بخطواتٍ مثقلة وذهنٍ مشتت تخطت الباب الخارجي للمدرسة. لا تتمنى العودة للمنزل الذي هي واثقة تمام الثقة الآن أنه أصبح خلية نحل تعُج بالأهل والأقارب والجيران وهن يتضافرن مع والدتها لمساعدتها والتهنئة لحفل الخطوبة الذي تقرر إقامته فوق سطح المنزل.
لقد تمكنت من الخروج صباحًا بأعجوبة، متحججة بوضع طارئ في المدرسة لا تستطيع الإفلات منه أو التغيب عنه. فهي أرادت الخروج وبشدة لتتنفس هواءً آخر، بعيدًا عن محيط هذا الرجل الذي توغل بخبثه داخل عقول أفراد أسرتها.
أسبوع كامل مر على خروج إبراهيم من المشفى وهذا الرجل يأتي يوميًا للإطمئنان عليه ومداعبته. فتعلق به الطفل الصغير كما تعلق به من قبل أبيها ووالدتها. كما تعلقت به شقيقتها شروق الذي اعتبرته أخيها من وقت أن قُرأت فاتحتها على أخيه حسين، وكأنها كانت تنتظره طويلًا ليقوم معها بدور الشقيق الأكبر.
فاندجت الأسرتان بكمياء نادرة وأصبحت الشقتان مفتوحتان أمام بعضهم وكأنهم عائلة واحدة. لم يتبقى لها في المنزل سوى غرفتها المحصنة عنه وعن والدته التي كلما رأتها لمحت لها بسذاجة وكأنها لا تفهم ما يدور بعقل المرأة.
كل ما تمر به الآن فوق طاقتها وفوق احتمالها. حتى صديقتها الغالية سحر التي كانت تلجأ لها معظم الأوقات فتستطيع بذكائها وخفة ظلها أن تخفف عنها وتُدخل السرور بقلبها، ابتعدت هي الأخرى عنها مضطرة في رحلة سفر مع والدتها لبلدتهم لحضور حفل زفاف إحدى أقاربهم ولم تعد حتى الآن.
تنفست بعمق وهي تعتلي الرصيف المؤدي لموقف الباصات حتى تستقل إحداهم. فلا داعي للهروب أكثر من ذلك والتنصل من واجباتها تجاه أسرتها وشقيقتها في مناسبة هامة كهذه.
تباطئت خطواتها حينما لفت نظرها وقوف هذه السيارة الرياضية باهظة الثمن بجانب الرصيف وبمنطقة كهذه تبدو السيارة غريبة عن المكان وسكانه والمدرسة الحكومية أيضًا. قدمت بخطواتها تتخطاها دون أن ترفع عيناها ناحية السائق ولكنها توقفت مجفلة حينما سمعت من يهتف باسمها من الخلف عن قرب. استدارت إليه فوجدته هو نفسه هذا الغريب مدير المشفى الذي رأته سابقًا فسألها بكل جرأة عن فاتن. وقد ترجل من السيارة بأناقة تليق به وبمكانته.
فقال بتردد: "اا ممكن كلمتين لو سمحتي يا آنسة فجر؟ ظلت صامتة لبعض اللحظات مبهوتة لا تستوعب مطلبه. فخطا يقترب منها قليلًا يكرر: "آسف لو خضيتك أو افتكرتيني مجنون.. بس أنا بجد محتاج أتكلم معاكي ضروري." خرج صوتها المندهش تلوح أمامه بكفها: "تتكلم معايا في إيه بالظبط؟ أنا بيني وبينك إيه عشان يبقى في ما بينا كلام ضروري؟
"أنا عارف إن مافيش بينا حاجة.. بس أنا غايب بقالي سنين طويلة عن البلد وكان يهمني أعرف منك.. اللي مقدرش أسأل حد غيرك عنه. أرجوكي اركبي معايا وأنا أوعدك مش هاخد من وقتك كتير." برقت عيناها وهتفت بحدة: "أركب معاك فين؟ أنت اتجننت؟ أعرفك منين أنا عشان أخرج معاك وأكلمك عن اللي فاتك في سنين غربتك بعيد عن البلد." تكلم بمهادنة وقد كان حديثه يبدو كرجاء:
"أنا آسف حقيقي بجد.. بس لو مش عايزة تركبي معايا خلاص ممكن ندخل الكافيه اللي موجود هناك ده آخر الشارع.. بس أرجوكي ماتكسفنيش.. أنا مافيش قدامي غيرك وانتي إنسانة واعية جدًا لتصرفات البني آدم اللي بيكلمك.. إن كان كويس ولا وحش."
بصرت بعينيها إلى الكافيه الذي لوح إليه بكف يده ناحيته. فعادت تنظر إلى وجهه جيدًا فوجدته شاحبًا وعيناه حمروان وكأنها لم تذق طعم النوم منذ عدة ليال. تعجبت لحال هذا الرجل الغريب وتصرفاته الأغرب معها. فوجدت نفسها تخبره ببعض الطف: "أنا أساسًا متأخرة على خطوبة أختي.. يعني مش فاضية للخروج ولا الكلام أصلًا." طرق بعينيه أرضًا بخيبة أمل قبل أن يرفعها ثانية إليها فقال: "طب ممكن نخلي اللقاء يبقى في يوم تاني؟ خرج ردها بسؤال:
"طيب ممكن أنت بالظبط تفهمني؟ عرفت توصل لي إزاي؟ ولا عرفت تجيب عنوان مدرستي اللي بشتغل فيها منين؟ هز اكتفاه يجيب بسهولة: "عادي.. سألت عنك وعرفت! ..................................
حينما عادت إلى منزلها، كما توقعت تمامًا وجدته ممتلئ على آخره بالأقارب والجيران من سيدات أتت لتساعد والدتها في تحضيرات الحفل كإعداد بعض الأطعمة وبعض أصناف الحلويات بالإضافة لتحضير المشروبات الباردة ومعهم أطفالهم الذين كانوا يركضون ويلعبون بداخل البيت وكأنه ساحة للعب. وفتايات يبدوا من أعمارهن أنهن اتين من أجل العروس التي كانت بغرفتها وأصوات ضحكاتها العالية مع الفتيات صادرة خارج الغرفة وبقوة.
سمعت صوت والدتها من المطبخ ولكنها لم تجرؤ للدخول إليها فقد كان مزدحم بالنساء حولها. أكملت سيرها إلى غرفتها الحبيبة وعندما همت لفتحها وجدتها مغلقة من الداخل فطرقت على بابها. فوصلها صوت نسائي من داخل الغرفة: "أيوة ياللي بتخبط مين أنت يالي اللي على الباب؟ "أنا فجر اخت العروسة وصاحبة الأوضة."
"أبلة فجر.. أيوة صحيح.. معلش والنبي ياحبيبتي أصلي برضع الواد.. استنيني دقيقتين بس وأفتحلك.. أنا جارتك أم مروان اللي ساكنة فوقيكم على طول.. انتي عارفاني؟ تمتمت بتعب: "طبعًا عارفاكي ياستي." زفرت بضيق وهي ترتد للخلف عائدة فلم تجد موضع قدم أمامها لتستريح بها سوى غرفة أبويها المغلقة بإحكام وغرفة إبراهيم وهي لا تفضل إزعاجه في هذا الوقت. فأين تذهب الآن والغرفة الباقية لشقيقتها صاخبة بأصوات الفتيات.
قررت التوجه ناحية الحمام لتغسل وجهها ويديها، فتنفرد مع نفسها لدقائق، حتى تنتهي أم مروان من إرضاع ابنها. اغلقت الباب خلفها فور أن دلفت لداخله والتفت للمغسلة لتغسل بكفيها على وجهها بالمياه الباردة وهي مستمعة ببرودتها على وجهها قبل أن ترفع رأسها أخيرًا لتنظر في المرآة. فوجدت انعكاس شبحه أمامها.
شهقت مخضوضة وهي تلتف بكليتها ناحيته مزعورة وهو واقف خلفها بالفانلة الدخلية البيضاء وبنطاله الجينز الباهت القديم. فتحت وأغلقت فمها عدة مرات وهي تتشبث بحافة الحوض فلم يخرج سوى بعض الكلمات المتقطعة: "انت ا.. انت إيه.. جيت ا.. إيه اللي جابك هنا؟ بكف يده أوقفها وهو يشير إليها قائلًا بهدوء وصوت خفيض:
"وطي صوتك.. إهدي.. أنا هنا بغير حنفية الشطاف.. وانتي اللي دخلتي هجم تغسلي وشك على الحوض من غير ما تاخدي بالك مني وأنا قاعد مقرفص تحت هنا عند القعدة." "وتيجي.." "بقولك وطي صوتك." استجابت لمقاطعته فخرجت جملتها التالية بهمس مع رعبها: "وانت إيه اللي يجيبك حمامنا أساسًا؟ مافيش سباك هو اللي يقوم بالمهمة دي عنك؟ أجابها بثقة رغم همسه:
"في طبعًا.. بس أنا مقبلش حد غريب يدخل بيتكم وأنا موجود والحاجات دي أنا ياما عملتها بكل سهولة." جحظت عيناها وفغرت فاهها مندهشة من هذا المتبجح. همت لتتكلم ولكن أجفلها الصوت النسائي الصادر من قريب. فاستدارت برأسها فورًا وهي تلمح خيال امرأة وهي تتحرك من خلف الزجاج في أعلى الباب. كما يبدو أنها تبحث عن شيء ما في الخارج.
عادت إليه بنفس اللحظة تنظر برعب قاتل، عما قد يقال عنهم لو فتحت المرأة الباب الآن. من المؤكد سيتظن بها السوء وتتخيل بخيالها وضعًا مشينًا. وجدته يشير بيده على فاهه حتى تصمت ولا تتحرك لعدم إثارة شك النساء الثرثارات. ما أثار دهشتها حقًا هو هذا القلق الذي رأته بعينيه ووجهه الذي كان مغلفًا بصرامة وجدية لا يشوبها أي مظاهر للتسلية أو العبث.
وقفت مذعنة لأمره ولكنها أشاحت بوجهها عنه وأعطته ظهرها المتشنج وهي ترتجف خوفًا كطفلٍ صغير ينتظر العقاب. وهي لا تشعر به من الخلف فقد كان خوفه عليها وعلى سمعتها الطيبة أضعاف، مشفقًا على عقلها مما يدور به الآن من أفكار وهواجس تعصف بها مع هذا الوضع الغريب. بمجرد ابتعاد المرأة خرجت على الفور راكضة من أمامه. فتركته يتنفس براحة وتعب أيضًا. ..................................
دلفت لداخل غرفتها سريعًا والتي وجدتها بالصدفة خالية من المرأة التي كانت تُرضع ابنها. أغلقت الباب وصفقته بقوة وهي ترمي على الفراش بانهيار. لقد كانت على وشك أن تفقد سمعتها بسببه وهي محبوسة معه في هذه المساحة الضيقة.
ذرفت دموعها المتعبة بعدم احتمال. لقد خارت قواها ولم تعد بها طاقة للتحمل وما يزيد بقلبها القهر هو الكتمان وهي لا تجد من يشاركها هذا السر الذي أثقل ظهرها سوى صديقتها وهي غير موجودة الآن. ولكن إلى متى تستطيع الصمود أمام هذا الحصار؟ مسحت بيدها دمعتها بسرعة خاطفة وهي تتناول الهاتف من حقيبتها لتهاتفها. لم تنتظر كثيرًا حتى فُتح الاتصال. فهتفت عليها فجر بمناجاة: "أنتي فين يا سحر وسايباني؟ أنا تعبانة أوي وعايزاكي جنبي."
وصلها الصوت القلق: "أنا فين إزاي يابنتي؟ ما انتي عارفة إني موجودة في البلد.. هو إيه اللي حصل؟ صاحت صارخة: "لقيته في الحمام ياسحر.. لقيته في الحمام." "نهار أسود.. هو إيه اللي لقيتيه في الحمام؟ "الزفت ياسحر.. الزفت اللي احتل بيتنا وبقى حاسب نفسه من أهله.. تعالي ياسحر.. أنا محتاجاكي دلوقتي أكتر من أي وقت."
"ياحبيبتي أنا فاهمة إنك تعبانة وحاسة بيكي.. لو عليا أركب العربية وأنزلِك القاهرة حالًا.. بس أعمل إيه بقى في الورطة اللي أنا فيها والنهاردة حنة بنت خالي وبكرة دخلتها كمان.. المهم دلوقتي أهدي وفهميني بشويش.. هو مين الزفت اللي شوفتيه في الحمام؟ ..............................
في المساء كان حفل الخطوبة وقد تزين سطح المبنى بشكلٍ رائع ونظمت المقاعد المستقبلة للمهنئين من أقارب وجيران ودي جي وبعض السماعات. لقد كان الحفل عائلي وصغير.
العروس الجميلة كانت جالسة بجوار عريسها بركنٍ وحدهم. فجر والتي ارتاحت قليلًا بعد جلسة الفضفضة في الهاتف مع صديقتها المحبوبة سحر، أخرجتها قليلًا من هذه الشرنقة الخانقة. فاستطاعت الاندماج في الحفل مع المهنئين وأجواء الحفل العائلي البسيط الذي تم بناءً على رغبة العروسين، أو بالأصح رغبة شقيقتها العروس، التي أرادت تقليد إحدى تريندات الميديا.
ارتدت فجر فستان بلونٍ أزرق مزين ببعض حبات الكريستال بنفس اللون. أظهر جمال قوامها ورشاقتها. وجهها الجميل زينته ببعض المساحيق الخفيفة. شعرها البني الذي صففته بعناية كان يتراقص بنعومته وكثافته بشكلٍ سرق عيناه معها أينما ذهبت. حتى لكزه والدته على ذراعهِ بشكلٍ أجفله: "عينك يا واد." قال بعدم استيعاب: "في حاجة ياما؟ تبسمت بمكر وهي تغمز بعينيها: "لما أنت كده هاتتجنن عليها وهاتكُلها بعنيك.. ساكت ليه ماتتكلم خلي الفرحة تكمل؟
هز برأسهِ يضحك بارتباك: "إيه اللي بتقوليه دا بس يا أم علاء؟ لكزته مرة أخرى: "بقول اللي شايفاه ياروح أمك.. فاكرني مش واخدة بالي.. دا أنت عيونك فاضحاك.. بس البت تستاهل.. جمال وتربية.. حاجة تشرح القلب كده.. يا زين ما اختارت يا حبيبي.. ياللا بقى عشان تنور دنيتي أنت وأخوك بالفجر والشروق مع بعض." لم يستطع التماسك أكثر من ذلك فضحك من قلبه وهو يلف ذراعهِ على كتفها: "بقيتي عفريتة يا أم علاء وبتعرفي تقلشي كمان."
نهرته هي قائلة بجدية: "ماتخدنيش في دوكة وقول آمين عشان أكلم والدتها ولا أبوها خلينا نتحرك.. دا خير البر عاجله." خبأت من وجهه الإبتسامة. لا يدري بما يجيبها. فطلبها هذا أشد ما يتمناه ولكن لا يدري ما الذي يجعله قلق من ناحيتها. وهي غامضة وكثيرًا يرى بعينيها مشاعر غريبة ولا يدري تفسيرها.
خرج من شروده على لكزة أخرى من والدته ولكن وجهها قد شحب وذهب عنه السرور. وهي تحدق بعينيها للأمام. نظر للوجهة التي تنظر إليها فتشنج جسده وتصلبت عضلاته وهو يرى أبيه الذي دلف بداخل السطح ومعه زوجته الجديدة نيرمين وهي تتأبط ذراعه بزينتها الصارخة على فستان باللون النبيتي. وحجاب أظهر نصف شعرها فتدلى من رقبتها سلسال كبير من الذهب على شكل قلب بالإضافة للأساور والحلي التي زينت كفها ورسغها. خرج صوت والدته
المرتعش من فرط انفعالها: "شايف أبوك وعمايله يا علاء؟ التفت إليها قائلًا برقة بعكس النيران التي تفور بداخله: "سيبك منهم ياما.. ماتخليهمش يضيعوا عليكي فرحتك بابنك." بابتسامة شاحبة وهي تتابعهم بعينيها قالت: "فرحة إيه بقى.. ما هو أبوك ومراته قاموا بالواجب.. أنت واخد بالك؟ دا بيعرفها على نسايبنا.. شاكر ومراته.. ودلوقتي يسحبها ويتصوروا مع أخوك العريس وشروق عروسته." طعنه هذا الألم الذي رآه جليًا بداخل
عينيها فشدد بذراعيه عليها: "فوقي ياما واصحي كده.. أنا عايزك شديدة وقوية.. ولا أنت نسيتي إحنا كنا بنتكلم في إيه؟ عادت إليها ابتسامته الصافية وهي ترفع إليه رأسها: "أنسى إزاي بس يا حبيبي؟ دا إحنا كنا بنتكلم على فجر وخطوبتك عليها." انعاشه ابتسامتها فود من قلبه أن تظل هذه الإبتسامة على وجهها الجميل فلا تغيب أبدًا. فأخذ قراره بدون تفكير: "خلاص ياما أنا موافق.. بس ياريت بقى تقنعي البت وأهلها يبقى قريب عشان مستعجل أوي."
أشرق وجهها بالفرح وكأنها عادت طفلة صغيرة فشدت على خصره بذراعيها تردف بسعادة: "هاقول ياحبيبي ولازم أقنع أمها.. دا يوم المنى ياحبيب قلبي يا غالي." ............................. بوجهها الجميل وابتسامتها الرائعة التي سلبت لب قلبه وهذه الشقاوة الفطرية التي تطل بعينيها. والتي في عرفها بأول نظرة منها. كان ينظر إليها هائمًا وهي تداعبه بنظراتها وتلميحات صديقاتها. "إيه ياحسين هاتفضل كده باصصلي وبس؟
فضحتني قدام المصايب اللي هناك دول." ألقى نظرة على صديقاتها فعاد إليها بابتسامة ساحرة: "ومالهم المصايب دول؟ مش عاجبهم العريس بقى؟ شهقت ضاحكة: "مش عاجبهم دا إيه؟ هما يطولوا يلاقوا عريس قمر زيك كده؟ دا تلاقيهم دلوقتي هايموتوا من الغيظ." رفع جايبه قائلًا بمرح: "أمال إيه حكاية فضحتني دي قدامهم." اقتربت منه تهمس بشقاوة: "أنا بس مش عايزهم يحسدوني عليك.. وأنت اسم الله عليك.. أحلى من مهند التركي نفسه."
ارتفع حاجبيه أكثر وازداد مرحه فهم ليرد عليها بابتسامته المعهودة ولكن أوقفه الصوت الأجش المعروف إليه: "مبروك ياحسين." نهض مجفلًا إلى أبيه يعانقه ويقبله ولكن خبأت ابتسامته حينما رأى هذه نيرمين بجواره. فاكتفى بالمصافحة. "الله يبارك فيك يا ولدي." أبيه أبيه فجذب بكفيه إليه ليقبله على جانب وجنتيه، قائلًا بحب: "الف مبروك يا حبيبي.. ربنا يجعلها جوازة العمر." مدت نيرمين كفها هي الأخرى لتهنئته بابتسامتها المعهودة:
"الف مبروك ياحسين.. ربنا يتمم بخير." بادلها التهنئة على مضض وحين أتى دور العروس تقدمت إليها تقبلها وهي تصافحها. "عروستك قمر ياحسين.. ربنا يخليها لك." توقفت مبهوتة أمامها قبل أن تستدرك نفسها وتكمل التهنئة. حينما ابتعد الرجل وامرأته سألته شروق بتعجب: "بقى هي دي مرات أبوك ياحسين؟ دي خالتي زهيرة أحلى منها بمراحل." اكتفى فقط بنظرة معبرة ولم يجيبها بالكلام. فتابعت:
"بس لاحظت ياحسين.. لما وقفت جملتها فجأة وهي بتسلم عليا وبتكلمني.. وكأنها كانت بتشبه عليا؟ مط شفتيه بضيق فقال: "ما تسيبك من سيرة البت دي وخلينا إحنا في كلامنا ياشروق؟ تبسمت بدلال لتعيد إلى وجهه الفرحة: "كنت بقول إني هاتجوز واحد أحلى من مهند! .................
اندماج أدهم في الحديث مع أهل العروس. وانزوت نرمين في زاوية وحدها تتابع فقرات الحفل. تراقب وترصد كل ما تقع عليه عيناها. عقلها يدور في دوامة وهي تحدق بالعروس. لديها إحساس كبير بأنها رأتها قبل ذلك ولكن أين لا تعلم؟
أزاحت الفكر من عقلها حينما رأته بهيئته الخاطفة للأنفاس. يتحدث بهيبة تفوق سنه. لطالما تمنته وفعلت المستحيل لتفوز بقلبه. ولكن كان كالجبل الذي لا يهتز ولا يتأثر. ولكن يبدو أن الجبل لم يعد كذلك. وعيناه متعلقة بهذه الفتاة شقيقة العروس كما علمت من زوجها. ذات الرداء الأزرق. ماسر هذه العائلة؟
أشاحت بعينيه بعيدًا متأففة فتذكرت فورًا أين رأت وجه هذه الفتاة حينما رأت من يدلف لداخل السطح بهيئته الماكرة وخطواته البطيئة متصنع الحياء. همست بداخله: "طول عمري وأنا حاسة إن ليك حكاية كبيرة أوي يا سعد!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!