تحميل رواية «عطر سارة» PDF
بقلم شيماء سعيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
عادت للخلف برعب من هيئته المخيفة. أغلق باب الغرفة عليهما غير عابئ بصريخ باقي العائلة بالخارج. كل ما يجول بعقله الآن تلك الضحكة الرنانة التي خرجت منها مع أخيه الأحمق. نيران قلبه زادت اشتعال وهو يتذكر هذا المشهد. سارة تلعب معه وهو يفهم ذلك جيداً، ولكنها تلعب بالطريقة الأكثر خطورة عليها. أبتلع ريقه وهو يشير إليها بالاقتراب. رفضت بحركة تمرد مردفة: _ أرجع لورا يا أبيه.. _ تعالي هنا بنفسك بدل ما أجيب أنا.. الحمقاء نست عقابها ووضعت كفيها حول خصرها مردفة بنفس الغيرة: _ مش جاية تعالى أنت لو عايز.. أومأ و...
رواية عطر سارة الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم شيماء سعيد
حاولت إخفاء ابتسامتها بعيدًا عنه، ليلقي بجسده فوق الفراش، ساحبًا جسدها بجواره. تأمل ملامحها، يرى بها جمالًا بريئًا، نظرات طفلة صغيرة تتلهف على العيش بحياة آمنة لقلبها. قرب وجهه منها، ثم وضع قبلة ناعمة على أنفها، مردفًا بنبرة ساخنة:
_ بحبك.
كلمة رائعة بها مشاعر السعادة، عندما تسمعها منه تشعر بالكمال. رفعت عينيها لعينه ورأت بهما ما نطقه لسانه، فهمست:
_ وأنا كمان بحبك.
يا الله على حلاوة ما نطقت، بكلمة بسيطة جعلت قلبه يدلف لعالم وردي رائع. ضم وجهها بيديه وهمس بعتاب:
_ واللي بيحب حد بيبعد عنه؟
بنفس العتاب قالت:
_ ما أنت بعدت بدل اليوم خمس شهور، اتعاملت معايا على إني حاجة مالهاش قيمة من حقك ترميها في أي مكان ولازم أسكت، ضيعت منا أجمل أيام عمرنا يا محمود، فترة حملي دي هتفضل معلمة في قلبي لحد ما أموت.
وضع أحد أصابعه على شفتيها يمنعها من إكمال حديثها، ثم قال:
_ اياكي تجيبي سيرة الموت أبدًا، حقك عليا يا روحي، عملت كدة من خوفي، كل ما أسيبك أرجع ألاقيقي بتعملي أي حاجة عشان نبعد عن بعض، مكنش في قدامي حلول، كنت بشوفك دايمًا ومتابعك في كل لحظة، اليوم الوحيد اللي غبت عنك فيه يوم الولادة.
تنهدت بثقل وقالت:
_ أنا شوفت اللقاء الصحفي وشوفت كلام معتز، حسيت وقتها لأول مرة إني فعلاً حاجة كبيرة عندك ومهمة بالنسبة لك، محمود أنت عايزني أسامحك صح؟
_ اممم صح.
برجاء شديد قالت:
_ حسسني بالأمان والحب، خليني لما أبقى جنبك مبقاش خايفة من اللحظة الجاية.
طلب بسيط جدًا طلبته منه، لو تعلم ما حدث برجولته بعد هذا الطلب. مسح على خصلاتها بالكثير من الحنان، ثم قال:
_ حقك وأقل من حقك كمان، خليكي متأكدة إنك أغلى من روحي وإن اللي فات كان محتاج منك شوية ثقة فيا وكنا هنبقى أحسن من كدة.
وعد جديد تتمنى من أعماق قلبها أن يتم تحقيقه. أومأت إليه بابتسامة جميلة، ليشعر بعودة أنفاسه لصدره. نزل بجسده على جسدها، يضمها إليه حتى يثبت لقلبه أن صاحبته بين أحضانه.
رغم ثقله، إلا أنها أغلقت يديها عليه، وهي على يقين بأن القادم أفضل. ربما كان ينقصها ثقتها به، وها هي أعطتها إليه. شعرت بلمسة يده الفاجرة على مقدمة صدرها، فهمست له بمكر:
_ نزل أيدك يا غالي، اللي في دماغك مش هيحصل.
بخيبة أمل واضحة، ابتعد عنها وقال:
_ عارف، أنا بس لما أخدتك في حضني الحماس خدني شوية.
أطلقت ضحكة رنانة، ليقوم من فوق الفراش يحدق بها بغيظ. أرسلت إليه قبلة بالهواء، وقامت على الأخرى من فوق الفراش، مردفة:
_ يلا بقى نروح بيتنا عشان طمطم لوحدها.
حرك رأسه بنفي وقال:
_ انسى بلا بوجي بلا طمطم، إحنا هنفضل هنا النهاردة وبكرة نحب في بعض، بس غير كدة ممنوع.
حب طلب لقلبها أن تبقى معه بمفردها، يحبها بطريقته الخاصة. ومثل أي أم قالت:
_ لأ طبعًا، فاطمة بيبي صغنون مينفعش تبقى لوحدها، هتعوز ترضع وتغير وتنام في حضني.
_ ده عند أمك، عارفة أمك الله يرحمها عندها، البنت دي بتعمل حاجات هموت وأعملها.
شهقت من وقاحة حديثه، ضربته على صدره، مردفة:
_ بتقول إيه يا سافل أنت.
ببراءة قال:
_ يعني هي ترضع وتقلع وتنام في حضنك وأنا أنام على الكنبة، تعرفي ده اسمه إيه؟
_ إيه؟
_ ظالم يا سارة، اسمه ظلم.
أصبحت بين يومين أم لطفلين، ابتسمت إليه، مردفة:
_ يعني أنت عايز إيه دلوقتي؟
_ نفضل اليومين دول مع بعض وأنا أوعدك أبقى مؤدب.
سألته بقلة حيلة:
_ طيب وفاطمة؟
_ مع جدتها، وكلمة زيادة، هنقضي مكان اليومين أسبوع.
بعد عشر دقائق.
كان يقف بالمطبخ عاري الصدر، وهي تجلس على الرخامة المقابلة إليه. أخذت قطعة من الخيار ووضعتها بفمها، مردفة:
_ هو الأكل هيحصل إمتى؟ أنا جوعت جامد.
رفع يده أمام شفتيها لتأخذ منه قطعة أخرى من الخيار، ثم قال:
_ الأكل على النار يخلص، وأنا هأكلك بأيدي.
أومأت إليه، ثم ابتسمت وعينيها تسير على كل جزء به بأعجاب، مردفة:
_ الا قولي يا محمود؟
مسح على شفتيها، ونظراته تحكي ما يدور بعقله، هامسًا:
_ قولي يا روح محمود.
_ أنت متعود تكون حلو كدة على طول؟
ضحك ضحكة بمفردها، قدرت على سحب روحها من بين ضلوعها. وسيم، وقور، رجل كامل يستطيع جعل أي امرأة مغرمة به. صمت هو يسمعها تقول بصراحة:
_ تعرف إنّي وقعت في حبك من قبل ما أشوفك.
ابتعد عنها قليلًا، ثم رفع حاجبه بتعجب، مردفًا:
_ ده اللي هو إزاي يا بسبوسة؟
مررت أحد أصابعها على شعر ذقنه المهلك لها، وقالت وعينيها هائمة به:
_ كانت دايما مريم تقول لعلاء أبعد عن سارة عشان لو عقلها أخدها تروح تشتكي لمحمود علام، أنا وأنت هنبقى في الشارع. حسيت وقتها إنك بطلي اللي واقفة ورا ضهره. بعدها جيت قصر علام، كان كل تفكيري وقتها إزاي أعيش في القصر ده باقي عمري. دخلت وأخدتني تيتا في حضنها، بصيت على الحيطة لقيت صورة لرجل بس مش أي راجل.
صمتت لتزيد من فضوله. ليبتلع ريقه من حلاوة تأثير حديثها عليه، وهمس بنبرة خشنة:
_ كان ماله الراجل ده؟
انحنت لتقترب منه أكثر، ولفت يديها الاثنين حول عنقه، مكملة:
_ كان حلو أوي، ملامحه خشنة وعينه واثقة كأنه بيقول أنا محمود علام. حسيت إنه بيص لي وبيقولي إنتِ ملكي. جسم قشعر وأنا ببص في عينك جوا الصورة. سألت تيتا قالت ده محمود. وقتها نطقت اسمك وثبته في عقلي وعدت نفسي وعد وحققته، وفخورة إني قدرت أحققه.
_ وعد إيه؟
_ إنّي أبقى أيامك اللي جاية كلها يا محمود.
محظوظ، لا يجد صفة يقولها لنفسه إلا إنه رجل أعطاه الله أكبر قدر من الحظ، امرأة رائعة تقف أمامه وتعترف إنها بغرامه غارقة. حملها بزراع واحد، ونزل بها من فوق الرخامة، ليجلس على الأرض ويضع جسدها فوق فخذه بين أحضانه، مردفًا:
_ شكرًا.
حدقت به بتعجب، مردفة:
_ شكرًا على إيه؟
_ على إنك دخلتي حياة راجل ضايع عايش لأن لسه مجاش معاد موته، وخلتيها جنة. شكرًا على حب كنت بحاول أهرب منه بس كان بيشدني لحد ما دخلت الجنة. تعرفي يا سارة إيه أكتر حاجة ندمان عليها؟
حركت رأسها بنفي، فقال بصدق:
_ إنّي سبتك في إيد الكلب جوز أختك، وكنت فاكر إنك أنتِ اللي مش عايزة تعيشي معانا. لو كنت أخدتك وقتها كنتي أتربيتي على إيدي وتحت حمايتي.
حركت كتفها بدلال، تعلم تأثيره عليه جيدًا. وضعت قبلة صغيرة على شفتيه، فعلت به الكثير، ثم قالت بدلال:
_ وقتها كنت هتبقى البابي بتاعتي وهنعيش جوا العذراء والشعر الأبيض كدة حلو أوي يا حاج.
ضحك وضحكت معه. فزاد من ضمها إليه كأنه يود إدخالها بصدره وغلقه عليها. ابتسمت ودفنت وجهها بعنقه، أخذت نفسًا عميقًا من رائحته المثيرة، وقالت:
_ تعرف إنّي عملت لك البرفان اللي اتفقنا عليه؟
_ وراح فين بقى يا ست بسبوسة؟
بعتاب قالت:
_ في شاليه إسكندرية، عملته لما فضلت لوحدي شهور.
تلومه بطريقة شيك وتقولها له صريحة، ما زال بداخلها جزء حزين منه. فقام من مكانه وجسدها بين يديه، مردفًا:
_ لسه زعلانة، يبقى لازم أصالحك.
_ ما قولنا مينفعش يا قليل الأدب.
غمز إليها بوقاحة، وقال وأصابعه تتحرك بحرية على سلسلة ظهرها:
_ والله العظيم أنتِ اللي قليلة الأدب وشكلك هتموتي عليا، بس مش ده اللي في دماغي.
خجلت من كلماته، أو ربما تكون خجلت لأنها بالفعل اشتاقت قربه. وضع قبلة حنونة على خصلاتها، فقالت:
_ محمود.
_ يا عيوني محمود.
_ لم نفسك عشان بتكسف.
_ يسلملي المكسوف.
زاد من ضمه لها، وقال:
_ تعالي نعوم شوية، أهو نأخد على بعض.
قالها بمرح، لتضحك ويضحك معها، مستمتعًا بتلك اللحظات اللذيذة التي ينعم بها وهي بين يديه.
على قرب أذان الفجر، كانت بين أحضانه بماء حمام السباحة. تعلقت بعنقه مثل الطفلة الصغيرة، وشعورها بالسعادة يزيد مع كل دقيقة تمر لهما معًا. مرر يده على خصرها، مردفًا:
_ الحلو مبسوط؟
أومأت إليه وقالت:
_ أوي يا محمود، مبسوطة أوي، ونفسي نفضل كدة على طول مبسوطين مع بعض وفي حضن بعض.
طلبها بسيط. ابتسم إليها بحنان وعشق ظاهر على معالم وجهه، كل جزء به يعشقها، شغوف بنعومتها. شدد على خصرها، مردفًا بتملك:
_ وأنتِ بين إيدي بحس إنّي ملكت الدنيا كلها، عايزك دايما كدة يا سارة في حضني.
بنعومة لا تليق إلا عليها، قالت:
_ خليك أنت معايا طيب وحلو على طول، وأنا هبقى في حضنك على طول.
قهقه بمرح، ثم وضع قبلة على شفتيها المتساقط منها حبات المياه، مردفًا:
_ والنبي ما في حلو غيرك يا طعم أنت، بقولك إيه تيجي نريح فوق شوية.
حركت رأسها بقلة حيلة، ثم ابتعدت عنه قليلًا، مردفة:
_ أبعد عني ولم نفسك بقى.
نفذ أمرها وأبتعد عنها. صرخت برعب من فكرة كونها بالماء بمفردها. بلحظة واحدة تعلقت بعنقه، مردفة:
_ أنت سبتني بجد، وأنت عارف إنّي بخاف، أخاف عليك يا العيال.
غمز لها بمكر، وقال وأصابعه تتحرك بحرية على سلسلة ظهرها:
_ قولتي أبعد، بعدت، أنا نفذت طلباتك يا روحي.
حدقت به بغيظ، ليحملها مرة واحدة ويخرج بها من حمام السباحة، مردفًا:
_ كفاية لحد كدة، ندخل نأخد شاور وتنامي، الفجر قرب يأذن، أكيد تعبتي.
ألقت برأسها على صدره، ثم أغلقت عينيها بتعب. هي بالفعل مرهقة، وفاطمة تحرم عليها النوم نصف ساعة على بعضها. دلف بها للمرحاض، ثم وضعها على حافة حوض الاستحمام، مردفًا:
_ نحط الماية والشور، وبعدين نحط البسبوسة جوا البانيو.
تعشق هذا الدلال وما تعيشه معه من حنان. دقيقة ووضعها بحوض الاستحمام، تشعر أمامه بالقليل من الخجل، خصوصًا بحالتها تلك، فقالت:
_ محمود، أطلع برة لو سمحت، ولما أخلص هبقي أطلع.
مرر يده على خصلاتها الناعم، ووضع بيده الأخرى كم من الشامبو، مردفًا بحنان:
_ غمضي عينك يا بسبوسة عشان الشامبو ميدخلش فيها.
نفت بخجل شديد جعلها على وشك البكاء:
_ أرجوك أخرج، أنا مش حابة تشوفني كدة.
_ أنا مرتاح كدة، لو أنتِ مش مرتاحة غمضي عيونك الحلوين.
لم تجد أمامها حلًا إلا أن تغلق عينيها وتهرب من ما تعيشه. شعرت بلمساته الحنونة على خصلاتها، وابتسمت براحة شديدة.
بعد عشر دقائق، كانت تجلس على مقعد التسريحة، وهو بيده المشط يحاول أن يعمل لها تسريحة جديدة، فقالت بغضب:
_ خلاص بقى يا محمود، شعري باظ.
زفر هو الآخر بحنق، وعينيه على خصلاتها بتركيز:
_ طيب أعمل إيه يعني، في دماغي تسريحة بس مش عارف بتتنفذ إزاي، اسكتي ساعة والا اتنين، وبإذن الله هعملها.
صرخت به:
_ هاتي المشط ده وروح صلى الفجر، أذن، وأنا جبت أخرى منك.
ألقى المشط من يده، ثم رفع شعرها على شكل كعكة عشوائية، وقام بحملها ووضعها على الفراش بعنف، مردفًا:
_ مينفعش معاكي الرومانسية، كل ما أقول ربنا هداني تطلعي العربجي اللي جوايا.
رمشت عينيها ببراءة، تعلم تأثيرها عليه، ثم قالت:
_ حرام عليكي، ضهري وجعني.
حرام عليها هي اللعب بمشاعره الضعيفة. ما هذا يا فتاة، كيف أن يكون لكِ هذا القدر من السيطرة على مشاعري. رددها عقلها وأكد عليها قلبه، ليعود لحنانه، مردفًا:
_ حسبي الله ونعم الوكيل فيا عشان وجعتك يا بسبوسة.
نفت بحركة سريعة من رأسها، وفتحت ذراعيها إليه، قائلة:
_ بعد الشر عليكي يا حبيبي، تعالي نامي في حضني.
نفذ أمرها ووضع رأسها على صدرها الطري، ثم أغلق عينيه براحة شديدة، مردفًا:
_ تعرفي يا سارة، أنا اتعودت أكون ضهرك وسند الكل، مكنش ينفع أتعب في يوم ولا أحط راسي على صدر حد وأقول مش قادر، حتى لو الحد ده أمي. بس أنا دلوقتي بحط راسي على صدرك وبقولك خليكي جانبي، لأنّي من غيرك مش هقدر أكمل.
مررت أصابعها بين خصلاته الناعمة، وهمست بحنان:
_ اعتبرني أمك، واضعف قدامي زي ما أنت عايز.
رفع عينيه إليها، وقال بتحذير:
_ بس ده يبقى بيني وبينك، أنا قصاد الكل محمود علام.
ابتسمت بحنان، وقالت:
_ كل حاجة حلوة ووحشة هتبقى بيني وبينك.
كلماتها أراحت قلبه، ويدها الحنونة على خصلاته جعلته يشعر بهدوء نفسي أخذه للنوم سريعًا. ظلت تتأمله عدة لحظات، وأغلقت عينيها هي الأخرى براحة وشعور رائع بالأمان.
صباح اليوم الثاني بمصنع سارة.
كانت تحدق أروي بتعجب لضحى الجالسة أمامها تفرك بيدها. زفرت بضيق، ثم قالت:
_ وبعدين يا ضحى، ما تقولي في إيه، ما وقت ما وصلت وأنتِ قاعدة ساكتة.
أخذت ضحى نفسها بتوتر، لا تعلم كيف تبدأ حديثها أو ماذا تقول. ضيق أروي من صمتها جعلها تأخذ القليل من الشجاعة، وتقول:
_ مدام أروي، أنتِ عارفة أنا كنت بعمل إيه في بيت علي؟
قالت اسمه بلا ألقاب، لعل الأخرى تفهم معنى حديثها. عقدت أروي حاجبيها بحذر، وقالت:
_ كنتي بتشتغلي في البيت، بتساعدي يعني أقصد.
لا تريد قول كلمة تقلل من قيمة الأخرى، فابتسمت ضحى، مردفة:
_ تقصدي خدامة مش كدة؟
أومأت إليها أروي بحرج، ثم قالت:
_ أيوة، متزعليش مني، الشغل مش عيب، والحمد لله دلوقتي شغلك وحياتك بقوا أحسن كتير.
ثقل كبير على قلب ضحى تريد أن تسقطه من عليها. ضمت يديها لبعض بتوتر كبير، وأنذلت رأسها بالأرض، مردفة:
_ ده اللي كان قدام الناس، لكن الحقيقة كانت حاجة تانية خالص.
ثقلها تم نقله لأروي. خافت من ما هو قادم، وكأنها بدأت تفهم الأمر المريب. ارتجف قلبها وهي تتمنى أن لا تسمع ما وصل لعقلها، تتمنى غلق باب الماضي إلى الأبد. ابتلعت ريقها، مردفة:
_ إيه هي الحاجة التانية خالص؟
_ مش عارفة أقولك إزاي، ولا أقولك إيه. أنتِ عزيزة عليا جدًا يا مدام أروي، ويعلم ربنا خير محمود بيه عليا كتير، ولولا كدة كنت سكتت وعشت في حالي. بس مقدرش أشوفك بترمي نفسك في النار وأسكت.
تدمر أعصابها، فصرخت بغضب:
_ ضحى كفاية مقدمات، قولي عايزة تقولي إيه.
_ كنت بالنسبة له **** للمتعة، مراته في السر، ولما شبع مني طلقني وسبني في بيته خدامة.
رواية عطر سارة الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم شيماء سعيد
بأحد المطاعم الراقية..
مد معتز يده لسمية بكوب من القهوة، كانت تحدق بها وهي تائهة تعيش مشاعر جديدة عليها وهذا يزيد قلقها.
بكف مرتجف أخذت منه الكوب ليجلس أمامها مبتسماً.
ثم قال:
_ مالك شكلك متوترة من وقت ما قعدنا وأنتِ ساكتة؟
أخذت رشفة بها كم كبير من القهوة، ثم وضعت الكوب أمامها على الطاولة.
تفعل أشياء عجيبة لتهرب بها من تأثير قربه عليها.
ظل يتابعها وهو يبتسم بفخر على صنع يده.
رفع حاجبه إليها ليحثها على الحديث فقالت بتعب:
_ إللي بيحصل ده غلط يا معتز.
سألها ببراءة:
_ وهو إيه إللي بيحصل يا سمية؟
يدور بالحديث هي لديها القدر الكافي من الذكاء حتى تفهم ذلك.
أخذت نفس عميق ثم سندت ظهرها على ظهر المقعد لتعطي لنفسها قدر من الوقار والجدية.
_ إللي إحنا فيه يا معتز.
_ وايه إللي إحنا فيه بقي؟
أخذ أخر ما لديها من الهدوء فقالت بغضب:
_ بطل تلف وتدور بالكلام يا معتز بقي، أنا مش مرتاحة في العلاقة دي حاسة إني بعمل حاجة غلط والمفروض اتكسف منها.
كانت يسمعها بصدر رحب، تركها تقول ما تريد أن تقوله وهو فقط يسمع ويهتم.
انهت حديثها وعينيها بهما الكثير من الدموع تحاول بكل ما لديها من قوة السيطرة عليها.
سحب مقعده حتى جلس بجوارها فمد يده ليضم يدها وقال بحنان:
_ هو من أنت كان الحب حاجة غلط أو حاجة تتكسفي منها؟
جملة بسيطة جعلتها تهتز، لا تعلم أهذا اعتراف منها بحبها أم وهم تتمنى أن تسمعه.
أبتلعت ريقها بذهول ورددت:
_ حب؟
أومأ إليها مردفاً بإبتسامة رائعة:
_ بحبك يا سمية.
يحبها؟ قالها؟ نعم قالها، رنت بداخل قلبها وعقلها بلحظة واحدة.
رجفة لذيذة تغلغلت بجسدها للحظة، لحظة من السعادة والشعور بجنون مشاعر الحب.
لحظة انتهت سريعاً لتبعد يدها عنه برفض لما يحاول يوصل بها إليه.
تعجب من تحولها فقال:
_ مش هتقولي أي حاجة؟
ما يحدث الآن جنون لابد أن ينتهي.
قامت من مكانها مردفة بغضب:
_ هقول إيه؟ أنت أكيد مجنون حب إيه وكلام فاضي إيه؟ أنت أصغر مني يا معتز بالنسبة ليا عيل لسة في سن المراهقة إزاي تفكر فيا كده أو تتكلم معايا بالأسلوب ده؟
تغيرت معالم وجهه، اختفت ابتسامة وحل محلها غضب وشعور جنوني من فكرة رفضه للمرة الثانية.
رد عليها بصوت مرعب:
_ اقعدي مكانك بدل ما أقوم لأني لو قمت مش هخلي فيكي حتة سليمة ووقتها هتعرفي مين فيا الصغير.
نبرته بمفردها جعلتها تجلس مثلما أمر فأكمل بنبرة خشنة حاول بث بها القليل من الحنان:
_ مين المجنون إللي قالك إن الراجل سنه؟ الراجل اللي راجل بجد بيتولد راجل يا سمية وأنا مش أي راجل أنا معتز علام.
تري به رجل كامل الرجولة، تعجز عن أي ردة فعل أمامه، تضعف وهي تنظر لعينيه وتشعر إنه رجلها الوحيد.
حركت رأسها بتعب ترفض ما يسير قلبها إليه مردفة:
_ معتز أرجوك خلينا نبعد عن بعض ونطلع الكلام الفارغ ده من دماغنا، إحنا لسة صغيرين أنا كمان في سن المراهقة مش أنت بس، حتى لو جوانا أي مشاعر هتموت مع الوقت يبقى الأحسن نحافظ على الشغل اللي بينا.
أخر ما كان يريد سماعه رفضها، بعد مرور شهرين فعل بهما كل ما لم يفعله رجل حتى يصل لقلبها سمع عدم تقبلها.
رفض بحركة سريعة من رأسه مردفاً:
_ إحنا مش مراهقين زي ما بتحاولي تقولي، سمية أنا بحبك ومش ناوي أتنازل عن الحب ده ولا هدي ليكي فرصة صغيرة عشان تهربي مني، خديها نصيحة مني أقبلي علاقتنا لأنها مكملة معاكي لآخر عمرك.
رفعت حاجبها بغضب من غروره بالحديث قائلة:
_ حاسب على كلامك يا معتز من سمية عمران اللي حد يتكلم معاها بالشكل ده مهما كان مين الحد ده، وخذ بالك كلمة زيادة هكلم محمود بيه وأقفل معاه المشروع كله.
_ بلح.
_ أفندم؟
قالتها بذهول ليزيد من ذهولها عندما جذب مقعدها لتلتصق به بالمعنى الحرفي ثم قال بقوة:
_ بقولك بلح، مش فارق معايا حاجة ولا حد غيرك خليكي حلوة وقولي بحبك بدل ما أطلع***** أمك.
بلحظة كان دفع الحساب وتركها بمفردها فقالت برعب:
_ ده مجنون ده وإلا إيه؟
بمصنع سارة مكتب أروى.
دلف علي دون السماع للسكرتيرة، راها تجلس على مكتبها وعينيها متعلقة بأحد الملفات.
أغلق الباب خلفه بقوة جعلتها تنتبه إليه.
وصل إليها رائحة عطره ومع صوت الباب تأكدت من وجوده.
غمضت عينيها لعدة لحظات حتى تأخذ أكبر قدر من الثبات ثم أخذت نفس عميق ورفعت رأسها إليه.
كان يقف أمامها بأعين غاضبة، شهرين من العذاب مروا عليه أحرقته نيران الاشتياق.
ضرب على المكتب بقوة مردفاً:
_ ممكن أفهم إيه الجنان اللي بيحصل ده مش كفاية عليا أخوكي؟ أنتِ كمان بتهربي مني كأني مرض معدي.
أشارت إليه بهدوء على أحد المقاعد ثم قالت بتعب:
_ كنت بهرب عشان مش حابة أتكلم مش عايزة أخسرك يا علي.
جلس بذهول، نبرتها تقول كم هي تعاني ويؤلمها البعد.
صمت منتظر منها باقي الحديث، يريد فهم ما يحدث معها لكنها ظلت صامتة ترفض تجربة الحديث، فقال:
_ وايه إللي ممكن يخلينا نخسر بعض يا أروى؟ قولي كل اللي في قلبك وأنا هسمعك متخافيش.
خرجت منها تنهيدة طويلة وقالت بتعب:
_ أنت كنت متجوز ضحي فعلاً؟
اهتز للحظة من مفاجأة السؤال وبعدها قال بهدوء:
_ أيوه.
لا ينكر ضيقه من معرفتها ولكن هذا جيد جداً حتى يغلق تلك الصفحة من حياته للأبد.
انتفض قلبها من بين ضلوعها بعدها ابتسمت بمرارة مردفة:
_ ليه؟
عقد ما بين حاجبيه وقال:
_ ليه إيه؟
_ ليه تعمل كدة في عيلة صغيرة؟ ليه تلعب بيها وتستغل أنها مالهاش غيرك وفي الآخر تخلع بالشكل ده؟ إزاي طول الفترة اللي فاتت دي كنت قادر تنام على مخدتك مرتاح وفي واحدة مستقبلها ضاع بسببك ويا عالم هي واحدة بس وإلا لسة في كتير؟
استمع إليها بصمت ثم قام من مكانه بهدوء وفتح باب المكتب، أشار للسكرتيرة قائلاً:
_ روحي هاتي ضحي سكرتيرة سارة هانم واياكي تعرف إني هنا فاهمة.
أومات إليه باحترام وذهبت لتنفيذ ما طلبه، عاد للداخل فقالت أروى بقلق:
_ علي ضحي بنت غلبانة أنت ناوي تعمل فيها إيه بالظبط؟
خلع جكيت بدلته وألقى به عليها ثم جلس على المقعد المقابل لها ووضع ساق على الآخر بظهر مسنود على المقعد براحة مردفاً ببرود:
_ خليكي ساكتة لحد ما تيجي وتخرج بعدها قولي كل اللي نفسك فيه.
صمتت وبعد دقيقة أتت ضحي، أرتعبت من وجوده وقبل أن تعود خطوة واحدة للخلف قال بهدوء:
_ على فين يا دودو تعالي هنا.
حدقت بأروى تأخذ منها العون وبكل أسف كان حال أروى أصعب منها، تقدمت وجلست محل ما أشار إليها ثم قالت بتوتر:
_ حضرتك طلبتيني يا مدام أروى.
أجاب علي:
_ أنا اللي طلبتك يا دودو.
حدقت به بخوف شديد قائلة:
_ ليه؟
بإبتسامة رائعة قال:
_ وحشتيني ده إحنا كنا عشرة برضو.
علمت بمعرفته بحديثها فأخذت نفس عميق تتغلب به على خوفها وقالت:
_ أنا معملتش حاجة غلط لما قولتها إللي حصل، محمود بيه له فضل عليا كبير وهي كمان كويسة جدا معايا وحقها تعرف إنها فترة في حياة راجل معندوش مشاعر كل تفكيره في السرير وبس.
صرخت بهلع عندما جذبها من ذراعها فجأة لتقف أمامه ثم صرخ:
_ وحياة أمك يا بت، تصدقي أنا ابن ستين كلب عشان وقفت معاكي إللي زيك كانت تتجوز إللي عنده 80 سنة تخدمي فيه لحد ما يموت وبعدين تترمي في الشارع.
قامت أروى سريعاً وجذبت ضحي بعيداً عنه مردفة:
_ إيه الهمجية دي يا علي ده مش أسلوب؟ أخرجي برة يا ضحي اخرجي.
صرخ بغضب:
_ لأ قولي الأول كنت متجوزك رسمي وإلا عرفي واتجوزتك ليه أساسا بعدين أبقي غوري في داهية.
بصوت مرتجف قالت:
_ رسمي عشان تحميني من أهلي، بس كمان ضحكت عليا لحد ما شبعت وفي الآخر طلقتني وشغلتني خدامة عندك.
قبل أن يسحبها إليه اخرجتها أروى من المكتب، عاد لعلي لتجده يقف أمامها بغضب، فقالت:
_ ده مش أسلوب كلام.
أشار إليها بالصمت وقال:
_ اخرسي خالص أنا جبت أخري منك ومن دلعك، بقي ليا شهرين بلف وراكي زي المجنون وفي الآخر يطلع السبب هايف.
قطعته بذهول:
_ أنت بتسمي كل ده سبب هايف؟
_ أيوه هايف من حقك تزعلي لما نبقى متقابلين على سجادة الصلاة ومش في أوضة نومك فوقي يا بت.
فتحت عينيها بذهول وقالت:
_ هااا.
_ ها إيه بصي فرحي عليكي بكرا غصب عنك وعن أخوكي يا عيلة مالهاش كبير.
مساءاً بقصر علام.
جلست سارة بجوار حنان، عضت على شفتيها بشفقة على حال الأخرى منذ سفر زوجها.
ابتسمت بالقليل من المرح وقدمت إليها فاطمة مردفة:
_ خدي حبيبة قلب جدتها أنا خالص زهقت من البنت دي ومش عايزة أشوف وش أمها تاني.
أخذتها حنان من بين يديها بحزن ووضعت قبلة ناعمة على رأس حفيدتها مردفة:
_ مالها يا بنت دي طيبة خالص أهي وبتسمع الكلام.
ردت عليها سارة بسخرية:
_ هي مين دي اللي طيبة يا حاجة؟ فاطمة؟ دي عقربة زي أبوها لا تطاق مش عارفة كان ليا فين الوقعة السودة دي والله.
أغلقت عينيها برعب وهي تسمعه يرد من خلفها:
_ مالها الوقعة يا بنت ده انتِ كنتي هتموتي عشان ابص لك بس.
وقعت بشر أعمالها، قامت من مكانها بإبتسامة متوترة ثم دارت بوجهها إليه مردفة:
_ حبيبي حمد لله على السلامة هو أنت جيت امتى؟
أقترب من والدته بهدوء ثم وضع قبلة فوق رأسها ورأس فاطمة مردفاً:
_ عاملة إيه النهاردة يا ست الكل؟
تجاهلها؟ هل بالفعل ما رأته حقيقي وقام بتجاهل وجودها؟
نظرت إليه وجدته يتحدث مع والدته بكل هدوء، هذا هدوء ما قبل العاصفة هي تشعر بذلك.
انسحبت من المكان بسرعة البرق لغرفة نومها.
اصطدم جسدها بمعتز على الدرج فأبتعدت عنه بالقليل من التوتر، لأول مرة تقف أمامه بمفردها منذ عودتها.
ابتسم إليها فحدقت به بتعجب فأكمل عليها قائلاً:
_ ازيك يا سارة عاملة إيه؟
_ هااا.
قالتها بذهول، لا تصدق أن معتز يقف أمامها بهذا الهدوء ويسأل عن حالها.
ضحك بمرح قائلاً:
_ ها إيه بس بقولك عاملة إيه.
_ الحمدلله بخير.
تشعر بشيء غريب، قلبها أعطا لها صفيرة إنذار واضحة.
أومأ إليها بهدوء مردفاً:
_ أنا عارف إني علاقتي بيكي باظت خالص في الفترة اللي فاتت، وعشان أكون صريح معاكي أنا لحد دلوقتي مش قادر اتقبل وجودك بس أنتِ حالياً أم أختي ومهمة جداً في حياة بابا فالأفضل إن يبقى بينا علاقة كويسة رأيك إيه؟
قال هذا ومد يده إليها كبداية سلام.
تعالت دقات قلبها وكأن أصبح بينهما وبين الخطر خطوة واحدة.
بيد مرتجفة سلمت عليها وهي تقول لنفسها "هذا أفضل من العداء فإنه ابن محمود".
ابتسمت إليه وقالت:
_ عندك حق وصدقني أنا عمري ما أتمنيت نوصل لكل ده بس المكتوب مفيش منه هروب.
بصمت ذهب وبنفس اللحظة صعد محمود.
نظر إليها بتساؤل فقالت:
_ معتز كان حابب يفتح معايا صفحة جديدة يا محمود.
سحبها من كفها الصغير وتحرك بها بخطوات سريعة لغرفة نومهما.
دلف بها وأغلق الباب عليهما ثم تركها وخلع جكيت بدلته وألقى به على الفراش وجلس هو الآخر على طرف الفراش.
للحظة شعرت بالخوف من تصرفاته ومع ذلك أقتربت منه مردفة:
_ حبيبي.
_ هو أنا فعلاً حبيبك يا سارة؟
قالها بشك حقيقي وبداخله يتمني سماع كل كلمة منها تريح قلبه.
تعجبت وقالت:
_ محمود أنا كنت بهزر مع طنط تحت عشان تنسي سفر عمو مش أكتر ليه بتقول كدة؟
_ عشان خايف.
جملة بسيطة من كلمتين وصفت حالته كاملة، هو خائف بالفعل خائف.
سحبها لتجلس على ساقه ودفن رأسه بصدرها الناعم مكملاً:
_ خايف تبعدي، وخايف أكون في حياتك أمر واقع مش قادرة تهربي منه، سارة أنا مريض بيكي ومش عارف اتعالج.
أغلقت ذراعيها حوله بمحاولة بريئة منها لتشعره الأمان، عناق حنون به رسالة صريحة بالعشق.
وضعت قبلة ناعمة على رأسه وهمست بدفئ:
_ مين يبقى معاها راجل زيك ومتحبوش يا محمود أنت مش أي راجل أنت سيد الرجالة.
بأمل طفل صغير قال:
_ أنتِ كمان مش أي ست يا سارة، عايزك تحبيني وحياة فاطمة عندك حبيني من قلبك حتي لو حبة صغيرين يا ستي أنا راضي.
أبعد وجهه عنها قليلاً ووضعت أحد أصابعها على شعر ذقنه مردفة بدلال:
_ تؤ أنت تأخد الحب كله الشوية الصغيرين دول مش ليك يا حبيبي.
أصبحت بالنسبة له إدمان لا يشعر بالارتياح إلا بعد أخذ جرعته.
أقترب من شفتيها وضمها بين شفتيه بشغف مستمتع بحلاوة قربها.
دقات متتالية على باب الغرفة جعلتها تدفعه بعيداً عنها، نظر إليها بغضب يرفض بعده عن متعته فقالت بابتسامة:
_ معلش يا حبيبي ممكن حد من الخدم جايب فاطمة أفتح الباب.
زفر بضيق وقام ليفتح الباب رأي أمامه إحدى الخادمات فقال بغضب:
_ طالما محدش فتح من مرة بتخبطي تاني ليه؟
عادت خطوة للخلف بخوف وقالت:
_ ماليش دعوة والله يا باشا دي أخت الست هانم تحت وشكلها غريبة فحنان هانم طلبت مني أجيب سارة هانم بسرعة.
بجبروت قال:
_ خلي الأمن يرميها في الشارع.
انتفضت سارة من مكانها وقالت:
_ لأ طبعاً أنا نازلة أشوفها.
أشار للخادمة بالذهاب واغلق باب الغرفة ثم دار إليها مردفاً:
_ نازلة تشوفي مين؟
_ مريم يا محمود.
ضحك بسخرية وقال:
_ مريم يا محمود؟ أنتِ بتتكلمي بجد ولا عقلك في إيه بالضبط؟ واحدة عاشت عمرك كله بتستغلك ووقعتي في بدل المصيبة 10 ما فكرتش تسأل عليكي ودلوقتي بتقوليلي نازلة تشوفيها؟ مش هتنزلي يا ساره والامن هيرميها بره قدام عينك.
وقفت أمامه قبل أن يقوم بالاتصال على الأمن وجذبت الهاتف من يده مردفة:
_ بلاش تعمل كده ما فيش حاجة تستحق إننا نعمل كل ده، هنزل أشوفها عايزة إيه وخلاص أنت ليه مصمم تحول الموضوع لمشكلة؟
أبتعد عن طريقها وقال بقوة:
_ براحتك يا ساره انزلي واعملي اللي أنتِ عايزاه بس اعرفي كويس قوي اني قولتلك بلاش.
_ بلاش ليه مش فاهمة؟
عملت معايا حاجات كتير وحشة ده حقيقي بس في نفس الوقت دي أختي زي ما عايدة الله يرحمها عملت حاجات كتير وحشة وكانت بالنسبة لك مراتك اللي ما بتغلطش وزي ما معتز عمل حاجات كتير وحشة وبرضو بالنسبة لك ابنه اللي بتسامحه، فين المشكلة لما اشوف اختي عايزة إيه.
نظرة واحدة منه جعلتها تصمت، وجدته يتجه للمرحاض بخطوات غاضبة فزفرت بضيق ونزلت للأسف.
وقفت أمام شقيقتها بصدمة، حالة مريم كانت حالة بشعة، ملابس قديمة تبدو لامرأة أكبر منها سن وجسداً، عيون حمراء منتفخة، ووجه به جروح متفرقة هنا وهناك.
أقتربت منها بخطوات مترددة وقالت:
_ مريم إيه اللي عمل فيكي كده؟
_ جوزك.
قالتها بقهر، بغل، بكره، بمشاعر كثيرة وصلت لسارة بالكامل.
رددت بعدم تصديق:
_ محمود إللي عمل فيكي كده؟ طيب ليه؟
صرخت مريم بغضب:
_ ما تبطلي تمثيل بقى، يعني عايزة تفهميني إنك مش عارفه كل حاجة ونازلة مخصوص عشان تشمتي فيا؟ الأول خطف جوزي وبهدل فيه شهور لما خلاه أتجنن وطلقني، وفي الآخر خلاني ماشية في الشارع زي المجنونة لا حد راضي يشغلني ولا يقعدني في بيته، بتبصيلي كده ليه كأنك مصدومة مش أوامرك، أنتِ إزاي زبالة كده إزاي تعملي في أختك كده.
كانت حقاً مصدومة، لا تعلم لما فعل هذا أو متي فعل، تألمت لرؤية شقيقتها صديقة طفولتها بهذا الشكل.
أقتربت منها وقالت:
_ صدقيني أنا ما أعرفش أي حاجة عن الكلام اللي أنتِ بتقوليه ده يا مريم ومهما كان اللي بيني وبينك مش هيوصل بيا أؤذيكي بالشكل ده على الأقل عشان عضم التربية اللي بينا.
زاد التعب على مريم فسقطت بين يدي سارة فاقدة للوعي، سقوطها جعل الأخرى تسقط معها قائلة برعب لحنان:
_ اطلبي الدكتور حالا يا طنط.
بعد دقيقتين كانت تقف أمامه مردفة بغضب شديد:
_ إيه اللي انت عملته ده للدرجة دي ما فيش في قلبك رحمة.
رد عليها بهدوء:
_ أنا عملت الصح وضميري مرتاح جدا وأحمدي ربنا إني سايبها لحد دلوقتي نايمة في بيتي وطالب ليها الدكتور ولو عملت ده فعملته عشانك.
ضحكت بسخرية:
_ لأ بجد كثر خيرك مش عارفة أشكرك إزاي؟ وصلتها إنها بقت ماشية في الشوارع زي الشحاتين وفي الآخر تقول عملت عشاني، أنا ما طلبتش منك لا تأذيها ولا تأذي جوزها يا محمود انت عملت كده عشان غرورك.
أشار على نفسه بذهول وقال:
_ عشان غروري؟ بجد كثر خيرك يا بنت الأصول اختك اللي نايمة جوه على سريرك دي كانت متفقة مع جوزها تجيب لك راجل غريب وتنيمه معاكي وتصورك عشان أطلقك وأرميكي في الشارع، عايزك بقى تاخديها في حضنك وتطبطبي عليها لحد ما ربنا يرد لها صحتها وأول حاجة تعملها تدوس عليكي بالجزمه وصدقيني وقتها مش هدافع عنك.
ترك لها الغرفة وخرج فسقط جسدها على أقرب مقعد، تعلم ما كان يريد فعله زوج شقيقتها تعلم كم كان يرغبها ويود عودتها تحت قدمه، لكن كيف وصل الحال بمريم لهنا كيف هانت عليها أيام طفولتهم معاً.
سمعت صوت رحيل سيارته فهمست بضعف:
_ ما تسيبنيش لوحدي أنا ببقى خايفة وضعيفة أوي وأنت مش موجود.
بعد منتصف الليل بسيارة معتز.
صرخت سمية بغضب:
_ بقى بذمتك دي تصرفات؟ تتصل بيا تقولي إنك تعبان وفي الآخر تطلع بتهزر ده مش أسلوب يا معتز بتاع بني آدمين كبار.
ضحك بمرح وأخرج علبتين من العصير أخذ واحد وقدم الآخر إليها مردفاً:
_ معلش يا ستي ما لقيتش حد أفضفض معاه شوية قولت بما إن أنا وسمية هانم وأصحابي أخليها تيجي نتكلم مع بعض.
حركت رأسها برفض وقالت:
_ يا سلام وأحلامك دي ما كانتش تنفع الصبح في الشركة ونتكلم براحتك زي ما جنابك عايز، أنت عارف الساعة كام دلوقتي يا ابني إحنا داخلين على الساعة 1:00.
أبتسم إليها بلا مبالاة وقدم إليها العصير للمرة الثانية مردفاً:
_ ما خلاص بقى يا سمية خلي قلبك أبيض خدي اشربي خلينا ندردش شوية.
_ أنا هنزل يا معتز ولاخر مرة هقول لك اللي بتفكر فيه ده غلط ومش هيحصل، اتفضل بقى روح شوفلك أي مكان تاني تفضفض فيه.
أغلق عينيه لعدة ثواني حتى يأخذ أكبر قدر من الصبر ثم رسمت على وجهه ابتسامة مرحة مردفاً:
_ والله العظيم ما يحصل مش هتنزلي من هنا إلا ما تشربي العصير معايا بعد كده يا ستي روحي مطرح ما تحبي.
أخذت منه العصير لتخلص من تصميمه الرهيب وتفر من شعورها بالرغبة بالبقاء بجواره أمامه ابتسامته.
ظل يتابعها وهي تأخذ من العصير رشفة وراها الأخرى حتى وضعت يدها على رأسها بتعب مردفة:
_ هو في إيه في العصير ده؟
_ مخدر يا حياتي.
قالها ببساطة لتغلق بعدها عينيها باستسلام شديد لما يحدث حولها.
بصباح اليوم التالي.
فتحت سمية عينيها بصداع مؤلم يكاد يقسم رأسها، رأت أشياء غريبة حولها، معتز عارٍ بجوارها لتنقل نظرها لنفسها وجدت جسدها مستور بشرشف فراش صغير.
حركت رأسها برفض لهذا الكابوس المرعب، يستحيل أن يكون هذا حقيقي، يستحيل أن يكون فعل معتز بها ما وصل لعقلها.
أطلقت صرخة قوية لعلها تستيقظ وتجد نفسها على فراشها بمنزلها.
صرختها كانت منبهة معتز ففتح عينيه مردفاً بإبتسامة سعيدة:
_ صباحية مباركة يا سوسو.
رواية عطر سارة الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم شيماء سعيد
رفع عينيه عن الأوراق الموضوعة أمامه عند وصول رائحة عطرها إليه.
راها تقف على باب المكتب بمعالم وجه حزينة.
للحظة كان سيسير خلف قلبه ويأخذها بين أحضانه، ليتحكم به عقله ويعود بنظره لعمله.
ضمت شفتيها بحزن وأغلقت الباب خلفها، ثم أقتربت منه بخطوات بطيئة حتى وصلت بجواره.
جلست على ظهر المكتب مردفة بدلالها المحبب إليه:
_ وحشتني..
لم يجيب، فزادت من الجرعة هامسة:
_ بحبك..
تعالت دقاته من نبرتها المهلكة لكل حصونه.
ضغط على القلم بين يديه حتى يظل على ثباته.
رفعت يدها، مررت أحد أصابعها على مقدمة عنقه وبدأت بالغناء بنعومة:
_ حقك عليا،، حقك عليا سامحني، ده أنا جرحي ليك إللي جارحني..
يا الله ما تلك الحلاوة، لأول مرة يعيش معها هذا الشعور.
هو يتدلل وهي تزيد من دلاله بصدر رحب.
أبعد رأسه عنها وهو مستمتع، يود أن يكتشف معها المزيد.
لتميل برأسها عليه مردفة:
_ مش لما أنا ببقي زعلانة بسيب لك نفسي عشان تصالحني.. دلوقتي بقي مطلوب من محمود باشا علام يسيب نفسه ليا على الآخر لحد ما أصالحه..
أخيراً تحدث، رغم نبرته الجافة ولكنها شعرت ببريق أمل يقترب منها:
_ مش هتعرفي..
ردت عليه بحماس:
_ لأ طبعاً هعرف، بتقول كدة ليه ؟!
_ لأنك بتعرفي تجرحي بس يا سارة، متعرفيش تداوي جروح..
رفضت بحركة بسيطة من رأسها وقالت:
_ جرب مش هتخسر..
قالتها وقامت من مكانها، ثم مدت يدها إليه منتظرة منه إن يعطي يده لها.
تنهد بتعب ورفع عينيه بها، وجدها تنظر إليه برجاء تتمني منه عدم خذلانها.
وقد كان، نفذ طلب عينيها دون أن تقوله وضَم يدها بيده.
فقالت بإبتسامة مشرقة:
_ أمشي معايا وسيب ليا نفسك خالص لأخر اليوم..
بشقة معتز..
خرج من المرحاض وهو يستر جسده بمنشفة حول خصره.
زفر بضيق عندما راها مثلما تركها، تضم الشرشف حول جسدها وتحدق بنقطة مجهولة الهوية.
شعر بثقل يحتل قلبه وهو يراها ضائعة، تائهة تبحث عن شئ تعلم أنه ذهب ولم يعد.
أقترب منها وبيده منشفة أخري يجفف بها خصلاته وقال:
_ من كفاية نواح بقي ؟!
هي بعالم أخر، لا تسمعه ولا تراه، بعالم بعيداً عنه كل البعد.
تتذكر فقط ليلة وفاة والدها ووعدها إليه " أرتاح يا حبيبي أنا وحيدة اه بس أوعدك أرفع رأسك واسمك طول ما أنا عايشة"..
اليوم أصبحت رأس والدها الغائب أسفل التراب، اليوم سقط إسمها ومعه إسم خالد عمران.
والدها كان رجل به كل صفات الرجال، رحل وتركها تكمل مسيرته.
وابن علام بلحظة جنون أنهى كل شيء.
صورها بأوضاع بشعة، يريد منها ما هو أبشع.
رنين كلماته تضرب برأسها " عايزك تقربي من أبويا بأي شكل لحد ما يروح سريرك، إزاي معرفش، وبعدها مالكيش دعوة، هو من نفسه هيصلح الغلطة دي ويتجوزك، وقتها أنا همسح الصور وأنتِ كمان هتنقذي سمعتك"..
بعدها دلف للمرحاض وتركها بحالة من الصمت المريب.
فاقت على صوته الغاضب يقول:
_ هتفضلي عاملة نفسك ميتة كدة كتير ؟!
سألته:
_ أنت إزاي طلعت وسخ كدة ؟! وأنا إزاي طلعت غبية بالشكل ده عشان عيل زيك يخليني أحبه ويضحك عليا ؟!
" يخليني أحبه" جملة بسيطة من كلمتين جعلت شئ بداخله يتحرك.
شئ يطلب منها أخذها لأقرب مأذون حتي تصبح ملكه.
أهتز وقلبه بداخله يصرخ مردفاً " لا أريد غيرها"..
تذكر أخر حديث له مع والدته الحبيب، تذكر رجائها الباكي قبل خروج روحها:
_ عايزة حقي يا معتز، حقي من واحدة حرمتني أموت في حضن جوزي، أوعدني تخليها تشرب من نفس الكأس إللي شربت منه، أوعدني تموت بحسرتها زي ما أنا هموت دلوقتي..
كان تائهاً وعاجزاً، يراها تبكي وتصرخ وتطلب منه الأخذ بثأرها قبل أن ترحل.
وجد حاله يقول:
_ أوعدك يا أمي..
قالها لتفتح ذراعيها إليه، ضمها وأغلقت عينيها بعدها.
ماتت بين يديه مقهورة على زوجها.
مع تذكره هذا، ذهبت الرحمة من قلبه وقال ببرود:
_ أنا مش غصبك على حاجة، لو مش عايزة تنفذي أنتِ حرة، وقتها أنا كمان هبقي حر وانزل الصور براحتي خالص..
جلس بجوارها على الفراش ورفع يديه للاعلي مردفاً:
_ نكتب إيه بقي على العنوان ؟! سمية عمران بأحضان رجل مجهول، وإلا إبنه الراحل خالد عمران بفراش عشيقها ؟!
حدقت به بمعالم كره واضحة وقالت:
_ حيوان..
بفيلا سارة..
دلف خلفها لغرفة النوم حتى جعلته يجلس على الفراش، ثم عادت لباب الغرفة وأغلقت الباب عليهما.
كان يتابعها بفضول، يود إن يعلم ما يمكنها فعله حتي تنال رضاه.
رفع حاجبه بذهول وهي تخلع ملابسها عنها قطعة وراء الأخري ببطء يشغله، فأبتلع ريقه مردفاً:
_ أنتِ بتعملي إيه ؟!
كانت ترتدي أسفل فستانها قميص عبارة عن خيوط حمراء، زادها روعة وجمال.
جسد أبيض ناعم يليق به اللون الأحمر بشكل مبهر.
تعلم تأثيرها عليه وتعلم كم يحب دلالها.
فقامت باستعمال أكبر قدر لديها من الدلال.
أقتربت منها ثم رفعت ذقنه بأحد أصابعها مردفة بنبرة ناعمة:
_ مش اتفقنا قبل كده نبقي عيال بالنهار و ***** بالليل ؟!
أومأ إليها وهو مغيب.
فحركت كتفها مردفة:
_ دلوقتي هنفذ الإتفاق بس مع تغيير المواعيد، هيبقي إللي أنت عايزه بالنهار، وبالليل توديني سينما..
ما هذا يا صغيرة، قلبه لا يتحمل هذا القدر.
كانت لا تفعل شيئاً ويقع بها، كيف سيبقى على موقفه والآن وهي تفعل كل شيئ.
همس بنبرة متحشرجة:
_ وكلامك إمبارح راح فين ؟!
_ في داهية..
_ نعم ؟!
_ أي حاجة ممكن تبعدني عنك تبقي في داهية يا محمود..
قامت من فوق ساقه، فحاول أخذ نفسه.
وقبل أن يأخذ شهيق، كانت فتحت أغنية شهيرة " الجو هادي" وبدأت تتمايل معها.
أرتفعت دقاته، وأتسعت عينيه بذهول.
فعلتها من قبل بطلب منه، وتحت خجلها الآن الأمر مختلف بشكل مهلك لقلبه.
قطعة البسبوسة خاصته تفعل أشياء عجيبة تقوده للجنون.
قررت تكمل عليه، فأقتربت من أريكة كبيرة موضوعة بالغرفة وأخذت من خلفها آخر شيء ممكن أن يأتي بتفكيره " شيشة".
وضعتها أسفل ساقه وهسمت:
_ شد يا معلم..
_ هااا..
_ شد..
قالتها بنعومة، نفذ أمرها بعدها بكل صدر رحب.
أخذ منها أول نفس لتعود هي تكمل عملها المحبب لقلبه.
حلاوة لحظات جعلته يعيش بداخلها، أجواء تمنى أن يعيشها ولكن لم تكتب له وقتها وكتبت له على يديها.
ترك ما بيده وقام ليحملها بين يديه هامسا:
_ لحد كدة كتر ألف خيرك، أشوف شغلي أنا بقي..
_ شوف يا حودة براحتك خالص..
أخذ منها التصريح بأخذ راحته، وأخذها بالفعل.
مر بينهما وقت طويل غير محسوب، فقط يبث كلا منهما للآخر طريقته بالشوق.
ضمها لتنام على صدره، فهمست:
_ سامحتني صح ؟!
خرجت منه تنهيدة طويلة وضم جسدها إليه أكثر حتى يشعر بنعومته تحت يديه، ثم قال:
_ مش زعلان منك يا سارة، لأني عارف ومتأكد إنك أوقات كتيرة جدا بتقولي كلام من غير ما تفكري فيه.
وعارف كمان إني محدش حقك من معتز ولا عايدة، ودي بالنسبة لك حاجة كبيرة.
بس عايدة كانت مريضة يا سارة ومرضها كان أكبر عقاب ليها.
أما بقى بالنسبة لمعتز، فأنا هسألك سؤال واحد ولو جاوبتي عليه، هعمل في معتز كل اللي انتِ عايزاه عشان أريح قلبك..
رفعت رأسها لباة بإنتباه شديد منتظرة سؤاله، فقال:
_ لو فرضت معاكي إني مش أبو فاطمة، وهي ليها أب تاني والبنت من غيرتها أذتني ووقعت بنا وحاولت تشوه صورتي، هتقدري تأذيها ؟!
كان سؤال مرعب بالنسبة لها.
وضعت نفسها محله وعجز عقلها عن التفكير.
فاطمة قطعة من قلبها، كيف لها أن تؤذيها أو تفضل أحد عليها.
علمت الآن ما يعيشه محمود بسببها، علمت ما يمر به معتز ولما يكرهها.
ترقرقت بعينيها الدموع وقالت:
_ أنا آسفة..
_ على إيه يا بسبوسة ؟!
_ على غبائي، حطيت نفسي مكانك وللحظة حسيت إن لو وجودك هيضايق بنتي هدوس على قلبي وأطلعك بره حياتي عشان بنتي تفضل عايشة مبسوطة.
والله العظيم أنا مش بكره معتز، بس دايما بحس إنك بتحبه أكتر مني، بحس إنك لو اتحطيت في اختيار بيني وبينه مش هتتردد لحظة في إنك تختاره هو.
وده حصل كتير قبل كده، يمكن الستات تفكيرها مختلف عن الرجالة شوية وقلبها اللي بيحركها بشكل كبير.
يمكن أنا عاطفية زيادة عن اللزوم وشايفة إن المفروض أبقى رقم واحد في حياتك.
بس لما فكرت شوية صغيرين عرفت إن في قبل ناس تانية أولى إنهم يبقوا رقم واحد..
وضع أصبعيه أمام شفتيها وقال:
_ أنتِ رقم واحد في مكانك، وما فيش حد في الدنيا أولى منك بيه، وهو رقم واحد في مكانه.
عايزك تنسي الدنيا كلها وتفكري في حاجة واحدة بس..
إبتسمت بحب قائلة:
_ إيه هي بقي ؟!
سحب يده من أسفلها لتسقط على الفراش، ثم رفع جسده قليلاً ليبقي فوقها وبينهما مسافة صغيرة.
وضع قبلة رقيقة على وجهها وقال بحنان:
_ إني بحبك، وأي حاجة عملتها أو هعملها هتبقى في مصلحتنا احنا الاتنين، مش في مصلحتي لوحدي.
مش هعمل حاجة توجعك ولا تاذيكي، أنا بعمل كل حاجة عشان أفرحك، لو فهمتي ده هنرتاح ومفيش قوة ممكن تبعدنا..
لفت ذراعيها حول عنقه مردفة:
_ بحبك ومش عارفة أعملك إيه أكتر من كدة ؟!
_ مش عايز إلا أكتر، حبيني وبس..
رنين هاتفه أخرجه من لحظته الممتعة مع بسبوسته.
زفر بضيق مبتعدا عنها ونظر لشاشة الهاتف، وجد إسم " علي" ففتح الخط مردفاً:
_ خير يا وش السعد؟!
_ بص بقى يا ابن علام، أنا بقى لي أكتر من تمن شهور بتحايل عليك عشان اتجوز البنت، وانت ولا أنت هنا، واختك كمان سايقة الجنان، فانا جبت أخري معاكم وكتر ألف خيري.
اختك خطفتها وفرحنا بالليل، هبعت لك عنوان الفندق، تيجي عشان تبقى، ولو كلها مش ناوي تيجي، هخلي عم حسن البواب يبقى الوكيل مكانك..
أغلق الهاتف بوجهه دون أن يسمع ما يمكن لمحمود قوله.
ظل محمود يحدق بالهاتف بذهول، فتوترت سارة واقتربت منه مردفة بقلق:
_ مالك يا حبيبي، مين اللي كان بيكلمك وقال لك إيه خلاك بالشكل ده؟
جز على أسنانه من الغضب وألقى بالهاتف على الأرض مردفاً:
_ قومي غيري هدومك خلينا نغور في داهية من هنا، لما أشوف ابن 60 *** ده راح فين..
_ أنت بتتكلم عن مين ؟!
_ عن الكلب إللي إسمه علي راح خطف البنت وبيقولي فرحه عليها الليلة..
أبتلعت ريقها بتوتر وصممت.
فنظر إليها مردفاً بشك:
_ أنتِ كنتي تعرفي ولا إيه ؟!
نفت بحركة سريعة من رأسها وفتحت هاتفها على موقع الفيسبوك وقالت:
_ لا والله العظيم أنا ما أعرفش أي حاجة غير الأخبار اللي على فيسبوك دي، وكنت فاكرة إنك تعرفها..
جذب منها الهاتف ورأي عنوان معظم المواقع " حفل زفاف أسطوري لشقيقة رجل الأعمال محمود علام على رجل الأعمال علي الحسيني "..
_ اه يا****، ده أنا هشرب من دمه النهاردة..
وضعت سارة يدها على يده مردفة:
_ ممكن تهدأ شوية يا محمود، طول الشهور اللي فاتت دي أكدت إن علي بيحب أروى فعلاً ومستحيل يبص لغيرها.
سيبهم بقى يفرحوا ويعيشوا حياتهم، أروى بعد كل اللي شافته ده مع راجل يحبها بجد..
صرخ بغضب:
_ بس مش بالطريقة دي، مش أنا اللي أختي تتاخد مني بالطريقة دي..
_ عندك حق يا حبيبي، هو أسلوبه زي الزفت.
عدي النهارده على خير واقول لك على حاجة ناخدها معانا واحنا مروحين، وذل فيه زي ما أنت عايز لحد ما ترتاح، بس فرحها النهارده عشان خاطري..
بالمساء بالفندق..
دلف علي للجناح المجهز للعروس.
أخذ نفس عميق قبل أن يقترب منها وهي تجلس على أحد المقاعد ترفض اقتراب خبيرة التجميل منها.
جلس على المقعد المقابل إليها وقال بهدوء:
_ مش موافقة تخلي الميكب ارتست تقرب منك ليه، مش باقي على الفرح إلا ساعة ؟!
نظرت إليه بغضب مردفة:
_ أنت بتهزر يا علي ولا فاكرني واحدة من الشارع عشان تتعامل معايا بالشكل ده ؟!
ضغط على يده ليتحكم بردود أفعاله وقال:
_ وأنا عملت إيه يبين إنك من الشارع ؟!
أنتفضت من فوق المقعد بغضب وصرخت:
_ أنت بتسألني بجد ؟! حابسني هنا من امبارح وعامل لي فرح ومعازيم من غير ما تاخد رأيي ولا رأي أخويا، وجاي تقولي عملت إيه ؟! أنا مش موافقة على اللي بيحصل ده يا علي والجوازة دي حتى لو تمت هتبقى بالغصب وباطل..
يكفي لهنا حنان، يبدو إنها تحتاج للوجه الآخر لعلي الحسيني حتى تعلم أمام من تقف.
وقف أمامها وقال بقوة:
_ لو مش عايزة الجوازة دي تتم، ما عنديش مشكلة، همشي بس وقتها الفضيحة هتبقى من نصيبك أنتِ واخوكي يا أروى هانم.
لما كل المواقع تتكلم عن العريس اللي ساب عروسته يوم الفرح، هتدخل لك دلوقتي الميك اب ارتست، يا تبقي زي أي ست محترمة وسيبيها تشوف شغلها، يا تقولي لها تمشي وقتها هعرف ردك وامشي أنا كمان...
صدم من حديثه ومن طريقته بالحديث.
شعرت للحظة إنه سيظل كما هو دون تغيير.
غصة مريرة أصابت قلبها وظهر هذا على معالم وجهها.
نظرة واحدة من عينيها جعلته يعود عن طريقته.
جذبها من خصرها ووضع قبلة حنونة على رأسها مردفاً:
_ حقك عليا، أنا قليل الأدب ودبش في الكلام، بس ده من لهفتي عليكي يا أروى..
ظلت صامتة فقط تعاتبه بنظرات عينيها، فهمس:
_ لأ الله يبارك لك، أنا مش قد نظرة من العيون الحلوين دي.. أنتِ بجد مش عايزة تكوني مراتي يا أروى..
حركت رأسها بحزن طفلة صغيرة ضائعة وقالت:
_ عايزة، بس في نفس الوقت مش عايزة أخسر محمود، أنا ما صدقت يكون لي أهل وضهر يا علي..
مسح على رأسها بحنان:
_ ومين قال لك إنك هتخسري محمود يا مجنونة؟! محمود هيجي وهيبارك لك وهيسلمك ليا بإيده.
هو كان خايف عليكي مش أكتر، وكان بيعذبني شوية، لكن هو ما عندوش أغلى مني ولا منك.
مبسوط بجوازنا أكتر ما إحنا الاتنين مبسوطين، فكيها بقى وخلينا نفرح..
بسعادة قالت:
_ بجد ؟!
_ بجد يا حياتي، قولي موافقة بقي..
_ موافقة..
دلف محمود لحفل الزفاف ومعه باقي أفراد عائلة علام، حتى حنان صممت على الحضور معاهم.
كانت سارة تتعلق بذراعه ومعتز بجواره ومعه طارق.
همس طارق لمعتز بذهول:
_ هو في إيه، الواحد لسه راجع من السفر الصبح، بالليل يطلع عنده أخت وفرحها النهارده ؟!
أجابه معتز بنفس الهمس:
_ اسكت عشان محمود باشا حالف يعمل منك عبرة قدام العيلة كلها، فعدي يومك وبعدين نشوف هنهربك من تحت إيد الأسد إزاي..
أبتلع طارق ريقه وصمت.
مررت سارة يدها على يد محمود وقالت:
_ حبيبي أفرد وشك، الناس كلها بتبص عليك..
_ أنا وشي شكله كده، لو مش عاجبك، أطق الفرح ده على دماغك، الحلوف صاحبه..
ضغطت على يده بسرعة تمنعه من الحركة مردفة:
_ لأ لأ لأ، أنت كده زي القمر وتعجب الباشا.. ممكن أروح لأروى عشان تحس إن في حد جنبها اليوم ده..
أومأ إليها، فذهبت.
أقتربت منها حنان وقالت بتوتر:
_ استني يا سارة، هطلع لها معاكي..
إبتسمت إليها سارة وجذبتها مردفة:
_ من ساعة ما عرفتك وأنتِ طيبة مع الكل يا طنط، إلا أنا..
قالتها بمرح، فقالت حنان:
_ يا بنت اتلمي، بدل ما أتحول حمى شريرة وأنيم الواد عندي..
_ لأ لأ، كله إلا حودة، خدي فاطمة عندك..
صعدت لغرفة العروس لتنبهر من جمالها.
قالت سارة بذهول:
_ ما شاء الله قمر يا رورو..
نظرت إليها أروى بتوتر وقالت:
_ بجد يا سارة شكلي حلو وأنا عروسة ؟!
ضمتها إليها بحنان:
_ وما فيش عروسة في جمالك..
رفعت أروى رأسها لحنان بتوتر.
منذ دخولها لقصر علام تحاول عدم إزعاج حنان.
رأت حنان بعينيها شعور بالحنين لعناق أم، ففتحت ذراعيها إليها دون حديث.
ألقت أروى بنفسها داخل أحضانها، فهمست حنان:
_ إياكي تعيطي، أنتِ النهارده عروسة واليوم ده يومك..
_ شكراً إنك جيتي..
ضربتها حنان بخفة مردفة:
_ شكراً في عينك، هو في بنت بتقول لأمها شكراً إنها حضرت فرحها ؟!
أبتعدت عنها قليلاً وهمست بذهول:
_ أمها ؟!
_ طبعاً أمها، أنتِ من النهارده زيك زي محمود وطارق عندي بالظبط..
وعلى سيرة محمود، دق على الباب ودلف.
أبتسم إليها وبداخله شعور غريب، كأنه أب وهذا زفاف ابنته.
أدمعت عيناه وسحبها لحضنه مردفاً:
_ فضلت أطفش فيه طول الشهور اللي فاتت عشان أشبع منك على قد ما أقدر، لا هو رضا يطفش ولا أنا قادر أشبع منك..
سألته بحزن:
_ ما تزعلش مني يا محمود، أنا ما كنتش عايزة أعمل أي حاجة المرة دي غصب عنك، بس والله العظيم علي هو...
وضع يده أمام شفتيها قائلا:
_ اششش، مش عايز أسمع أي حاجة، إحنا دلوقتي هنفرح وبس..
بالأسفل كان يقف علي أسفل الدرج لتنزل هي متعلقة بيد محمود من طرف وطارق بطرف الآخر.
كانت رائعة الجمال بفستان زفافها الراقي وحجابها البسيط.
قلبها أخذ يرفرف بين صدرها تشعر وكأنها تملك العالم بما فيه.
بين يدي أخواتها وامامها ما اختاره الله لها، ماذا تريد أكثر..
وصلت لعلي الذي قام بالسلام على طارق ثم أقترب من محمود وضمه مردفاً:
_ حقك عليا، بس بحبها وأنت أكتر واحد عارف الحب بيعمل في صاحبه إيه..
أومأ إليه محمود مردفاً:
_ عارف يا علي، عارف..
_ قولي مبروك من قلبك يا محمود عشان فرحتي تكمل..
أبتسم إليه محمود بحب وقال:
_ ألف مبروك يا صاحبي، لو كنت لفيت الدنيا كلها مكنتش هلقي حد أطمن على أختي معاه غيرك..
زاد علي من ضمه وبعدها أقترب من حلمه وقبل رأسها مردفاً:
_ أخيراً بقيتي بين إيدي يا بنت علام..
على بعد مسافة أقترب معتز من سمية التي أتت للحفل بأمر منه قائلا:
_ شاطرة إنك جيتي..
حدقت به بغل مردفة:
_ عايز إيه مني تاني يا حيوان أنت..
ببرود قال:
_ تنفذي المطلوب يا حلوة، وإلا تحبي صورك الجامدة في وسط الفرح..
ردت عليه بغضب:
_ أنت إزاي كدة، أنا لو نفذت كلامك واتجوزت أبوك زي ما بتقولي، هيبقي باطل وزنا محارم..
سحبها من خصرها وعقله يرفض فكرة اقتراب والده منها.
ضغط عليها بقوة جعلها تشهق وقال:
_ لو لمس شعرة واحدة منك، هطلع بروحك في إيدي، ودلوقتي تنفذي المطلوب منك بس..
أنتهاء عقد قران علي وأروي، وبدأت رقصة العروسين.
أقترب معتز من سارة مردفاً:
_ ممكن أتكلم معاكي شوية سارة ؟!
أومات إليه بهدوء وذهبت منه.
بنفس اللحظة أقتربت سمية من محمود بخطوات مرتجفة وهي تحمل بيديها كوبين من العصير مردفة:
_ حبيت أشرب معاك ده، لو مافيش مشكلة عندك طبعاً..
أخذه منها محمود وأخذ أول رشفة مردفاً:
_ أكيد مفيش مشكلة يا سمية، أقعدي شوية وهتيجي سارة تقدروا تقعدوا مع بعض..
أبتسمت إليه بتوتر وأخذت هي الأخرى رشفة.
حديث وراء الأخر وبعدها وضعت يدها على رأسها بتعب وقالت:
_ اه مش قادرة..
نظر إليها محمود بقلق:
_ مالك فيكي إيه ؟!
_ مش قادرة، من الواضح إن سكري علي، ولازم أروح آخد العلاج..
ساعدها محمود بالقيام مردفاً:
_ أنتِ عندك سكر ؟!
_ أيوة، ممكن توصلني البيت، مش هقدر أسوق..
نظر حوله يبحث عن معتز أو طارق ولم يجد أحد، فسندها مردفاً:
_ تعالي أوصلك لحد العربية وهخلي السواق يوصلك البيت..
وصل بها لسيارتها، وجدها تغلق عينيها باستسلام.
وضع بالسيارة وصعد محل السائق مردفاً:
_ سمية أفتحي عينك لحد المستشفى، متخافيش..
حركت رأسها برفض مردفة:
_ لأ، أنا عارفة حالتي مش محتاجة مستشفى، أروح البيت وهأخد العلاج، هبقى بعده كويسة، أرجوك..
مر عشر دقائق ووصل بها لمنزلها.
فتح لها باب السيارة وساعدها على النزول.
سارت معه حتى وصل بها لغرفة نومها.
وضعها على الفراش فقالت:
_ العلاج في الحمام..
دلف المرحاض وبدأ يبحث، فوضع يده على خصلاته هامسا:
_ هو فين الزفت ده، سارة لو حسيت إني مش موجود هتولع فيا..
زفر بضيق وشعر بثقل برأسه، فخرج إليها مردفاً:
_ فين العلا...
لم يكمل كلمته، فقد بدأ مفعول المنوم بعد ربع ساعة من أخذه.
سقط بجسده على أرضية الغرفة..
بعد عدة ساعات فتح عينيه وجد نفسه عاري وهي بجواره تخفي جسدها بالكامل أسفل الغطاء وتبكي.
فسألها برعب:
_ في إيه، هو حصل بنا حاجة ؟!
لم تجيب فقط تبكي، فصرخ بها:
_ انطقي، أنا لمستك، قربت منك ؟!
بحسرة أومات برأسها وهمست:
_ أيوة..
مستحيل، هذا مستحيل، ردد برفض:
_ سارة، لأ، سارة..
رواية عطر سارة الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم شيماء سعيد
بعد مرور خمس سنوات..
بقصر علام العريق كانت الأجواء جنونية.
دَلَفت سارة لجناحها وهي تحمل غضب العالم بما فيه، أغلقت الباب خلفها بقوة لعله يستيقظ.
وصلت للفراش وجدته ينام بعمق شديد، فأخذت الوسادة خاصتها وضربت بها على رأسه.
هنا استيقظ ابن علام.
سحبها على فجأة فسقط جسدها على الفراش.
رفع نفسه قليلاً وأصبح فوقها ثم قال بجدية:
_ أنتِ قد إللي أنتِ عملتيه ده؟
ابتسمت إليه بسخرية، خوفها منه أصبح ماضي بخانة الذكريات.
وضعت كفها على صدره لتبعده عنها قليلاً وقالت:
_ قدها ونص كمان.
رفع حاجبه بذهول وقال:
_ مالك يا بت من الصبح عاملة قلق كدة ليه؟
تذكرت سبب جنونها فصرخت بقوة ثم دفعته بعيدا عنها.
وقفت أمامه وقالت:
_ طلقني يا محمود طلقني بدل ما أموت نفسي وارتاح منك.
ماذا تقول تلك الحمقاء؟
اندفع من فوق الفراش ليقف أمامها مردفاً بذهول:
_ هي هبت منك على الصبح وإلا إيه؟
_ هو ده الحل الوحيد، أنا مستحيل أكمل حياتي بالشكل ده.
مسح على خصلاته لعله يقدر على التحكم بغضبه ثم قال من بين أسنانه:
_ ليه يا بسبوسة عملت لك إيه؟
كلمة بسبوسة بنبرة صوته الحنونة نقطة ضعفها.
سقطت دموعها بحزن شديد ليزيد قلقه.
جذبها ليضمها لصدره ثم أغلق يديه عليها بحنان مردفاً:
_ مالك بس يا بسبوسة إيه إللي مزعلك بالشكل ده؟
_ أنا حامل.
قالتها بحزن.
سمعها لتعطي إليه بحر من السعادة اللذيذة.
أتسعت ابتسامته ونزل بكفه على بطنها يؤكد لنفسه وجود قطعة جديدة منه بداخلها.
ظلت تبكي ومع صمته علمت إنه سعيد.
ابتعدت عنه بغضب وقالت:
_ مبسوط مش كدة؟ طلقني يا محمود بقولك.
علم سبب جنونها ليكن صبور معها.
مسح على خصلاتها بحنان وقال:
_ تقدري تعيشي من غير محمود حبيبك؟
حدقت به ببراءة وعقلها يفكر بالسؤال بعدها حركت رأسها بقلة حيلة مردفة:
_ لأ مقدرش.
_ في حد يزعل من نعمة ربنا عليه؟
عضت على شفتيها بحزن ثم همست:
_ يا محمود إحنا معانا دلوقتي أربع عيال في خمس سنين والخامس في السكة ماشيين بمعدل كل سنة عيل، لا نافع حبوب ولا لولب ولا حقن ولا أي نيلة على دماغك يبقي الحل إيه؟
لو بيده كان جعل المعدل ثلاثة كل عام.
رسم الأسف الشديد على معالم وجهه ثم قال:
_ فعلاً الموضوع خرج عن السيطرة بس عندي حل أحلي من الطلاق.
حدقت به باهتمام منتظرة حله فأكمل:
_ أننا نحمد ربنا على نعمته علينا، الحمد لله معانا المال والبنون يا سارة عايزين إيه من الدنيا تاني؟ عندك بدل البت إللي بتساعد تلاتة ومن الصبح يبقوا عشرة لو حابة ده غير تيتا وماما.
معه كل الحق مع كل طفل يوفر إليها كل سبل الراحة، حتى هو يساعدها بنفسه معظم الوقت.
مررت لسانها على طرف شفتيها لتعطي لها بعض الطراوة وقالت:
_ بس أنا بتعب في الحمل يا محمود تعبت والله العظيم تعبت.
يعلم أنها صادقة ولكن ما باليد حيلة استخدم معها كل الطرق وبالنهاية تحمل، سعيد جداً بحملها وبربطها به أكثر إلا أن حزنها هذا يؤلم قلبه.
وضع قبلة حانية على خصلاتها وقال:
_ عشان ربنا بيحبك بيديكي حاجة غيرك بيحلم بيها، هبقى معاكي خطوة بخطوة ولو ينفع أخد الوجع مكانك هاخده.
طبطب على قلبها.
تعلقة بعنقه مثل طوق النجاة وهمست بأمان:
_ ربنا يخليك ليا.
تنهد براحة بعدما قدر على إقناعها.
حملها بين يديه ووضع جسدها على الفراش بحنان مردفاً:
_ حاسة إنك عايزة حاجة؟
أومات إليه بنظرة يعلمها فاقترب منها أكثر وهمس بنبرة خشنة:
_ إيه يا بسبوسة.
_ عايزاك أنت يا روح بسبوسة.
_ غالي والطلب.
قطعته بوضع أحد أصابعها على شفتيه هامسة بنعومة:
_ أغلى بكتير يا حودة.
بفيلا علي.
على يد صغيرة ناعمة استيقظ علي.
ابتسم بحب مع علمه بصاحب اليد.
قربها من شفتيه وقلبها قبل أن يعتدل بنومته مردفاً:
_ يا صباح كل حاجة حلوة على عيون الست مسك.
بإبتسامة بريئة رائعة قالت مسك:
_ صباح الخير يا بابي.
وضعها على ساقه وهمس:
_ هربانة من مامي شكلك كده؟
أومات إليه بتوتر وهمست:
_ مامي معلقة ياسين تحت.
عقد حاجبه بتعجب، ياسين تؤام مسك وقطعة من قلب أروى منذ متى وهي تقسو عليه؟
يبدو إنه على باب كارثة.
مال على صغيرته قليلاً وقال:
_ وهي مامي قلبت على ياسين كده لوحدها ولا في مصيبة في الموضوع؟
أشارت إليه بالنزول إليها أكثر حتى وضع أذنه أمام شفتيها فقالت:
_ بص يا بابي مامي كانت بتعلم ياسين يدافع عن نفسه وكانت بتعلمني أنا كمان معاه فياسين لما بقى شاطر راح ضرب بودي ابن الجيران.
_ وياسين عمل كده ليه؟
نظرت للأرض بخجل وقالت:
_ أصل بودي امبارح قالي إن الدريس الأحمر حلو عليا قوي.
صغيرته صاحبة الأربع أعوام لديها معجب؟
انتفض من فوق الفراش بغضب ونزل لمحل زوجته وولده.
رأى ياسين معلق بمحل تعليق ماسورة الستارة وأروى تجلس بالمقابل على أحد المقاعد مردفة بغضب:
_ أنت مش هتنزل من هنا غير لما تروح معايا تعتذر للولد اللي فتحت له دماغه ده.
صرخ الصغير بغضب:
_ يحمد ربنا إنها جات على قد دماغه بس.
_ واد يا ابن علي احترم نفسك وما تعصبنيش إلا والله العظيم أعمل لك نفسك التلات غرز اللي الواد خدهم.
جائها صوت علي الغاضب من خلفها:
_ نزلي الولد دلوقتي حالا يا أروى وتعالي ورايا.
رغم عندها إلا أنها تعطي إليه كامل السيطرة أمام أبنائه.
نفذت طلبه وصعدت فوق سلم من الخشب لتفك الصغير.
تركته مع شقيقته ودلفت لغرفة نومها.
رأت معالم الغضب واضحة عليه فقالت:
_ هو أنت بجد زعلان على ابنك بعد اللي عمله في ابن الناس ده؟
_ أيوه يا أروى مش عاجبني طريقتك في العقاب، الولد ده عاكس أخته امبارح وابني عشان راجل أخد حقه بإيده ما كانش المفروض يتعاقب بالعكس ده كان المفروض تجيبي له هدية.
أتسعت عينيها بذهول من تفكيره وطريقته بتربية الأطفال.
تخلت عن هدوئها وقالت بغضب:
_ إيه اللي انت بتقوله ده؟ عايز تجيب لابنك هدية عشان بقى بلطجي وفتح دماغ ابن الجيران وبعدين مين اللي يعاكس مين الولد عنده ست سنين وبنتك عندها أربعة دول أطفال.
_ الأطفال بتكبر يا هانم ولو الولد ده كبر إنه يقرب من البنت أو يقول لها أي حاجة قدام أخوها ابني لما يكبر هيركب قرنين، حتى لو شايفه إن صرف الولد وحش مش من حقك تعاقبيه بالشكل ده عشان ثقته ما تقلش في نفسه.
رفعت حاجبها بسخرية وقالت:
_ وماله ابنك عندك تحت أهو، روح شوف إيه المكافأة اللي حابب تديها له واديها له لكن لا أنت ولا هو ليكم كلام معايا بعد كده.
_ أروى.
قالها بغضب وهو يراها تترك له الغرفة وتخرج.
مسح على خصلاته بضيق وذهبت لغرفة ياسين.
وجدته يجلس على الفراش حزين يرفض الحديث مع مسك الباكية فقال علي:
_ روحي يا مسك اقعدي مع مامي شوية.
_ ياسين مش راضي يتكلم معايا يا بابي.
وضع قبلة حانية على مقدمة رأسها وقال:
_ روحي اقعدي مع مامي وأنا هخليه يكلمك.
خرجت الصغيرة بحماس فقال علي:
_ تفتكر اللي عملته صح ولا غلط يا ياسين؟
نظر إليه الصغير بقوة وقال:
_ أنا ما عملتش حاجة غلط يا بابا الولد ده بص على اختي وحضرتك قولتلي قبل كده إن ما حدش يقرب منها، قالها إن الدريس بتاعها حلو أنا كل اللي عملته إني ضربته في عينه اللي بصت لاختي.
ابتسم إليه علي وقال بفخر:
_ راجل من ضهر راجل ياسين، بس كمان لازم تعرف عواقب اللي حصل لو كان حصله حاجة في عينه هتدخل السجن، لما تشوف حاجة مش عاجباك تيجي تقولي وأنا هاخد حقك وحق أختك لحد أنت ما تكبر وتبقى في ضهرنا كلنا اتفقنا يا حبيبي.
أومأ إليه الصغير بثقة:
_ اتفقنا، دلوقتي أنا عايزة أصالح ماما أنا مش بحبها تبقى زعلانة مني.
أومأ إليه علي بهدوء وقال:
_ ومسك؟ زعلان منها ليه؟
_ عشان أنا لو ما كنتش جيت وسمعته ما كانتش هتقول يا بابا.
مسح على خصلاته بحنان:
_ أختك رقيقة وبتخاف من كل حاجة وأنت سندها المفروض تعلمها الصح من الغلط مش تزعل منها.
_ صح يا بابا عندك حق طب أعمل إيه دلوقتي عشان أصالح مسك وماما؟
_ هقولك.
بقصر علام.
كان يجلس محمود على رأس الطاولة وبجواره سارة من طرف وحنان من الطرف الآخر أما ألفت فكانت تجلس على رأس الطاولة بالمقابل إليه وباقي أفراد عائلته فاطمة، أحمد، محمد، مصطفى أبنائه من سارة.
أخذت تقلب بالطبق بتوتر فسألها:
_ مالك يا سارة؟
رفعت رأسها إليه بالقليل من الخوف وقالت:
_ محمود معتز هيرجع من السفر النهاردة أرجوك كفاية عليه عقاب لحد كده؟
تعجب من طلبها، عن أي عقاب تتحدث؟
أشار لفاطمة مردفاً:
_ خدي باقي أخواتك واطلعوا العبوا في الجنينة يا طمطم.
خرجت الصغيرة مع باقي أخواتها فنظر محمود لسارة بهدوء مردفاً:
_ عقاب إيه ده اللي أنا عامله لمعتز؟
تنهدت بثقل وقالت:
_ من يوم فرحه على سمية وهو بينام في أوضة في الجنينة وبيشتغل مع العمال بعد الجامعة، بعدها راح أجر لنفسه شقة وفضل يحوش لحد ما سافر الولد بالشكل ده هيضيع مننا أكتر.
تدخلت حنان بالحديث عندما رأته صامت:
_ هي عندها حق يا محمود معتز غلط بس بالله عليك كفاية عقاب فيه.
الوحيدة التي أخذت وضع الصامت ألفت، تعلم ما يفعله محمود جيداً.
أخذ محمود نفسه بهدوء وقال:
_ مفيش عقاب ولا حاجة، أنا سبته يبعد عشان يكمل تعليمه ويعتمد على نفسه ويبقي راجل ولما يرجع النهاردة هتعرفوا معتز بقى عامل إزاي، يلا يا أستاذة على شغلنا خلينا نحضر للافتتاح.
بعد عشر دقائق ظلت بهم صامتة بداخل السيارة، وجدته وقف بأحد الطرق الخالية فقالت بتعجب:
_ وقفت ليه؟
جذب كفها وقال:
_ عايز أعرف الجميل زعلان ليه؟
لا تعلم ماذا تقول وكيف تقول، اعتادت على سرد يومها إليه بالتفاصيل لتأخذ منه أكبر قدر من الدعم إلا بموضوع شقيقتها.
شعر بثقل قلبها فقال بحنان:
_ قولي يا بسبوسة أنا سامعك.
_ مريم اتصلت بيا امبارح وطلبت تزود فلوسها بتاعت كل شهر غير أنها كمان طلبت شقة جديدة بتقول اللي عايشة فيها صغيرة مش عارفة أعمل معاها إيه مصرة على الطمع والكره.
حاول كتم غضبه حتى لا يجرح مشاعرها بكلمة وقال:
_ لو أنتِ حابة تديها زيادة اعملي كده ما فيش مشكلة، مع إنّي شايف إن اللي بتاخده زيادة وزيادة أوي كمان يا سارة، اختك بتستغل طيبتك، بس في النهاية اللي أنتِ شايفاه ومرتاحة فيه أنا موافق عليه.
أخذت حظها من الدنيا به، ملت برأسها على كتفه براحة وقالت:
_ لأ مش هزود أي حاجة حابة تعيش باللي أنا بديهالها تمام، شايفة إنه قليل تنزل تشتغل بنفسها كتر خيري معاها لحد كده.
وضع قبلة حنونة فوق رأسها وقال:
_ يسلم لي العاقل الشاطر اللي عارف مصلحته.
فلتت منها ضحكة وقالت:
_ أنت بتأخدني على قد عقلي وإلا إيه يا محمود؟
_ وأنا أقدر برضو يا بسبوسة؟ يلا وصلنا مصنعك على الساعة 3 هعدي عليكي عشان معاد الطيارة ماشي؟
_ ماشي.
نزلت من السيارة واتجه هو لمطار القاهرة الدولي، دقات قلبه تعلو وهو يقف بانتظار أكبر أبنائه بعد سنوات من الغياب.
أشتاق وقلبه يتلهف على عناق، عناق يحمل الكثير من الحب، الحنين لطفله الصغير.
رآه يأتي من بعيد، أصبح نسخة طبق الأصل منه، شاب وسيم جاذب، طويل القامة وبصدر عريض، مع ذقنه أصبح محمود الصغير.
تجمد للحظة وهو يري والده يقف بانتظاره، أشار على نفسه برجاء يتأكد منه هل هو هنا من أجله أم ات لشخص آخر ووجده صدفة.
فتح محمود ذراعيه إليه بلا كلمة، بلا عتاب، بلا وجع جديد.
ألقى معتز بجسده داخل أحضانه والده مثل الغريق الذي وجد طوق النجاة أخيراً.
كلاهما منه يضغط على الآخر وكأنه يخشي الفرار.
شعر محمود بدمعة معتز الساقطة على بذلته فأبتعد عنه قليلاً مردفاً بحب:
_ معتز.
_ بابا أنا آسف أنا.
وضع محمود يده على فمه يمنعه من الحديث مردفاً:
_ خلاص مافيش أي كلام أو تفكير إللي فات، وحشتني يا ضهر أبوك.
كلمة كبيرة سقطت على صدر معتز مثل الحجارة، يا ليته كان يعلم من البداية إنه ظهر أبيه.
أومأ إليه بقوة مردفاً:
_ يمكن عمري ما كنت قد الكلمة دي بس أوعدك من دلوقتي أبقى الابن اللي بتحلم بيه يا بابا.
_ مش عايزك بس تكون الابن اللي بحلم بيه، عايزك كمان تكون الأخ اللي بحلم بيه.
_ أوعدك يا بابا.
بالمساء بفيلا علي.
عادت أروى من عملها بغضبها من الصباح.
فتحت الباب ووقفت لعدة لحظات متعجبة من ظلام المنزل، أين أطفالها؟ أين المربية والخادمة؟
تسلل إليها شعور بالقلق فقالت:
_ أم إبراهيم أنتِ فين وليه الضلمة دي؟
الصمت مسيطر على المكان.
ألقت بحقيبة عملها أرضا واقتربت من رز الضوء سريعا ضغطت عليه وهي مستعدة للحرب.
أتسعت عينيها بذهول، وردها المفضل مزين للأرض مع بلالين حمراء رائعة وسفرة كبيرة عليها قالب من الكيك وباقي أنواع الحلوى المحببة لقلبها.
زوجها يقف بالمنتصف وعلى كل طرف واحد من أطفالها.
سألت بذهول:
_ هو إيه اللي بيحصل هنا بالظبط؟
أقترب منها ياسين مردفاً بندم:
_ أنا آسف يا ماما على اللي حصل مني وأوعدك إنّي بعد كده هقول لبابا قبل ما أعمل أي حاجة.
نزلت لمستوي طوله ووضعت على رأسه قبلة حنونة مردفة:
_ أنا عايزة أشوفك أحسن واحد في الدنيا يا ياسين، عايزك تحكم في عقلك في أي خطوة قبل ما تمد إيدك فاهم يا حبيبي.
أومأ إليها مردفاً:
_ فاهم يا ماما المهم إن حضرتك ما تكونيش زعلانة مني.
_ مش زعلانة.
ضمته وأشارت لمسك وضمتها هي الأخرى.
غمز ياسين لعلي وأخذ شقيقته للخارج.
حاولت الصعود لغرفتها إلا أنه قال بعدما سحبها إليه:
_ ممنوع يعدي علينا يوم واحنا زعلانين من بعض مش ده كان اتفاقنا.
ردت بعتاب:
_ بس أنت زعلتني وحسستني إني أم فاشلة، أنت عارف كويس إن الموضوع ده بيضايقني يا علي إحساس إني اتربيت وحيدة بيخليني دايما عايزاهم كويسين، يمكن ما بعرفش أربي بالطريقة الإيجابية لكن والله بحبهم.
ضمها بالقرب من قلبه وقال:
_ مش عايز أسمع منك الكلام الأهبل ده تاني أنتِ أحسن أم في الدنيا دي كلها، أنا أوقات بغلط يا أروى وبسمع كلامك لما بتقولي ده غلط، مفيش مشكلة إننا نعمل حاجات غلط وفي حد بيوعينا إحنا مع بعض عشان نتعلم. صح؟
مثل الطفلة الصغيرة قالت:
_ صح.
_ طيب تعالى في حضني بقي.
_ ماشي.
بمساء اليوم التالي.
بفندق كبير بدبي كان يقام افتتاح برند عطور تحت عنوان "عطر سارة".
بأجواء رائعة تم بدأ الحفل.
وقفت سارة بجوار محمود بسعادة، حلمها أصبح حقيقة ملموسة أمام عينيها، ها هي الفتاة الصغيرة الضائعة أصبحت امرأة ناضجة ناجحة، معها زوج حنون وأبناء أتوا إليها بالنعيم على الأرض.
شعرت بضمته إليها وهمسته الفخورة:
_ مبروك يا بسبوسة.
رفعت عينيها إليه بنظرة شكر واضحة وقالت:
_ شكراً يا محمود بجد شكراً.
_ على إيه؟
بشغف واضح بعينيها قالت:
_ بعد كل ده بتسأل ليه أنت عملت ليا كل حاجة يا محمود، اديني حياة كاملة قولتيلي عيشي أحسن ما كنتي تتمني.
أخرج تنهيدة طويلة وقال:
_ آمال واحد كان عايش زي الإنسان الآلي جات بنت صغيرة كلها حياة رجعت فيه الروح من تاني يقولها إيه؟
ردت عليه بدلال:
_ قولها بحبك.
أخذ نفس عميق من رائحة عطرها المميزة وقال:
_ بحبك يا بسبوسة.
_ وأنا مغرمة يا قلب بسبوسة.
ضمها بحب فحدقت بعيداً رأت معتز يقترب من سمية الواقفة بمكان بمفردها فقالت بتوتر:
_ تفتكر ممكن تسامح؟
_ مش عارف بس متأكد إنه بيحبها.
أقترب معتز من سمية بندم شديد.
نظر إليها وعلم كم كان أحمق مغفل يأكله الحقد.
زادت جمال وأصبحت أكثر أنوثة وجاذبية.
رأى بعينيها قوة تثبت إليه أنه على مشارف حرب.
همس بنبرة ثقيلة:
_ عاملة إيه يا سمية؟
بهدوء قالت:
_ حمد الله على سلامتك يا معتز، كويس جداً إنك رجعت.
دق قلبه بقلق وقال:
_ ليه؟
_ عشان نطلق كفاية اللي راح من عمري.
سيف قاتل ضرب قلبه بكل قوة، كان يهرب طوال السنوات الماضية من تلك المواجهة.
حرك رأسه بنفي وقال:
_ لأ يا سمية أكيد مش هنوصل للطلاق عارف إني غلطان بس والله العظيم ومش عايز أخسرك.
فلتت منها ضحكة ساخرة وقالت:
_ لو مش واخد بالك أنا اتجوزتك غصب عنك، ما ينفعش تقولي مش عايز أخسرك لأنك عملت كل حاجة تخليك تخسرني.
_ سمية أنا بحبك.
قالها بصدق فصرخت بغضب:
_ بطل كدب بقى بطل كدب ولف ودوران لأن العيلة الصغيرة اللي ضحكت عليها زمان دلوقتي بقت كبيرة وبتفهم، أنت بالذات آخر واحد ممكن أثق فيك أو أصدقك، خليتني ألعب على أبوك، كنت حاطط كاميرات جوه أوضة نومي عشان تتأكد من تنفيذ خطتك صح، لو ما كنتش ذكية وروحت لمحمود بيه في مكتبه كان مستقبلي وحياتي ضاعوا، تعرف معتز أنا أول مرة أحس بشعور الكره كان معاك.
حرك رأسه بندم وقال:
_ كنت غبي وحمار عيل مدلل وضايع في الدنيا، حطيت الكاميرات مش عشان خاطر أي حاجة غير إني أطمن إنه ما قربش منك وإنك تحت الملاية بهدومك، سمية ارجوكِ اديني فرصة واحدة بس وأنا أوعدك مش هتندمي.
_ لأ.
قالت كلمة واحدة بقوة وتركته بمفرده وذهبت لأحدي سيدات الأعمال.
ضرب رأسه بقوة على العمود خلفه وقال:
_ الله يسامحك يا أمي.
بعد عشر دقائق صعدت سارة لترحيب بالحضور وعلي وجهها ابتسامة مشرقة:
_ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أول حاجة حابة أشكر كل الناس اللي أخدت من وقتها وجات عشان تشاركني نجاح البرفان اللي أنا ماسكاه في إيدي، ده مش مجرد برفان عادي ده حياتي كلها من أول ما فتحت عيني على الدنيا لحد ما وقفت قدامكم النهاردة، حياة فيها الحلو والوحش فيها السعادة والحزن، فيها الحب اللي ممكن يحول أي حاجة لجنة، لو في سبب واحد لنجاح عطر سارة هيبقى محمود علام وأولادي من محمود علام، راجل اداني حياة اداني قوة قدرت بيها أقف بيها قدامكم النهاردة وأنا ناجحة وفخورة بنفسي شكراً.
نزلت لتقف أمامه فضمها أمام الجميع مردفاً:
_ بعشقك يا بسبوسة.