لما يحدث الطلاق والبعد، أَما القلب وآه من القلب لا يعلم منذ متى وقلبه يتحكم به أو يكون له رأي بحياته من الأساس، يرفض بعدها يقسم إليه إنه بدونها سيحترق بنيران الجحيم..
وقفت السيارة بعد طول عناء لقصر علام، هبط منها بخطوات ثقيلة كان تود قدميه الذهاب لغرفتها الا إنه وجدها تجلس بالحديقة، أقترب منها وسألها بصوت حاول إخراجه طبيعي :
_ سهرانة ليه لحد دلوقتي؟!..
_ مستنياك..
قالتها بثبات تعجب إليه ليعود ويسألها :
_ مستنياني ليه؟!..
حركت كتفها ببساطة ثم قالت :
_ كان في بنا إتفاق الصبح مشيت من غير ما ننفذه..
آه والف آه هذا ما كان ينقصه، اتفاقه معها، يعلم إنه قادر بخبرته على ذوبانها بين يدي وبتلك الطريقة ستكون خسرت الأتفاق، ولكن بداخله شعور يرفض خوض تلك التجربة، يرفض أن يشعرها بالخسارة حتى ولو كان هذا مصلحة كبيرة إليه، تنهد بتعب مردفا :
_ وإنتِ بقى سهرانة طول الليل عشان ننفذ الأتفاق؟!..
أوما إليه بكبرياء قائلة :
_ أيوة عايزة أخلص بقى..
تعجب من لهجتها الجديد عليه وعاد جملتها كأنه يعيد سماعها حتى يدخلها برأسه :
_ عايزة تخلصي بقى؟!..
_ أيوة..
رغم ما به الا إنها وبكل أسف أتت إليه بأكثر وقت يحتاجها به وسلمت نفسها بين يديه بكل ترحاب، جذبها من خصرها ليقربها منه هامسا :
_ ما أنتِ هتخسري ووقتها مش هتخلصي بالعكس هتتربطي بيا أكتر إحتمال متعرفيش تفكي نفسك مني الباقي من عمرك..
فهمت لعبته وشبعت منها، يتحدث بثقة حتى تهتز ثقتها هي بنفسها، يود اللعب باعصابها حتى تسهل عليه خسارتها، رسمت على وجهها إبتسامة تثبت له قوتها وثقتها بكل كلمة تخرج منها :
_ والله أنا واثقة إني هكسب وأنت واثق إنك هتكسب، يبقى الأفضل لينا إحنا الاتنين ننفذ ونشوف منين الخسران..
أوما إليها وهو يضم كفها الصغير بين كفه الكبير ويقودها للداخل قائلا بوقاحة :
_ عندك حق السرير فوق كل واحد يثبت فيه قدراته..
_____ شيما سعيد _____
دلف بها لغرفة نومها ثم أغلق الباب خلفهما بالمفتاح، ألقت عليه نظرة ساخرة وصمتت، علم معنى نظرتها وفضل هو الأخر الصمت أقترب منها لتعود خطوة للخلف ليقترب أكثر وتعود أكثر حتى سقط جسدها على الفراش وسقط هو فوقها، اندمجت الأنفاس الساخنة وتقابلت دقات القلب المختلفة، قلبه يبدق بجنون منتظر الاستمتاع بحلاوة قربها وقلبها ينفض من بين ضلوعها خائف من تلك اللحظات الحاسمة..
رفعت يده ليمرر إياها على معالم وجهها بنعومة، خصلاتها، عينيها، انفها، شفتيها حتى وصل لمقدمة عنقها ووضع عليها عدة قبلات بطيئة يحاول بها ايثارها واللعب على أعصابها، خبير وتلك الخبرة تجعل أي امراة تخضع إليه وبكامل إرادتها..
دقيقة والثانية وسارة مغلقة العينين مستسلمة بجسد ساكن فاقد الروح، هنا لم بتحمل مع شعور ببرودها فابتعد عنها قائلا بغضب :
_ إية ده؟!..
أخذت نفسها أخيراً وكأن سقطت صخرة عملاقة من فوق روحها، أعتدلت بجلستها وتركت جسدها أمام دون أن ترفع كنزتها ثم قالت ببرود :
_ مش فاهمة في إيه؟!..
_ لأ أنتِ فاهمة كويس وبتحاولي تمثلي البرود بس أحب أقولك إن أي حاجة ممكن تكذب الا العيون..
قامت من مكانها بخطوات يفوح منها رائحة الدلال، وقفت أمامه ووضعت يد حول عنقه والأخرى على ذقنه الخشنة، رفعت أصابعها قليلا لتصل لشفتيه فمررت أصابعها عليهما ببطئ ناعم هامسة :
_ فعلاً كل حاجة ممكن تكذب الا العيون، تعرف ان عينك حلوة وحلوة أوي كمان..
بيدو إن السحر انقلب على الساحر، كان يوعدها بالذوبان بين يديه وها هو حاله الان هو الذأب، وهو من يشتاق للمزيد، أنحني ليضم شفتيها الا إنها ابتعدت عنه فجأة وقالت بهدوء :
_ الأتفاق خلص وزي ما أنت شايف أنا الكسبانة مش أنت، نفذ وعدك وطلقني..
صدم من ما حدث وصدمته الأكبر كانت بمشاعره، هو من وضع قواعد اللعبة وهو من أحترق بها، تزوج من عايدة بشكل طبيعي عامين وظل خمسة عشر عاما بعيدا عن كل النساء، ربما كان يراه البعض به عيب ولكنه رفض وجع عايدة والزوج عليها ورفض فعل شيء يغضب الله، وقعت بين يديه أجمل النساء وكان الرفض سيد الموقف معها وقعت كل حصونه، خان عايدة، وأصبح بهووس بالاقتراب منها، بعد ليلة طلاقه لها أصبحت رفيقة حلمه، يعيد لياليه معها كل ليلة وهو نائم مثل أي شاب مراهق..
رفعت وجهه إليها وجدها منتصرة فسألها بتردد :
_ موحشكيش حضني ولا حسيتي فيه بأي حاجة؟!..
_ من يوم ما وقعت تحت أيدك وأنا مش بحس غير بقلة الحيلة..
الإجابة كانت قاسية وشعوره ببرودها بين يديه كان أشد قسوة، هل هو قادر الآن على تنفيذ وعده؟!.. هل قادر على رمي يمين الطلاق عليها للمرة الثانية؟!.. كانت الإجابة واضحة وهي “لا”، جذبها ليضمها إليه ضمها بقوة ألمت جسدها وأخرجت منها آه خفيفة زادت الأمر سوء، أغلق يديه عليها لو بيده لوضعها بين ضلوعه حتى لو رغماً هنا، أهتز جسده مع وصول معنى مشاعره لعقله فأبتعد عنها هامسا :
_ عايزة تطلقي يا سارة؟!..
حاولت الابتعاد الا إنها يتحكم بها بأيد من حديد، زفرت بضيق قائلة :
_ أيوة نفذ كلامك وخلينا نخلص..
_ تعرفي ان عمري في حياتي ما رجعت في كلمة قولتها ولا فرضت نفسي على حد..
أتسعت ابتسامتها منتظرة حريتها فاكمل بما جعلها تحدق به بذهول :
_ بس معاكي زي العادة بعمل حاجات مش شبهي، أنا رجعت في كلامي ومش هطلقك يا سارة..
صرخت بقوة :
_ أنت بتعمل معايا كدة ليه بتلعب بمشاعري كل شوية ليه؟!..
_ لأني حالياً وقعت في مصبية أكبر من جوازي منك..
_ وهي إيه بقى..
_ إني حبيتك للأسف حبيتك..
يتبع…..
رواية عطر سارة الفصل الثاني عشر 12 - بقلم شيماء سعيد
حتى لو حبيتني زي ما بتقول الحب لواحده مش كفاية.
قالتها وهي تحدق به بقوة رغم اهتزازها الداخلي، بقلبها جزء بسيط يتمنى لو يكون صادق، تتمنى إثبات هذا الحب بفعل واحد يعيد إليها حتى ولو جزء بسيط من كرامتها.
نظر إليها بعدم فهم قائلاً:
عايزة إيه أكتر من حبي يا سارة؟
رسمت على وجهها ابتسامة ساخرة، هذا هو محمود علام يري نفسه الأول دائماً ومن بعده يأتي الطوفان.
حركت شفتيها بقلة حيلة قبل أن تقول:
مين قال لك إني كنت عايزة حبك من البداية أصلاً؟ أنا كل اللي كنت محتاجاه شوية أمان وأنت مع كل يوم مر بينا كنت بتحسسني بالخطر، حبك بالنسبة ليا مش مهم قصاد الحاجات اللي أخدتها مني.
صدم من رفضها الصريح لحبه لها، عاد خطوة للخلف بتوهان للحظة شعر بشيء يتحطم بداخله ولا يعلم ما هو أو ربما يعلم وكبرياؤه يمنعه من الاعتراف.
مازالت هيبته ومكانته تسيطر عليه.
سألها بقوة:
بحبي ليكي كل الحاجات دي هترجع لك وهتبقى أحسن من الأول بكتير.
حركت رأسها بنفي مردفة:
بطل تتكلم معايا كأن كل حاجة بتقولها أمر واقع وأنا لازم أتقبله. مش هقبل حاجة غصب عني تاني، لعبك بمشاعري في حد ذاته يثبت أنك بتحب نفسك بس وأنا على الهامش مش باينة قدامك. رجع الحاجات اللي بتقول إنها هتبقى أحسن من الأول وبعدين أبقى تعالى أتكلم على الحب.
ما بها تلك الصغيرة، منذ أيام كانت بين يديه بكامل إرادتها والآن ماذا تفعل؟
تملكه الغضب وجذبها ليقربها إليه قائلاً بجبروت:
الأفضل ليكي وليا إنك تتقبلي حبي لأنك عمرك ما هتتخيلي واحد زيي وفي مكانتي لما يحب ممكن يعمل إيه. إدي لكلمة بحبك اللي لسه قايلها دي فرصة تعيشك في نعيم بدل وغلاوة حبي ليكي أنا قادر أخلي اللي جاي كله جحيم، زي ما هتحرق بالنار هحرقك بيها.
خافت من نظراته وتهديده، تعلم إنه صادق وقادر على تدميرها بكلمة واحدة منه.
حركت رأسها بقلة حيلة وهمست:
اللي حضرتك بتطلبه ده مش حب، طالما كده هكمل معاك وكده هكمل معاك يبقى بلاش تاخد رأيي أعمل اللي أنت شايفه صح وبيريحك.
رفع يديه ليضم وجهها بينهما وهمس إليها بحنان:
مش عايز أرتاح لوحدي أنا عايزك أنتِ كمان مرتاحة.
لو فعلا عايزني مرتاحة اديني حريتي أنا غلطت ودفعت تمن غلطتي، كفايه بقى لأني والله العظيم تعبت. تعبت قوي كمان، مش محتاجة منك غير كلمة واحدة بس هتريحني.
يستحيل أن ينطق بتلك الكلمة.
تأملها وهو يري بها أيامه الحلوة، روحه تعلقت بها وانتهي أمره.
رأي ارتجاف شفتيها تدعوه بالتحرر وهذا ما زاد جنونه.
سحبها بين أسنانه بقبلة كل ما كان يريد الشعور به الآن هو ضمانها.
تركته يفعل ما يريده، استسلمت إليه استسلام بارد.
قدرت على إهانة رجولة محمود علام دون كلمة واحدة.
للمرة الثانية يبتعد عنها وهو مهزوم غاضب فقالت:
في حاجات تقدر تملكها وتأخدها وحاجات لأ.
يبقى أنتِ اللي اخترتي وأنا هعرف أخد اللي أنا عايزه أخده كله مش حاجات وحاجات.
بطل تهددني لأني بطلت أخاف.
ابتسم إليها بمكر قبل أن يقرص أنفها بخفة مردفاً:
وأنا مش عايزك تخافي طول ما انتِ جنبي ما تخافيش خافي لما تبعدي أو حتى تفكري تبعدي لأنك هتخسري وخسارتك هتبقى بشعة.
ردت إليه نفس الابتسامة الخبيثة مردفة:
مش هخسر لوحدي ولو أنت هتخسر معايا فما عنديش مشكلة نخسر إحنا الاتنين.
ألقي عليها نظرة سريعة قبل أن يضع قبلة أعلى رأسها.
شهقت بتوتر بعدما أصبحت بين يديه.
وضعها على الفراش وتمدد بجسده بجوارها مردفاً:
يلا ننام.
أنت هتنام هنا؟
ومشاعر المدام؟
المهم مشاعرنا إحنا دلوقتي نامي.
بصباح اليوم التالي.
دلفت سارة لغرفة جدتها النائمة بخطوات هادئة حتى لا تفزعها.
جلست بجوارها على الفراش ووضعت كفها على ذراع ألفت مردفة بصوت هادي:
تيتا أصحى عايزة أتكلم مع حضرتك شوية قبل ما أي حد يصحى.
أستيقظت ألفت بقلق بعد عدة محاولات من سارة.
اعتدلت على الفراش مردفة:
مالك يا حبيبتي فيكي ايه؟
عضت سارة على شفتيها بتوتر تحاول استجماع القليل من شجاعتها حتى تتحدث.
ثم قالت:
عايزة أقول لحضرتك حاجة ممكن تنزلي من نظرك، بس مكنش عندي حلول تانية ودلوقتي محتاجة مساعدة.
ضمت ألفت يدها إليها وقالت بقلق:
قولي يا حبيبتي في إيه أنا بدأت أخاف عليكي.
نظرت للفراش بخجل من نفسها، لا تعلم كيف ستقول مصيبتها والا كيف ستراها الجدة بعد الآن ولكن ما باليد حيلة.
تحدثت بصوت شبة معدوم:
أنا ومحمود متجوزين في السر.
ساد الصمت بعدها لدرجة أنها توقعت عدم سماع الأخرى لها.
رفعت عينيها ببطء لتجد ألفت تنظر إليها بنظرة بين التساؤل والعتاب.
عادت تحدق بعيدا عنها فقربت ألفت كفها من ذقن سارة ورفعت وجهها إليها مردفة بنبرة مرتجفة:
ليه؟
لماذا؟
سؤال من كلمة واحدة باجابة يحملها كتاب كامل.
سقطت دموعها بقهر وهي ترى نفسها قليلة جدا بعين جدتها.
أجابتها بتعب:
عشان أعيش كنت عايزة بس أعيش، عشان الفلوس.
شهقت ألفت بصدمة وعادت الكلمة مرة أخرى:
فلوس؟
فلوس ايه اللي تخلي بنت في جمالك وشبابك تضيع حقوقها بكلمة في السر، كنتي عايزة تعيشي وهو أنتِ كدة عايشة؟
أخد منك كل حاجة في الضلمة وتقولي عايشة؟
نفس غباء وتهور أبوكي وفي النهاية مات بحسرته بعد ما خسر كل حاجة.
تيتا أنا.
أشارت إليها ألفت بقوة بالصمت وقالت:
مش عايزة أسمع منك ولا كلمة زيادة دلوقتي اخرجي برة أخرجي.
نفذت أمر جدتها وخرجت بصمت يكفي ما سمعته وما شعرت به.
أغلقت الباب خلفها بجسد مهزوم منهار.
دارت بوجهها فوجدت خادمة عايدة تقول بهدوء:
مدام عايدة عايزة تشوفك قبل ما حدث يصحى، روحت اوضتك لقيت محمود بيه نايم هناك وعشان أنا بنت أصول مش هقول للهانم.
نظرت إليها سارة بأحتكار ثم جذبتها من خصلاتها بقوة مردفا:
طيب تعالي بقى نشوف الهانم بتاعتك عايزة إيه يا عين أمك.
شهقت الخادمة بألم مردفة:
نزلي إيدك إنتِ لسة متعرفيش مدام عايدة ممكن تعمل إيه.
وصلت بها سارة لغرفة عايدة وفتحت الباب بيدها الأخرى وجذبتها معها للداخل مردفة:
هتعرفي دلوقتي إنتِ والست عايدة أنا أقدر أعمل إيه.
قذفتها على الفراش تحت قدم سيدتها وقالت بغضب:
بصي يا طنط عشان شكل عقلك خانك وقالك البنت دي ضعيفة وممكن تدوسي عليها، جوزك في أوضتي خلي الجارية بتاعت تأخدك لحد عنه واتصرفي معاه أما أنا أحسن لك تطلعيني من دماغك بدل ما أفتحها لك.
صدمت عايدة من جرأتها وكانت صدمتها الأكبر بوجود محمود معها بنفس الغرفة.
حاولت التحلي بالقوة وقالت:
جوزي راجل محروم وشاف حتة لحمة عريانة قال يشبع منها يومين، لكن إنتِ أوعدك إنك هتقضي باقي عمرك في السجن عشان تحرمي تبصي لحاجة في أيد عايدة هانم علام.
أطلقت سارة ضحكة ساخرة قبل أن تقول بدلال:
ومين قالك ان جوزي حبيبي ممكن يشبع مني أو حتى يسيب حد قرب مني؟
نصيحة مني يا طنط بلاش تلعبي معايا هتطلعي خسرانة.
صرخت عايدة بجنون:
اليوم ده هيبقى أخر يوم ليكي هنا.
و ماله شوفي هتقدرى تعملي إيه وأنا كلي حماس.
بحي أروي.
وقفت بقلة حيلة مع أبو حسين جارها على عربة الكبدية خاصته.
أضيق بها الحال ولم تجد مصدر للعيش إلا هذا الرجل الطيب وعربته.
أقترب منها وهي تعمل قائلا بابتسامة بشوشة:
تسلم ايدك يا أروى يا بنتي من ساعة ما وقفتي على العربية والناس كلها بقت تشتري حتى ريحتها بقت تجيب ناس من على أول الشارع.
ابتسمت إليه مردفة:
لو المفروض حد يشكر التاني هبقى أنا يا عم خميس على وقفتك جنبي وأنك فتحت لي أكل عيشك وخلتني اقسمك في رزقك.
أجابها الرجل بحنان:
رزق مين يا بنتي اللي بتقاسميني فيه؟
كل واحد فينا ربنا كاتب له رزقه ما حدش يقدر يقرب منه، أنا هروح أصلي الضحى وهقعد في الجامع لحد الضهر ما يأذن وبعد كده هاجي اخد مكانك لحد العصر خلينا نريح بعض.
أومأت إليه وهي تعطي كيس السندوتشات لاحدى الفتيات وقالت:
ماشي يا عم خميس ولو مش عايز تيجي أنا ممكن أشيل اليوم كله عادي الشغل مش تاعبني بالعكس منسيني البلاوي اللي انا فيها.
هروح اصلي الضهر وهرجع لك في كلام كتير عايز أسمعه منك يا اروى، انا سايبك كذا يوم عشان ترتاحي لكن مش معنى كده إني مش هفهم ايه اللي بيحصل.
ذهب الحاج خميس وظلت هي تتابع عملها.
وعلى بعد مسافة بسيطة منها توقفت سيارة علي نزل منها وازال نظارته الشمسيه ناظراً إليها بتعجب مردفاً:
دي بتشتغل على عربيه كبده بجد زي ما البواب قال لما أشوف اخرتها معاكي ايه يا أروى.
أقترب منها وقال بهدوء:
إتنين كبده وواحد سجق.
تركت ما بيدها ونظرت إليه ببرود قائلة:
جاي تهبب إيه هنا هو انا مش قولت لك مش عايزة أشوف وشك غير لما عدتي تخلص.
أشار إليها بهدوء وقال وهو يعود إلي سيارته:
هاتي الطلبات اللي طلبتها منك وتعالي ورايا.
جزت على أسنانها بغيظ، لولا خوفها من حديث الناس عليها بعد ما حدث بسببه وبسبب طليقها اللعين لكانت جعلت منه عبرة أمام الجميع.
تحلت بالهدوء وأعدت إليه ما طلبه ثم اتجهت للسيارة.
دقت على الزجاج ليشير إليها بالدوران من الباب الأخري.
رفضت بحركة من رأسها ودقت على الزجاج مرة أخرى مردفة:
بقول لك ايه أنا على أخري أفتح خد طلباتك وأمشي من هنا.
فتح إليها الزجاج وقال بتساؤل:
أسمك أروى طاهر علام تقربي لمحمود علام حاجة والا مجرد تشابه أسماء؟
اهتزت مع ذكره لاسم أخيها، تغيرت تعبيرات وجهها وهذا ظهر أمامه بوضوح.
غابت الكلمات من بين شفتيها ليقول بشك:
أروى أنا بسألك ردي عليا تقربي لمحمود علام ولا لأ؟
ماذا تقول؟
حركت رأسها بنفي وقالت بنبرة صوت باهتة:
معرفش حد بالاسم ده حسابك 60 جنيه إدفعهم وأمشي خليني أرجع لأكل عيشي.
نبرتها وملامح وجهها زادت من شكه بها، رغم أن لغة العقل تقول يستحيل أن تكون شقيقه محمود، فهو صديق المقرب ويعلم أفراد عائلته جيداً.
أخذ منها الكيس ودفع إليها 100 جنيه ثم قال قبل أن يقفل الزجاج:
حسابك اهو وخلي الباقي عشانك بكره من الساعة 8:00 الصبح تكوني عندي في الشركه مكان شغلك موجود.
تحرك بعيداً عنها لتجلس علي الرصيف أسفلها بتعب شديد قائلة:
محمود يا ترى لو لجات لك هتقف جنبي وتساعدني والا هتقفل بابك في وشي يا أبن أبويا؟
بسيارة على.
رفع هاتفه وقام بالاتصال على أحد رجاله مردفاً:
ركز معايا يا عشري عايزك تقلب الدنيا كلها وتجيب لي المهندس اللي اسمه سيد اللي كان شغال في الشركه تشوفه راح فين بعد ما روقنا وتجيبه تاني في المخزن القديم ساعتين بالظبط ويكون عندي مفهوم؟
أنت تؤمرني يا باشا وأقل من ساعتين كمان.
أغلق هاتفه وشرد بالطريق أمامه قائلاً:
يا رب يطلع اللي في دماغي غلط يا صاحبي.
عودة لغرفة سارة.
أستيقظ محمود من النوم ليجد نفسه على فراشها بمفرده.
تنهد بكسل ونظر لهاتفه بتعجب منذ متى وهو يتأخر لتاسعة صباحاً؟
ظهرت على وجهه ابتسامة مشرقة وكانت إجابة سؤال بسيطة جدا ” لأنه نام بجوار سارة”.
زادت ابتسامته إشراق وهو يراها تخرج من المرحاض بروب الاستحمام.
ابتلع ريقه بصعوبة من تأثير طلتها عليه.
عض على شفتيه بخبث قال:
يا صباح الجمال يا بسبوسة.
نظرت إليه بحزن ظاهر على ملامحها وأكملت تجفيف خصلاتها.
رفع حاجبه ثم قام من محله ليضمها من الخلف وينظر إليها بداخل المرايا مردفا:
الجميل صاحي زعلان ليه؟
يمكن عشان مش طايقك لا أنت ولا الحرباية مراتك.
تنهد بضيق من أسلوبها مردفا بتحذير واضح رغم نبرته الحنونة:
وبعدين معاكي يا سارة، طلعي عايدة من دماغك وركزي معايا صدقيني وقتها هترتاحي وأنا كمان هرتاح.
دارت وجهها إليه وقالت بغضب:
هي مين دي عشان أحطها في دماغي؟
هي اللي طلبتني تاني الخادمة بتاعها بتهددني لما دخلت لقتك في الأوضة فأخدها من شعرها ورحت للهانم بتاعتها بنفسي وقولتها إنك هنا.
تغيرت ملامحه بشكل كلي، عاد خطوتين للخلف بتعبيرات غاضبة.
نظراته بمفردها كانت مرعبة.
ترجعت حتى اصطدم ظهرها بالتسريحة مردفة بتوتر:
زعلت إنها عرفت؟
لم تتغير نظراته جذبها من ذراعها وقال بغضب:
عايزة توصلي لأيه يا سارة إن الكل يعرف بجوازنا مش كدة؟
أومات إليه بقوة رغم خوفها الداخلي:
ايه مش من حقي والا أنت مش بتعرف تحب الا في الضلمة؟
خطوة مثل تلك خطر كبير عليه، ماذا سيقول لمعتز؟
عايدة التي ترسم عدم معرفتها إلى الآن؟
وفوق هذا وذاك كيف ستكون صورته أمام الإعلام؟
القدوة وكبير العائلة ماذا سيقول لطارق الذي يأخذه مثله الأعلى؟
الابشع من كل هذا عدم حبها إليه كيف سيقف أمام كل ما سيحدث وهي تنتظر فرصة واحدة حتى فر من بين يديه.
مسح على وجهه ثم قال بنبرة لا تقبل النقاش:
انسى الموضوع ده دلوقتي خلينا نفرح ببعض وبعدين نلعن في الوقت المناسب.
كسر جزء كبير بداخلها كسر ما تبقى من كبريائها، عضت على شفتيها بقوة تمنع نفسها من البكاء رغماً عنها ثم همست بنبرة متقطعة:
وأنا مش عايزة تعلن جوازنا بالعكس أنا عايزة أقفل الصفحة السودة دي خالص، مش دايبة فيك عشان أتحمل ولا العلاقة المؤذية دي تلزمني في حاجة أساساً.
زفر بضيق مع رؤيته لدموعها المتعلقة، لا يستطيع على أخذ خطوة واحدة بعلاقته بها حتى يعود بعدها ألف إلى الوراء.
جذبها أكثر ووضع قبلة حانة على رأسها قائلا:
بلاش الصراصير تلعب في دماغك وتفهمك حاجات مش صح، حطي نفسك مكاني دقيقة واحدة وهتعرفي اني عندي حق.
دفعته بعيدا عنها وقالت:
مش عايزة أسمع كلمة زيادة أخرج برة أوضتي بدل قسما بالله أصوت وألم كل اللي جنابك خايف منهم ووقتها بقى أولع أنت وهما.
جاء ليقترب إلا انها أسرعت ناحية الباب وفتحته كانت مستعدة لصريخ.
سبقها وأغلق الباب مردفاً بغيرة:
أنتِ مجنونة بتفتحي الباب بروب الحمام أفرضي طارق والا معتز خارجين من اوضهم.
ردت عليه بقهرة:
مش فارق معايا ما انا لحمة رخيصة زي ما قالت مراتك.
آه من نظرة خيبة الأمل بعينها.
نزل برأسه وقبل عينيها اليمين ثم اليسار مردفا بقوة:
أنتِ أغلى وانضف بنت في الدنيا، إياكي تقولي على نفسك كدة تاني واللي يقولك كدة اقلعي اللي في رجلك وعلى دماغه.
شعرت ببعض الحنان فقالت ببراءة طفلة صغيرة:
حتى لو كانت عايدة؟
أوما إليها مردفا بنبرة رجولية خشنة:
حتى لو أنا، في حاجات كتير أوعدك نتكلم فيها بس حاليا اتأخرت جدا على الشغل ماشي يا بسبوسة.
حركت رأسها بقلة حيلة وذهبت لتبدل ملابسها، فتنهد هو بثقل وذهب للمرحاض.
بـغرفة السفرة.
نزل قبلها ودلف ليجد العائلة بانتظاره إلا معتز الذي ذهب للمدرسة.
أقتربت منه حنان مردفة بقلق:
مالك يا حبيبي أتأخرت في النوم النهاردة ليه كنت تعبان؟
حرك رأسه نافيا بابتسامة حنونة قبل أن يقول وهو يتجه بعينيه لعايدة التي تنظر إليه بصمت:
بالعكس أنا كويس جداً، أتأخرت في النوم عشان نمت مرتاح.
سمعته سارة وهي علي باب الغرفة.
جملة بسيطة قالها جعلتها تشعر بالانتصار للمرة الأولى.
جلست بجوار ألفت التي قالت:
عايزكي بعد الفطار.
أومات إليها بحزن وفتحت فمها لتتحدث فأشارت إليها الأخرى قائلة بحزم:
بعد الفطار في أوضتي يا سارة.
جلس على مقعده علي رأس الطاولة، أخذ قطعة من الخبز ثم وضعه أمام سارة مع طبق مربة الفرولة التي علم حبها إليها من كثرة أكلها لها على الفطار.
نظرت إليه بتعجب ليقول:
كلي وخلصي طبقك كله عشان هوصلك الجامعة كفاية عليكي إجازة لحد كدة.
زاد الشك بقلب طارق فقال بمشاكسة لاخيه:
أتأخرت علي الشركة ولسة هتوصل سارة كمان، طيب واجتماع الألمان؟
نظر إليها بحدة ليبتلع الأخر ريقه فقال محمود:
مش هحضر الاجتماع ده أنت بقيت راجل وتقدر تشيل لوحدك.
بلعت طعامها بصعوبة وقالت:
مفيش داعي أتعب حضرتك يا أبيه أنا متعودة أروح لوحدي.
ابتسم إليها وهو يضع بطبقها قطعة أخرى من الخبز مردفا:
يبقى أتعودي تروحي معايا كل يوم.
أخفت عينيها بعيدا عنه فنظر لعايدة قائلا باهتمام:
حاسة بأي تعب؟
نظرت إليه بحزن مردفة:
وأنت يهمك تعبي في إيه؟
بقى لك فترة مش مهتم.
أنحني قليلا ثم قبل يدها مردفاً:
كنت مشغول بس متابع أخبارك حتي لو مش معاكي طول الوقت.
ابتسمت إليه مردفة:
مش زعلانة يا حبيبي.
حدقت سارة بهما وقالت بهمس وصل إليه:
الاتنين عقارب زي بعض وعلاقتهم ريحتها معفنة.
مال عليها قليلاً وهمس بصوت لم يصل إلا إليها:
ها يا بسبوسة مش قولنا أكتر من مرة نحترم الكبير.
مهو لو الكبير أحترم سنه.
قطعتها نظراته الحادة فنظرت لطبقها بصمت.
بعد عشر دقائق قام وجذبها لتقوم معه مردفاً:
يلا يا سارة مش باقي كتير على المحاضرة.
بعد دقائق كانت تجلس بجواره بالسيارة نظرت للطريق أمامها مردفة بتعب:
إحنا رايحين فين ده مش طريق الكلية.
نظر إليها نظرة خبيثة قائلاً:
رايحين المطار يا روحي.
وده ليه بقي إن شاء الله؟
غمز إليها مردفاً:
ناوي ألبسك فستان فرح واعملك شهر عسل يا بسبوسة.
رواية عطر سارة الفصل الثالث عشر 13 - بقلم شيماء سعيد
بالطائرة الخاصة بمحمود، اضطربت أنفاسها مع شعورها بأنها ستكون بين السماء والأرض بعد قليل.
ابتسم بحنان على تعبيرات وجهها المتوترة، ثم مال عليها قليلاً ليربط لها حزام الأمان مردفاً:
_ أوعدك هتستمتعي بالرحلة، وعشان تستمتعي لازم تنسي خوفك وتعيشي كل لحظة حلوة هتمر علينا.
نظرت إليه بتردد وهمست:
_ ما فيش حاجة مخوفاني قد أن الرحلة هتبقى معاك.
لم تزول ابتسامته رغم قسوة حديثها. تنهد تنهيدة طويلة ومرر يده على خصلاتها ليضعها خلف أذنها هامساً بالقرب من عنقها الناعم:
_ لما دخلتي حياتي في الأول، ده كان اختيارك ولما وافقت ده كان اختياري. كل المطلوب منك دلوقتي فرصة أثبت لك فيها أني بحبك وإني أستحق آخد قلبك. ينفع تديني فرصة؟
تأثرت بشكل ملحوظ من أنفاسه الساخنة على عنقها. كتمت أنفاسها لعدة لحظات وهو يتحدث. وعندما انتهى، حررت نفسها المكتوم مردفة:
_ ولو قولت لك ما ينفعش، هتسيبني؟
حرك رأسه بنفي وقال:
_ هقول عليكي عيلة ما بتعرفش تختار الصح لنفسها، وهعتبر نفسي أبوكي وهختار لك الصالح ليكي.
_ وايه بقى الصالح ليا يا بابا؟
ضحك بخفة قبل أن يجذبها داخل أحضانه. لتضع رأسها محل قلبه بتوتر. وأغلق هو ذراعه الأيسر حول ظهرها والأيمن على رأسها. غلغل أصابعه بين خصلاتها قائلاً:
_ أنك تفضلي في حضني على طول.
أخذها الحديث معه بعيداً كل البعد عن توترها. تحركت الطائرة وهي تنام بكل أريحية على صدره ساكنة.
قال اسمها بنبرة حنونة:
_ سارة.
همهمت بصوت يغلب عليه النعاس:
_ اممم.
_ نمتي؟
أغلقت عينيها ولفت ذراعيها حول خصره قائلة:
_ تصبح على خير.
وضع قبلة حنونة على جبينها وقال:
_ وأنتِ من أهل الخير.
ظل يمرر يده على ظهرها بحنان حتى سيطر عليها شعورها بالدفء وذهبت بالنوم. أخذ نفس عميق وأخرجه بارتياح شديد. ربما لم تتقبله بشكل صريح، ولكنها لم تظهر رفضها. سيكتفي بهذا القدر الآن وهو يعد نفسه بحبها القريب إليه.
بالقصر علام. بالحديقة الخلفية كانت تجلس عايدة ويقف أمامها علاء زوج شقيقة سارة.
حدقت به بسخرية وقالت:
_ لأ البنت عندها حق تعمل أي حاجة عشان ما تعيش مع واحد زيك.
ابتسم إليها وقال ببرود:
_ والله يا ست هانم هي اللي عيلة قليلة الأصل. عاشت طول عمرها في خيري ولما حبت تطلع للعز، طلعت لوحدها. نقول ايه بقى؟ يلا حسبنا الله ونعم الوكيل فيها.
أشارت إليه عايدة بكبرياء وقالت:
_ اسمها كنتوا عايشين أنتوا الاتنين في خير جوزي وهي طمعت فحبت تأخد كل حاجة. وأكيد أنت كمان طماع وعايز ينوبك من الحب جانب. أنا جايباك هنا عشان أنفذ لك أحلامك، بس أنت عارف يا علاء أن الدنيا دي ما فيهاش حاجة ببلاش، صح ولا أنا غلطانة؟
أومأ إليها وعلامات الطمع ظاهرة على معالم وجهه مثل الشمس. وضع يده على رقبته مردفاً:
_ عمرك ما تكوني غلطانة يا هانم وأنا رقبتي دي فداكي. بس كله بتمنه. شوفي تؤمري بأيه واحنا ننفذ.
اتسعت ابتسامتها وقالت بقوة:
_ برافو يا علاء، اسمعني بقى عشان تنفذ.
مرت دقائق وهو يسمعها بتركيز. أما هي كانت تشعر براحة كبيرة مع قرب انتهاء لعنة حياتها "سارة".
سألته بهدوء:
_ تقدر وإلا نجيب غيرك؟
أجابها سريعاً:
_ لأ طبعاً يا ست هانم أقدر. بس حضرتك عارفه موضوع زي ده هيحتاج فلوس كتير.
حركت رأسها بسخرية وقدمت له شيك مكتوب بداخله كل شيء إلا اسمها وقالت:
_ زي ما أنت شايف قدامك شيك بمليون جنيه واقف على امضتي. وقت ما تنفذ همضي.
جذبه من يدها فأشارت له بالرحيل. أغلقت عينيها عدة لحظات فأتت الخادمة مردفة:
_ تسجيل الكاميرا اتمسح يا هانم، وبكده حضرتك لا شوفتيه ولا عمرك تعرفيه.
فتحت عينيها وقالت:
_ كويس. وصليني اوضتي محتاجة آخد العلاج.
ببيروت هبطت الطائرة الحاملة لمحمود وسارة.
همس بنبرة خشنة وهو يمرر شفتيه على وجهها بعدة قبلات خفيفة:
_ يلا يا بسبوسة صحي النوم، وصلنا.
فتحت عينيها بكسل ثم أغلقتها من جديد. ابتسم بخبث قبل أن يميل على مقدمة عنقها واضعاً عليه قبلة رطبة قائلاً:
_ شكل حضني عجبك ومش عايزة تخرجي منه يا بسبوسة.
توقع خجلها، صمتها، أي شيء إلا ما فعلته. رفعت وجهها قليلاً لتصل لذقنه وقبلتها بدلال مردفة:
_ أوي. أنت حضنك حلو أوي يا محمود.
ما هذا يا صغيرة؟ بقبلة خفيفة بريئة قدرت على ذوبانه معها للمرة التي لا يعلم عددها. بلهفة زاد من ضمها إليه وقال:
_ بجد يا سارة؟
أومات إليه بنعومة وبدأت يدها الصغيرة بالتسلسل لمقدمة صدره كأنها تلعب على أوتار قلبه هامسة:
_ بجد. خليك كده على طول. بلاش محمود الوحش يظهر تاني عشان بخاف وأنا مش عايزة أخاف منك يا محمود.
والله هو الخائف الآن وكبرياؤه يمنعه من إظهار هذا الخوف. وضع كفه على يدها العابثة بصدره وقال:
_ متخافيش.
حركت رأسها بنعومة وقالت:
_ مش هخاف. شيلني بقى مش قادرة أمشي.
رفع حاجبه بتعجب من حالتها ولكنه نفذ طلبها بصدر رحب. قام من مكانه ليجدها تمد ذراعيها إليه على وضع الاستعداد. مال عليها قليلاً وحملها بين يديه لتقول بدلال:
_ هوبا يا محمود.
_ يا قلب محمود أنتِ. حصلك إيه بس ما بين ما نمتي وصحيتي؟
لفت يديها حول عنقه وقربت وجهها منه وهو يسير بها للخارج قائلة:
_ شوفت خير. اللهم اجعله خير. حلم حلو أوي. قال إيه أنا واقفة في مكان شيك جداً كله ورد وشجر ووسط كل ده لقيت الأرض مليانة شوك. فضلت أعيط ومش عارفة همشي إزاي. قوم إيه؟!
اندمج معها بالحديث وسألها بعدما وضع قدمه على أرض بيروت:
_ إيه؟
_ شاطر نجحت في الاختبار وطلعت مركز معايا في الكلام. قوم إيه لقيت راجل وسيم وهيبة كده مشي على كل الشوك ده وجه لحد عندي وشالني وعدي بيا من فوق الشوك من غير ما يحصل ليا حاجة. عارف مين الراجل ده؟
_ مين؟
_ أنت يا محمود. فوعدت نفسي أخليك تفضل شاليني كده على طول. رأيك إيه بقى؟
مع نهاية سردها لحلمها كان وصل بها للسيارة المنتظرة قدومه. أشار للسائق بفتح الباب الخلفي ووضعها على المقعد ثم جلس بجوارها مردفاً بقوة:
_ أشيلك وأحطك جوا قلبي كمان يا بسبوسة.
ابتسمت إليه وقالت:
_ شاطر يا جوز بسبوسة.
بمنزل علام. دلفت ألفت لغرفة حنان وجدتها تنظر لصورة تجمعها مع طاهر بليلة زفافهما.
زفرت ألفت بضيق وجلست بجوارها على الفراش وقالت:
_ مش هو ابني أهو بس ما يستاهلش دمعة واحدة من عينك يا حنان، ولا يستاهل أنك تزعلي إنه مع واحدة غيرك.
سقطت دموع حنان بقهر وعادت بنظرها للصورة مردفة:
_ عارفة يا ماما في الصورة دي كان بيقولي إيه؟ قبل ما المصور يلقطها قالي أنتِ دخلتي الجنة برجليكي وهتشوفي الحلو معايا كله يا حنان. فعلاً عشت معاه أربع سنين في الجنة وبس. خرجت منها على النار ومن وقتها ما شفتهاش تاني. تفتكري العيب فيا والا فيه يا ماما؟
عضت ألفت على شفتيها تمنع نفسها من البكاء ولكنها لم تقدر. بكت مردفة برجاء:
_ العيب فيه وفي اللي ربوه يا بنتي. حقك عليا ما عرفتش اربي وكانت دي نتيجة زوج فاشل وأب فاشل. حتى ابنه سندنا كلنا طلع.
قطعتها حنان بحركة سريعة من رأسها تنفي ما يقال على كبيرها وقالت:
_ لأ يا ماما لأ. محمود مش زي طاهر. محمود ابني شاف كتير وشال كتير. يمكن اتصرف غلط لأ هو أكيد اتصرف غلط بس هو مش وحش. ده عمره راح على الفاضي يا ماما. واهي جات سارة و.
تلك المرة كانت الصدمة من نصيب ألفت التي قامت من فوق الفراش مردفة بتقطع:
_ سارة؟ كنتي عارفة إن ابنك متجوزها في السر؟ ضحكتوا كلكم على العيلة الصغيرة دي يا حنان؟
ألقت حنان بصورة على الفراش وأقتربت من ألفت مردفة:
_ حضرتك عرفتي منين؟
_ عرفت منين هو ده بس اللي فارق مع جنابك؟ عرفت منين؟ ما كنتوش كمان عايزين أعرف المصيبة اللي عملتها في حفيدتي. راحت ولا جات. عيلة صغيرة ما تفهمش في الدنيا حاجة. لكن إنتِ وابنك ايه يا حنان؟ ساب كل الستات اللي في الدنيا وما لقاش إلا سارة عشان يضحك عليها.
_ لأ يا ماما مش دي الحقيقة. محمود بيحبها. هو اتجوزها في السر عشان خاطر خايف ده يحصل حاجة لعايدة. مش عايز يشيل ذنبها ولا يشوف في عينيها نظرة كان بيشوفها في عينيا لأبوه. مش عايز معتز يكرهه. لكن هو مستحيل يضحك على سارة دي بقت نور عينه.
ضحكت ألفت بسخرية قبل أن تضرب كف على كف بقهر صارخة:
_ مشاعر عايدة ومعتز؟ طيب وسارة إيه؟ عادي يشوف في عينيها نظرة كره؟ أنا مش هقعد في البيت ده تاني وهاخد حفيدتي معايا. قولي لابنك ما يقربش من أي مكان أنا فيه ويطلقها من سكات عشان لو قال لأ هيبقى فتح الحرب معايا وهو لسه ما يعرفنيش. شاف مني الحلو بس لكن الوحش هيشوفه قريب. خسارة يا ألف خسارة عليكم. حق حفيدتي هاجيبه. قولي لابنك كده.
تركتها وخرجت من الغرفة بخطوات مهزومة فسقط جسدها. حنان بتعب على الفراش مردفة بقلة حيلة:
_ والله العظيم ما حد عايز يهج من البيت ده غيري.
بأحد أكبر الفنادق داخل جناح محمود كانت تضع خبيرة التجميل العالمية لمساتها الأخيرة على وجه سارة.
ظلت تتابع جمالها الذي زاد جمال بعينين حزينتين. تذكرت حديث والدها إليها مرة عندما قال "هقعد حاطط رجل على رجل عشان أختار العريس اللي يليق بيكي. ما هو مش أي راجل في الدنيا ياخد سارة". يا ليتك على قيد الحياة يا أبي.
ابتسمت بحنين لتلك الأيام وخصوصاً جملته الشهيرة "ريحتك فيها راحة بالي وأيامي الحلوة يا سارة". "اللي هيأخدك مني لازم يشوف نجوم الضهر عشان يوصلك يا غالية يا بنت الغالية".
انتبهت على صوت خبيرة التجميل التي قالت بحنق:
_ هذا لا يجوز. البكاء سيجعل كل ما فعلته هباء الرياح.
هل كانت تبكي؟ حتى شعورها بنفسها انعدم. جففت دموعها بطرف أصابعها وقالت:
_ لا عليكِ الأمر. مازال بين يدينا.
أومأت لها الأخرى مردفة بابتسامة مرحة:
_ حسناً، انتهينا من اللمسات الأخيرة والآن حان وقت ارتداء فستان الزفاف.
لا تعلم لما تحمست لرؤية فستانها؟ حتى هذا حرمت من اختياره واختاره هو. أتت مساعدة خبيرة التجميل ومعها الفستان. حدقت به سارة بعينين متسعتين، مبهورة من جماله.
تعالت دقات قلبها بمشاعر جميلة وقالت بنبرة مترددة:
_ هذا فستان زفافي؟
_ أجل يا سيدتي.
عضت على شفتيها تمنع نفسها من العودة للبكاء وبدأت بارتداء الفستان الذي برز جماله مع وضعه على جسد سارة.
انتهى كل شيء ووقفت أمام المرآة عروس شديدة الجمال. أخذت نفسها بتوتر وتابعت انعكاس صورتها برضاء تام.
دقة والثانية آتت بعدها صوته الخشن من خلفها يقول بحماس:
_ لفي خليني أشوف حلاوة الدنيا بين عنيكي.
دارت إليه ليرى بالفعل حلاوة الدنيا بين عينيها. أصابته حالة من الذهول مع تأمل عينيه إليها. أهدته ابتسامة زادت من نعيمه. اقترب منها بخطوات ثقيلة وكأن العالم توقف من حوله ولم يبق به سواهما. مد يده لها لتعطي يدها إليه مردفة:
_ حلوة؟
حرك رأسه بنفي وهمس:
_ مش حلوة. الكلمة دي قليلة عليكي وفيها ظلم ليكي. مش عارف أوصفك لكن بصي في عيني هتشوفي فيها كل الكلام.
رفعت عينيها لعينيه ورأت نفسها متربعة بالداخل وكأن لم يخلق غيرها. ابتسمت برضاء يزيد من ثقتها بنفسها وقالت:
_ شايفة نفسي بس. ومع ذلك خايفة أصدق.
_ خايفة تصدقي إيه؟
_ أصدق عينك اللي أنا فيها لوحدي وكأن ما فيش في الدنيا غيري. أصدقها إزاي وأنا عارفة إن نقطة صغيرة في بحر دنيتك الكبيرة.
تنهد بثقل وضم وجهها بين يديه قائلاً بصدق:
_ جوا دنيتي ناس كتير وجوا قلبي أنتِ وبس يا بسبوسة.
أشبع أنوثتها بلذة من الغرور. غمز بطرف عينه ثم أشار إليها بطريقة ملكية مردفاً:
_ يلا نبدأ فرحنا؟
_ يلا.
بقاعة فخمة دلفت ويدها متعلقة بذراعه على نغمات أغنيتها المفضلة "حلم سنين" للفنان تامر حسني.
نظرت لمحمود مردفة بذهول:
_ أنت عرفت منين أني بحب الأغنية دي؟
همس إليها وهو يدعمها لتسير معه أكثر:
_ مش مهم عرفت منين. المهم أني عرفت. غمضي بقى عيونك الحلوين ولما أقول لك فتحي. فتحي اتفقنا؟
أومات إليه وأغلقت عينيها. سمعت تصفيق حار لا تعلم مصدره ولكنها سعيدة بتلك اللحظة التي تمنت أن تعيشها وها هي الآن أصبحت حقيقة ملموسة أمامها. وقف عن السير ووقفت هي فقال:
_ فتحي عيونك يا بسبوسة.
فتحت عينيها لتجد أمامها تامر حسني يكمل كلمات الأغنية. تعالت دقات قلبها بجنون وهمست بعدم تصديق:
_ هو اللي بيحصل قدامي ده حقيقي. ده تامر حسني؟
أومأ إليها ووضع قبلة رطبة على جبينها وقال:
_ وهو هيغني في فرح مين أحسن منك؟
_ هو ينفع أروح أسلم عليه وأتصور معاه؟
جذبها معه لساحة الرقص وضم خصرها له مردفاً بقوة:
_ لما أبقى أركبهم يا حياتي أبقى اعملي كده. انسيه وانسي كل الموجودين دول وركزي معايا أنا وبس.
هنا فقط عادت للواقع ونظرت حولها. رفعت حاجبها بتعجب وهي ترى أمامها أكثر من خمس رجال ونسائهم فقالت:
_ مين الناس دي؟ هو أنت مأجر كمان معازيم للفرح؟
ضحك من أعماقه قلبه وحرك رأسه بنفي قائلاً:
_ أكيد لأ طبعاً. دول يا ستي أصحابي واللي معاهم مراتاتهم.
_ اممم. ومش خايف الخبر يوصل لأي حد وصورتك تهتز في الوسط المرموق؟
قبل أنفها مردفاً:
_ تؤ. مش شايف ولا فاكر حاجة غير أنك دلوقتي في حضني وراضية عني. تعالي في حضني أكتر بقى خليني أطمن قلبي بيكي.
ضمت نفسها أكثر إليه وأعطت له من الأمان ما يريح قلبه لسنوات. كانت تتمايل بين يديه مثل الفراشة الناعمة حتى انتهت الأغنية. أبتعد عنها قليلاً ثم أشار لمنظم الحفل ليعطيه الميكروفون فقالت بذهول:
_ أنت هتعمل إيه؟
_ هغني لك.
قبل أن تستوعب ما يحدث كان بدأ صوت العذب بغناء أغنية "خليني في حضنك يا حبيبي".
سقطت دموعها مع كل كلمة تخرج منه. قدر على اختراق مشاعرها ببساطة. جذبها ليكمل الأغنية وهي بين أحضانه حتى انتهى حفل الزفاف. حملها أمام الجميع ليصفق أصدقاؤه الذي كان على واحد منهم. دفنت وجهها بعنقه مردفة بخجل:
_ أنت بتعمل إيه؟
_ أنا بشيلك زي ما وعدتك الصبح أفضل شايلك على طول.
أخذها وذهب فضحك علي على صديقه مع صديقهم الآخر مردفاً:
_ اللي كان وقور فينا عمل في نفسه كده. ده صحيح الحب بهدلة يا عيال.
قال الآخر من بين ضحكاته:
_ كلنا وقعنا بس ابن علام تخطى كل الحدود. أنت مش شايف المدام بتبص ليا إزاي. يا بختك يا علي مش متجوز.
وعلى ذكر الزواج رن هاتفه برقم أحد رجاله المكلف بمعرفة كل شيء عن أروي. أبتعد عن الأجواء وفتح الخط مردفاً بتوتر:
_ قولي وصلت لإيه. وإياك تقول معرفتش توصل لحاجة.
_ لأ يا باشا وصلت. هي فعلاً أخت محمود باشا بس من أم تانية.
بجناح العروسين. وضعها على الفراش مثل قطعة الألماس الثمينة ومال عليها يؤكد لنفسه بأنها معه وبين أحضانه. يشعر وكأنه لأول مرة يتزوج، لأول مرة يحب، لأول مرة يقترب من امرأة.
سألها وهو يتمنى إجابة مرضية لقلبه:
_ مبسوطة؟
أجابته بحركة خفيفة من رأسها. ليعيد عليها السؤال بهمس دافئ:
_ مبسوطة معايا يا سارة؟ عايز أسمعها وأحس بيها.
رفعت يديها لتفك أزرار قميصه واحد تلو الآخر مردفة بنعومة:
_ النهاردة مبسوطة وأوي كمان. المهم تفضل شاطر وتخليني مبسوطة على طول.
همهم بمتعة على أثر لمساتها ونزل لمستوى عنقها واضعاً قبلة عليه بشغف مردفاً:
_ هتشوفي الحلو كله.
_ وهتقول للكل إن مراتك؟
ظهرت معالم الضيق على ملامحه ولكنه قال بهدوء:
_ هيحصل بس مش دلوقتي.
رفعت عينيها وثبتتها على عينيه وقالت بسخرية:
_ ما المدام عارفة من زمان وعاملة نفسها هبلة ووالدتك كمان عرفت. إيه خايف على زعل مين تاني؟
ابتسم إليها ومرر طرف أحد أصابعه:
_ مش خايف من زعل حد. أنا بس حابب أعيش المغامرة من غير ما حد يبص في حياتنا ولا يبقى عندنا ملل الحياة الزوجية. عايز أفرح بيكي وأفرحك بيا يا حياتي.
رغم إنه كاذب وخائف على معتز من الحقيقة إلا إنه لم يقدر على قول هذا أمامها. أما هي ردت على حديثه بقبلة ناعمة فوق ذقنه أعطت إليه إشارة صريحة بالاقتراب. وهو أكثر من مرحب. غاص بنعيمها ولأول مرة تترك نفسها للغوص ببحر رجولته.
رواية عطر سارة الفصل الرابع عشر 14 - بقلم شيماء سعيد
بمكان رائع فوق الجبل كان يضمها من ظهرها وهي تشاهد كل ما حولها بإنبهار.
دفن وجهه بين خصلات شعرها الناعمة يأخذ أكبر قدر من عطرها المميز.
تنهدت تنهيدة طويلة فسألها:
_ مالك يا حياتي؟
هل هي بالفعل حياته؟
إبتسمت وقالت:
_ مكنتش متوقعة أشوف مكان بالجمال ده في حياتي، تعرف بعد ما بابا مات كان حلمي الوحيد أروح الملاهي بس مريم كانت بترفض بحجة إن علاء لو عرف هيضربني.
عانت الصغيرة كثيراً وهو الأخر كان أحد أهم الأجزاء بمعاناتها.
بندم شديد وضع أكثر من قبلة على عنقها مردفاً:
_ أنا أسف.
أهتزت على أثر لمسته، على أثر جملته الحنونة والغير متوقعة من رجل مثله.
دارت بجسدها ليبقى وجهها أمام وجهه قائلة بتعجب:
_ بتعتذر على إيه، ده أنا المفروض أقولك كتر خيرك فضلت سنين تصرف عليا وعلى أختي وجوزها رغم إني ماليش حق والمال كله بتاعك.
مرر أطراف أصابعه على بشرتها بنعومة ثم قال بتعب:
_ تعرفي يا سارة عشان المال ده يفضل موجود أنا دفعت قصاده سنين عمري اللي راحت كلها.
جدي قالي قبل ما يموت بلاش تبقى زي أبوك وعمك يا محمود اللي حركتهم رغبتهم وبس، من وقتها بقيت إنسان آلي معنديش أي نوع من المشاعر المهم اسم العيلة.
ركنت مشاعري كراجل على جنب عشان عايدة متحسش بالنقص مكنتش عايز معتز يبقى زيي لحد ما جيتي أنتِ.
كانت تسمعه بكل تركيز، تحاول كشف ما بداخله لعلها تعلم أين الحقيقة أو تحصل على خيط واحد لها.
توترت مع ذكره لها، بللت شفتيها بطرف لسانها لتعطي لها بعض الرطوبة مردفة:
_ عملت لك إيه؟
ابتسم إليها وقال:
_ ضحكتي عليا ولعبتي بيا، أنتِ أول ست تصحى جوايا أحساس اني عايز ست رغم اني عارف انها مش عايزة مني غير شوية فلوس.
كنت عارف ان في واحدة قدرت تنصب على محمود علام وكنت مبسوط وعايزها أكتر، حتى دلوقتي يا سارة فاهمك بس هضحك على نفسي عشان أفضل معاكي وفي حضنك.
هربت بعينيها بعيدا عنه، تشعر بضعفها بين يديه وهذا ما يزيد الأمر سوء.
أقترب منها وهو بيقول بحب:
_ ريحتك حلوة أوي يا سارة عمري ما شمتها على ست قبلك.
تحمست من مدحه بعطرها فقالت:
_ دي برفان عملته على أيدي مخصوص ليا مش هتشمه على واحدة في الدنيا ابدا لا قبلي ولا بعدي.
رفع حاجبه ممثل الدهشة:
_ يا سلام على كدة بقى إنتِ بتحبي العطور وبتعرفي تعمليها؟
أومات بنفس حماسها وقالت:
_ طبعا وكان عندي محل في القرية بتاعتنا قبل ما ننزل القاهرة بس راح زي ما حاجات كتير عملتها وتعبت فيها وراحت.
تحول نبرتها للحزن جعله يتألم.
مسح على وجهها بحنان قائلا:
_ حصل إيه في المحل بتاعك؟
_ علاء كان عليه ديون لواحد فسرق كل العطور اللي في المحل وباعها لواحد عنده مصنع صغير وباع المحل، من بعدها بطلت أعمل أي أنواع جديدة الا نوع واحد بعمله لحد دلوقتي.
_ اللي هو إيه؟
ابتسمت إليه بنعومة وقربت جسدها منه أكثر.
مال على عنقها وأخذ أكبر قدر من عطرها الرائع فقالت:
_ عطر سارة، نوع بعمله لنفسي من وأنا في إعدادي ومحدش بيحطه غيري.
بقوة قال:
_ هعملك مصنع بأسم عطر سارة اعملي فيه اللي نفسك فيه بس بشرطين.
تعالت دقات قلبها ما بين السعادة والخوف، انتظرته يكمل الا إنه حدق بها بصمت.
فقالت بتوتر:
_ إيه هما الشرطين؟
_ الأول المصنع هيبقى بأسمي عشان أضمن أنك تفضلي جانبي لحد ما أحس بحبك ليا ووجودك معايا حتي لو معاكي مال الدنيا وقتها هيبقى بأسمك حتى لو عايزة أملاكي كلها.
الشرط التاني عايز عطر يبقى ليا على ذوقك محدش يحطه لا قبلي ولا بعدي.
لا تعلم شرطه الأول من حبه لها مثلما يقول ولا حتى يتمكن من السيطرة عليها كما يسيطر على الجميع.
ومع ذلك أهدت إليه إبتسامة رائعة مع نبرة يتراقص منها الدلال:
_ وماله ده إحنا عنينا لمحمود بيه، هعملك أحلى برفان كل ما تحط منه تحبني أكتر.
بمنزل مريم وعلاء..
ضربت على صدرها وهي تسمع حديث زوجها عن خطته مع زوجة محمود قائلة:
_يا ليله مش فايته أنت بتقول إيه يا علاء مهما حصل سارة هتفضل أختي.
خرج من حنجرته صوت همجي وقال:
_ أختك مين يا أم أختك دي عيلة واطية فضلنا سنين شايلين قرفها وفي الاخر خلعت لوحدها يبقى من حقنا احنا كمان نلعب لوحدنا والا رأيك ايه؟
لا تعلم ماذا تقول، ما يريد فعله كارثة كبيرة إحتمال تأخذ روح شقيقتها.
بلعت ريقها وقالت بخوف:
_ عندك حق هي عملت حركة واطية كانت مفروض تسحبنا للعز معاها بس مش للدرجة دي يا علاء، الراجل ده جبروت ولو حس إحساس بسيط إنها بتبص لغيره مش بس بتحب غيره هيطلع بروحها.
نظر إليها بحنق، يبدو أنها ستقف أمامه وهذا ما لا يريده.
اقترب منها أكثر وقال بخبث:
_ قلبك الطيب ده هو اللي هيضيعك يا مريم، البت دي حاولت تقرب مني بدل المرة ألف من غير ما تعمل حساب اني جوز أختها وكنتي بتشوفي ده بعينك، ولما لقتني بحبك حرمتنا من العز وراحت سرقت الراجل من مراته، كل ده ولسة في قلبك رحمة ليها.
لو كان بداخلها القليل من تأنيب الضمير فانتهى بعد ما قاله.
عضت على شفتيها بغل مردفة:
_ عندك حق البت دي طول عمرها رافعة مناخيرها لفوق لأجل إنها بنت البشوات وأنا أبويا على قد حاله تبقى تستاهل كل اللي يحصل لها.
ظهرت معالم الارتياح على وجهه أخيراً وضمها لصدره هامساً:
_ شاطرة يا قلب جوزك انتِ كدة حبيبتي وتعرفي مصلحتك فين، اسمعي بقى المطلوب منك ونفذي بالحرف.
أومات إليه وهي تضمه لها اكثر قائلة:
_أنا من إيدك دي لايدك دي.
بعد مرور يومين..
بشركة علي..
جلس بمكتبه ينتظر قدومها، اليوم هو اليوم الأول بالعمل لها وهو يود معرفة الكثير والكثير عنها.
طرقت السكرتيرة على الباب ثم دلفت مردفة بهدوء:
_ مدام أروى وصلت يا فندم أدخلها والا حضرتك مشغول؟
_ دخليها وممنوع أي حد يدخل طول ما هي جوا حتى لو أنتِ مفهوم.
_ مفهوم يا فندم.
خرجت بخطوات سريعة وبعد ثواني كانت تدلف أروى وآه والف آه من أروى.
وقفت أمامه كي تبهره مثلما تفعل دائماً ترتدي بذلة عمل نسائية من اللون الأزرق فوقها حجاب أبيض بسيط، وجهها خالي من مساحيق التجميل الا عينيها ترسمهم بكحل أسود أبرز جمال عينيها.
بخطوات رشيقة أقتربت من مكتبه وقالت بابتسامة عملية:
_ أقدر أبدأ شغل من امتى يا فندم؟
أين هو فهي تتحدث وهو يتأمل إبداع الخالق فقط، فاق على نبرتها الحادة وهي تقول:
_ علي بيه.
_ ها.
_ ها ايه بقولك المفروض أبدأ شغل أمتي بس من الواضح ان حضرتك مشغول ممكن أجي في وقت تاني.
_ لما سألت تقربي إيه لمحمود علام كذبتي ليه يا أروى، مقولتيش أنه أخوكي ليه مع إن حاجة زي دي كانت هترحمك من تحت إيدي.
أهتزت مع معرفته الحقيقة، شعرت بأشياء كثيرة وأهمها الخذلان لا تعلم إذا عادت لمحمود كيف سيكون استقباله لها وهل سيقبلها بحياته من الأساس.
ارتعاشها الداخلي ظهر على جسدها، ساقيها ثقلت، ترفض وضع شقيقها برحلة جديدة معها يكفي إنها خذلته أمام شخص مثل سيد.
شعر بها فقام من محله وساعدها على الجلوس مردفاً بقلق:
_ مالك يا أروى أنتِ كويسة؟
ظلت صامتة لعدة لحظات قبل أن تحرك رأسها بثقل مردفة:
_ كويسة، يهمك في إيه إذا كان أخويا والا لأ؟
تعجب من سؤالها مردفاً:
_ يهمني طبعا ده صاحبي مش بس صاحبي ده أخويا ولو أنتِ أخته يبقى اللي بيحصل بنا ده غلط.
رفعت حاجبها بسخرية واضحة على وجهها قبل أن تقول:
_ وهو ايه اللي بيحصل بنا؟! إنك طمعت فيا وأنا ست متجوزة؟
أغضبته نبرتها الساخرة ليقول بتحذير:
_ أروى.
قطعته بإشارة قوية من يدها وقالت:
_ المبدأ واحد يا أستاذ علي، إذا كنت أخت محمود أو لأ ده ميمنعش أنك انسان ناقص، اللي يستغل واحدة ست عشان مالهاش حد ويستقوي عليها يبقى ضعيف، خدها نصيحة مني بص لنفسك في المرايا وأبقى تعالي قولي شوفت فيها إيه.
تخطت كل الحدود بحديثها، ليكون صريح هي وضعته أمام نفسه بصورة بشعة.
لم يشعر بحاله الا وهو يجذبها من فوق المقعد لتقف امامه مردفاً بغضب:
_ لمى لسانك بدل ما أقطعه، جوزك هو اللي رخصك وعايزك تاخدي بالك كويس من وقت ما دخلت بيتك كنت قادر أخد اللي أنا عايزه منك بس لما لقيتك غالية رفضت اوسخك، أنتِ سليمة لحد دلوقتي عشان أنا عايز كدة مش عشان أنتِ عايزة كدة.
لم تتغير نظرتها الساخرة بل أكملت عليه مردفة:
_ إيه اللي وصلك لهنا يا علي باباك كان بيخون مامتك والا ست الحبايب كانت بتحط سلك الكهربا تحت باطك مهو اكيد أنت مش واطي كدة طبيعي.
يا ليتها صمتت الأمر الآن أصبح كارثي.
رفع يده لينزل بها على وجهها الا إنها كانت الأسبق وعلمت على منطقة تحت الحزام جعلته يعود خطوتين للخلف من شدة الألم ثم قالت بقوة:
_ خد بالك زمان قبل ما اتهف في عقلي وأتجوز نص الراجل ده كان عندي جيم يعني لما تحاول تلعب معايا لأزم تلعب بذكاء، آه ونسيت أقولك هتجوزك حتى لو غصب عنك أنت خلاص بقيت شغلي الشاغل هعلمك الأدب من أول وجديد لحد ما تمشي في البلد عبيط.
هروح أستلم الشغل على ما تقدر تقف على رجلك وتفوق.
تركته بحالة من الذهول وخرجت من مكتبه، جلس على المقعد بألم مردفاً:
_ اه يا بت ***** بقى أنا يتعلم عليا ومن مين من البت دي؟ ماشي يا أروى أنا وأنتِ والزمن طويل.
أتت اليه رسالة صوتية ففتحها لتزيد صدمته من وقاحتها:
_ حسبت عدتي لقيتها هتخلص على يوم خميس كمان تلات شهور الجمعة الصبح هتكتب عليا.
ما هذا كيف تحولت فجأة وأصبحت تريده بهذا الشكل؟
أما على باب مكتبه أغلقت هاتفها وهي تتذكر أيامها بشقة محمود وحديثه المستمر مع صديقه الملقب بعلي، إذن هذا هو علي، يا الله من سخرية القدر كانت ترسم إليه صورة رائعة من مجرد كلمات وها هو هدم كل هذا بحقيقته المرة.
حركت رأسها بتعب قائلة:
_ على رأي المثل قاله إدخل الزريبة هات كلب. ماشي يا علي اعتبري من هنا ورايح عملك الأسود في الدنيا.
ببيروت..
بمعرض أحد أهم مصممي الأزياء، خرجت سارة من الغرفة القياس بفستان رقيق من اللون الأبيض.
وجدته بانتظارها كالعادة أقتربت منه مردفة بضجر:
_ ها يا رب حاجة تعجبك أنا تعبت بجد.
أشار إليها بيده لتدور رفضت بحركة مترددة ليقول:
_ سارة.
نفخت وجهها بضيق ودارت وهي تقول:
_ يا رب على الظالم.
انتفض جسدها بفزع على آثر صوته الغاضب، أغلقت عينيها بقوة وهي تسمع صوت خطواته تقترب منها حاولت الفرار الا أن ذراعه كان الأسبق عندما قيد خصرها مردفاً:
_ تعرفي لو كان في حد غيري في المكان حتى لو ست وشافتك بالشكل ده كنت عملت إيه فيكي وفيها؟
أبتلعت لعوبها بتوتر مردفة:
_ إيه؟
_ هي كانت هتبقى أخر مرة تشوف أما أنتِ كنت هعمل من جسمك لوحة تتكسفي تعريها قدام أي حد.
كانت نبرته كفيلة ببث الرعب بقلبها.
أخذت عدة ثواني قبل أن تلبس ثوب الدلال وتعطي وجهها إليه مردفة بنعومة:
_ أهون عليك يا بيبي؟
أوما إليها بتأكيد مردفاً:
_ في الحتة دي بذات تهوني يا بسبوسة، يلا أقلعي القرف ده وتعالي هختار على ذوقي.
لفت لسانها بغضب:
_ أنت عندك ذوق منين ده أنت مختار عايدة.
رفع حاجبه عدة لحظات بتعجب قبل أن تتحول نظراته لأخرى خبيثة وهو يمر بأطراف أصابعه على سلسلة عمودها الفقري مردفاً:
_ ما أنا مختارك أنتِ كمان يا بسبوسة.
اتسعت ابتسامتها الخبيثة هي الأخرى وغمز إليه بشقاوة مردفة:
_ لأ معلش بقى أنا اللي مختارك، وأنت نفذت اللي أنا عايزاه بس يا باشا.
ضحك من أعماق قلبه على ثقتها وأخذ قبلة سريعة من شفتيها الناعمة قائلا:
_ بمزاجي يا قلب الباشا كله كان بمزاجي، قدامي بقى عشان أنا برضو اللي هختار الهدوم.
زفرت بضيق مردفة:
_ برضو مصمم؟
_ أممم مصمم والا تحبي نمشي؟
جذبته من يديه ليسير خلفها مردفة بلهفة:
_ لأ طبعاً نمشي إزاي هو في احلى في الدنيا دي من ذوقك.
ضحك بخفة وضربها على مقدمة رأسها:
_ شاطرة وطعمة الاتنين مع بعض ده يا حظي الحلو في الدنيا.
بعد أكثر من ثلاث ساعات خرج معها من المكان والامن خلفهما يحمل الأكياس.
نظرت إليه وجدته غاضب فقالت بتعجب:
_ مالك مش نفذنا اللي في دماغك وجبنا اللي أمرت بيه قالب وشك ليه؟
حدق بها بغيظ وقال:
_ مش عارفة ليه ؟! مش عارف أعمل فيكي ايه عشان أرتاح.
شهقت بطريقة لذيذة تظهر بها برائتها المعدومة مردفة:
_ يااا ده أنت شايل مني أوي عملت لك إيه لكل ده؟ ده أنا حتة مكسوره الجناح وأنت سي السيد.
_ كل الهدوم عليكي حلوة حتى المحترمة كدة مش هينفع يا سارة لأزم تبقى وحشة شوية عشان قلبي يرتاح، ده وأنتِ معايا قلقان آمال لما تخرجي لوحدك.
ضحكت بدلال:
_ حظك بقى أنا لو مكانك أفضل معايا طول الوقت عشان أثبت ملكية.
فهم معنى حديثها فجذبها ليضمها إليه بقوة كأنه يود أدخلها بين قفصه الصدري مردفاً:
_ عندك حق لأزم أفضل ماشي لازق فيكي عشان الكل يعرف إنك بتاعتي أنا وبس.
أغلقت عينيها مستمتعة بهذا الشعور اللذيذ بسيطرتها الكاملة على محمود علام.
سار بها ليلمح ابيه بطرف عيناه، تجمد لثواني قبل أن يفتح لها باب السيارة ويضعها بالداخل مردفاً بقوة:
_ إياكي تفتحي الباب وتخرجي.
تعجبت من تغيره وكانت ستساله الا إن اقتراب طاهر منهما مع امرأة جميلة جعل محمود يغلق باب السيارة عليها سريعاً.
سمعت ما يدور بالخارج وفهمت ما فعله جيدا، كتمت دمعتها بقوة وهي تقول لنفسها بسخرية:
_ كويس خليه يزرع عشان يبقى ضميري مرتاح.
بالخارج..
أقترب طاهر من محمود ومعه صديقته صوفيا.
حدق به محمود بضيق حاول عدم إظهاره مردفاً:
_ غريبة حضرتك جيت من لندن على بيروت كنت عدي على مصر بالمرة.
فهم ما يريد ولده قوله واجابه بهدوء:
_ كنت حابب أنزل لكن والدتك قالت إنها مش حابة تشوفني.
أوما إليه محمود قائلا:
_ الشركة محتاجة حضرتك تبقى موجود فيها الفترة دي.
نظر طاهر بنطرف عينه لباب السيارة المغلق ومحمود الواقف أمامه وكأنه يخشى رؤيته لما بداخله:
_ شكلك قررت تشوف نفسك أخيراً، كدة أحسن يا ابني بس المهم عايدة متعرفش دي وصية المرحوم أخويا فاهم طبعاً، عط براحتك بعيد عن مراتك وإبنك.
نظر محمود لصوفيا مردفاً بسخرية:
_ متعرفش عربي شكلها أصلك واخد راحتك في الكلام على الآخر.
_ لأ صوفيا تعرف كل حاجة بس مفيش بنا اللي يخليني أخاف أتكلم قدمها، ما تطلع اللي معاك نتعرف.
ضغط محمود على باب السيارة وقال:
_ مش زي ما أنت فاهم يا بابا، أنا هنا في شغل ولازم أمشي دلوقتي.
دلف للسيارة سريعاً وأمر السائق بالذهاب.
كانت تتابع الطريق أمامها بشرود وهو كان مثلها، لأول مرة بحياته يوضع بموقف مثل هذا، لو كان رآها والده كيف ستكون صورته؟
ماذا سيقول عن وجود ابنة عمه الصغيرة معه هنا؟
وعلى ذكرها نظر إليها وجد معالم وجهها خالية من الحياة.
وضع يده على فخذها لتنتفض مردفة:
_ لو سمحت أبعد عني دلوقتي.
_ سارة.
أكملت الحديث بدلا عنه بضيق:
_ أنا سمعت كل حاجة يا محمود ده عمو طاهر وأنت مش عايزني أظهر قدامه عشان لما يرجع مصر ويعرف أنا مين ميقولكش كانت معاك بتعمل إيه، حطتني في خانة واحدة سهلة بتقضي معاها يومين عشان تخلي كل حاجة في الضلمة زي ما بدأت، أنا مش زعلانة ومش هطلب منك تعلن جوزانا تاني لاني من الأول وفقت اتجوز في السر.
وضع يده على فمها يمنعها من تكملت الحديث وهو يقول بنفي:
_ الكلام ده مش صح، أنا حبيت لما اقوله تبقى بطريقة أحسن من دي مش أكتر من كدة.
أومات إليه بهدوء قائلة:
_ تمام هعمل نفسي مصدقة، بس ليا طلب ممكن تنفذه.
_ طبعا يا حبيبى.
_ عايزة أرجع مصر وجودي هنا بدأ يضغط على أعصابي بجد مش قادرة أقعد ساعة واحدة كمان.
_ ماشي يا سارة هنرجع بالليل.
قالها ونظر للطريق أمامه بصمت لم يجد كلمة إضافية تضاف لهذا الحوار.
أما هي أغلقت عينيها بتعب أعصاب كل يوم يمر بها بتلك العلاقة تجعلها أكثر قهراً وضعفا علاقة سامة فتتت قلبها.
بصباح اليوم التالي..
وقفت سيارة محمود أمام قصر علام.
أسرعت بالنزول من السيارة دون أن تعطي إليه مجال للحديث معها، فقال بقوة بعدما خرج خلفها:
_ اقفي مكانك يا سارة.
أقترب منها بخطوات سريعة ليقف أمامها مردفاً:
_ من إمبارح بتقولي مش زعلانة لكن كل تصرفاتك بتبين أنك زعلانة يا سارة بتحاولي تهربي مني ليه انا مش فهمتك الوضع وأنتِ تقبلتي ده؟
لم تتحمل أكثر وقالت بغضب:
_ تقبلت الوضع انا ما تقبلتش حاجه أنت اللي فرضت عليا الوضع ده، لو متقبلتهوش ورفضته تقدر تقولي هتعمل ايه هتنفذ اللي انا عايزاه ولا برضو هتعمل اللي انت عايزه واللي انت محتاجه بس.
جذب كفها مقبلاً بطنه بحنان مردفاً:
_ يا حبيبتي أنا مش محتاج حاجه من الدنيا الا وجودك وشويه صبر منك لحد ما يجي الوقت الصح ونقف قدام الكل ونعرفهم إننا متجوزين.
حركت رأسها بمعني لا فائدة وهمست بتعب:
_ اللي أنت شايفه صح أعمله ممكن بقى تسيبني أدخل لأني تعبانة ومحتاجة أرتاح.
أومأ إليها بهدوء لتذهب من أمامه سريعا، دلفت لغرفة المعيشة لتجد جدتها وحنان فقط.
رسمت على وجهها إبتسامة باهتة وقالت:
_ صباح الخير.
ابتسمت حنان بتوتر وقالت ألفت بقوة:
_ صباح الخير دي تقوليها لنا لما تكوني نازله من اوضتك رايحه الكليه لكن لما تخرجي من تلات أيام عشان رايحه كليتك وما ترجعيش إلا دلوقتي يبقى ما اسمهاش صباح الخير اسمها كنتي فين يا ست هانم.
مسحت على خصلاتها بتعب شديد قائلة:
_ كنت مع جوزي.
دلف محمود بتلك اللحظة ووجد ألفت تجلس، زفر بغضب بعدما علم من معرفة ألفت وقال:
_ بيحصل إيه هنا؟
قامت ألفت من مكانها بغضب قائلة:
_ بقى مش مكسوف من نفسك وأنت واقف قدامي كده وبتقول ايه اللي بيحصل هنا؟ أنا اللي المفروض أسألك ايه اللي بيحصل يا كبير بتضحك على العيلة اليتيمة ولابس ثوب الوقار والاحترام وأنت…. أقول فيك ايه.
تدخلت حنان بالحديث سريعاً:
_ أهدي يا ماما عشان صحتك محمود بيحب سارة وهيعلن جوازه منها.
نظر لسارة بعتاب ثم عاد بنظره لجدته مردفاً بهدوء:
_ قريب جداً هعلن جوازي منها ممكن تهدئ يا تيتا.
ردت عليه ألفت بسخرية:
_ بس هي مش عايزة تكمل سارة عايزة تطلق.
حرك رأسه برفض ونظر لسارة بحنان ورجاء مردفا:
_ سارة حبيبتي ردي عليها وقولي أننا متفقين على كل حاجة سوا ، قولي يا حياتي.
أرتجف جسدها على أثر كلماته ونظراته لها، رأت الحب واضح ولكنه نقطة بعيدة وسط عالمه الكبير، ها هي اللحظة المنتظرة بالنسبة لها لحظة شعورها بالنصر.
رفعت رأسها بكبرياء قائلة:
_ بس إحنا مش متفقين على حاجة يا أبيه أنا فعلاً عايزة أطلق وأمشي من هنا زي ما تيتا قالت.
رواية عطر سارة الفصل الخامس عشر 15 - بقلم شيماء سعيد
تصلب جسده مع سماعه لحديثها. جذبها من كفها بقوة، تأوهت بألم خفيف على أثرها مردفًا بذهول:
_ إيه الكلام الفارغ اللي أنتِ بتقوليه ده؟
حدقت به بقوة جعلت صدمته بها تزيد، ثم قالت:
_ بقول الحقيقة، إحنا كدة حلوين أوي، طلقني قبل ما باباك وابنك يعرفوا، أحسن ما صورتك تتشوه قدامهم بالجوازة اللي مش قد المقام دي.
الآن فقط فهمها، هي ترد إليه ما حدث أمام والده. مسح على وجهه بنفاذ صبر قبل أن يقول بنبرة حنونة:
_ يا حبيبتي، هو أنا مش فهمتك، كان قصدي إيه وأنتِ فهمتي، بابا لازم يتعرف عليكي بطريقة أحسن من دي بكتير.
يحاول بشتى الطرق التحكم بأعصابه وهي تقوده للجنون. نفت بحركة مقهورة من رأسها، وقالت وهي تنظر لجدتها برجاء:
_ هتقفي جانبي يا تيتا صح؟
اقتربت منها ألفت وجذبتها من بين يده لتضعها خلف ظهرها بقوة، مردفة:
_ هحاسبك بعدين، لكن دلوقتي هاخد حقك ونمشي من هنا.
هنا فقط فهم ما يدور من حوله. تلك الصغيرة لعبت به طوال الأيام الماضية حتى تجد ما يقف معها أمامه. أومأ برأسه عدة مرات قبل أن يضحك بسخرية:
_ محمود علام قدرت هي عليه للمرة اللي لا يعلم عددها.
كانت تضحك عليه وهو من حبه لها تخيل إنه دلف للجنة وذاق بداخلها النعيم. توقف عن الضحك ونظر لجدته مردفًا بهدوء:
_ طلباتك إيه يا جدتي؟
_ تطلقها يا محمود.
_ هي مين دي؟
تعجبت ألفت من هدوئه وحديثه وقالت:
_ سارة هتكون مين يعني؟
أومأ لها ودار حوله نفسه لعدة ثوانٍ قبل أن يقول بنبرة باردة:
_ أصلي متجوز اتنين والاتنين أحفادك، فكنت عايز أتأكد بس تقصدي مين فيهم، وطلعت سارة.
ابتلعت لعابها الجاف برعب حقيقي من طريقته ونظراته. تعلقت بملابس جدتها مثل الطفلة الصغيرة تحاول أن تشعر لو بقليل من القوة أمامه. ردت عليه ألفت بسخرية:
_ يا سلام، ده على أساس إنك ممكن تطلق عايدة؟
_ كل حاجة في الدنيا دي بقت ممكن، وخصوصًا معايا، مبقاش عندي مستحيل.
تدخلت حنان بالحديث قائلة بقلق:
_ أنت بتقول إيه يا محمود؟ عايز تطلق عايدة بعد كل السنين دي؟ طيب ومعتز؟
صرخ بغضب وصل لعايدة التي كانت تجلس على مقعدها أعلى الدرج وخلفها خدمتها:
_ خلاص المولد ده خلص، ضاعت سنين عمري وأنا بقول عايدة ومعتز وأمي وأخويا والعيلة كلها. من هنا ورايح أنا وبس، وإن شاء الله يولع القصر باللي فيه، شبعت من دور الكبير المضحي خلاص وجبت أخرى. وأنتِ يا بت تعالي هنا بدل ما أجيبك بنفسي.
هل يقصدها هي؟ نعم هي، نظراته بالكامل كانت موجهة إليها. أغلقت عينيها لتهرب من تلك النيران التي قربت أن تحرقها، لتقول ألفت:
_ أنت لسه ليك عين تتكلم وتؤمر؟ واقف قدامي وأنت متجوز بنت عمك الصغيرة في السر زي بنات الشوارع وكمان بجح.
معالم وجهه كانت إجرامية، تقدم منها خطوة للأمام لتصرخ وتجذب ألفت معها للخلف مردفة:
_ شايفة يا تيتا بيعمل معايا إيه؟ عشان كده كنت خايفة أقول الحقيقة، كان طول الوقت تهديد وتعذيب وقلة قيمة.
_ ما تقولي إني كنت بطفي السجاير تحت باطك بالمرة يا بت، عقلك الصغير ده قالك إنك ممكن تضحكي عليا أنا وأسكت؟ اللي انتِ واقفة بتتحامي فيها دي مش هتقدر تعملك حاجة.
صرخت ألفت بغضب:
_ أنت اتجننت! احترم نفسك واعرف إنك بتكلم جدتك، واقف تستقوي على البنت عيني عينك كده.
صرخت سارة برعب عندما جذبها بكل ما بداخله من غضب من خلف ظهر ألفت وجعلها تقف أمامه، مردفًا:
_ قولي لجدتك اللي بدافع عنك مين اتقدم للتاني يا عروسة؟ قولي مين فضل يغري فيا وأنا راجل محروم من الستات سنين، تجي واحدة مش بس حلوة، لا دي كمان بتبين حلاوتها ليا أكتر وتقولي أتجوزني مقابل شوية فلوس. الملاك اللي قدامك دي يا ألفت هانم هي بداية كل حاجة غلط حصلت من الأول.
شعرت بالهزيمة مع كل كلمة تخرج منه. أكمل هو بنفس القوة صارخًا:
_ رضيتي تبقي من الأول زوجة في السر وأنتِ اللي سعيتي لده بنفسك، دلوقتي لما حبيتك بقى أقول للكل يا أما أطلقك، طبعًا بتقوليها بثقة وإنتِ عارف كويس إني مش هقدر أعيش من غيرك مش كده.
أتت لتتحدث، إلا أنه ضربها ببعض القوة على شفتيها مردفًا:
_ اخرسي، كل كلمة بتخرج منك بتحرق قلبي أكتر.
ضمها إليه رغماً عنها وقال:
_ طلاق مفيش طلاق، عايزين الموضوع يبقى فضايح، ارفعي عليا قضية طلاق يا جدتي.
كانت ألفت تتابع ما يحدث بذهول. بكت حنان على ما وصل إليه رجلها الوحيد وحاولت الحديث إلا أنها لم تقدر. إلا أن ألفت قالت بجبروت:
_ أنت أي واحدة حلوة تغريك تتجوزها في السر؟ واه يا محمود هعملها فضيحة وهرفع عليك قضية طلاق.
حمل سارة التي فقدت النطق أمام حقيقتها، وقال بقسوة:
_ وماله، ارفعي، بس الحلوة دي مش هتخرج من هنا إلا على قبرها. ولأني عارف إن لا حضرتك ولا هي معاكم حاجة غير فلوسي، أتعاب المحامي هتبقى على حسابي.
فقط هنا انتهى الحديث. خرج بها من الغرفة وترك جدته ووالدته بحالة من الصدمة والحسرة. اقتربت حنان من ألفت قائلة:
_ قولتلك محمود بيحبها ومش هيسيبها، ابني خلاص بدأ يخسر كل حاجة عشانها وأنا مش هسمح بده.
جلست ألفت على أقرب مقعد بعدما شعرت بثقل جسدها، حتى ساقيها رفضوا تحمل الموقف. حدقت بها حنان بقلق واقتربت منها قائلة:
_ ماما مالك؟
أشارت إليها بعدما اقتربت مردفة:
_ اطلعي بره دلوقتي، عايزة أبقى لوحدي.
_ بس...
_ قولت عايزة أبقى لوحدي يا حنان، اخرجي.
بالخارج. توجه محمود للدرج وهو مازال يحمل سارة. رأى باب غرفة عايدة وهو يغلق. سمعت ما دار ومثل عادتها فضلت الهروب عن المواجهة. توجه لغرفة نوم سارة وفتحها ثم دلف وأغلق الباب بساقه. ألقى بجسدها على الفراش وقال:
_ أفهم بقى اللي حصل تحت ده اسمه إيه عشان أنا ماسك نفسي عنك بالعافية.
خائفة هي بالفعل، خائفة جدًا. سحبت جسدها لآخر الفراش مبتعدة عنه. صرخ بقوة لتنكمش على نفسها وهي تتمنى لو تحدث معجزة وينقذها أحد من بين يديه:
_ انطقي، قولي اللي حصل ده اسمه إيه يا عروسة؟
رفعت عينيها إليه بقهر قائلة:
_ أنت عارف كويس أوي إني مكملة معاك غصب عني. اللي حصل ده فرصة بالنسبة ليا عشان أهرب من حياة مغصوبة عليها مع راجل عايش كل حاجة عافية وبالدراع.
رفع حاجبه بذهول. هل هي تراه هكذا؟ هل كل ما فعله معها طوال الأيام الماضية لم يؤثر بها؟ هل مشاعر حبه لها لم تظهر إليها بشكل صحيح حتى تراه رجل لا يفكر إلا بنفسه؟ أشار لنفسه مردفًا:
_ عافية وبالدراع؟ ده كل اللي وصلتي له بعد الأيام اللي فاتت؟
صرخت به بقهر:
_ إيه هي الأيام اللي فاتت؟ دي كلها كانت كذب في كذب، كنت بتضحك عليا بس بشكل شيك وأنا زي العبيطة صدقتك، عامل فرح في آخر الدنيا بعيد عن عيون أي حد يعرفك، عازم أصحابك اللي بيغطوا عليك وأنت بتعطيلك يومين من ورا العيلة والمدام، ولما جه وقت الجد خبتني في الغريبة زي أي واحدة مشقوقة. أنت كداب يا محمود كداب، عملت كل ده عشان تاخد مني اللي أنت عايزه بمزاجي، لكن عمرك ما كنت هتعلن جوازنا لو كنت ناوي تعلن، كنت أجلت الفرح شوية عشان يبقى قصاد عين الكل. أنا سكتت قلة حيلة مش أكتر، لكن دلوقتي معايا تيتا ومش ناوية أسكت تاني.
اهتز جسده مع سماعها له، انهار قلبه وزاد الضغط على عقله أضعاف. سألها للمرة المليون:
_ أنتِ بتتكلمي بجد؟ شايفني وحش أوي كده؟
أومأت بقوة مردفة:
_ أيوة، دي الحقيقة، إياك تحاول تضحك على عقلي تاني لأني مش هرجع في قراري وهفضحك قصاد عين الكل.
حرك رأسه وهو يسمعها بهدوء عجيب جعلها ترتعب بداخلها. سحب ساقيها من فوق الفراش وجذها لتقف أمامه مردفًا:
_ قلبك جمد بالفت، فاكرة إنها ممكن تعمل لك حاجة؟ طيب وماله، انسى الكام يوم بتوع الكذب زي ما بتقولي وشوفي بنفسك محمود علام لما بيحب يفعص حد تحت رجليه ممكن يعمل إيه.
قالت بسخرية زادت من الأمر سوء:
_ مش هتعمل حاجة عشان مكانة محمود بيه تفضل مكانها، كفاية تهديد وكلام، أنا بطلت أخاف.
ضحك ضحكة قاسية قبل أن يضغط على جسدها بين أصابعه مردفًا:
_ من أول مرة شوفتك شوفت في عينك حتة غباء، النهاردة بس ظهرت بوضوح، لكن لو ذكية هتعرفي إن لازم تخافي يا سارة.
دفعها بقوة لتسقط على الفراش وفتح باب الغرفة ينادي على الخادمة بصوت عالٍ. أتت إليه سريعًا مردفة بخوف:
_ أمرك يا باشا.
_ عايزة كل هدومي اللي في جناح مدام عايدة تيجي هنا في أوضة الآنسة سارة.
قالها بسخرية واضحة قبل أن يغلق الباب ويعود إليها مردفًا:
_ من هنا ورايح هتفضلي في حضني ليل نهار أشبع منك لحد ما ألفت هانم تقدر تطلقك مني، ومن هنا لحد اليوم ده مش عايز أسمع منك غير كلمة حاضر بس.
تركها تحدق بكل شيء حولها بضياع ودلف للمرحاض. أغلق الباب عليه بقوة لعله يقلل من نيران قلبه المشتعلة بداخله. لا يصدق أن ما عاشه معها من مشاعر كانت مجرد كذبة كبيرة، صدقها بقلب عاشق. خلع ملابسه وفتح الماء الباردة لتسقط على جسده الساخن يتمنى تطفئ ولو جزء صغير من ما يشعر به. أغلق عينيه يتذكر كل لحظة مرت بينهما بالأيام الماضية، تذكر أول جملها قالتها إليه "أنا أيامك اللي جاية كلها يا محمود". نعم قالت ونفذت، أصبحت محور حياته من بعدها. ليضحك بسخرية من حاله وهو يعيد آخر جملة "أنت كداب يا محمود كداب". نعم هي محقة، كذب على حاله وعاش بوهم حبها المنتظر إليه. أغلق الماء ووقف أمام المرايا ينظر لملامح وجهه الرجولية وهي تتساقط منها قطرات الماء هامسًا:
_ مش هتحبك يا محمود، سارة مش هتحبك. لو عايزها في حياتك لازم تعرف أنها هتفضل موجودة بالغصب. إزاي قادر ترضى على نفسك إنك تنام في حضن واحدة غصب عنها؟
لم يتحمل ما وصلت أفكاره إليه ورفع يده ليضرب المرايا بقوة. سقطت أمام عينيه على الأرض ومعها الكثير من دماء يده.
انكمشت على حالها أكثر وهي تسمع هذا الصوت. تحملت على ضعف جسدها وصعدت على الفراش جاذبة الغطاء تخفي به جسدها المرتجف. أغلقت عينيها بقوة هامسة لنفسها بحسرة:
_ مني لله، ده ميقدرش عليه غير ربنا، مش تيتا خالص. كان عقلي فين لما حاولت أوقعه بس؟
خرج من المرحاض بعدما عقم يده ونام بجوارها على الفراش. جذب خصرها ليلصقها به وعندما فركت برفض همس بحدة:
_ اتخمدي بدل ما أقوم أعرفك يعني إيه واحد يأخد واحدة عافية وبالدراع.
حركت رأسها برفض لتلك الفكرة وأعلنت استسلامها دون أدنى مقاومة. مر عليه دقائق وهو غارق بالتفكير وعندما أتت إليه الرحمة من السماء واقترب من النوم همست إليه بتردد:
_ هو أنت مش خايف من تيتا ألفت خالص؟
_ تؤ.
_ طيب ناوي تعمل فيا إيه؟
تنهد بثقل وصل إليها ثم قال:
_ أنتِ اللي ناوية تعملي فيا إيه تاني يا سارة؟ كنتي عايزة الفلوس ولما وصلتي ليها طمعتي في الأكثر.
بللت شفتيها بطرف لسانها وقالت:
_ أنا كنت عايزة أحس إن ليا قيمة، عقلي قالي إن الفلوس هي اللي بتعمل قيمة لأي بني آدم، لكن طلعت غلطانة، رغم إني مراتك والمفروض معايا فلوس بس دايما قلقانة من اللحظة الجاية، أنا مش عايشة في أمان معاك ولا مرتاحة، يا محمود أرجوك أرحمني وطلقني.
صدمها بسؤال هي نفسها لم تعلم إجابته:
_ وإيه اللي ممكن يحسسك بالأمان؟
أخذت تردده برأسها عدة مرات وهي لا تعلم الإجابة. كيف يمكنها أن تشعر بالأمان بعد الانفصال عنه؟ ينتظرها الكثير بعد الطلاق، عايدة، علاء، مريم، الفقر، ماذا ستفعل بكل هذا؟ وهنا جاء وقت السؤال الأصعب، كيف ستكون حياتها بدونه؟ جاءها الرد من نبرته الحنونة مردفًا:
_ نامي يا سارة وخليكي عارفة إنك ماشية في طريق نهايته نار على الكل وأولهم أنا، وخليكي عارفة برضو إني بحاول بكل الطرق منوصلش للنهاية دي.
بصباح اليوم التالي. ذهب محمود لعمله بعدما أعطى تعليمات للجميع بعدم فتح باب غرفة سارة أو حتى الاقتراب منها. ظلت باقي اليوم حبيسة جدران الغرفة ومعها ثلاجة بها كل أنواع الطعام. فتحت كيس المقبلات وأكلت أول قطعة بغيظ قائلة:
_ بقى أنا يتعمل فيا كده؟ لأ بقى مستحيل أسكت.
اقتربت من باب الغرفة وضربت عليه بكل قوتها صارخة:
_ أنتوا يا اللي برة حد يفتح ليا بدل ما أذف نفسي من البلكونة.
تقريبًا ما يحدث الآن من سوء الحظ. عاد معتز من مدرسته وهو يشعر بالضيق. رغم سماعه لحديث والده، إلا أنه مازال قلبه يدق كلما رآها، يود أن يتحدث معها طوال الوقت. تذكر حديثه مع عمه طارق الذي قال إليه بهدوء:
_ السن مش مقياس، ما ناس كتير عايشين مع بعض وفي بينهم فرق سن. بص يا معتز، طالما بعدت عنها فترة ولسه في قلبك مشاعر ليها يبقى فعلاً بتحبها. روح قولها ولو حسيت إنها ممكن تحبك مع الوقت قول تاني لمحمود وأنا هبقى في ضهرك.
عاد من تذكره لحديث عمه على صوت صريخها وطلبها النجدة. اقترب من باب الغرفة وقال بقلق:
_ مالك يا سارة في إيه؟
_ خليهم يفتحوا الباب ده يا معتز، أنا مجنونة وممكن أذف نفسي من البلكونة عادي.
_ أوعى تعملي كده، هروح أجيب المفتاح من مكتب بابا من غير ما حد يعرف وأجي أفهم منك في إيه بالظبط.
مرت دقائق وعاد إليها. فتح باب الغرفة ليجدها غارقة ببحر من أكياس الطعام تجلس بينهم ومن هذا لذاك لا ترحم شيء. فتح فمه بذهول قائلاً:
_ إيه اللي أنتِ عاملاه ده يا سارة.
نظرت إليه بعينيها البريئة بحزن قائلة:
_ أعمل إيه يا معتز، ما أنا بخاف من القعدة لوحدي وأبوك حابسني هنا ومحدش قادر يقف قصاده، قولت أسلي نفسي شوية على ما أشوف صرفة للمصيبة اللي أنا فيها دي.
رفع حاجبه بتعجب مردفًا:
_ وبابا عمل معاكي كده ليه؟
_ هااا.
قالتها وهي بالفعل لا تعلم ماذا تقول. حاولت قول أي شيء:
_ مهو أصل يعني عشان هو راجل مفتري وضميره ميت وملوش كبير عمل كده.
ضحك معتز وشعر أن هذه هي فرصته حتى يتحدث معها أكثر قبل عودة والده. اقترب منها ليجلس بجوارها على الأرض وأخذ قطعة من الشيبسي مردفًا:
_ عندك حق، هو بابا صعب شوية وبيحب كل حاجة بنظام بس والله بيعمل كده عشان خايف علينا.
أومأت إليه وكأنها وجدت شيئًا تتحدث معه عن غضبها من محمود بكل أريحية. أخذت قطعة من الشوكولاتة بين شفتيها وقالت بغيظ:
_ محدش بيغلط في البيت ده غيره أساسًا، دور أصل كل مصيبة في البيت كدة هيطلع في الآخر هو.
ضحك معتز من أعماق قلبه وقال:
_ حلوة ودمك خفيف ده، هيبقى يا بخته اللي هتبقى من بخته.
ظهرت الحسرة على معالم وجهها وقالت:
_ لأ مهو أنا تقريبًا بختي هيبقى شبه شعر أبوك.
حرك رأسه نافيًا وقال بنبرة أدخلت الشك بداخلها:
_ لأ، أنتِ هتأخدي واحد بيحبك جدًا وهيعيش العمر كله عشان يسعدك.
بلعت ريقها بتوتر مردفة:
_ يعني إيه الكلام ده؟
_ أنا بحبك يا سارة.
لحظة كانت جنونية، صدمة سارة، انتظار معتز للرد، ودخول الرد مع محمود الذي وصل الآن وسمع الجملة بكل وضوح.
رواية عطر سارة الفصل السادس عشر 16 - بقلم شيماء سعيد
حدقت به بضياع، جملة واحدة قالها جعلتها ضائعة.
ابتلعت ريقها الجاف بصعوبة وقالت بتقطع واضح:
_ أنت بتقول إيه يا معتز؟
بهيام شديد جذب كفها ليضمه بين يديه، يشعر معها بأشياء لذيذة تجعله يود الاقتراب منها أكثر.
عاد جملته بابتسامة:
_ بحبك يا سارة، يمكن يكون في فرق سن بينا لكن ده مش هيعمل أي مشكلة، أوعدك مش هتحسي بيه طول ما أنتِ معايا.
حركت رأسها برفض عدة مرات، الفكرة نفسها جنونية.
جذبت كفها منه وقالت:
_ لأ لأ يا معتز أنا وأنت مينفعش يكون في بنا كدة، حرام يا معتز حرام.
رفع حاجبه بتعجب من حالتها وسألها بلهفة:
_ حرام إيه هو من امتى كان فرق السن حرام؟
بنفس اللحظة فاق محمود من صدمته، ظل لأكثر من دقيقة يراقب ما يحدث بذهول.
لم يتوقع بأبشع كوابيسه أن يعيش بموقف مثل هذا.
دلف للغرفة بخطوات غاضبة وقال:
_ أطلع برة يا معتز.
انتفضت على أثر صوته، قامت من مكانها وهي تحاول إيجاد كلمة واحدة مناسبة لموقف مثل هذا، لم تجد فصمتت.
ابتلع معتز ريقه بتوتر وقام هو الآخر مردفاً بتبرير:
_ بابا أنا حاولت أعمل زي ما حضرتك قولت لي بس مقدرتش بابا أنا طلعت فعلاً بحب سارة مش مجرد مشاعر مراهقة.
إشارة واحدة من محمود علقت باقي الحديث بين شفتيه.
توتر من معالم وجه والده الغير مفهومة بالمرة.
نظر لسارة ليجد حالتها أسوأ من حالة والده.
صرخ محمود بغضب:
_ روح أوضتك وإياك تخرج منها غير لما أجي لك بنفسي.
مع تلك التعبيرات الكارثة بوجه محمود الأفضل لمعتز الآن هو الانسحاب، وهذا ما حدث بالفعل بخطوات سريعة خرج من الغرفة.
أغلق محمود الباب خلفه بالمفتاح وجلس على الفراش واضعاً رأسه بين يديه بتعب.
رغم اتساع العالم إلا إنه ضاق عليه، يختنق وهو على يقين من قرب خروج أنفاسه الأخيرة.
هي ألم دلف لقلبه بلحظة ضعف وصعب عليه نزعه أو حتى تحمله.
يخسر من أجلها الكثير وهنا آتى السؤال الأصعب، هل هو مستعد لخسارة معتز من أجلها؟
الإجابة مهما كانت ستكون بشعة مؤلمة.
وصل إليه همسها من بعيد وكأنها بدولة أخرى:
_ محمود.
رفع وجهه إليها، رأت بعينيه ضعفاً لأول مرة تراه.
أعتادت على قوته وما هو به الآن بالنسبة لها وهم.
جلست بجواره على الفراش مردفة بخوف:
_ أنا من ساعة ما دخلت البيت ده بعتبر معتز أخويا، وبعد ما اتجوزتك بقى فعلاً أخويا والله العظيم ما عملت حاجة توصله للكلام اللي هو قاله ده.
حرك رأسه بتعب وجذبها إليه.
توقعت صريخه، غضبه، حتى اتهامه مثلما فعل بمشكلة عايدة من قبل.
إلا إنه وضع رأسه على صدرها مخرجاً من صدره تنهيدة طويلة ثم قال:
_ تعبت يا سارة تعبت، تفتكري حبي ليكي غلطة كبيرة أوي كدة عشان الكل يبقى بيحاسبني بالشكل ده، حتى أنتِ يا سارة بتحاسبيني على حبي ليكي، أنتِ عايزة إيه بالظبط يا سارة عايزاني والا عايزة الفلوس وبس؟
ما هذا بالفعل ما هذا؟
كيف له أن يتحدث بتلك الهزيمة، تألمت ولا تعلم ما هو السبب الرئيسي لهذا الألم.
سألته بنبرة مرتجفة:
_ لو قولتلك عايزة الفلوس هتعمل إيه؟
إجابة خطأ بأكثر الأوقات خطأ، ما كان يتمنى أن يسمع منها هذا السؤال بل كان يريد إجابة تريح قلبه.
ابتعد عنها وقال وهو ينظر بعيداً عنها:
_ هديكي الفلوس وتبعدي من هنا، لكن طلاق في الوقت ده مش هقدر، مش هقدر أنطق الكلمة دي دلوقتي ابعدي شوية ولما أقدر هبعت لك ورقة طلاقك.
بللت شفتيها بطرف لسانها وسألته بترقب:
_ ولو عايزة أنا حياتنا هيبقى شكلها عامل إزاي؟
ضياع كل ما يحدث الآن ضياع.
قام من مكانه وأخذ يدور حول نفسه مغلقاً عينيه.
ماذا يقول أو حتى كيف لا تعلم.
بعد اعتراف معتز أصبحت الحياة بينهما غريبة عجيبة.
الأمر الأسوأ إن علاقته بها حكم عليها بأن تظل بالظلام.
إذا ظهر لها بصيص من النور سيخسر الكثير وأولهم معتز.
مسح على وجهه بتعب شديد وقال:
_ لعبة المتعة كبرت أوي يا سارة كبرت لدرجة إني مش عايز أخرج منها ولا ينفع أكمل فيها.
_ يعني إيه؟
_ يعني وجودك هنا خطر كبير، لازم تمشي من هنا ولو فعلاً عايزة تكملي معايا زي ما بتقولي يبقى لازم تختفي من البيت ده.
حركت رأسها مردفة:
_ عايز تقول إيه من غير ما تلف بالكلام كتير.
_ يعني جوازنا هيفضل في السر يا سارة على الأقل لحد ما معتز يعرف إن حبه ليكي وهم، مش هقدر أقف قدام ابني أقوله سارة مراتي مش هقدر.
ضحكت بوجع ثم أومات إليه بسخرية مردفة:
_ مش هتقدر تقف قدامه تقوله سارة مراتي لكن هتقدر تسمعه وهو بيقولك بحب سارة ونفسي فيها يا بابا، أنت متخيل أنا مرسومة إزاي في دماغ ابنك والا مش متخيل؟
_ بس بقى بس بس بس.
قالها بغضب يحرقه بألم كاد أن يأخذ روحه.
ضرب المقعد المقابل لرأس الفراش ليقع ألف قطعة مع كل قطعة سقط جزء من روحه.
وجذبها لتبقى بين يديه وقال:
_ عايزة توصلي معايا لايه عايزاني أحرق القصر باللي فيه عشان ترتاحي، الله يلعنك أنتِ نار من أول ما حطيت رجلي فيها وأنا بتحرق الله يلعنك.
هي بالفعل أصبحت مثل النيران، بالبداية كانت تحرق نفسها ومنذ رؤيته أحرقته معها.
لأول مرة ترى نفسها بعينيه هو، بالفعل هي أنانية لعبت به وعندما شعرت بحبه أرادت المزيد.
ما يحدث الآن خطأ كبير.
رفعت عينيها إليه كانت تتمنى أن تطلب الطلاق ولكن لسانها رفض.
ألقت بنفسها بداخل أحضانه مردفة بنبرة بها إحساس غريب:
_ عايزة تقرب.
رفع عينيه إليها بتعجب، نظراتها كانت واضحة مثل الشمس.
من البداية هو الراغب والآن رأى بعينيها الرغبة الذي كان يحلم أن يراها.
نسي ما قاله وما يشعر به وما هو قادم وتذكر فقط إنها الآن معه تطلبه وبين أحضانه.
بقلب مغرم حملها، وبصدر رحب نفذ طلبها.
ضم شفتيها ليجدها تبادله الشغف بشغف أكبر تعطي له كل ما كان يرغب أن يعيشه معها دون أن يحثها عليه.
زاد الأمر بينهما جنوناً حتى سقط بهما الفراش ومع ذلك لم يشعروا به، ما يعيشونه الآن جنة ربما تكون اللحظة الأخيرة لهما بها.
***
بغرفة عايدة دلف إليها معتز وعلامات الحزن ظاهرة على وجهه.
ابتسمت وأشارت إليه حتى يقترب منها مردفة:
_ تعالي يا حبيبي قولي حصل إيه.
جلس بجوارها وهو يكتم بكائه بصعوبة.
إذا رفضته ستكون على حق فأبيه يسيطر عليه وهو ليس له أي قيمة.
ترقرقت الدموع بعينيه مردفاً:
_ حصل زي ما حضرتك قولتي يا ماما بابا رافض حتى يسمع مشاعري، قولتها كل اللي في قلبي لكن بابا دخل قل مني.
جذبته عايدة لينام على صدرها وقالت:
_ قولتك يا معتز محمود لسة شايفك العيل الصغير اللي لازم تفضل باقي عمرك تحت كلمته ومش هيقبل يشوفك غير كدة، بس مش مهم يا حبيبي المهم إنها تحبك ووقتها أنا هكون في ضهرك حتى لو وقفت قدام محمود.
ابتسم معتز بحب وابتعد عنها قليلاً مردفاً:
_ حضرتك بتحبي بابا جداً وعمرك ما وقفتي قدامه لأي سبب.
مسحت على ظهره وقالت:
_ بس أنت مش أي سبب أنت ابني يا معتز أغلى من روحي وأي حاجة هتخليك مبسوط أنا هعملها لازم تبقى فاهم ده كويس يا حبيبي.
قبل أعلى رأسها وقال بحزن:
_ كنت زعلان من حضرتك لأنك دايماً بعيد عني ورافضة أي حد يشوفك أو يتكلم معاكي غير بابا، عشت حياتي كلها زي يتيم الأم وحضرتك عايشة، لما قربتي مني الفترة دي أنا ردت فيا الروح، ربنا يخليكي ليا يا ماما.
شعرت بالقليل من تأنيب الضمير بعد حديث معتز.
ربما هي الآن تلعب بمشاعره ولكن هذه هي طريقتها الوحيدة بالحفاظ على بيتها وزوجها وأموال ابنها الوحيد.
أخذت نفس عميق ثم قالت:
_ بعدت عشان محبتش تشوفني وأنا مريضة وضعيفة، بس دلوقتي خلاص مش عايزة أبعد عنك حتى لو ده آخر يوم في عمري.
ضمه سريعاً وقطع حديثها بلهفة:
_ لأ يا ماما لأ أرجوكي بلاش السيرة دي.
أومات إليه بحب قائلة:
_ عايزك تعرف حاجة واحدة بس أنا بعمل كل ده عشانك عشان تبقى مبسوط في حياتك يا حبيبي.
لم يفهم ما تقصده إلا أنه بأشد الحاجة لهذا الشعور.
أغلق عينيه بتعب مردفاً:
_ ممكن أنام النهاردة في حضنك مكان بابا.
_ طبعاً يا حبيبي نام كدة كدة بابا مش بينام هنا من شعور.
_ ليه؟
تنهدت وقالت بنبرة ساخرة لم يفهمها:
_ مشغول كتر خيره الشغل فوق رأسه كبير وهو يا عيني بقى بيحب شغله أكتر من نفسه.
***
بعد منتصف الليل بفيلا علي.
استيقظ من نومه على دقات خفيفة على الباب.
زفر بضيق وهو يعلم إنها ضحى.
قام من محله بغضب وفتح الباب ليجدها أمامه وقبل أن تنطق صرخ بغضب:
_ يا بنتي عيب كدة قولتلك ألف مرة متجيش بالليل بلاش تنزلي من صورتك قدامي.
ابتلعت مرارة الكلمة بحلقها وقالت:
_ آسفة على الإزعاج يا علي بيه بس محمود بيه هنا وشكله مش طبيعي.
تعجب علي وقال:
_ محمود هنا ليه هي الساعة كام؟
_ 2.
زاد تعجبه وخرج من الغرفة بخطوات سريعة مردفاً:
_ ماشي يا ضحى ادخلي أنتِ نامي.
نزل ليجده يجلس بالحديقة، جلس بجواره وقال بقلق:
_ محمود مالك فيك إيه؟
ماذا به؟
ضحك بسخرية وسند برأسه على المقعد مردفاً:
_ فيا إيه؟ فيا كل حاجة ممكن تهد بني آدم وتجيب أجله، تعبت يا علي تعبت ومش عايز أكمل.
شعر علي بأن الأمر غير طبيعي فقال:
_ مش عايز تكمل في جوازك من سارة مش كدة؟ معقولة خلاص زهقت منها بالسرعة دي؟ مكنش ده كلامك من كام يوم.
ضحك محمود بسخرية من حاله ثم قال:
_ أزهق منها؟ طيب يا ريت دي أمنية مستحيلة بالنسبة ليا، سارة ريحتها بس قادرة تخليني مدمن عليها، ابتسامتها فيها فرحة أيامي كلها، تعرف رغم كل حاجة وحشة حصلت النهاردة بس أنا أول مرة أبقى مبسوط بالشكل ده.
_ وده ليه؟
_ شوفت في عينيها نظرتها بعمري كله، شوفت جواها رضا على وجودها في حياتي، إني أحس بيها عايزاني ده كان حلم بعيد أوي عني النهاردة حسيته.
_ طيب ما كل ده كويس مالك بقى.
ثقلت أنفاسه وهو يقول:
_ معتز قالها إن هو بيحبها يا علي، وجود سارة معايا بقى نار هتحرق الكل وأولهم أنا، مش قادر أتخيل شكل ابني لما يعرف إنها مراتي، مش قادر أرفع عيني في عين معتز أخاف أشوفها جوا عينه، خايف أسرح شوية أفكر هو بيشوفها إزاي وبيفكر فيها إزاي وهي مراتي، أنا في مصيبة يا علي مصيبة.
بالفعل مصيبة.
والمصيبة الأكبر علاقته بأروي، توتر كثيراً مع تذكر تلك العلاقة ولكنه قال:
_ محمود في مصيبة تانية أنا عملتها وهي تخصك مش عارف أقولك عليها إزاي بس أنت لازم تعرفها أنا مش هقدر أفضل ساكت ومخبي عليك.
حرك محمود رأسه برفض مردفاً:
_ لأ خبي عليا لأن معنديش مكان لمصيبة تانية إياك تقولي ويا سيدي أنا راضي ومسامح بس كفاية دماغي هتنفجر.
***
بصباح اليوم التالي.
دلفت أروى لشركة علي ومنها لغرفة مكتبه.
أقتربت بهدوء من السكرتيرة وقالت:
_ لمي حاجتك أنتِ حالياً في قسم الحسابات.
نظرت إليها السكرتيرة بدهشة قبل أن تضحك بسخرية مردفة:
_ ومين بقى اللي نزل القرار ده؟ اللي أعرفه إن علي بيه مستحيل يستغنى عني.
ردت عليها أروى بكبرياء:
_ قدر يستغنى خلاص واللي نزل القرار ده أنا يا حلوة.
_ أنتِ مين حتة موظفة متعينة من يومين، شكلك مجنونة وهطلب لك الأمن يرميكي على باب الشركة.
بتلك اللحظة حضور علي أنقذ الموقف.
حدق بينهما بخوف من نظرات أروى وقال:
_ أنتوا واقفين كدة ليه؟
أقتربت منه السكرتيرة وقالت بدلال:
_ تعالي شوف الجنان بنفسك يا علي بيه، الموظفة الجديدة جاية لحد عندي تطلب مني أنزل قسم الحسابات، كنت هطلب لها الأمن بس حضرتك جيت تقدر تطردها بنفسك.
والأخرى فقط تشاهد ما يحدث أمامها بصمت شديد.
نظر إليها وجدها تنتظر رد فعله وهو لم يخذلها فقال:
_ ده قرار مني خدي حاجتك ورحي على الحسابات من هنا ورايح أروى هتبقى مديرة مكتبي.
وفقط لم ينتظر رد الأخرى بل جذب أروى ودلف بها لغرفة المكتب مغلقاً الباب خلفه.
ثبت ظهرها على الباب وقال بهمس:
_ اممم وبعدين؟
حركت كتفها بهدوء قائلة:
_ وبعدين إيه؟
رفع حاجبه بسخرية قائلاً:
_ يا عيني على البراءة يعني مش عارفة.
_ لأ قولي أنت لو تعرف.
_ ماشي أقولك أنا، فجأة بقيتي عايزة تتجوزيني حتى لو غصب عني وبعدين مشيتي السكرتيرة ها ناوية على إيه تاني؟
وضعت كفها على صدره ودفعته بعيداً عنها بعدة خطوات قبل أن تقول ببساطة:
_ ولا حاجة قعدت أفكر مع نفسي شوية لقيت إنك صاحب أخويا واللي أعرفه أحسن من اللي معرفوش، ده غير إني فضلت أدور ورا الرجالة شوية لقيتكم ما شاء الله مفيش واحد فيكم عدل يبقى أفرغ نفسي ليه مادام في واحد أقدر أربيه على إيدي ويبقى زي الفل.
نظراته كانت تعبر عن صدمته من حديثها وجرأتها.
ما هذا يا فتاة؟
تود أن اللعب معها سيكون ممتعاً لأقصى درجة.
رفع حاجبه وقال:
_ يا سلام أفرضي بقى معرفتيش تربيني ولعبت بديلي.
بكل ثقة قالت:
_ هقطعه.
_ هو إيه؟
_ ديلك يا غالي.
ابتسم وقال:
_ طيب أنا عندي شغل في شرم تيجي معايا والا برضو بعد العدة؟
أقتربت منه خطوة ثم نظرت حولها لعدة ثواني قبل أن تقول:
_ بصراحة قبل العدة أو بعد العدة أنت مش أهل للثقة بس أنا بمية راجل أروح معاك الهند وأرجع سليمة المهم أنت تعرف ترجع أساساً.
تاه بحلاوة حديثها، هو الذي الآن متحمس لكل لحظة سيعيشها معها.
أومأ إليها ببراءة طفل صغير وقال:
_ هرجع ما أنا هبقى تحت حمايتك.
_ إذا كان كدة يبقى نبدأ شغل وخد بالك أنا هشتغل مهندسة أما موضوع السكرتيرة ده هيبقى فترة لحد ما أشوف لك سكرتير يعرف يتعامل معاك.
_ يتعامل معايا ليه ناوية تخلي السكرتير يعمل فيا إيه؟
قالها بنبرة مضحكة لتقول هي:
_ متخافش أنا لو شوفتك ماشي غلط هعمل بنفسي مش هجيب حد أتفضل على شغلك بقي.
_ حاضر.
***
بقصر علام.
انتهت سارة من ترتيب حقيبتها أغلقتها بتعب.
بداخلها مشاعر غريبة تجبرها على البكاء.
لم تتوقع أن تشعر بكل هذا الألم وهي تبتعد عنه.
أخذت نفس عميق تكتم به وجعها ثم حملت حقيبتها وخرجت من غرفتها وجدت ألفت تنتظرها بالخارج فقالت:
_ خلصت يا تيتا يلا نمشي من هنا أنا مش حابة أفضل في المكان ده أكتر من كدة.
نظرت إليها ألفت بشفقة مردفة:
_ مرتاحة وأنتِ ماشية يا سارة؟
خفق قلبها تشعر به يود الخروج من بين ضلوعها.
مررت لسانها على شفتيها وقالت:
_ مش فارقة يا تيتا أنا كدة كدة عمري ما كنت مرتاحة، هو ده الصح لازم أمشي من هنا وجودي هيوجعني وهيوجع محمود ومعتز.
هي محقة والأفضل الآن وهو الرحيل.
خرجت هي وجدتها من باب القصر لتجد الحارس يقول باحترام:
_ مينفعش يا هانم.
سألته ألفت بغضب:
_ هو إيه اللي مينفعش يا خيري؟
_ حضرتك تقدري تخرجي لكن سارة هانم ممنوعة من الخروج.
_ وده من إيه إن شاء الله؟
قطع حديث سارة سيارة محمود الداخلة من البوابة.
نظرت لجدتها بخوف لتقول الأخرى بقوة:
_ متخافيش أنا معاكي.
لا والله يا ألفت لو لديها القليل من الذكاء يجب عليها الخوف وخصوصاً الآن.
فتح له السائق باب السيارة ليهبط منها بخطوات غاضبة وملامح وجه لا تبشر إلا بكل شر.
عادت خطوة للخلف وهمست:
_ تيتا يلا نجري على فوق.
_ بطلي جبن بقي هيعمل إيه يعني قولتك أنا معاكي.
جأتها الإجابة منه وهو يجذب سارة من خلف ظهرها ويقول بقوة:
_ اللي أنتِ خارجة بيها دي ليها راجل لما أبقى أركبهم أبقى أخرجي بيها وأنا واقف.
صرخت ألفت بغضب:
_ هو إيه عافية البنت مش عايزاك وقالت لك كدة في وشك بدل المرة ألف.
نظر لتلك التي كانت تتابع ما يحدث بصمت وقال بقوة:
_ أعمل فيكي إيه عشان أرتاح أطلع بروحك في إيدي؟ اللي حصل امبارح كان برضو غصب عنك فقولتي تهربي الصبح.
نظرت بطرف عينيها للحارس ليذهب هو وباقي رجاله بإشارة من كف محمود.
حرك حاجبه إليها بمعنى تحدثي فقالت بتعب:
_ مكنش غصب عني، بس الصح أننا نبعد اللي بينا كل يوم بيبقى أسوأ من الأول وبعد كلام معتز لو كانت نسبة وجودنا مع بعض 70٪ فهي دلوقتي صفر.
لعب بآخر كرت لديه آخر طوق للنجاة في تلك العلاقة.
مرر يده على وجهها بحنان وهمس:
_ سارة أنا قررت أعمل حفلة في القصر وأعرفك على الناس على إنك مراتي وووو.
حركت رأسها برفض عدة مرات وقالت:
_ لأ لأ أنا مش عايزة كدة أنا.
قطعها بصوت هز أركان البيت وهو يشعر بروحه تنسحب منه بشكل يؤلمه:
_ أنتِ عايزة أي حاجة فيها وجع ليا أنتِ بتلعبي يا سارة لعب وبس كل ما أعملك حاجة تقولي لا عايزة كذا ولما أعمل كذا يبقى لا تعرفي أنا عمري ما ندمت على حاجة قد ما ندمت إني اتجوزت واحدة زيك.
بلحظة انفعال سقط كل شيء فوق رأسه ظهر معتز من عدم وهو ينظر لوالده بعدم تصديق مردفاً:
_ اتجوزتها يعني إيه اتجوزتها.
رواية عطر سارة الفصل السابع عشر 17 - بقلم شيماء سعيد
أغلقت عينيها بصدمة حقيقية. يبدو أنها قلبت حياته فوق رأسه، هو محق بكل كلمة قالها لها، هي لعنة سقطت على حياته. فتحت عينيها بصدمة أكبر من حديث محمود.
"أيوة يا معتز، سارة مراتي من أول أسبوع ليها هنا."
قال الحقيقة، يكفي لهنا. الصمت لا يزيد الأمر إلا سوء. نظرة معتز كانت كفيلة تجعله يقتل حاله قبل أن يراها بعين ولده. نظرة ألم تفوح منها رائحة الحسرة مع الكثير من العتاب. والده كان دائماً وأبداً خير قدوة.
حرك رأسه بنفي مردفاً: "مستحيل يا بابا، حضرتك مستحيل تعمل كدة. أنا اتعلمت العشق والوفاء منك. كنت بسأل نفسي هو في حب يخلي راجل يعيش مع ست مريضة سنين من غير ما يبص لغيرها، كل يوم كنت بشوفك حاجة كبيرة. قلبك اللي بيحرك مش شهوتك. اللي بيحصل دلوقتي ده كذب مش أكتر من كذب."
بكى وارتفعت شهقاته. جذبه محمود بقوة وضمه إليه. هو الآخر يود البكاء، ولكنه وبكل أسف اعتاد على مساندة الكل دون أن يظهر ضعفه للحظة واحدة. أغلق ذراعيه حول معتز الذي ظل يبكي وهو يتمنى إن يكون ما يحدث كابوس بشع. فتح عينيه ليرى سارة تقف بجوار جدتها بأعين باكية. سألها بعينه، لتهرب من الإجابة وتحدق بالأرض.
ابتعد قليلاً عن محمود مردفاً: "حضرتك معملتش كدة صح؟!"
حرك محمود رأسه بنفي ثم قال بتعب: "إيه الغلط في إني اتجوز يا معتز؟ أنت دلوقتي راجل وفاهم يعني إيه راجل من غير ست، أنا عفيت نفسي وده مش غلط."
صرخ معتز بقوة: "لأ غلط، لما تبقى دي العروسة يبقى غلط. لما قلبي يدق لواحدة تطلع مرات أبويا تبقى جريمة مش بس غلط. لما تنزل من نفسك وتتجوز واحدة من دور عيالك يبقى غلط. مشاعري ليها كانت بتزيد كل يوم وأنت كنت عارف كدة وبضحك عليا وفي آخر الليل تروح تنام في حضنها. كنت بتحس بإيه يا باشا في حضن واحدة عارف إن عين ابنك منها."
صرخت ألفت وحنان. أما هي، اتسعت عينيها بذهول وألقت بجسدها على الأرض. لم يتحمل محمود ما سمعه وسقط كفه بكل قوته على وجه معتز الذي عاد على أثر الصفعة عدة خطوات. الأمر زاد سوء، أصبحت الحديقة عبارة عن كارثة. وضع يده محل الصفعة ونظر بسخرية لمحمود الذي أغلق يده بصدمة. هل وصل الأمر لهنا؟ منذ متى وهو يرفع يده على معتز؟
قال معتز: "الكلام وجعك؟ أمال النار اللي جوايا وجوا أمي إيه؟ أمي اللي حياتها كلها متعلقة بيك رفضت تخلي أي حد يشوفها ضعيفة غيرك لأنها شايفاك سترها. لما تعرف إنك اتجوزت هيحصل فيها إيه. أمي اللي لما عرفت إني بحب سارة وقفت جانبي و..."
كانت تعلم بحبه لسارة ووقفت بجواره؟ وضع محمود يده على رأسه بذهول وهو يقول: "هي مين دي اللي وقفت جنبك عشان تتجوز سارة عايدة؟"
"إيه مستكتر عليا حد يكون بيحبني بجد ويقف جانبي. لما هي مراتك مقولتش ليه وقت ما جيت وطلبتها للجواز منك، على الأقل كنت هزعل يومين وبعدين أقول دي مرات أبويا. لأول مرة في حياتي أبقى شايفك مش أبويا اللي فضلت عمري كله فخور بيه ومسند عليه."
أنهى حديثه وفر خارج القصر. ترك محمود في عالم آخر يشعر بخروج أنفاسه الأخيرة. اقتربت منه حنان مردفة بخوف: "محمود أنت كويس؟"
دلف للداخل وهو يغلي من الغضب. أول شيء فعله دخوله لغرفة المكتب يراجع كاميرات غرفة عايدة. أما بالخارج، نزلت ألفت لمستوى سارة مردفة: "قومي يا سارة قومي يا حبيبتي."
حركت رأسها بضياع قائلة: "أنا خربت حياته. كل حاجة وحشة حصلت كانت بسببي. أنا اللي كنت طماعة وغبية. كان بيحاول يهرب مني وأنا فضلت أضغط عليه من نقطة ضعفه كراجل. كل حاجة وحشة حصلت له بسببي يا تيتا. حتى لما رجعت في كلامي وقولت مش هكمل كان هو وقع وخلاص مش قادر يبعد. أنا وحشة أوي وحشة أوي يا تيتا."
جذبتها ألفت لتقوم معها وقالت: "لازم تبقي قوية عشانه."
حركت رأسها بنفي وقالت: "مش هينفع. وجودي في حياته بقى جريمة عار. مش هقدر أبص في وشه تاني."
أخذتها جدتها للداخل بخطوات ثقيلة. يبدو أن عقلها ذهب لعالم آخر، فهي بعيدة كل البعد عن ما يحدث أمامها. تردد جمل غير مفهومة. دلفت ألفت لغرفة نومها ووضعتها على الفراش قائلة: "طيب نامي وبعدين نتكلم."
كأنها كانت تنتظر تلك الجملة. أغلقت عينيها ونامت. فرت من وجع أصاب قلبها وخذلان يكاد يأخذ روحها.
بغرفة المكتب كان يشاهد كل ما حدث من زوجته وهو صامت. عايدة واه من عايدة، كيف لها أن تكون هكذا؟ أين صورتها المثالية الموضوعة لها برأسه؟ كان يراها ملاك وهي نيران مشتعلة تأكله. صرخ بقوة: "عايدة تعمل كل ده طب إزاي؟ كانت بتقولي اتجوز وعيش، أنت من حقك تعيش. طلع كل ده إيه؟ كذب وهم. هي بقت شريرة كده إزاي؟ والا أنا اللي كنت غبي؟"
كم الضغوطات الآن جعلته يشعر بانهيار كل شيء من حوله. أخذ يحطم كل ما يراه أمامه لعله يرتاح، ليزيد وجعه أضعاف. ذهب لغرفة عايدة بخطوات ثقيلة. آخر ما كان يتمناه إن يقف أمامها بلحظة مثل تلك.
فتح باب الغرفة ليجدها تتحدث مع الخادمة الخاصة بها. نظر إليها بسخرية وقال: "لسه في خطة جديدة مع الجارية الوافية بتاعتك؟"
نظرت إليه بخوف، فأقترب من الخادمة وقذفها للخارج بقوة، ثم أغلق الباب عليهما بإحكام قبل أن يجلس على المقعد المقابل لفراشها مردفاً بهدوء مريب: "إزاي؟"
ابتلعت ريقها بتوتر ثم نظرت إليه بشك مردفة: "هو إيه اللي إزاي؟ مالك يا حبيبي فيك إيه؟"
رفع حاجبه بتعجب من تمثيلها وعاد سؤاله بذهول: "إزاي طلعت مغفل بالشكل ده؟ تفتكري أنا اللي حمار والا أنتِ اللي ممثلة شاطرة؟"
زاد شكها وقالت بتردد: "محمود مالك كلامك كله ألغاز ومش مفهوم؟"
قام من مكانه وهو بحالة من الجنون قبل أن يقرب وجهها منه مردفاً: "كفاية كذب. مش قادر أتخيلك كذابة وأنانية بالشكل ده. خدامتك قالتلك إن معتز عرف بجوازي من سارة وإن خطتك نجحت والا لسه؟"
حاولت تمثيل الذهول، حاولت رفض المواجهة. إلا إنه أكمل بقسوة: "إياكي تقولي كلمة فيها كذب تاني. الورق بقى كله على المكشوف يا عايدة. عشان أريحك أكتر، شايفة النقطة اللي في الحيطة دي كاميرا صوت وصورة كنت حاططها عشان أطمن عليكي أكتر، بس من يوم ما اتجوزت وشوفتك وأنتِ بتلعبي على سارة عشان أطلقها، بطلت أفتح التسجيل بتاعها. عارفة ليه؟"
ظلت صامتة خائفة لا تجد ما يمكن قوله. فقال بسخرية رغم وجع قلبه: "مكنتش عايز أشوف حاجة تقللك من نظري. كنت عايز تفضلي في عيني حبيبتي اللي المرض ضحك عليا وأخدها مني من قبل ما أفرح بيها. النهاردة كل ده وقع قصاد عيني على الأرض. ابني بقى شايف أبوه شيطان وأمه ملاك متعرفش أي حاجة وبتحاول تقربه من حبيبته. وقتها قررت أفتح تسجيل الكاميرا وأشوف اللي فضلت أهرب منه. ليه وإزاي يطلع منك كل ده إزاي."
هنا تأكدت من انهيار عالمها. علمت إن هذه هي لحظة المواجهة وعليها الاعتراف وبعدها قبول سارة. يا ليتها كانت تعلم إنها لحظة النهاية. سقطت دموعها بقهر مردفة: "عشان بحبك. زي ما المرض خطفني منك فهو كمان خطفك مني. حرمني أكون في حضنك وأعيش معاك. فضلنا سنين بنحلم بيها. فضلت 15 سنة مرعوبة من اللحظة اللي هتزهق فيها وتقرر تشوف حياتك. كنت بقولك كل يوم اتجوز عشان بس أسمع كلمة لأ، مستحيل أعمل كده. أنا بحبك. كانت بتريح قلبي. البنت دي أخدت مني كل حاجة كانت بتاعتي. حضنك ده حقي. اشمعنى أنا أفضل وحيدة بين الأدوية والمرض وأنت وهي تعيشوا في سعادة؟ ده مش عدل يا محمود سامع مش عدل."
كان يسمعها وقلبه مقسوم. مشفق عليها وعلى حاله. حرك رأسه برفض مردفاً: "مش عدل وهو لما شاب يتجوز سنتين وحياته بعدها تتحول لمستشفى لحد ما عمره قرب يخلص كان هو ده العدل. لما فضلتك على نفسي ورجولتي كنت بسمع من الناس إني ماليش في الليلة عشان كده رافض الجواز، أصله بيداري نفسه تحت كلمة بيحبها. ده لو راجل جامد مكنش قعد يومين. كان فين العدل اللي بتتكلمي عليه؟ خليت ابني وحيد في الدنيا من غير أخ يسنده والا أخت تطبطب عليه. وأنتِ بدل ما تكوني قريبة من ابنك حتى لو فاضل لك يوم واحد في الدنيا عملتي إيه؟ هربتي جوه أوضة حبستي نفسك فيها وحبستيني معاكي 15 سنة. أنتِ أنانية وعمرك ما حبيبتيني يا عايدة. اللي بيحب حد بيعوز يشوفه مبسوطة وأنتِ كان كل همك إزاي تكوني مبسوطة. النهاردة بس أنا عرفت إني ضيعت عمري على مفيش."
حاولت التحرك إلا إنها لم تقدر. حاولت الاقتراب منه قائلة برعب: "طلق البنت دي وخليها تغور في داهية. معتز هيرجع يحبك وأنا كمان هنسى كل اللي حصل. لو عايز تتجوز اعملها بعد ما أموت يا محمود. أنت كده كده مش بتحب الستات أوي."
تصلب جسده بذهول وكأنه للحظة أصبح إنسان آلي. حدقت بها وهو يرى بها أشياء لم يراها من قبل ولم يتخيل أن يراها. عاد جملتها ببطء: "مش بحب الستات أوي؟ أنتِ كنتي شايفة وفائي ليكي عجز مني يا عايدة؟ كنتي شايفة إن حناني عليكي في السنتين اللي قبل ما نقطع بعض خالص عجز؟ لأ يا عايدة ده كان حب وخوف. كنت بنفذ كلام الدكتور لأنك مريضة قلب ومش حمل حاجة خالص. بس تعرفي أنا كنت حمار وغبي وأستاهل كل اللي أنا فيه ده. أنتِ غلطة عمري يا عايدة الغلطة اللي دفعت تمنها حياتي. بس خلاص كفاية لحد كده. الست اللي تبقى عارفة إن جوزها متجوز واحدة وتخلي ابنه يحبها ومش بس كده لا، تروحي تتفقي مع جوز أختها يجيب حبيبها القديم عشان تخون جوزها معاه تبقى ست واطية. كنتي عايزة تلعبي بشرفي بس أحب أقولك إن سارة مش خاينة يا عايدة ولا ممكن تكون. من اللحظة دي أنتِ برة حياتي."
"لا لا هذا مستحيل. محمود يحبها. محمود لم يفهمها أو يفهم حبها إليه." جرت نفسها حتى وصلت أمامه مردفة: "لأ لأ يا حبيبي حقك عليا أنا آسفة. غيرت ومكنتش عارفة ولا حاسة بعمل إيه. أعمل أي حاجة نفسك فيها غير إنك تبعد عني. أنا من غيرك أموت يا محمود."
نفض يدها من عليه وأبتعد عنها مردفاً بنفور: "أنتِ طالق يا عايدة. طالق بالتلاتة. هتفضلي متحرم عليكي تشيلي اسمي ليوم الدين."
ألقى عليها نظرة أخيرة وخرج. سمع صريخها رجاءه إليه بالعودة. تردد ذكرها لاسمه برأسه ومع كل هذا لا يشعر بالوجع عليها مثل عادته، بل شعر بالوجع والاشفاق على حاله. ظلت تصرخ حتى دلفت عليها الخادمة وجدت جسدها على الأرض فقالت بلهفة: "إيه اللي عمل فيكي كده يا ست هانم."
حركت رأسها برفض لكل ما يحدث حولها مردفة: "محمود تعال هنا. أنا عايدة حبيبتك موجوعة وهموت يا محمود ارجع لي حرام عليك. هي السبب دخلت حياتنا وأخدت كل حاجة بتاعتي. محموووووود."
وفقط كانت صرخة أخيرة قبل أن تدلف إليها ممرضتها الخاصة وتعطي لها حقنة لتذهب لنوم عميق.
بعد منتصف الليل. أمام النيل. جلس محمود على الكورنيش وهو يحاول أخذ أنفاسه بشكل منتظم. كل ما ظل يبني به سنوات سقط اليوم فوق رأسه. كل ما عاش من أجله كان مجرد سراب ضاع به عمره. سقطت دمعة من عينيه رغماً عنه. هو الآن بمفرده ومن حقه الانهيار مثلما يريد. هنا فقط سمح لنفسه بالبكاء. بكى محمود علام للمرة الأولى بحياته. بنظرات مشوشة نظر للنيل وشريط حياته أمامه يسير.
عايدة وحبه لها، ليلة زفافهم وطلب الطبيبة الخاصة بها بأن يتعامل معها بأقل من العادي بكثير. يوم ولادة معتز، خوفه عليها وعلى جنينه. تذكر حديث الطبيب: "إزاي تكون حالتها كده وتتجوز وكمان تحمل وتوصل لمرحلة الولادة." مرت عليه ساعات مثل السنوات حتى سمع بكاء صغيره. حمله بكف مرتجف وقبل رأسه بأعين دامعة. سأل عليها بلهفة ليسمع إجابة أقلقت قلبه وضغطت على ضميره: "بين إيد ربنا. ادعوا لها."
زادت الذكريات حتى وصل لمرضها بالخبث الذي بدأ يسير بكل يوم يمر بجزء من جسدها. حديث طبيبتها الخاصة: "محمود بيه، مدام عايدة مش هينفع تعيش معاك أي علاقة زوجية. بين أي لحظة والتانية ممكن روحها تطلع. الأفضل ليها تتنقل المستشفى لحد ما نعرف نسيطر على الحالة." عام كامل بداخل المشفى ينام على الأريكة المقابلة للفراش. زاد الأمر سوء، فترجته بأنفاس ثقيلة: "أرجوك يا محمود، أنا عايزة أموت على سريري في حضنك. خدني من هنا."
صدرت منه شهقة عالية وملامح سارة الجميلة تأتي أمام عينيه على مياه النهر. كانت هي طوق نجاته، أنقذته من الغرق وعادت له روحه. عاش معها أيام قليلة كانت بما مضى من عمره كله. هل هذه نهايته؟ هل هو يستحق نهاية مثل تلك؟ خسر معتز ولابد أن يخسر سارة، واكتشف عايدة. لو كان جبل لكان سقط على الأرض.
شعر بيد توضع على ظهره. نظر بجواره ليجدها فقال بتوهان: "سارة؟"
نظرت لعلي الذي آت بها لهنا وابتسمت. فرد لها الابتسامة وصعد بسيارته وذهب. دارت بوجهها لمحمود وقالت: "اممم سارة."
أبعد وجهه للجهة الأخرى. أزال دموعه سريعاً قبل أن يقول بنبرة متحشرجة: "جيتي هنا ليه؟"
"مش عارفة. يمكن لأني خوفت عليك. ويمكن..."
صرخ بها بقوة مردفاً: "أنتِ لسه كل ما أسألك على حاجة تقولي مش عارفة؟"
لم تخف بل اقتربت منه أكثر ووضعت رأسها على كتفه مردفة بضياع: "خوفت عليك. وطنط حنان كلمت علي. كانت متأكدة إنه أكتر واحد عارف مكانك. جابني هنا عشان أكون جنبك. اللي حصل النهارده صعب."
"صعب؟ لأ يا سارة مش صعب. ده قلم أخدته عشان أفوق."
لفت يديها حول خصره ودفنت وجهها بعنقه. شعر بدموعها الساخنة على بشرته. وقبل أن يتحدث قالت بصوت طفلة ضائعة: "عشت سنين بنام خايفة أحسن علاء يدخل عليا الأوضة. كنت بخاف من كل حاجة حتى الحاجات التافهة. من يوم ما دخلت بيتك حسيت بالأمان. حتى لما كنت بتهددني كان في جوايا حاجة بتقول إنك مستحيل تعمل كده. شوفت فيك حنان الأب ودلع الأخ وحب الزوج. بس كنت بحس بالنقص. بحس إني عار عليك. خايف حد يعرف بيا. النهارده فهمتك وحسيت بيك. عرفت إن في حاجات لو طلعت للنور تموت. ومن الحاجات دي جوازنا."
دموعها زادت من وجعه. وجعها ضغطت على ما يؤلمه وجعله يشعر بالعجز. مال برأسه على رأسها وقال: "عارفة يا سارة المشكلة الحقيقية في كل اللي بيحصل ده إيه؟"
"إيه؟"
"إني حبيتك. يمكن لو كنتي فضلت بالنسبة ليا جواز متعة كنا ارتحنا إحنا الاتنين."
ابتعدت عنه وسألته بخوف لا تعلم له سبب: "يعني إيه؟"
نظر للماء أمامه وقال: "يعني أنا تعبان ومش مرتاح. كل القرارات اللي المفروض تحصل دلوقتي بشعة وكلها وجع. يا بختك يا سارة."
حدقت به بتعجب وقالت بتقطع: "يا بختي بإيه؟"
ابتسم بألم وقال بكبرياء رجل محطم: "مبتحبنيش. لما نسيب بعض هتقولي بركة يا جامع هم وراح. أقولك على سر، أنتِ كان عندك حق لما قولتي عليا وحش. طلع مفيش حد بيحبني. كل اللي حبيتهم واديت لهم من كل قلبي طلعت ولا حاجة بالنسبة لهم. يبقى أنا أكيد وحش مهو مش معقول يكون الكل غلط وأنا بس اللي صح."
"أنا كمان وحشة ووحشة أوي كمان. فكرت في نفسي ونسيت أفكر فيك وفي حياتك. محمود هو إحنا هنوصل لفين؟"
سؤال هي على يقين من إجابته وهو الآخر على نفس اليقين. قال بمشاعر كثيرة: "ما إحنا وصلنا خلاص. زي ما أنتِ شايفة إحنا الاتنين قصاد حيطة سد. لا هينفع نرجع بالزمن ولا قدامنا خطوة واحدة لقدام."
نعم هو محق، إنها النهاية. كانت تريدها وعندما وصلت إليها تود الفرار منها. بكت وارتفعت شهقاتها. نظر إليها بطرف عينه ليجدها تلقي بنفسها داخل أحضانه مردفة: "طالما ده الحضن الأخير خليني في حضنك شوية."
هذا العناق كان بأشد الحاجة إليه. أغلق ذراعيه حولها بقوة لو بيده لكان أدخلها بين ضلوعه حتى يضمن بقائها. عناق دام لساعة كاملة بلا كلمة واحدة. فقط صوت دقات قلبهما تصل لكل منهما تشعره بالراحة. لذة غريبة من عناق بريء خالي من أي رغبة. فقط حب واحتياج للشعور بالاهتمام. أغلق عينيه ليعيش بهذا النعيم. وجودها بين يديه لذة ما بعدها لذة رغم سحابة الألم المغلف بالفراق القادم.
همس بتمني: "يا ريتني قبلتك في أول عمري."
سمعته وقالت بثقل: "يا ريتنا بدأنا صح. مكنتش النهاية هتبقى كده. لو كنت عشت في بيتك من غير خطط كنا برضو هنبقى لبعض بس مش بالشكل ده."
أبعدها عنه مرغماً ووضع قبلة طويلة على رأسها. نظر لعينيها بوجع يتمنى لو تخرج روحه قبل أن ينطقها. خرج صوته بثقل كأنه لسانه يرفض ما يحثه عقله على قوله: "سارة أنتِ..."
لم تستطع أن تسمعه. جذبت شفتيه بين أسنانها بقبلة تقول بها كل ما لم تقدر على قوله. حاول الثبات لعدة ثواني وهزمه قلبه ليضع كفه على خصلاتها من الخلف وبدأ يمسك زمام الأمر. مرت دقائق وربما ساعات ولكن النهاية واحدة. ابتعد عنها ووضع رأسه على رأسها. سقطت دمعة من عينه ودمعة من عينها تلقت دموعهما على أرض الكورنيش مع جملته الحاسمة: "أنتِ طالق يا سارة."
رواية عطر سارة الفصل الثامن عشر 18 - بقلم شيماء سعيد
وقفت سيارته على باب القصر.
طوال الطريق ينظر إليها، يراها تحدق بشارع بشرود.
أبتلع الغصة المؤلمة بحلقه وصمت.
كان يتمنى أن يرى بعينيها نظرة واحدة تعبر عن حزنها ببعده، تمنى لو شعر برغبتها بالبقاء معه.
تنهد بثقل وأنتظر نزولها من السيارة.
الا إنها ظلت بمحلها.
فقال بهدوء:
_ وصلنا أنزلي.
_ وصلنا؟!.. إلى أين؟!..
انتبهت للمكان حولها بنظرة ضائعة.
ثم قالت:
_ ده بيتك؟!.
أوما إليها بتعب.
وقال وهو يضغط على رأسه بقوة لعله يخفف من حدة ألمه:
_ وبيتك أنتِ كمان يا سارة.
نفت بحركة سريعة من رأسها.
وقالت بنبرة صوت أرهقت قلبه:
_ أنا معنديش بيت، طول عمري عايشة عند الناس ويوم ما بقى عندي بيت أنت حرقته.
ماذا يقول لها أو ماذا يفعل بنفسه؟!..
وضع يده على كفها ويا ليته لم يفعل.
شعر بارتجافها وهذا ما زاد من ضعفه.
سحب يده سريعا.
وقال بندم:
_ أنا أسف.
جملة بسيطة من كلمتين ولكن مقامها كبير.
لأول مرة تطلع من بين شفتيه والأسوء إنها لامرأة.
وهي غير أي امرأة.
حركت شفتيها بتقطع مردفة:
_ على إيه بالظبط؟!..
_ على كل حاجة عملتها من أول يوم جواز لينا.
بأستسلام غريب أومات إليه.
وقالت:
_ محصلش حاجة أنا كمان أسفة وو..
صمتت ولم تجد ما تكمل به.
ليقول هو بوجع:
_ أول مرة في حياتي أعمل حاجة وتبقى غصب عني بس راحتك عني أهم.
_ وهى إيه؟!..
_ طلاقي ليكي أول حاجة أعملها وانا عارف إن موتى فيها، بس مش هقدر أغصبك تكملي معايا وأنا شايف الكره في عينك، عايزك من هنا ورايح تعملي اللي أنتِ عايزاه وتكوني دايما مرتاحة.
لم تتحمل الحديث معه أكثر.
توقعت بالفعل شعورها بالراحة بعد الطلاق ولكن هذا لم يحدث بل زاد ألم قلبها وأصبحت قدرتها على التنفس ثقيلة.
خرجت من السيارة وبخطوات غير متزنة دلفت للقصر.
وجدت ألفت وحنان بانتظار قدومها ومعها محمود.
فأقتربت من جدتها والقت نفسها بين أحضانها وبكت.
تركتها ألفت تخرج كل ما يؤلمها حتى هدأت أنفاسها.
فقالت بحنان:
_ حاسة بأيه دلوقتي يا حبيبتي؟!..
_ بنار مش عارفة سببها.
سألتها حنان بلهفة:
_ محمود فين يا سارة مجاش معاكي ليه؟!..
نظرت إليها سارة بسخرية من حالها.
الأم ستظل أم أهم ما عندها أولادها وهي بكل أسف عاشت بلا حنان الأم حتى والدتها على قيد الحياة.
بطرف كمها مسحت أنفها.
وقالت بثقل:
_ محمود طلقني.
خرجت شهقة قوية من الأثنين.
وابتسامة خبيثة من خادمة عايدة الواقفة بأحد الأركان لتسمع ما يحدث.
ضربت حنان على صدرها مردفة:
_ طلقك إزاي ده روحه فيكي؟!..
روحه بمن؟!.. بها هي؟!..
تعبت من تلك المشاعر.
ونظرت لجدتها الصامتة.
وقالت:
_ كدة أحسن بكرا يرجع لحياته القديمة عايدة ومعتز أنا وجودي بينهم غلط ولو فضلت مراته هتبقى علاقته بمعتز إنتهت.
أومات إليها ألفت بحنان:
_ صح يا بنتي أنتِ لسة صغيرة والدنيا قدامك حلوة تستحقي جوازة أحسن.
قامت حنان من مكانها بحسرة.
وقالت:
_ جوازة أحسن ايه يا ماما؟!.. محمود بيحبها وخلاص الدنيا خربت والكل عرف إنها مراته الأحسن لها ترجع جوزها بدل ما تخرب بيتها وهي لما تتطلق هتأخد إيه يعني مهو يا أرمل يا مطلق ومعاه أولاد يا متجوز وعايز يعيش له يومين بعيد عن قرف البيت.
كلمات قاسية قالتها حنان وهو تفكيرها بوجع إبنها.
كلمات كانت مثل النيران سقطت على جسد سارة أحرقته.
أغلقت عينيها بتعب شديد ورفضت المواجهة يكفي ما خسرته الي الآن.
ماذا ستقول لامرأة أحبتها وتخيل انها ستعوض معها حنان الأم.
ما قالته حنان حقيقي هي بالفعل ضاع مستقبلها وضاعت أحلامها.
صرخت ألفت بغضب:
_ دي حفيدة ألفت علام يا حنان يوم ما تشاور وتختار صح هتتجوز باشا مش محتاجة ترمي نفسها لحد دي هانم بنت عيلة كلها بشوات وهوانم.
حركت حنان رأسها بقلة حيلة.
وتركت المكان وصعدت غرفتها.
أقتربت ألفت من سارة مردفة بقوة:
_ أفتحي عينك يا بنت وكفاية ضعف اللي جاي كله بتاعك أنتِ.
أومات إليها سارة عدة مرات.
وقالت:
_ عايزة انام يا تيتا خديني في حضنك لحد ما أنام.
_ تعالي يا حبيبتي اطلعي معايا أرتاحي.
مدت يدها لجدتها لتساعدها على القيام.
وتحركت معها للغرفة بخطوات ثقيلة.
وجدت الفراش مثل طوق النجاة لتلقي بجسدها عليه بأستسلام شديد لعلها تحصل على القليل من السلام.
بمنزل علي.
دلف للغرفة المخصصة بمحمود فهو جهزها من أجله كلما تضيق به الدنيا يأتي لهنا.
وجده يقف أمام الشرفة شارد.
أقترب منه بتردد قائل:
_ محمود أنت غلطت لما طلقتها تعمل كدة ليه وأنت بتحبها؟!..
_ عشان ده الصح.
نظر اليه علي بغضب:
_ هو ايه اللي صح يا بني آدم دي تاني طلقة أنت مستوعب بتعمل إيه؟!.. دي صغيرة لسة الدنيا قدمها بالكتير كام شهر وتحب وتتحب وقتها هتتحمل تشوفها في حضن غيرك؟!..
ضرب الزجاج بقوة ليسقط على الأرض.
لم يهتم بنزيف يده.
وجذب خصلاته بقوة وهو يدور حول نفسه.
لايفهمه أحد ولن يشعر بنيرانه أحد غيره.
حاول علي الاقتراب منه.
إلا أن صرخ بجنون:
_ إياك تقرب.
_ محمود أنت وشك لونه بدأ يروح وأيدك بتنزف أهدى وبعدين نتكلم.
حرك رأسه بنفي.
وهي تكاد تنفجر من شدة الوجع.
بركان بداخله يجعله غير قادر على السيطرة بأي شيء حوله.
تحدث بقهر:
_ اخليها على ذمتي إزاي وهي في أي فرصة كانت بتهرب مش بتقرب أكتر من مرة كان قدامها تختار تبقى في حضني وهي أختارت البعد، مش عايز أغصبها تاني مش هقدر أنام في حضنها وأنا متأكد إنها قرفانة ومغصوبة، مش قدر أقرب منها وابني بيفكر فيها كدة معتز بيتخيل في دماغه قربه من سارة هو قالي كدة بصراحة لو للحظة قربت منها أفتكرت كلامه ده هخلص عليها وعليه وعلى نفسي، أنت مش حاسس بيا مفيش حد فيكم قادر يحس بيا.
_ لأ يا محمود سارة بتحبك وأنت بنفسك متأكد من ده، مفيش ست بتسيب نفسها أكتر من مرة لراجل بتكرهه حتي لو على موتها هيبقى الموت أهون عندها، ومعتز ده مراهق مش فاهم مشاعره كام يوم وهيحب تاني وكأن مفيش حاجة حصلت، فوق ورجع مراتك يا صاحبي كفاية اللي ضاع منك.
بالفعل يكفي لهنا، إلى متى سيظل وتد لا يهتز.
شعر بثقل بأنفاسه وصعود الدماء برأسه.
لحظة والثانية.
وكان يسقط خيط رفيع من الدماء من أنفه مع زيادة خنقه.
حاول فتح زر قميصه ولم يلحق.
أختفت الأصوات من حوله الا جملتها الشهيرة فأغلق عينيها عليها ” أنا أيامك اللي جاية كلها يا محمود”.
صدم علي وهو يرى ما يحدث أمامه.
أقترب منه بهلع مردفا:
_ محمود في إيه؟!.. محمود رد عليا أنا مش بحب أشوفك كدة فتح عنيك، فتح عنيك بقولك.
لم يجد أي ردت فعل الا زيادة الحالة خطر.
صرخ بكل قوته:
_ ضحى اطلبي الإسعاف بسرعة، محمود قوم الله يبارك لك قولي حاسس بأيه.
بغرفة عايدة.
_ أنتِ متأكدة انه طلقها؟!..
أومات إليها الخادمة سريعاً.
وقالت:
_ أيوة والله يا ست هانم سمعتها وهي بتقول للست ألفت والست حنان انه طلقها.
عاد لقلبها الحياة من جديد.
شعور مبهر من السعادة جعل قلبها يرفرف.
رفعت يديها للسماء مردفة:
_ الحمد لله يا رب الحمد لله ردني أو لأ هبقي راضية المهم ان البنت دي بعيد.
قالت الخادمة:
_ لأ طبعاً يا ست هانم لأزم يردك محمود بيه صاحب العز ده كله هنجيب العلاج إزاي.
نظرت للخادمة بغضب.
وقالت:
_ أنتِ بتقولي إيه يا غبية أنتِ محمود مش كدة حتى لو فضل مطلقني مش هيمنع عني الفلوس بس أنتِ عندك حق أنا لازم ارجع له ومحدش كمان يعرف انه طلقني.
جذبت هاتفها من على الطاولة المجاورة للفراش.
وقالت:
_ هو معتز اللي هيظبط ليا الدنيا غوري أنتِ من وشي بقى.
خرجت الخادمة وتركتها تتصل على معتز.
كان الآخر بأحد الفنادق وعندما وجد رقم والدته شعر بالحياة.
فتح عليها الخط وحاول التحدث بهدوء حتى لا تعلم الحقيقة ويؤثر هذا على صحتها:
_ عاملة إيه يا حبيبتي؟!..
_ بتحاول تخبي عليا إيه يا معتز أنا عرفت كل حاجة الهانم اللي اتجوزها أبوك عليا جات وحكت ليا كل حاجة، حقك عليا يا إبني مكنتش أعرف انها شيطانة حاولت أقربك منها وأحببك فيها على أنها ملاك في الأخر ضحكت عليك وعلى أبوك.
اه والف اه هل هو كان أحمق لتلك الدرجة؟!.. كيف كان يرى بعينيها البراءة وهي بهذا الشكل؟!..
وصلت اليه شهقات والدته.
ليقول بغضب:
_ بس يا ماما بلاش عياط حضرتك تعبانة ومفيش حاجة تستاهل دموعك.
أرتفعت شهقات عايدة أكثر.
وقالت بحزن حقيقي:
_ محمود ضاع مني يا معتز جوزي البنت دي أخدته مني أنا حاسة بروحي هتطلع الحقني يا معتز عايزك تكون أخر حد أشوفه وأخر حد في حضني.
انتفض من محله برعب.
وقال:
_ دقيقة وهكون عندك يا ماما أرجوكي أهدى عشاني وانا اوعدك أن كل حاجة هتتصلح والبنت دي مش هيكون ليها وجود في حياتنا بعد كدة.
بالمشفى.
ظل علي يدور حول نفسه برعب.
لأول مرة يرى محمود بتلك الحالة هو دائماً سند الجميع، حائط لا يسقط يدعم كل من حوله.
سقط جسده على أقرب مقعد.
وهو يشعر بالوقت لا يمر.
دق هاتفه ويظهر على شاشته إسم أروى.
بكف مرتجف ضغط على خط القبول.
مردفا:
_ أروى أنا محتاجك جانبي.
أرتجف جسدها على أثر الكلمة.
أبتلعت ريقها مردفة بتردد:
_ أنت فين؟!..
_ في المستشفى محمود تعبان حابة تكوني جانبه وجانبي والا ناوية تهربي زي العادة؟!..
شقيقها مريض.
سقط قلبها أرضاً.
وأحتلت البرودة جسدها.
همست بخوف:
_ قولي العنوان هاجي بسرعة.
عشر دقائق.
وكانت تقف أمام الغرفة بجسد مرتجف وقلب خائف.
ترى بينها وبينه باب مغلق يفصل مشاعر مرت عليها سنوات.
أقترب منها علي.
وهمس:
_ أول مرة أحس إني لوحدي وهو في الحالة دي محمود كان كل عيلتي يا أروى.
ابتسمت برجع.
ثم مررت كفها على باب الغرفة بعجز مردفة:
_ إحساس العيلة أنا عمري ما حسيت بيه، تعرف اني كنت بنت غير معترف بيها لطاهر علام، بس محمود لما عرف كتبني باسمه طاهر وقعدني في بيت وكان بييجي ليا على طول، كملت تعليمي وقبلت سيد صدفة شوفت فيه العيلة اللي محرومة منها وقفت قصاد محمود وهربت من البيت واتجوزته تعرفي إيه اللي وجعني في كل ده؟!..
سألها بحزن:
_ إيه؟!..
_ اني ضيعت أخويا من أيدي، بس الأسوء ان محمود ما صدق خلص مني حتى مفكرش يعرف مكاني ولا يسأل عليا، أنا مش قادرة أقف قدامه وأقوله خدني في حضنك أنا خايفة.
كان يتمنى لو أخذها هو بداخل أحضانه ولكنه يعلم رفضها لذلك.
قبل أن يتحدث خرج الطبيب.
فأقترب منه الاثنين بلهفة.
وقال علي:
_ طمني يا دكتور هو عامل إيه؟!..
أبتسم إليه الطبيب قائلا:
_ أطمن يا علي بيه محمود باشا جبل، بس للأسف الضغط اترفع في الدم بشكل غير طبيعي كان ممكن يسبب جلطة لا قد الله لكن الحمد لله سيطرنا على الوضع هو حاليا نايم وهيفضل نايم للصبح كدة احسن له ومن هنا رايح يمشي على برشام الضغط.
نظر علي للغرفة بضياع.
ودلف بخطوات سريعة.
وجد عمود ظهره ينام على الفراش بأستسلام أوجع قلبه.
جلس على أرضية الغرفة مردفا:
_ بقى كدة يا محمود تخليني أعيش المشاعر دي، مش من أول ما عرفتك أتفقنا تفضل تسند فيا لحد ما نوصل للقبر سوا، ليه توجع قلبك وقلبي يا صاحبي عجزتني يا محمود وأنا شايفك على الأرض ومش قادر أعملك حاجة، علمتني أمشي في ضلك عشان الشمس تبقى بعيدة عني ونسيت تعلمني ابعدها عنك يا صاحبي، لأ أنت مش صاحبي يا محمود أنت أبويا والله العظيم ما هقدر أشوفك كدة أفهم انا قوي بيك بطمن وبدخل في الدنيا بصدري عشان أنت جانبي، قوم وبطل شغل العيال ده وانا اوعدك هخليها جوا حضنك طول ما فيا نفس.
سقطت دموعه بحرارة.
وهو يرى الأخر مصمم على الاستسلام.
رفع عينيه ليراها تقف على باب الغرفة تبكي.
أشار إليها مردفا:
_ تعالي قربي منه وقولي كل اللي في قلبك، متخافيش من اللي جاي هبقي فيه الراجل اللي نفسك فيه.
أهتز جسدها على أثر حديثه.
وأقتربت من فراش شقيقها.
لم تتحدث فقط ألقت بنفسها على صدره.
يا الله ما هذا الشعور المميز بالأمان.
كيف لها أن تترك عناق مثل هذا وتضيع عمرها بسراب؟!..
بكت وقالت:
_ وحشتني يا ريتك كنت عملت أي حاجة غير إنك سبتني أعمل اللي أنا عايزاه، محمود أنا خايفة أوي من غيرك.
أين محمود؟!..
كان بمكان أخر بعيدا عنهما.
بمنزل جميل أمام شاطي البحر خرج بملابس راضية.
وهو يبحث عنها ليجدها تجلس أمام البحر وتمرر يدها على بطنها المنتفخة.
وتتحدث:
_ بابي وحش يا طمطم ساب مامي لوحدها وهو عارف انها متقدرش تعيش من غيره.
شهقت برعب عندما جلس بجوارها.
مردفا بغضب مصطنع:
_ بتشتكي للبنت إيه وهي في بطنك كدة هتطلع معقدة.
نظرت إليه بغضب.
وقالت:
_ يا سلام يا خويا خايف على بنتك ما أنت عقدتني في عيشتي، بقولك إيه شوف حتة اقعد فيها بعيد عني.
رفع حاجبه بخبث.
ثم جذبها لتجلس على ساقه.
مردفا:
_ يا بت بقى بذمتك أنتِ تقدري تعيشي من غيري يوم واحد.
حركت رأسها بدلال رافضة.
وقالت وهي تلعب بأصابعها على ذقنه:
_ تؤ مقدرش أعيش ثانية من غيرك، بس أنت تقدر كل شوية تبعد يا محمود لو مش عايز تفضل جانبي عشاني أرجع عشان فاطمة.
_ ومين فاطمة دي بقي يا بسبوسة؟!..
أخذت كفه ووضعت على بطنها.
ثم قالت:
_ في غيابك يا بيه كشفت وعرفت إنها بنت وقررت اسميها فاطمة.
_ اممم أوعدك هفضل جانبك عشانك أنتِ بس يا أم فاطمة.
أصوات مشوشة من حوله.
مع أختفاء صورتها جعله ينطق إسمها بنومه:
_ سارة.
نظرت أروي لعلي.
مردفة بتعجب:
_ مين دي؟!..
_ طليقته يا أروي يلا أروح عشان ترتاحي.
مسكت يد محمود بقوة قائلة:
_ لأ يا علي أنا عايزة أفضل جانبه وأول ما يبدأ يفوق همشي.
_ ماشي.
بصباح اليوم التالي.
فتح محمود عينيه بثقل شديد.
أقترب منه علي.
مردفا بلهفة:
_ محمود أخيراً يا راجل فتحت عنيك.
وضع يده على رأسه.
وهو يشعر بالقليل من الصداع.
نظر للغرفة حوله بتعجب.
ثم نظر لعلي.
مردفا:
_ هو في إيه بالظبط وأنا بعمل إيه هنا؟!..
ابتسم علي.
وقال ببعض المرح لعله يخفف من حدة الموقف:
_ ولا حاجة يا سيدي فضلنا قولنا عليك جبل لحد ما جه شوية ريح صغيرين وقعوك.
زفر محمود بضيق.
وقال:
_ علي قولي الحقيقة أنا الصداع هيفرتك رأسي.
_ ضغطك على شوية ومن هنا ورايح لأزم تهتم بصحتك يا محمود وتمشي على علاج الضغط.
إبتسم على حاله بسخرية.
مردفا وهو يقوم من مكانه:
_ جالي الضغط يلا هنقول ايه هي بداية الأربعينات كدة.
أقترب منه علي بقلق:
_ استنى قوم براحة، جبت لك هدوم من عندي هساعدك.
قطعه محمود بحركة بسيطة من يده قائلا:
_ هاتي الهدوم وأخرج يا علي.
_ أنت مكسوف مني يا محمود؟!..
أوما إليه محمود بسخرية:
_ أيوة أنا بقلع قدام الحريم بس.
_ قصدك سارة بس.
بنظرة حادة صمت علي.
وخرج من الغرفة دون كلمة إضافية.
حرك محمود رأسه بتعب.
وهمس:
_ ما خلاص راحت سارة.
بعد نصف ساعة.
وقفت سيارته أمام قصر علام.
أخذ نفس عميق قبل أن يهبط فهو سيضع كل شخص بمكانته الخاصة.
فتح الباب ليقف محله.
وهو يرى معتز يسير ويحرك معه كرسي عايدة.
مردفا بصوت حاد لسارة التي كانت تقف بجوار جدتها صامته:
_ أنتِ لسة قاعدة هنا بتعملي إيه مش طلقك وخلصنا ارجعي للشارع اللي جيتي منه.
رغم تعبها ووجع قلبها.
الا إنها نظرت إليه بأعين حادة قائلة:
_ ومين قالك إني جيت من الشارع أنا بنت البيت ده وليا فيه زي ما ليك.
_ ليكي ايه يا حلوة كل ده مال أبويا اللي لعبتي بيه وأخدتيه من مراته.
نظرة عايدة الشامتة كانت كفيلة لتجعله ترد بكل قوة.
أقتربت من معتز خطوة.
وقالت:
_ وهي فين مراته دي؟!.. اه قصدك امك دي ممثلة هايلة بجد عرفت تعيش دور الغلبانة وهي في الحقيقة تعبانة.
رفع معتز كفه بلحظة غضب.
وقبل ان يسقط على وجهها كانت يد محمود الأسبق.
شهقت عايدة بخوف.
أما معتز قال:
_ ايه هتقف تدافع عنها وهي بتغلط في أمي.
أوما إليه محمود بهدوء.
وقال:
_ البيت ده بيتي أنا يا معتز وأنا بس اللي من حقي أعلى صوتي فيه، لو فاكر ان حبي ليك ممكن يكون نقطة ضعفي تبقى غلطان أنا ممكن أدوس على قلبي بالجزمة عادي.
_ يعني إيه يا بابا هتخلي البنت دي معانا تحت سقف واحد؟!..
نظر إليه محمود بقوة.
وقال:
_ إسمها سارة مش بنت، ومش هتفضل هنا هيبقى ليها بيتها اللي هتعيش فيه معززة مكرمة.
قالت ألفت بهدوء:
_ أنا هروح أعيش مع سارة يا محمود.
ترك معتز.
ونظر لسارة.
مردفا:
_ عايز أتكلم معاكي لوحدنا الأول يا سارة.
تركت معه وهي مثل الطفلة الصغيرة الضائعة بعالم كبير عليها.
أخذها حتى وصل بها لغرفة نومها.
فقالت:
_ نتكلم هنا أحسن.
_ خايفة تدخلي معايا أوضة النوم، متخافيش مش هغصب عليكي تنامي معايا أنتِ دلوقتي طليقتي.
نظرت إليه بذهول من وقاحته.
وقالت بتحدي:
_ ما قبل كدة كنت طليقتك وكنت بتفعص، قول اللي عايز تقوله هنا.
جز على أسنانه بغيظ منها.
جذبها رغما عنها للداخل.
وأغلق الباب عليهما بقوة.
فقالت:
_ شوفت مصمم تعمل كل حاجة عافية.
مسح على رأسه بضيق.
قبل أن يخرج علبة من من جكيت بذله.
وقدمها إليها مردفا:
_ أدخلي أعملي الأختبار ده يا سارة وبعدين نتكلم أنا تعبان ومش قادر اناهد فيكي.
نظر للعلبة بتوتر زاد مع قرائتها المكتوب عليها ” أختبار حمل منزلي”.
نظرت إليه برعب مردفة:
_ إيه ده؟!..
_ زي ما أنتِ شايفة أختبار حمل يلا ادخلي أعمليه.
_ مستحيل أنت كنت بتدي ليا حبوب ووو.
_ سارة ادخلي أعملي الأختبار.
وجدها تحدق به بخوف.
فجذبها من كفها حتى باب المرحاض.
وقال:
_ متخافيش ريحي قلبي يلا.
أومات اليه بصمت.
ودلفت للمرحاض.
وهي تشعر ببرودة الجو من حولها.
أما هو تابعها بأعين لا تقل عنها خوف.
رواية عطر سارة الفصل التاسع عشر 19 - بقلم شيماء سعيد
بعد أسبوع..
وقفت سيارة علي أمام أحد أكبر الفنادق بشرم الشيخ.
نظرت أروي للمكان حولها بهدوء رغم توترها.
بطرف عينيها ألقت نظرة سريعة عليه لتجده يتابعها بهيام واضح بعينيه.
تنحنح ليقول بابتسامة:
_ عاجبك المكان؟
حركت رأسها وقالت:
_ عادي إحنا في شغل مش في رحلة.
جز على أسنانه بغيظ من أسلوبها قبل أن يقول:
_ حد قالك إنك قليلة الذوق قبل كده؟
نفت بحركة من شفتيها ليكمل هو بابتسامة باردة:
_ طيب كويس هكون أول واحد يقولك المعلومة دي.
أومات إليه وقالت:
_ طيب ما أنت قليل الأدب ومعندكش لا أخلاق ولا ضميري وأنا عمري ما فكرت أجرحك بالكلام.
اتسعت عينه من وقاحتها.
جذب كفها ليقربها منه وقال بغيظ:
_ مش خايفة أقلب عليكي؟
حركت كتفها بدلال وأبعدت يده عنها بقوة قائلة:
_ مكنتش بخاف منك وأنا ماليش ضهر هخاف منك وأخويا لو قولتله هيخلي كل حتة فيك في بلد.
رفع حاجبه بتعجب قبل أن ينفجر بالضحك.
ضحكته أصابتها برجفة من أول قلبها حتى وصلت لعمودها الفقري.
توقف ورأي أجمل أمرأة بالعالم تحدق به بنظرات ربما لم تفهم هي معناها ولكنه فهمها.
اقترب منها وهمس:
_ حلو صح؟
أومات بلا وعي وهمست:
_ اممم أوي.
غمز لها وهو يحاول استغلال حالتها تلك كما يريد.
همس بنبرة متحشرجة:
_ طيب مادام حلو أوي ما تيجي في حضني شوية لحد ما العدة تخلص وأنا أوعدك هحضن بأدب مع شوية لمسات حنونة من غير قلة أدب.
ماذا؟
انتفضت بعيداً عنه بعدما عادت لنفسها.
تلون وجهها باللون الأحمر وعضت على شفتيها بخجل من نفسها.
وضعت يدها على باب السيارة لتخرج الا انه جذب كفها الأخر مردفا:
_ ما أحنا كنا حلوين رايحة فين بس.
بنظرة واحدة منها ابتعد عنها دون أن تطلب.
نزلت من السيارة ونزل خلفها فقالت بغضب:
_ هنبدأ شغل دلوقتي والا هنطلع نرتاح من السفر؟
_ هنرتاح مع بعض؟
_ ولا احترم نفسك بدل ما أقل منك قدام الناس هو في إيه عشان سكتت مرة خالص هتعيش الدور.
حرك شفتيه بتقزز من طريقتها وتحرك أمامها مردفا:
_ والله أنا اللي سايبك تدلعي لحد دلوقتي ومش عايز أقل منك.
_ أعملها وشوف هعمل فيك إيه.
وصلوا لغرف النوم أعطى لها مفتاحها الخاص وقال بهدوء:
_ غوري اتخمدي لحد ما أرن عليكي وقت الاجتماع.
بحركة سريعة وضعت كفها خلف عنقه وحركت رأسه بقوة مردفة:
_ احترم نفسك أحسن لك.
فتح باب جناحه وجذبها معه للداخل ثم أغلق الباب عليهما بقوة مردفا بطريقة همجية:
_ جرا إيه يا بت هو عشان سكت مرة هتعيشي الدور شكلك عايزة تشوفي وشي التاني.
بلا مبالاة قالت:
_ وريني وشك التاني.
بلحظة غضب جذب خصلاتها من أسفل الحجاب بقوة لتصرخ بغضب قائلة:
_ سيبي شعري أحسن لك بدل ما أعلم عليك.
صرخ بها:
_ اتهدي بقى يا بت أنتِ أخرك كلام.
_ بقى كدة طيب يا زفت استنى عليا.
وبكل ما اتت لها من قوة برأس قدمها علمت على منطقة تحت الحزام.
تركها بألم ونظر إليها بأعين حمراء لتقول بانتصار قبل أن تخرج من الغرفة:
_ تستاهل قولتلك لم نفسك لم نفسك لكن البعيد غبي.
_ استنى يا بت يخرب بيتك.
بفيلا سارة..
دلفت ومعها طبقين وضعتهما على السفرة وقالت بمرح لالفت التي تجلس بجوارها:
_ طبق بيض من أيدي إيه آخر حلاوة.
ابتسمت إليها ألفت وقالت:
_ تسلم ايدك يا حبيبتي يلا كلي بسرعة عشان وراكي كلية.
أومات إليها سارة بحماس وبدأ بأول لقمة مردفة:
_ النهاردة يوم مش عادي يا تيتا هنطلع مع الكلية مؤتمر فيه أكبر الإعلاميين على الساحة، عايزة أثبت نفسي يمكن آخد خطوة في أي حاجة.
طبطبت ألفت على ظهرها وقالت:
_ أنتِ كويسة فعلا يا سارة والا بتكذبي على تيتا؟
تركت سارة الشوكة من يدها ثم ابتلعت لعابها ببعض الصعوبة وقالت:
_ مش كويسة لكن هعمل المستحيل عشان أبقى كويسة أنا أستحق أبقى كويسة ومبسوطة يا تيتا صح؟
بحنان أجابتها ألفت:
_ طبعاً يا قلب تيتا أنتِ تستحقي الحلو اللي في الدنيا كله، بس أنا عايزة أطمن عليكي يا سارة من وقت ما محمود جابنا هنا وأنتِ بتضحكي كأن مفيش حاجة حصلت، أبوكي الله يرحمه كان كدة يفضل يضحك لحد ما ينفجر مرة واحدة بلاش تعملي في نفسك كدة يا حبيبتي.
تنهدت بثقل وقالت:
_ الفترة اللي فاتت دي أنا كبرت فيها فوق عمري سنين، اتعلمت حاجات كتير واتوجعت من حاجات أكتر وخسرت كل حاجة حتى نفسي، أقولك على حاجة يا تيتا من غير ما تشوفيني وحشة.
أومات إليها ألفت بصمت تحثها على قول ما تريد أن تقوله دون أن تقطعها فقالت:
_ حاسة إن في جوايا حاجة ناقصة مش عارفة إيه هي، حاسة اني عايزة حاجة ومش قادرة أعرف هي إيه أو ممكن آخدها إزاي، أنا لأ لأ لأ مش هسيب نفسي لكده هروح الكلية بقى سلام.
قامت من محلها سريعاً وأخذت حقيبتها قبل أن تقترب من جدتها مقبلة رأسها مردفة:
_ عايزة حاجة يا تيتا؟
ضمتها ألفت بحنان وقالت:
_ عايزة أشوفك مبسوطة وده كفاية عليا.
_ هحاول أبقى دايماً مبسوطة عشانك كفاية إن حضرتك سبتي القصر وكل العيلة عشان تفضلي معايا.
_ محدش فيهم يستاهل اني أفضل معاه غيرك يا سارة.
ابتسمت لجدتها بحب وخرجت من الفيلا بخطوات سريعة، وجدت إحدى سيارات محمود وبها السائق الخاص.
حركت رأسها بسخرية ودلفت بالمقعد الخلفي مردفة:
_ يلا يا عم محمد على الكلية زي كل يوم.
ضحك لها الرجل بخفة وقال بقلة حيلة:
_ على عيني يا سارة يا بنتي أنا عندي أوامر لمكان تاني.
ابتلعت ريقها بتوتر مردفة:
_ مكان تاني فين؟
_ مقدرش أقولك دي أوامر محمود بيه بس متخافيش هو هناك مستنيكي.
تعالت دقات قلبها وأخرجت هاتفها لتتصل به اجابها بجملة واحدة قبل أن تفتح فمها للحديث:
_ بلاش صداع يا سارة تعالي مع محمد ولما توصلي أبقى صدعي دماغي براحتك.
أغلق الهاتف بوجهها لتفتح فمها من شدة الصدمة.
نظرت للهاتف لعدة لحظات وهمست لنفسها بغيظ:
_ شوفت ناس كتير زيه مفيش تقريبا كان آخر نسخة بعد أبو لهب.
سندت رأسها على ظهر المقعد وأغلقت عينيها بضيق منه حتى أخذها عقلها للحظة اختبار الحمل.
فلاش باك..
بجسد مرتجف أغلقت باب المرحاض عليها.
ظلت لأكثر من دقيقتين تحدق باختبار الحمل بخوف.
قالت بتقطع:
_ نعم.
_ بقى لك كتير أنتِ كويسة؟
حمحمت وحركت رأسها وكأنه يراها ليدق على الباب مرة أخرى فقالت:
_ أيوة كويسة لو سمحت اصبري ثواني وهطلع.
أخذت نفس عميق وعادت بنظرها لما بيدها، ماذا لو كانت بالفعل تحمل بداخلها طفله؟
ماذا سيفعل بها وكيف ستكون نهايتها؟
سقطت دمعة خائفة من عينيها لتعض على شفتيها بقوة تمنع خروج شهقتها.
انتفض جسدها مع صوته الغاضب:
_ ما تخلصي يا سارة هو امتحان كمياء معاكي دقيقة كمان وهدخل أعملك الاختبار ده بنفسي.
يفعلها لديه من الوقاحة ما يجعله يفعلها ويفعل الأسوء.
أخرجت الاختبار من العلبة وبدأت بتنفيذ المكتوب عليه وبعدها انتهت خرجت له وبيدها الاختبار.
اقترب منها بخطوة متلهفة وقال:
_ ها طلع إيه حامل؟
نفت بحركة من رأسها وقدمته له مردفة:
_ مش عارفة مكتوب خطين ومفيش الا خط واحد أهو.
أخذه منها وحدق به.
قالت:
_ كده الحمد لله مفيش حامل ممكن أمشي من هنا بقى.
قال لها بسخرية:
_ فعلاً الحمد لله، هتمشي من هنا يا سارة زي ما أنتِ عايزة بس بشوية شروط.
نظرت إليه بغضب وقالت:
_ هو أنت لسة بعد كل ده بتحط شروط يا أخي حرام عليك بقى.
زفر بضيق وجذبها من يديها حتى وصل بها للفراش.
جلس وجعلها تجلس بجواره ثم قال بهدوء:
_ اسمعيني يا سارة، من يوم فرحنا اشتريت فيلا وكتبتها باسمك وعربية كمان، هتمشي من هنا على الفيلا مع تيتا ألفت هيبقى معاكي العربية بالسواق تروحي بيها مكان ما تحبي، عيشي حياتك زي ما كان نفسك، لحد ما أحضر لك ورق المصنع بتاعك هيبقى برضو باسمك يا سارة مش باسمي.
كانت تسمعه وهي مشوشة.
رفعت عينيها تنظر إليه بتوهان وقالت:
_ هو مش كفاية لعب بيا بقى أنا تعبت والله العظيم تعبت عايز إيه تاني عشان تسبني في حالي؟
بترتاح لما بتشوفني مش قادرة اتنفس تحت ايدك؟
مسح على خصلاتها وقال بتعب:
_ المرة دي مفيش لعب، الحاجات دي حقك يا سارة مهرك ومؤخرك، صدقيني أنا مش عايز دلوقتي الا راحتك.
أومات إليه مثل الطفلة الصغيرة وقالت برجاء:
_ ماشي يا محمود هصدقك بس ممكن أطلب منك طلب واحد وتنفذه عشاني.
_ اطلبي روحي هطلعها من صدري وأحطها تحت رجلك.
_ بلاش تعشمني يعني لو ناوي تستخدم الحاجات دي بعد كدة وسيلة ضغط عليا أو عقاب ليا خدها من دلوقتي وبلاش غشم زيادة، مش عايزة حاجة تخليني أكرهك ولا تهز صورتك في عيني ممكن؟
أومأ إليها وقال بحنان:
_ متخافيش مش هعمل حاجة توجعك حتى لو راحتي فيها خليكي متأكدة من كدة.
أومات إليه ليقوم من مكانه مردفا:
_ يلا حضري هدومك عشان أوصلك لبيتك أنتِ والفت هانم.
انتهى الفلاش باك.
وقفت السيارة أمام مبنى فخم بحي راقي، فقال العم محمد بابتسامة محبة:
_ يلا يا سارة يا بنتي وصلنا انزلي.
حدقت بالمكان حولها بنظرات منبهرة ثم قالت:
_ هو ده المكان؟
_ أيوة يا بنتي هو انزلي أنتِ عارفة محمود بيه مش بيحب التأخير.
حركت رأسها بسخرية وقالت وهي تنزل من السيارة:
_ ولا بيحب حاجة خالص.
تابعت ذهاب سيارتها بحيرة لا تعلم أين تذهب.
دارت عينيها بالمكان ولم تجده لتضع يدها على خصلاتها مردفة:
_ لو هموت هنا مش هتصل بيه بعد ما قفل السكة في وشي طالما عايزني يبقى ييجي بنفسه.
_ ما أنا هنا بنفسي أهو.
قالها من خلفها بابتسامة مشتاقة.
حمحمت بتوتر:
_ إحنا هنا بنعمل إيه؟
_ اممم عشان وحشتيني.
_ نعم؟
زفر بضيق قبل أن يقول مثل الطفل الصغير الذي يبرر لوالدته:
_ بصي ده المصنع بتاعك كان ممكن ابعتك مع أي حد تشوفيه حتى لو محمد السواق، لكن أنتِ وحشتيني أوي يا سارة فعملتها حجة وجيت أشوفك.
شعرت للحظة إنها هي الأخرى اشتقت لرؤيته.
حركت رأسها سريعاً حتى تخرج منها من دائرة التفكير تلك وقالت بهدوء:
_ بلاش كدة أحسن.
رفع حاجبه بتعجب مردفا:
_ هو إيه اللي بلاش؟
_ اللي أنت بتحاول تعمله ده بلاش منه، الأفضل لينا احنة الاتنين ننسى مش نعلق بعض أكتر، أنت ليك حياتك وناس بتحبهم لو اتحطوا في كفة وأنا في التانية هما اللي هيطلعوا كسبانين يبقى الأفضل نقفل الطريق ده خالص.
أومأ إليها بهدوء ثم أشار لها بالدخول قائلا:
_ طيب يلا ندخل عشان أوصلك المؤتمر.
توقفت عن السير ونظرت إليه بذهول قائلة:
_ أنت عرفت منين إن عندي مؤتمر النهاردة؟
حرك كتفه ببساطة وتقدم ليسير أمامها مردفا:
_ محمد اللي قالي أصله استأذن باقي اليوم.
_ خلاص بلاش تتعب بنفسك هطلب أوبر حضرتك أكيد عندك شغل يا أبيه.
تلك المرة هو من توقف عن السير.
دار بنصف جسده لها وقال بنبرة ساخرة:
_ أبيه؟
أومات له بابتسامة واسعة ثم قالت ببراءة:
_ طبعاً ما حضرتك ابن عمي الكبير ولازم أحترم فرق السن اللي بينا.
تلعب به هل لها نفس تلعب بحالتهم تلك؟
_ الاحترام ده بقى كان قبل ليالي بيروت والا بعدها يا بسبوسة؟
أتسعت عينيها من سؤاله وأخذت لحظات مسيطر عليها الخجل لا تعلم بماذا ترد.
رفعت رأسها لها وقالت بتحدي:
_ احترم نفسك لو سمحت يا أبيه المفروض إن اللي فات مات وإحنا ولاد النهاردة.
تركها وذهب للداخل لتركض هي خلفه وصل بها أمام مكتب كبير وبداخل سكرتيرة أقتربت منه بأحترام قائلة:
_ أهلاً بحضرتك يا محمود بيه.
_ أهلاً يا ضحى يا رب شغلك مع سارة يعجبك.
ابتسمت اليه وقالت:
_ مش عارفة أشكر حضرتك إزاي مكنتش أحلم بفرصة الشغل دي، وشكر كمان على الشقة أوعد حضرتك هدفع إيجارها في الميعاد.
_ براحتك يا ضحى اعملي اللي يريحك، أعرفك مدام سارة صاحبة المصنع و...
قطعته سارة سريعاً مردفة:
_ آنسة سارة.
_ نعم.
_ آنسة سارة يا أبيه حضرتك اتلخبطت وقولت مدام.
ظهرت ابتسامة على شفتيه اخفاها وقال:
_ ادخلي اتفرجي على مكتبك يا سارة هانم عشان أعرفك على باقي الموظفين ونخلص.
بشرم الشيخ..
دقت أروى على باب غرفة علي عدة مرات بقلق فموعد الاجتماع متبقي عليه أقل من ساعة.
رفعت هاتفها للمرة العاشرة وقامت بالاتصال عليه ولم يرد.
قالت:
_ هو في إيه بالظبط معقولة يكون سابني ومشي بعد العلقة؟
لا ده بارد ميعملهاش.
عادت للدق حتى قررت النزول بالاستقبال تسأل عليه فقال لها الموظف:
_ من وقت ما طلع معاكي منزلش يا هانم ثواني أرن لك عليه.
أومات إليه ثم بللت شفتيها بطرف لسانها عندما قال:
_ مش بيرد يا هانم.
_ طيب ممكن المفتاح أطلع أشوف في إيه بنفسي؟
_ مينفعش يا فندم دي خصوصية.
صرخت بغضب وخوفها بدأ يتصاعد بقلبها:
_ هو إيه اللي مينفعش أفرض تعبان والا في خطر أنا السكرتيرة بتاعته ومن حقي أدخل أشوف ماله بدل ما أطلب البوليس.
أوما إليها الموظف بضيق من صوتها العالي وقال:
_ اتفضلي يا فندم المفتاح بس يا ريت توطي صوت حضرتك في ناس مهمة في الفندق.
جذبت منه المفتاح وقالت قبل أن تذهب:
_ لو طلع فيه حاجة هقفلك الفندق اللي فرحان بيه ده.
فتحت باب الجناح بجسد مرتجف، أغلقت الباب خلفها بحذر وقالت:
_ علي بيه حضرتك كويس؟
طيب أنت هنا؟
فتحت باب الغرفة النوم لتجده مثلما تركته على الفراش.
انتفض قلبها وأقتربت منه بسرعة وضعت كفها على رأسه وقالت:
_ يا لهوي ده مولع نار.
علي أنت سامعني أو حاسس بايه حاجة؟
لم يصدر منه أي رد فسقطت دموعها بخوف وأخذت الهاتف الأرضية لتقول للاستقبال:
_ اطلبوا دكتور بسرعة علي بيه الحسيني تعبان جامد.
أمام قاعة المؤتمر وقفت سيارة محمود.
أخذت نفس عميق ونظرت اليه مردفة:
_ شكرا يا أبيه تعبت حضرتك معايا.
أوما إليها بابتسامة باردة وأشار لها على الباب مردفا بغيظ:
_ العفو يا بسبوسة يلا انزلي ورايا شغل مهم.
ردت له الإبتسامة بأخرى سمجة:
_ بلاش تتعب نفسك تاني عمي محمد موجود ولو أخد إجازة هطلب أوبر.
تركته وخرجت فقام بضرب عجلة القيادة عدة مرات مردفا:
_ عملت كل ده ليه يا محمود وخليت محمد يمشي ليه؟
كنت عايز تشوفها اتفضل وجعت نفسك أكتر.
ظلت حدقت بالسيارة حتى اختفت عن المكان ثم زفرت بضيق ودلفت للقاعة بخطوات ثقيلة.
زاد ضيقها وهي ترا انها آخر من أتت.
دقيقة وبدأت رحلتها بالانبهار بالمكان حولها كل شيء مميز وراقي عالم جميل مختلف عنها كثيرا.
وقفت مكانها وشعرت للحظة ان الأرض تدور من حولها وهي ترى حلم مراهقتها أمام عينيها يقف ببذلة من اللون البني يلقي كلمته أمام الحضور.
تعالت دقات قلبها وشعرت بارتفاع الحرارة من حولها هامسة:
_ أحمد رسلان قدامي حقيقي.
تاهت وهي تحدق بها تشاهد ابتسامته وطريقته العفوية بالحديث.
أنتحت كلمته وتعالت صفقات الحضور.
أتسعت عينيها وهو يقترب من محل وقوفها نظرت خلفها لم تجد أحد ليشير إليها بأحد أصابعه.
أبتلعت ريقها وأشارت عليها نفسها ليبتسم إليها بهدوء.
ثانية وكان يقف أمامها ويمد يده ليسلم عليها مردفا:
_ أحمد رسلان.
نتعرف؟
مدت يدها لتسلم عليه وقالت بتوتر:
_ سارة أنا سارة علام.
رواية عطر سارة الفصل العشرون 20 - بقلم شيماء سعيد
سارة: أنا سارة علام ومبسوطة أوي إني شوفت حضرتك اتكلمت معاك.
ابتسم لها ابتسامة حلوة زادته روقي ثم قال:
وأنا مبسوط إن بنت جميلة زيك مبسوطة عشان شافتني.
أومأت إليه بخجل، شعر هو بها ليقول:
قولي لي بقى يا سارة بتعملي إيه في المؤتمر؟
بحماس شديد أجابت:
أنا طالبة في كلية إعلام والمؤتمر ده بالنسبة ليا زي التدريب كدة.
جميلة هذه الفتاة وفوق جمالها لديها درجة عالية من الجاذبية والحضور. رغم وجود كاميرات التصوير حوله بكل مكان إلا إنه يود الحديث معها أكثر. أشار إليها على أحد المقاعد وقال:
لأ إذا كان كده بقى يبقى الكلام بينا كتير، تعالي نقعد على الترابيزة بتاعتي.
نظرت محل إشارته وقالت بتوتر:
هو عادي أقعد على نفس الترابيزة بتاعت حضرتك؟
أومأ إليها وأخذها من كفها خلفه وهو يقول:
طبعًا ينفع، هو أنا أطول أقعد مع بنت زي القمر كده على ترابيزة واحدة.
أبعد لها أحد المقاعد فجلست عليها وعلى وجهها ابتسامة مبهورة. كانت تضع صورته بغرفة نومها واليوم تجلس معه على نفس الطاولة؟!.. سمعت كثيرًا عن أحلام العصر ولكنها لأول مرة تراها حقيقة أمام عينيها. سألها باهتمام:
نفسكِ تشتغلي في الصحافة ولا التلفزيون؟
سؤال بسيط أشغل بداخلها حماس كبير، أجابت وهي تتخيل نفسها مثلما توصف:
عايزة أبقى إعلامية كبيرة، تبقى حوالي كاميرات تصوير وناس بتحبني من غير سبب، لو خبّت على بيت حد فيهم يبقى بيتي وأهله أهلي، نفسي أبقى زيك.
ضحك بخفة وقال:
شكلكِ وقبولكِ بيقولوا إنكِ هتبقي أحسن مني. تحبّي تشربي إيه؟
حركت رأسها بحيرة ثم قالت بصوت منخفض:
مش بشرب إلا مشروب واحد وأكيد مش هيبقى هنا.
ملكِّيش دعوة قولي هو إيه وهيبقي عندك في لحظتها.
شاي بلبن.
***
بأحد المخازن التابعة لمحمود علام.
دلف وخلفه أحد رجاله، أشار إليه بحركة من يده ليخرج، فقال الرجل بتوتر:
محمود باشا علي بيه طلب مني أفضل مع حضرتك.
لما أحتاج لحد يحضر لي الرضعة هقول لك حاضر.
قالها بنبرة ساخرة جعلت الرجل يبتلع ريقه بخوف مردفًا:
لأ طبعًا يا باشا مش ده قصدي حضرتك.
قطعه محمود بنظرة من عينه ثم قال:
روح شوف وراك إيه وخلي عينك على مدام سارة أربعة وعشرين ساعة، حتى في أحلامها لو حلمت حلم معرفتش تقوله ليا زعلي هيبقى وحش مفهوم.
أومأ إليه سريعًا وقال:
مفهوم.
خرج وتركه ليسير هو بخطوات واثقة حتى وصل لهذا الملقى على الأرض. أقترب منه حتى أصبح الآخر أسفل قدميه فقال بهدوء:
نهاية اللعب معايا وحشة قوي يا علاء وأنت مش حاجة عليها قيمة عشان تفكر تقف قصادي مجرد تفكير مش أكتر.
رفع علاء عينيه بقهر، فهو عاش أبشع أيام حياته خلال الأسبوع الماضي تحت سيطرة محمود علام. نظرات الكره كانت صريحة بمقلته ولكنه حاول الخضوع مردفًا:
أنا عملت إيه يا باشا يستحق اللي أنا فيه ده، طولي عمري خدامك ووو..
بحركة بسيطة من كف محمود ابتلع ريقه برعب وابتلع معه باقي حديثه. جذبه محمود من ملابسه يجبره على الوقوف أمامه قائلًا ببرود:
عارف اللي كنت عايز تلعب بشرفها دي مين؟ عارف مرات مين وعرض مين اللي كنت ناوي تمسح بيه الأرض؟ دي شرفي وعرضي أنا يا كلب، مرات محمود علام.
حرك رأسه بألم وقال:
والله يا باشا ما لحقت أعمل حاجة، أنا اتفقت مع مدام عايدة بس غير كده ما حصلش.
أما الواد الزبالة اللي خليته يفضل قاعد تحت قصري مستني خروجها ده يبقى مين؟ مش هو ده اللي كان هيبقى عشيقها؟ طيب على الأقل لما كنت تجيب لمراتي راجل تخوني معاه خليه عدل، يمكن كنت أصدق إنها خانت محمود علام عشانه.
يا باشا صدقني ده كله كان لعب لحد ما جنابك ترجع الشركة وأقولك كل حاجة، أنا غلبان ومش قد مراتك.
قالها بنبرة مهزوزة لعله يخلص من هذا الكابوس. أومأ إليه محمود مردفًا:
سبتك أسبوع في إيد الرجالة، النهاردة بقى أنت بتاعي أنا، هطلع عليك قرف الأسبوع اللي فات كله.
وبالفعل أخرج به كل ما بداخله من غضب. نيران مشتعلة بقلبه وأخيرًا وجد ما يحترق بها.
***
بالفندق.
ظلت بجواره بعد ذهاب الطبيب تبكي وتضع له الكمادات. هي السبب، الطبيب قال إن تم ضرب المنطقة الحساسة بقوة. أزالت دمعتها بظهر كفها، ومع تذكرها لحديث الطبيب:
من الواضح إن الخصيتين تعرضوا لضربة قوية منعت وصول الدم وكمان رفعت الحرارة، لما علي بيه يفوق لازم يتعرض على دكتور يفهم منه أكتر.
خرجت منها شهقة وراء الأخرى وهي تنظر إليه وهو ينام بأمان وبراءة بعيدًا عنه كل البعد. أزالت قطعة القماش ثم وضعتها بالماء المثلج وعاد لوضعها عليه من جديد. مرت ساعة على هذا الحال حتى سمعت همهمة ثقيلة تصدر منه. ابتلعت ريقها بتوتر مردفة:
أنت سامعني كويس؟ لو كنت سامع قولي حاسس بإيه.
فتح عينيه بعد معاناة مع نفسه، دار بنظرة سريعة بمكان قبل أن يقول بتعب:
هو إيه اللي حصل بالضبط؟ هل فقد الذاكرة أيضًا؟
سألت عقلها وجاءت الإجابة منه بنفس اللحظة عندما قالت بغضب:
أنتِ قوليلي أعمل فيكي إيه، ضيعتي مستقبلي يا حيوانة.
انتفضت على أثر صريخه وشعرت بالقليل من تأنيب الضمير. عضت على شفتيها وقالت بخجل:
كنت بدافع عن نفسي مش أكتر، وبعدين إن شاء الله مستقبلك زي الفل، بلاش الفال الوحش ده.
لا هذا كثيرًا عليه، حاول الاعتدال وهنا كانت الكارثة الكبرى. نيران جعلته يعجز عن الحركة. حدق بها لتقول بسرعة:
أهدى بلاش الحركة، الدكتور حاطط شوية حاجات تخفف عنك.
كانت تود الضحك إلا إن الموقف كان يستحق البكاء. ألقى برأسه على الفراش وقال بحسرة:
يا نهار مش فايت، أنا ضعت ومستقبلي ضاع، أعمل إيه دلوقتي بس يا ربي.
طبطبت على كتفه بشفقة وقالت:
بلاش تعمل في نفسك كده، إن شاء الله شدة وتزول، بس أنت خليك قوي.
ماذا يفعل بها حتى غير قادر على قسمها لنصفين؟ نظر إليها بغضب وقال:
تعرفي تخرسي، أنا مش طايق لا أشوفك ولا أسمع صوتك.
ابتسمت إليه قبل أن تقول:
تعرف يا علي من هنا ورايح أنا مش هعمل أي حاجة تزعلك، أنت دلوقتي حسيت بيا لما دخلت بيتي وحاولت تقرب مني، كان نفس شعورك دلوقتي كده وأنت قاعد يا عيني بتنبر بقلة حيلة على مستقبلك اللي راح، مع إنه ما راحش أوي يعني لسه في أمل.
هل هذا بالفعل كان نفس شعورها؟ لا والله، هو الآن يمر بأسوأ مشاعر على الإطلاق. كان يود البكاء لولا مكانته، فيكفي رؤيتها إليه بتلك الكارثة. جذب هاتفه وقام بالاتصال على محمود الذي رد سريعًا مردفًا:
أنت فين يا علي برن عليكِ من ساعتين وأكتر.
في شرم، تعالي خدني بسرعة يا محمود، صاحبك بيضيع.
شعر بنبرة القلق بصوت محمود:
مالك يا علي في إيه؟
مستقبلي كرجل ضاع، أنا بقيت زي مش قادر أكمل.
طيب اقفل يا علي ساعة وهكون عندك.
صرخ علي بقوة:
لأ ساعة كتير، الوقت مش في صالحي خالص.
أغلق معه الخط ونظر لها مردفًا:
غوري من وشي، أحضري الاجتماع مكاني.
طيب ومحمود لو شافني هناك.
ولا يفرق معايا، يا ريت يشوفك ويقتلك يمكن أرتاح شوية.
قامت من جواره وقالت قبل أن تخرج من الغرفة:
خد بالك محمود لو عرف هيخلص عليك قبلي، فلم نفسك شوية بقى واستغفر ربنا يمكن يتوب عليك.
خرجت وظل هو بمفرده. ألقى نظرة على جزء السفلي وقال بحسرة:
لأ مهو كده أنا تبت فعلاً.
***
أمام المؤتمر.
ظل محمود أمام الباب نصف ساعة، تابع خروج الجميع إلا هنا. ضربت قلبه قبضة قوية من القلق، فأخرج هاتفه وقام بالاتصال على أحد رجاله مردفًا:
ادخل شوف مدام سارة اتأخرت في المؤتمر ليه وكليتها كلها خرجت.
سمعت أنفاس الرجل المتوترة ليقول بغضب:
في إيه أنطق.
مدام سارة دلوقتي في مطعم ***** مع المذيع أحمد رسلان.
وفقط ضرب محمود الهاتف بأرض السيارة وهو يضغط على يده بقوة. عقله يردد نفس الجملة وكأنه يود أن يؤكد له ما فهمه. نظر الطريق أمامه بأعين حمراء بها لمعة تعلن عن بوادر كارثة. ضغط على الفرامل وبدأ بالقيادة بأعلى سرعة. مع رجل بمطعم ماذا تفعل؟
بعد أقل من سبع دقائق كانت السيارة تقف أمام باب المطعم.
بالداخل نظرت سارة حولها بتوتر مردفة:
مكنش في داعي للغدا.
حرك رأسه وقال بجدية:
ده اللي هو إزاي تبقى معايا في مؤتمر واحد أكتر من أربع ساعات من غير أكل وأوصلك بينك جعانة، عيبة في حقي.
والله العظيم قعدتكم دي عيبة في حقي أنا.
قالها بعدما سحب مقعدًا من على أحد الطاولات وجلس بجوارها. نظر إليه أحمد بتعجب، أما هي انتفضت من محلها برعب. رغم أنها لم تفعل شيئًا خاطئًا إلا إن وجوده أمامها الآن أخافها. حركت شفتيها بصعوبة قائلة:
أبيه.
بسخرية وجه حديثه لأحمد:
لازم تقولي يا أبيه، رغم إني قولتها ألف مرة مفيش ست بتقول لجوزها كده، بس نقول إيه متربية زيادة عن اللزوم.
ظهرت معالم خيبة الأمل على وجه أحمد وهذا وصل لمحمود واضح مثل وضوح الشمس. صدمت من كلمة زوجها وفتحت فمها لتنفي ما قاله، لتكون محمود الأسبق بالضغط على فخذها من أسفل الطاولة مردفًا:
افتحي بوقك بحرف واحد لحد ما الواد ده يمشي وشوفي هعمل فيكِ وفيه إيه.
صمتت وعينيها تحدق به بحسرة. طريقته بمفردها تجعلها تشعر دائمًا أنها مجرد دمية بين يديه يحركها كما يشاء. تحدث أحمد بهدوء:
مكنتش أعرف إن بنت صغنونة كده ممكن تكون متجوزة.
أومأ محمود إليه ببساطة وقال:
إحنا عيلة بتشجع جواز القاصرات، المهم نتعرف معاك محمود علام جوز سارة.
فتح أحمد عينيه بذهول، “محمود علام” اسمه بمفرده علامة. شعر أحمد بذهول بعدما تأكد من نظره، هو الآن يجلس مع محمود علام على طاولة واحدة. أعتدل بجلسته مردفًا:
مش معقولة من وقت ما حضرتك قعدت وأنا بكذب نفسي، بس اللي أعرفه عن حضرتك إن مراتك أكبر من كده وما شاء الله معاك شاب سارة إزاي تبقى المدام؟
يكفي هذا القدر. قام من محله وجذبها لتقف معه قائلًا:
لأ دي العروسة الجديدة.
أخذها وخرج من المكان، ألقت نظرة سريعة على نظرة أحمد المصدومة ثم أبعدت عينيها سريعًا. بداخلها شعور مرعب بالعار والخجل. فكرة إنها الزوجة الثانية لرجل متزوج فكرة قللت من أنوثتها وجعلتها تعلم المعنى الحقيقي للكلمة الشهيرة "مكسوفة من نفسي".
وقفت على باب المطعم وحاولت سحب يدها منه مردفة:
إيه اللي أنت عملته جوا ده؟
يا بسبوسة؟
ترقرقت الدموع بداخل عينيها وقالت:
بجد مش عارف عملت إيه؟ قليت مني لما قولت للراجل إني مراتك التانية ويا ريتك بتقول الحقيقة أنا طليقك.
ثبت وجهها أمامه بوضع أحد أصابعه تحت ذقنها وقال ببساطة:
طول ما أنتِ في عدتك تبقى مراتي، والنفس اللي بيخرج من بين صدرك من حقي أعرف بيه قبل ما يخرج.
حركت رأسها بمعنى لا فائدة. سحبها للسيارة وصعد محل القيادة. بداخله بركان من الغضب لو خرج عليها الآن ستكون نهايتها. عشر دقائق وهي تتابع الطريق بصمت لتجد إن الطريق مختلف عن طريق الفيلا فقالت:
أنت رايح بيا على فين دلوقتي؟
اخرسي.
كانت كلمة واحدة أشعلت الغضب بها. ما هذا وكيف يكون له هذا القدر من الوقاحة؟ ضربت بيدها على ظهر مقعده وقالت بغضب:
هي مين اللي تخرس؟ ما تحترم نفسك بقى، أنا سكتت لك كتير لحد ما جبت آخري خلاص، وقف الزفتة دي ونزلني.
ظلت عيناه على الطريق أمامه وقال:
لتاني مرة بقولك الأفضل تخرسي دلوقتي بدل ما أخرج ناري عليكي، وقتها محدش هيتحرق غيرك.
هو بعد كل ده مكنتش خرجت نار عليا؟ أنا اتحرقت من زمان، وقف بدل ما أفتح الباب واللي يحصل يحصل، هي كده كده خربانة.
لم يكفل نفسه بالرد عليها، أكمل طريقه وهو يفكر بشيء واحد فقط يجعله يقلل من غضبه. كانت مع رجل غيره، ابتسمت بوجه الآخر وتحدثت معه. طلقها أسبوع واحد فقط لا غير وكان معها الجديد. عند تلك الفكرة ضرب عجلة القيادة عدة مرات بكل قوته. قلبه يحرق وعقله يحثه على أخذ روحها. لا يعلم من أين أتت له القوة حتى خرج بها من المطعم بكل سلام دون قتل أحد منهما.
كانت تتابع ما يحدث بأعين خائفة. توقف عقلها عن التفكير بلحظة، وضعت يدها على باب السيارة لتشهق بفزع عندما ضغط على يدها بكفه وبالآخر أوقف السيارة. صرخ بغضب:
بتعملي إيه يا غبية بتفتحي الباب والعربية شغالة؟
أومأت إليه عدة مرات مردفة بانهيار:
ما تبطل لعب بأعصابي بقى، أنت عايز مني إيه بالظبط؟ عايزني أدخل العباسية عشان ترتاح.
ضغط على كفها بغضب وقال:
أنتِ اللي إزاي كده، إزاي قادرة ترمي كل حاجة ورا ضهرك في لحظة واحدة؟ بالسرعة دي شفتي شوفة جديدة وبتخططي إزاي توقعي الأريال الجديد.
حديثه آت بمنتصف صدرها. ماذا قال وكيف قال؟ كيف فكر بها هكذا؟ ارتجفت شفتيها لتضمها بين أسنانها عدة لحظات قبل أن تحررها مردفة بقهر:
أنت بتقول إيه؟ إزاي تفكر فيا كده أو تتكلم معايا كده؟ أنا مش هسمح لك تقلل مني تاني.
آمال تسمي إيه لما واحدة مطلقة بقى لها أسبوع واحد قاعدة مع واحد في مطعم كأنهم اتنين عشاق؟ عقلك جابك إنك تبقي شايلة اسم محمود علام وعينك تبص لغيره إزاي؟
حركت رأسها بنفي وقالت بنبرة حادة:
أنا مش مراتك، افهم. إحنا مطلقين، مش من حقك تتكلم معايا كده، فاهم؟ مش من حقك.
عينيه بمفردها كانت مرعبة، كانت تعطي لها إشارات واضحة ببداية جحيم جديد لها معه. رفع يده لفها حول رقبتها البيضاء مردفًا بنبرة مخيفة:
لحد آخر يوم في عدتك هتفضلي شايلة اسمي، لو حسيت إنك كنتي تعرفي الواد ده معرفة عابرة وأنتِ على ذمتي، هخرج بروحك وهرمي جسمك اللي فرحانة بيه ده للكلاب تشبع بيه.
انكمشت على حالها من حالته المرعبة. رمقها بنظرات مشتعلة يخفي بداخلها ألف نظرة من الحسرة وعاد للقيادة من جديد.
***
بشرم الشيخ.
وصلت سيارة محمود أمام باب الفندق لينزل بخطوات واثقة ثم اقترب من بابها وفتحه مشيرًا لها بالخروج. نظرت حولها بخوف وقالت:
هو أنا هنا بعمل إيه؟
دارت عيناه حوله ثم سحبها للخارج وهو يزفر بضيق مردفًا:
واحد صاحبي عنده مشكلة هنحلها ونرجع.
يعني إيه واحد صاحبك عنده مشكلة؟ أنا مالي بالموضوع ده وبعمل إيه هنا؟
بضغطة خفيفة على كفها الصغير جعلها تصمت فقال:
مالكيش أمان أسيبك لوحدك، ده أنا وصلتك للمؤتمر بنفسي ولعبت بدالك، آمال لما أسافر وتبقى لوحدك هتعملي إيه؟
ضربته على كفه الذي يخنق كفها وقالت:
بطل قلة ذوق بقى، أنا مش وحشة زي ما أنت فاكر، كل ده ليه عشان خرجت مع واحد هشتغل معاه.
صرخت بفزع عندما صفق بيديه بقوة غير مهتم بمن حوله وقال بغضب:
يا حلاوة دي! أحلوت أوي كمان ناوية تشتغلي معاه؟ نفسك في إيه تاني غير الفلوس؟ عايزة الحلوف الجديد يعمله؟
نظرت إليه بعتاب وصل له بوضوح، إلا أن نيرانه التي تأكله به أقوى بكثير من عتابها. وصل للاستقبال وسأل عن غرفة علي وبعد دقيقة كان يقف بجوار علي النائم على الفراش مردفًا بقلق:
مالك إيه اللي عمل فيك كده؟
أشار علي بعينه لسارة الجالسة على أحد المقاعد بزاوية الغرفة وقال بغضب:
يا أخي منك لله بقى أقولك مستقبلي ضاع تيجي بعد ست ساعات ومعاك طليقتك.
حرك محمود رأسه بتعجب:
مستقبلك ضاع إزاي؟
يا عم ارحمني مش هقدر أقول اللي حصل لي قدامها ولا قدام أي حد، افهم بقى.
قالها وهو يشير إليه بعينه للمرة الثانية، ولكن تلك المرة كانت لمنطقة تعبه. اتسعت عين محمود بصدمة قبل أن يقول:
حصل لك كده إزاي ياض انطق.
حرك علي رأسه بحسرة على حاله وقال:
واحدة مفيش في قلبها رحمة ولا في عقلها مخ هي اللي عملت فيا كده، ربنا ينتقم منها. سفرني بره يا محمود أعمل أي حاجة بدل ما أنتحر ويبقى ذنبي في رقبتك.
كان محمود ينظر إليه بذهول وهو لا يعلم ماذا سيفعل. أما سارة شعرت بالشفقة على علي وقامت من محلها مردفة بنبرة حزينة:
ألف سلامة عليك يا أستاذ علي، هنطلب الدكتور وهتبقى كويس متخافش.
مسح محمود على خصلاته بتعب وللمرة المليون يجذبها من كفها أجلسها على مقعدها من جديد مردفًا:
خليكي مكانك مالكيش دعوة بيه، إن شاء الله لو مات تفضلي مكانك برضه.
لم تنظر إليه، هذا ليس وقت مناسب للشجار معه. صرخ علي بغضب:
هو ده وقته يا عم عنتر، شوف لي حل في المصيبة اللي أنا فيها وبعدين خد عبلة وامشوا من هنا. وبعدين غيران عليها من إيه؟ ما خلاص بقيت زيها.
نظر إليه محمود لعدة ثواني ووجد حاله وبكل أسف يضحك بقلة حيلة. اقترب من علي ووضع يده على فمه مردفًا:
اخرس بقى، البنت صغيرة ومش فاهمة حاجة.
حرام عليك أنا بضيع أرحمني.
هاتصل بالدكتور أهدى، كل حاجة هتبقى كويسة والموضوع هيعدي على خير، بس يا ريت تتعلم لأني اتخنقت من مشيك ورا النسوان.
بعد نصف ساعة كانت سارة تقف على باب الجناح ومحمود مع علي بالداخل. انتهى الطبيب من الكشف ليقول محمود بهدوء:
طمني يا دكتور هو كويس صح؟
أومأ إليه الطبيب باحترام ثم قال بجدية:
اطمن يا محمود بيه، الموضوع مش كبير أوي. كل الموضوع إن الضربة كانت قوية جدًا وده قلل من وصول الدم للمكان، فيما بعد هيأثر تأثيرات بسيطة بس مش قوية ومع الوقت بالعلاج علي بيه هيرجع أحسن من الأول بكتير.
حرك محمود رأسه بهدوء وقال:
طيب يا دكتور شكرًا، تقدر تتفضل معلش تعبناك معانا.
لأ طبعًا يا محمود باشا أنا تحت أمركم في أي وقت، عن إذنك.
خرج الطبيب من الغرفة فاقترب محمود من علي النائم على الفراش مغمض العينين وقال بمرح:
ما خلاص بقى الدكتور مشي وقال إنك هتبقى كويس، هتفضل مغمض كده زي اللي عليك تار.
فتح عينيه وعض على أسنانه بغيظ مردفًا:
اسكت يا محمود، تعرف تسكت؟ أنت مش حاسس بالنار اللي جوايا؟ اقف على رجلي بس وهاجيبها من شعرها وامسح فيها بلاط البلد كلها شبر شبر لحد ما أهدى.
ضحك محمود بخفة وضربه على كتفه وقال:
أيوة هو ده بقى السؤال، مين اللي عملت فيك كده بصراحة بنت راجل.
هااا.
ها إيه بقولك مين البنت اللي عملت فيك كده.
أغلق علي عينيه مرة أخرى ليهرب من نظرات محمود وقال وهو يضع الوسادة على وجهه:
أنا تعبان دلوقتي ومش قادر أتكلم.
ماشي يا سيدي أرتاح وأنا هشوف البنت اللي سيبها بره بقى لها ساعة دي أكيد عملت مصيبة.
خرج محمود ليجدها تقف على الباب تنتظر قدومه. وقف أمامها مردفًا:
ما كنتش أعرف إن حالته وحشة قوي كده، فهنضطر نبات النهارده هنا.
مسحت على وجهها عدة مرات تحاول السيطرة على رد فعلها ثم قالت من بين أسنانها:
هو إيه اللي ما كنتش تعرف ونبات هنا بتاع إيه؟ هو أنت ليه مصمم تخليني مربوطة بيك؟ ما تسيبني في حالي بقى يا أخي.
رفع يده وقرص أنفها مردفًا بقوة:
سارة يا حبيبتي، حتى لو اتطلقنا أنتِ بنت عمي وتحت إيدي، حاولي تأقلمي عقلك إن أي حاجة صغيرة أو كبيرة تخصك هتعدي عليا أنا الأول.
"اهدئي سارة فالغضب سيزيد الأمر سوء وأنتِ بموضع ضعف". للمرة المليون تقع بداخل حصاره بمفردها ولا تستطيع فعل شيء. أخذت نفس عميق وكتمته بداخل صدرها لعدة ثواني ثم قالت:
خلاص اتصل بأي سواق من بتوعك واطلب منه يجي ياخدني.
حرك كتفه مردفًا:
كان على عيني والله بس لما محمد طلب إجازة أديت لهم كلهم مع بعض، مهو ما فيش حد أحسن من التاني.
والحل.
اقترب منها وقال ببساطة:
الحل يا ستي أننا ندخل نرتاح، إحنا جايين من طريق سفر طويل والاحسن لنا دلوقتي الراحة.
طيب ماشي اتفضل روح احجز لنا أوضتين خلينا نرتاح.
حالتي المادية ما تسمحش بأكتر من أوضة.
صاحت بغضب:
وأنا هنام في الشارع ولا إيه.
لأ يا روحي، هو أنا أقدر طبعًا في الأوضة معايا.
آه يا قليل الأدب أنت ازاي تفكر كده؟ عايز تنام معايا في أوضة واحدة واحنا متطلقين.
اقترب منها أكثر فعادت خطوة للخلف بتوتر ليضع يده حول خصرها مثبتًا جسدها بين يديه ثم همس بنبرة دافئة:
اثبتي.
تعالت دقات قلبها من هذا القرب، فابتلعت ريقها بصعوبة وهمست بنبرة متقطعة:
اثبت إيه؟
طلاقنا يا حياتي، اثبتي إن أنا مطلقك.
يتبع.