جثت على قدميها أمام أخيها ذو الوجه العابس وهو جالس على إحدى المقاعد وفارد قدمه المصابة على مقعد آخر أمامه. في محاولة لمدعبته: -ها يا أستاذ إبراهيم.. لاوي بوزك ومكشر ليه؟ رفع إحدى حاجبيه ومالت زاوية فمه للأسفل قبل أن يشيح بوجهه عنها دون إجابة. اقتربت منه أكثر بوجهها تخاطبه: -ياه يا أبو خليل.. لدرجادي أنت زعلان يا قمر؟ طب ماتقول بقى على اللي مضايقك.. يمكن نعرف نصالحك يا ولا. عاد إليها برأسه قائلاً بعتب:
-وتصالحوني ليه بقى يا أبلة فجر؟ هو أنا أفرق معاكم أصلاً؟ -ليه بس بتقول كده يا إبراهيم؟ هو إحنا قصرنا معاك في حاجة يا حبيبي؟ يكونش يعني عشان انشغلنا في الفرح واستقبال المعازيم وسيبناك شوية. -شوية بس؟!
ده أبوك من ساعة ما جابني هنا ماسأل فيا تاني وأمك رايحة جاية حواليا تجامل في الستات حبايبها وأنا ولا شايفاني.. وأنتي بقى مشغولة بالعروسة وأصحابها.. ده لولا عم علاء اللي بيطل عليا كل شوية ويجيبلي في الساقع والحلويات وياخد باله من طالباتي.. لكنت فرقعت مكاني هنا ولا نزلت حتى برجل واحدة وسيبت الفرح. انتابها شعور بالغيظ والغيرة من هذا المتحذلق الذي اكتسب قلب أخيها فقالت بلوم:
-طيب وافرض إحنا انشغلنا شوية يا هيما عنك في مناسبة مهمة زي دي.. أنت بقى متقدرش؟ على العموم حقك علينا ياسيدي.. قولي بقى اللي يرضيك عشان تقبل أتصور معاك. رفع إحدى حاجبيه بمكر وهو ينظر ناحية والدته: -اللي يرضيني طبق جاتوه كبير من العلب اللي جابها العريس وأمك دارتها عني. فغرت فاهها ضاحكة بدهشة من شقيقها الماكر: -أنت عايز أمي تقتلني صح؟ دي أكيد شايلاهم عشان تجامل أصحابها وحبايبها وتفتخر بيهم إنها من حاجة العريس.
قال بإصرار: -ماليش دعوة يا فجر.. أنا مش هاصالحك ولا أتصور معاكي غير لما تجيبي اللي قولت عليه.. وياريت الطبق يكون كبير كمان. -أنا عارفة كويس إنك مش هتهدى غير لما تاخد اللي أنت عايزه.. جبار زي الست الوالدة.. أمري لله.. أقوم اجيبلك واحد وربنا يستر. قالت الأخيرة وهي تنهض من جوارها ولكنها بمجرد أن استدارت تفاجأت باصطدامها بجسد صلب ومغطي بالون الكحلي. ارتدت للخلف وتلون وجهها بالحرج وقد تبينت هوية من اصطدمت به. قال هو بلطف:
-أنا آسف.. بس أنا كنت جاي أشوف إبراهيم.. ليكون ناقصه حاجة. غمغمت ببعض الكلمات غير المفهومة وهي تذهب من أمامه وتتخطاه. جعلت عيناه تتابعها حتى اختفت وسط جمع الفتيات المدعوات. عاد من شروده على صوت أخيها وهو يشاكسه: -حلوة قوي البدلة دي يا عم علاء. التف إليه ضاحكًا فقال: -لو عجبك أفصلك واحدة زيها يا عم هيما. فرد ظهره وهو يقول بثقة: -خليها بعدين بقى يا عم.. لما جسمي يتشد وأربي عضلات زيك.. عشان تبقى لايقة عليا.
-أنت لسه برضوا بتقر على عضلاتي.. ما قولنا بقى لما تكبر.. أنت إيه يا ابني مابتهدمتش؟ علت أصوات إبراهيم الضاحكة وهو يشعر بأصابع جاره علاء تتغلل بشعره وكأنها دغدغة. جعل علاء يضحك هو الآخر.. ولكن توقفت هذه الضحكة فجأة حينما رأى أمامه من يدلف لداخل السطح بخطوات خجلة نحوه. عبس وجهه وهو يترك إبراهيم فتقدم إليه يختصر المسافة حتى أصبح أمامه بوجه جامد ومتسائل. وقف الآخر أمامه يخاطبه بأدب: -إيه يا علاء؟
مش هاتسلم على صاحبك اللي جاي مخصوص يصالحك ويحضر خطوبة أخوك؟ مد كفه يصافحه بجمود قائلاً بخشونة: -أهلاً ومرحب بيك يا سعد.. على الله بس ما يكونش لسة شايل مننا.. ما أنت عارف.. إحنا ناس ما يهمناش غير مصلحتنا. بكف يده الحرة شد على ساعد علاء قائلاً بتشدق: -ما خلاص بقى يا علاء.. دي كانت لحظة غضب وراحت لحالها.. وأديني جاي بنفسي أهني وأبارك للعروسين.. ده إحنا عشرة عمر يا جدع والمصارين في البطن بتتعارك.
تبسم بزاوية فمه على استحياء وهو يرى أمامه سعد صديقه القديم ذو الجسد الهزيل وهو يعتذر عن خطأ بزلة لسانه حينما لم يتقبل الرفض له وقبول الفتاة بشقيقه. صاحب المواصفات التي تتمناها كل فتاة. كان من البديهي أن ترجح كفة حسين شقيقه للفوز بموافقة الفتاة وأهلها. شعر نحو صديقه بالشفقة فكما قال هو (أين يأتي سعد أمام أولاد المصري؟ سائله ببعض اللين: -طب وأنت عرفت بميعاد الخطوبة والمكان إزاي؟ أجابه بحماس:
-عرفت من السيد الوالد.. ماهو وجه لي دعوة بصفتي صديقك.. ها يا عم هتيجي بقى معايا عشان أبارك له بنفسي؟ ولا أروح لوحدي؟ حينما ذهب مع صديقه لتهنئة العريسان. استقبله حسين على مضض ولكنه لم يظهر انطباعه هذا فتقبل تهنئته ببعض الذوق وابتسامة لا تصل لعينيه. إكرامًا فقط لشقيقه الأكبر الذي أومأ له بعينيه ليفهم. وحتى حينما صافح العروس يبارك لها هي الأخرى تماسك عن نزع كفه التي أطبقت على كف شروق. رغم أدعائه الحياء.
فهو ليس بغافل عن نظرته إليها بطرف عينه. حتى ذهب مع أخيه وتركهم. تنهد ببعض الارتياح وهو ينظر للعروسة الجميلة التي انتبهت لتغير لونه فاقتربت منه تسأله: -إيه مالك؟ في حاجة زعلتك؟ هز برأسه ينفي مجفلًا من فطنتها: -لا طبعًا.. أنتِ ليه بتقولي كده؟ أجابته ببساطة: -يعني عشان وشك اتقلب لما شفت اللي اسمه سعد ده لما جه وسلم علينا.. أنا أخدت بالي على فكرة.. بس أقولك على حاجة.. أنا كمان مش طايقاه. أشرق وجهه مرة أخرى
وهو يردد أمامها بالضحك: -على النعمة أنتِ مصيبة. بوسط الفتيات كانت نيرمين ما زالت تراقب وهي تدعي التصفيق والغناء مع الفتيات. حتى ملت أن تكون بالهامش وهي ترى زهيرة مندمجة مع النساء بفرح وزوجها هو الآخر مع نسيبه الجديد شاكر. أما علاء فبالرغم من جلوسه مع سعد ولكن عيناه لم تترك الفتاة هذه شقيقة العروس. قررت التعويض عن نفسها ولفت الانتباه. وهي تدخل في وسط الفتيات ترقص بضمير وحنكة.
حتى استطاعت لفت أنظار الجميع بما فيهم زهيرة التي كبتت قهرها وهي تستمع لتعليقات النساء جيرانها عن هوية الفتاة وعلمهم بأنها الزوجة الثانية لوالد العريس. وهي تدعي بكل قلبها انتهاء هذه الليلة على خير وذهاب هذه نرمين. حينما انتهت أخيرًا الليلة الطويلة بانتهاء حفل الخطوبة وغادر الجميع حتى أدهم وزوجته. لم يبق سوى العريس الذي انفرد بعروسه في غرفة الجلوس. وترك والدته مع أسرة شاكر في الخارج بوسط المنزل على كنبة الصالون.
تتسامر معهم وتضحك من قلبها. حتى ينزل إليها ابنها علاء الذي كان لا يزال في السطح يشرف على العمال الذين تكلفوا برفع آثار الحفل وتنظيف السطح. فجر كانت بداخل المطبخ تزفر حانقة وقد كلفتها والدتها بإعداد الشاي. فقد استكفت هذه الليلة من تلميحات المرأة ونظرات هذا المدعو علاء التي كانت تتبعها طوال مدة الحفل. رفعت الصينية والتي امتلئت بأطباق الحلويات بجوار كاسات الشاي. تأففت متمتمة: -يارب عدي الليلة دي بقى.. أنا تعبت.
خرجت من المطبخ لتجد الثلاثة ينظرون ناحيتها بابتسامة عريضة تكاد تصل لأذنيهم. تقدمت لتضع الصينية على الطاولة الصغيرة أمامهم. قائلة بتوجس: -الشاي يا جماعة. جذبتها المرأة من ذراعها لتجلسها بجوارها قائلة بمحبة: -وهاتمشي ليه بس يا قمر؟ ماتقعدي معانا كده و أنسينا.. ده إحنا بقينا أهل وبكرة الشقتين يبقوا بيت واحد كمان. تبسمت بتكلف وهي تدرك ما تبطنه إشارة المرأة فقالت بمجاملة:
-طبعًا يا طنط.. البيت بيتك أكيد.. بس معلش بقى أنا تعبانة ونفسي أريح شوية. نهرتها والدتها بصرامة: -ما تهمدي يابت واقعدي دقيقتين.. خلاص يعني هاتموتي وتنامي؟ هتفت عليها زهيرة بابتسامة: -لا بقولك إيه يا سميرة.. أعملي حسابك يا عينيا ماتزعقيش في القمر دي تاني.. دي خلاص يا حبيبتي بقت حماية! أكمل على قولها شاكر: -أيوه بقى يا سميرة.. ده الظاهر كده إحنا مش هانعرف نكلمها تاني.. مدام بقت في حماية الست زهيرة والمعلم علاء.
انسحبت الدماء من وجهها وقد وصلها معنى التلميح الصريح من الاثنين. وبالأخص حينما لمحت النظرة القلقة بعيون والدتها. فهي أكثر من يعرفها. نهضت سريعًا تنوي الهروب ولكن المرأة الطيبة أوقفتها من يدها. قائلة بسذاجة: -المرة اللي جاية بقى هتبقى ليلتك يا قمر.. وليكي عليا أنا بقى لاخليها ليلة كبيرة تليق بالقمر وعريسها نن عين أمه. هنا فلت الزمام ولم تعد بها قدرة على التحمل لأكثر من ذلك. نزعت يدها من كف زهيرة بسرعة وهي تهتف بحدة:
-كان نفسي يا طنط أفرحك.. بس للأسف أنا لا عندي وقت للجواز ولا عايزة أتـجوز من أساسه. خبئت الفرحة بوجه زهيرة وتحول لونه للشحوب. كحال شاكر وزوجته الذين ألجمتهم الصدمة لعدة لحظات قليلة قبل أن يقطعها صوته العنيف: -أم علاء. التفت الجميع على وجهه وهو واقف أمامهم بمدخل البيت. وأنفاسه الهادرة مع اشتعال عينيه أخبرتهم جميعًا أنه سمع كل ما قد قيل. -اتفضلي يا ست هانم. ألقت نظرة بطرف عينها وهي تدلف لداخل المنزل استهجانًا
على نبرته المتهكمة وقالت: -ومالك بتقولها كده وأنت بتتكي على الكلام؟ صفق الباب بقوة وهو يضع سلسلة مفاتيحه في جيب سترته فقال: -طبعًا.. وأنتِ هامك حاجة؟ هيبة جوزك ولا سمعته قدام الناس ولا تفرق معاكي بمليم حتى. استدارت شاهقة وهي تضع يدها على خصرها: -ده بجد بقى أنت زعلان.. وأنا أقول لاوي بوزك ليه شبرين من ساعة ما خرجنا من عند نسايب ابنك؟ -لمي نفسك يا نرمين. أجفلت منتفضة من صيحته الهادرة فخرج صوتها بتوتر: -في إيه يا شاكر؟
هو أنت بتزعقلي كده ليه أساسًا؟ عملت إيه أنا؟ خطا يقترب منها حتى أمسك بمرفقها فقال مابين أسنانه: -بقى بالذمة أنتِ مش عارفة عملتي إيه؟ لميتي معازيم الفرح كلهم عليكي وأنتِ بترقصي ولسه مش عارفة عملتي إيه؟ قالت بخوف ومداهنة: -بقى دا هو دا غلطي يا شاكر؟ إني رقصت فرحانة بخطوبة ابن جوزي؟ شدد على مرفقها: -بلاش ملاوعة معايا يا نرمين.. أنتِ رقصتي قدام الكل رجالة وستات قاصدة تلفتي النظر ليكي ولا أنتِ فاكرني غبي.
-لا مش غبي يا شاكر.. بس أنا فاهمة زعلك من إيه بالظبط؟ أنت خايف على إحساس السنيورة مراتك.. صح يا شاكر ولا أنا كدابة؟ فلتها بعنف هاتفًا بازدراء: -وماله لما أخاف على إحساس مراتي أم ولادي.. هو أنتِ فاكراني حجر وما بحسش.. ده أنتِ اللي جبلة بقى. تركها وذهب بغضبه. تمايلت هي بجسدها تلوي شفتيها غير آبهة. جالسة على طرف التخت عاقدة كفيها بحجرها مطرقة رأسها للأسفل.
كطفلة صغيرة تتلقى التوبيخ من والدتها التي كانت تقطع الغرفة ذهابًا وإيابًا أمامها بعصبية وهي تصرخ عليها بشكل هيستيري: -ردي عليا وفهميني.. ساكتة ليه؟ همست بصوت خفيض: -يعني عايزاني أقول إيه؟ صاحت بصوت أعلى: -هو أنا لسه هاقولك يا عين أمك؟ أنا عايزة أفهم بقى.. أنتِ بتكرهيه ليه؟ جالك قلب تكسري فرحة الولية الغلبانة دي إزاي بس؟ أغمضت عيناها بتعب فقالت بخزي:
-أنا ما كنتش قصدة أحرجها ولا أكشفها.. بس هي اللي اضطرتني لما فاتحتني كده فجأة.. ثم حكاية أكسر قلبها دي أوفر أوي بصراحة.. لأن الجواز نصيب ولازم يجي بالقبول. دنت إليها برأسها تسأله بتعجب: -وأنتي بقى يا عين أمك مش قابلة علاء؟ قالت بقوة: -أيوه مش قابلاه يا ماما.. فيها حاجة دي؟ صاحت والدتها بصوت فاقد للسيطرة: -أمال هاتقبلي بمين يا بت؟
لما علاء بجلالة قدره اللي كل بنات المنطقة يتمنوا ضفره أنتِ مش قابلاه.. ما تقولي يا عين أمك.. خليني أعرف مزاجك يا سنيورة.. ما تقولي يا بت؟ -خلااااص يا سميرة. صاح بها شاكر الذي اقتحم الغرفة فجأة وتابع: -لمي الدور بقى وخلينا ننام في الليلة المهببة دي.. واعتقيها بقى الليلادي واعتقينا إحنا كمان. -ماشي يا شاكر.. زي ما تحب. زفرت ارتياحًا بخروج والدتها مع أبيها فاتفاجأت بسؤال شقيقتها التي دلفت هي الأخرى. تسألها بدهشة:
-يعني أنا اللي سمعته صحيح يا فجر؟ طيب إيه العيب اللي في علاء عشان ترفضيه؟ سدت أذنيها قبل أن تدخل في الفراش وتشد الغطاء حتى رأسها. فقالت من أسفلها: -ممكن تطفي النور يا شروق عشان عايزة أنام. دلف لداخل الشرفة فوجده جالسًا على مقعده ينفث دخان سيجارته في الهواء بوجه شارد. اقتربت منه بخطوات مترددة وهي تفرك بيديها فقالت بتوتر: -هاتفضل كده سهران يا ابني؟ مش ناوي تقوم تنام بقى؟
التفت إليها برأسه مستندًا بمرفقه على ذراع المقعد وسيجارته بين أصابعه فقال بنظرة خاوية: -روحي نامي أنتِ يا ماما.. وأنا لما يجيني النوم هنام أنا كمان ومش هاستنى. طعنها هذا الحزن الذي رأته بعينيه فقالت: -هو أنت حبيتها يا علاء؟ سألها مجفلًا: -هي مين؟ أسبلت عيناها وهي لا تجرؤ على النطق باسمها. فقال هو متفهمًا: -مش وقت الكلام ده دلوقتي يا ماما.. إحنا بقينا نص الليل. لم تتحرك للخارج ولكنها قالت برقة: -ماتزعلش مني يا حبيبي.
هز برأسه وزفر دخان سيجارته بقوة وهو يسألها باستياء: -أزعل منك ليه بس يا ماما؟ -حاسة إني استعجلت وبوظت الدنيا لما فتحت الموضوع كده خبط لزق.. كان لازم برضوا البت تاخد وقتها وتفكر قبل ما... -خلاص يا ماما أبوس إيدك. قاطعها بتعب وهو يتناول كف يدها يقبلها وتابع: -ممكن نأجل الكلام ده لبكرة عشان أنا تعبان بجد ومش قادر؟ -ممكن يا حبيبي. أومأت برأسه ثم قبلته على جبهته وقبل أن تستدير للخروج رددت مرة أخرى:
-بس اوعدني إنك هتريح جسمك وتنام يا علاء. أومأ برأسه يرضيها حتى خرجت فعاد هو لشروده مرة أخرى. -أنام إزاي بس من قبل ما أعرف هي رفضتني ليه؟ نهض فجأة يضرب بقبضته على حاجز الشرفة الإسمنتي وهو يحدث نفسه: -البت دي بتكرهني.. أنا النهاردة بس أخدت بالي من نظرتها.. دي نظرة كره خالصة.. بس ليه؟ بيني وبينها إيه عشان تكرهني كده؟ أنا لازم أفهم ولازم أعرف اللي في دماغها.. أنا مش هاقبل أترفض كده من غير ما أعرف السبب. بس إزاي؟
دي حتى بطلت ما تطلع بلكونتها عشان ما تشوفنيش.. لدرجادي هي مش طايقاني؟ طب ليه؟ ظل على وضعه يحرق صدره بدخان التبغ وهو يحدث نفسه كالمعتوه حتى أشرقت الشمس على استحياء. فا أحس بوقع خطوات خفيفة تسير فوق رأسه على سطح المبنى الإسمنتي. شرد قليلًا بتفكير. قبل أن يرتدي قميصه على عجل ويخرج من شقته متجهًا للأعلى.
ملتفة بشالها وهي تنظر لشروق الشمس بشرود مستمتعة بهذه النسمات الباردة والهدوء المسيطر على الميدان أمامها بالحركة الخفيفة للبشر والقليلة للسيارات. لقد مرت عليها ليلة بشعة لم يرق جفنها للنوم فيها ولو لحظة. رغم ما تدعيه من برود أمام والدتها فهي فعلاً أشفقت على المرأة. بعد رفضها العنيف لابنها فبرغم رفضها المسبق. إلا أن هذه لم تكن نيتها أبدًا في جرح المرأة المريضة. ولكن هي من أجبرتها بطيبتها وسذاجتها.
وحدث ما لم تتمنى حدوثه. فماذا بيدها الآن؟ علّ هذا الرفض يخفف قليلًا وقع هذا الضغط الذي ظل جاثمًا على ظهرها طوال الأيام الفائتة حتى أرهقها واستنزف طاقتها. أغمضت عيناها تتمنى الخلاص والهرب بعيدًا عن ذكرياتها ومحيط أسرتها وكل ما يؤرق حياتها ويُتعبها. فتحت عيناها فجأة بعد أن شعرت أنها لم تصبح وحدها في السطح ويبدو أنه يوجد من يشاركها فيه. التفت فجأة فاصطدمت عيناها بعينيه العنيفة في نظرتها.
بلعت ريقها الجاف قليلًا قبل أن تأخذ قرارها للهرب من أمامه والنزول فورًا. ولكنها تفاجأت به يقطع الطريق أمامها بجسده الضخم. تحركت لتغير الطريق ولكنه تحرك معها ومنعها من السير. رفعت رأسها إليه متسائلة فتفاجأت بنظرتها القوية من مستوى طوله الفارق عنها وهو يدعوها للتحدي. قالت بتماسك مزيف: -لو سمحت سيبني أمشي وأنزل.. ما يصحش كده. قال بحدة: -ما فيش نزول. -نعم!! -ما بقولك ما فيش نزول. برقت عيناها وهي تهتف بغضب:
-بقولك سيبني أنزل.. هي فتونة يا معلم يا شهم. تغاضى عن لهجتها المتهكمة فقال مابين أسنانه: -أنتِ مش هاتنزلي من هنا غير لما تقوليلي.. أنتِ رفضتيني ليه؟ ارتدت للخلف مجفلة من جرأته فقالت بدفاعية: -وفيها إيه بقى لما أرفضك؟ ولا أنت مستكثر عليا إني أرفض المعلم علاء بجلاله وقدره؟ قال بحدة: -لا مش مستكثر عليكي الرفض يا ستي.. وحكاية القبول دي من عند ربنا.. بس أنتِ في سبب واضح قوي عندك وأنا شايفه في عنيكي دلوقتي وأنا بكلمك.
احتدمت أنفاسها بالصعود والهبوط وهي تنظر إليه بقوة صامتة. فتابع هو بالتأكيد: -مدام سكتي كده يبقى في صح.. خليكي شجاعة بقى واتكلمي. -اتكلم أقول إيه؟ -قولي عن السبب اللي مخليكي تكرهيني وعامل حاجز بيني وبينك من أول مرة شوفتك فيها.. قولي بقى وريّحيني.. إيه اللي بينك وبيني؟ صاحت صارخة بوجهه: -إللي بيني وبينك فات.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!