الطرق العنيف على باب الشقة مستمر والصوت المزعج لجرس المنزل لا يصمت أبدًا. وهو ينظر إليها بصدمة، حتى خرج صوته أخيرًا قائلًا بتشتت: "إيه اللي حصل بالظبط؟ وإنتي إيه اللي جابك أوضتي وأنا إيه اللي نايمني فيها أساسًا؟ كانت تهز رأسها بحركات غير مفهومة وتتمتم بكلام لا يستطيع سماعه مع أصوات بكائها ونشيجها العالي. كرر عليها سؤاله مرة أخرى بترجي: "أبوس إيدك يا فاتن فهميني، إيه اللي حصل يابنت الناس؟ خرجت كلماتها من
وسط بكائها فسمعها بصعوبة: "أنا كمان مش عارفة حاجة، أنا كمان مش فاهمة. بس الأكيد هو إني صحيت فجأة، لقيت نفسي بالوضع وعرفت إني ضيعت... ضيعت." مع ازدياد الحركة العنيفة على الباب الخارجي، نهض مضطرًا يرتدي ملابسه، ولكنه دنا منها فجأة وهو يغلق أزرار قميصه: "أبوس أيدك يا فاتن فهميني طيب، مدام إنتي صحيتي قبلي يبقى أكيد فاهمة حاجة عني. هو أنا اللي اتهجمت عليكي يا فاتن ولا قربت منك وأنا مش داري كدة بنفسي؟
رفعت رأسها إليه تنظر بعينيها التي ذبلت من البكاء ووجهها مغرق بالدموع، وقالت بحدة: "أنا أول ما صحيت وحسيت بنفسي، كان هاين عليا أولع فيك وكنت قايمة أجيب سكينة أغرزها في قلبك وأنا مخي جايب فورًا إن إنت اللي عملت كدة فيا. بس اللي أنقذني منك هي ريحتك." "نعم! قالها ببلاهة وعدم فهم. فتفاجأت به تجذبه من قماش قميصه تتشممه بأنفها، فصاحت بوجهه:
"الريحة اللي هلت في مناخيري وأنا بين الفوقان والنوم وكل حواسي متخدرة، إلا حاسة الشم. مش هي دي، دي ريحة تانية. شمتها أنا كتير، لكن مش ريحتك إنت الغالية، يعني مش ريحتك." بوجه شاحب وصوت خرج بصعوبة وهي تبتلع في ريقها الجاف، قالت ببعض التماسك رغم العواصف الهوجاء التي تضرب بشدة داخل عقلها: "وإيه اللي حصل بعد كدة؟
تتنهد بثقل قبل أن يجيب عن سؤالها وهو يحدق في الجالس بالقرب منها على الطاولة، بوجهه الجامد وقد ذهب عنه حتى السخرية المريرة، وكأنه عاد لقلب الأحداث رغم مرور السنوات. "الأفندي دا يقولك على اللي حصل، لأني اتفاجأت بيه وهو بيقتحم علينا الشقة زي الإعصار وعلى أوضة نومي تحديدًا، كان محدد طريقه بالظبط. وطربق الدنيا فوق دماغي أنا والبنت الغلبانة." التفتت رأسها إليه تنظر باستفسار، فخاطبها بقوة قائلًا:
"تفتكري يعني واحد ظبط حبيبته مع أعز صحابه وفي وضع زي ده، هايبقى إيه رد فعله ساعتها؟ "أذيتها! "لا طبعًا، أنا ما بلمسش حريم. أنا بس هجمت على أخينا ده وفتحت مخه. وهي بقى اعتبرتها مش موجودة ولا تستاهل تعبير مني أساسًا." "بس هي كانت منهارة قدامك واترجيتك تصدقها؟ "وإنت لو مكاني كنت هاتصدقها؟ أطرق عصام بحزن يعتصر قلبه، فهز رأسه نافيًا: "أكيد لأ، أنا مش ملاك." ضرب علاء بقبضته على الطاولة وهو يقول ما بين أسنانه: "ولما هو كدة؟
إيه لزوم المحن ده بقى والقصص الرخيصة اللي بتسمعها؟ رفع عصام رأسه قائلًا بانفعال: "بقى بعد إللي حاكيته دا كله وانت لسة برضوا مش مصدق يابني أدم إنت؟ "يا عم وأنا إيه بقى اللي يخليني أصدق القصة الهبلة بتاعتك دي من الأساس؟ والدليل شوفته بعيني. دا غير كمان إنها طلعت في الآخر حامل، يعني فكك بقى من التمثيلية البايخة دي."
أغمض عينيه يائسًا قبل أن ينقل أنظاره إلى فجر الجالسة واجمة أمامهم، تنظر إليهم بأعين خاوية، فاقدة للحياة بها. "وإنت كمان يا آنسة فجر مش مصدقة برضوا كلامي رغم علمك بأخلاق بنت عمتك؟ قالت بتعب: "يا أستاذ عصام، أنا لا مصدقة ولا مكذبة ولا عدت فاهمة حاجة خالص. أنا حاسة نفسي واقعة في بير غويط دلوقتي والبير دا ملوش قرار. ونفسي ألاقي بقى مخرج من بحر الألغاز دا، لكن مش عارفة."
"يعني برضوا مش مصدقة. طب ما سألتوش نفسكم انتوا الاتنين، هي ليه مجابتش اسمي قدام والدها بعد الدنيا ما اتطربقت فوق دماغها هي لوحدها؟ صمتت فجر وجاء الرد من علاء بتهكم كالعادة: "ودا بقى يأكد لنا إنك برئ، صح؟
"اسمع ياعلاء، إنت لما دخلت علينا الشقة وضربتني وفتحت دماغي، مكنتش فاهم ولا جاب مخي أي حاجة عشان أعرف أرد عليك بيها. أنا ساعتها كنت مقدر حالتك، بس اللي حصل بعد كدة خلاني فهمت. إنت بعد ما مشيت فاتن اترعبت من منظري والفضايح اللي كانت هاتجي من ورايا. لبست هدومها ومشيت وسيبتني. أنا بقى قدرت أتصل بوالدي ودخلت بعدها المستشفى أيام على ما خرجت لقيت البنت الخدامة اختفت نهائي وحاولت أوصلك إنت وأفهمك عن طريق سعد لكنك رفضت وبشدة.
كنت مشغول قوي على فاتن ونفسي أوصلها لكن اتفاجأت بخبر سفرها مع أسرتها على الصعيد. سألت عن عنوانها هناك وكنت مستعد أطلبها منهم وأتجوزها. لكن والدي خاف عليا بشدة من أهلها لما حكيت له الموضوع. وأصر إنه يبعدني ويسفرني أكمل تعليمي في لندن وأنا سافرت زي الجبان وسيبتها."
قال الأخيرة بصوت خفيض وأجش وقد سقطت معها دمعة خائنة على وجنته، أزاحها بإبهامه بسرعة، جعلت الاثنان ينظران إليه وكأن على رؤسهم الطير، قبل أن تنهار فجر فقالت باكية: "يعني كل اللي حصل دا كان مؤامرة والبنت الخدامة مشتركة فيها مع شخص مجهول عليكم؟ طب ليه؟ "بجد مش عارف. الخطة كانت محكمة جدًا وظهور علاء في الوقت ده بالذات عقد الدنيا من جميع النواحي." "وأنا كنت هاعرف منين كل كلامك ده؟
أنا جاتني رسالة من شخص مجهول بيحذرني فيها من صاحب عمري اللي خطف حبيبة قلبي وخلاها تسيب الدنيا وتعيش معاه في الحرام. أنا اتبرجلت من الرسالة دي ومكنتش مصدق بس لما اتصلت بأمي أكدت لي إن البنت هربانة من أهلها بقالها يومين. أنا برج من عقلي كان هايطير مني من الكلام العجيب ده وغصب عني لقيت نفسي مقدم على إجازة وادعيت فيها مرض والدتي. وبمجرد ما نزلت على بيتنا عشان أستفسر وصلتني رسالة على فوني من رقم مجهول واحد بيستهزأ بيا وبيبلغني بوجود حبيبتي مع عصام في شقته وخيانتهم ليا فيها. وبعدها روحت وشوفت بنفسي وحصل اللي حصل. انتوا لو كنتوا مكاني كان هايبقى إيه تصرفكم ساعتها؟
*** على مقعدٍ خشبي صغير خاص بالقهوة الشعبية داخل الحارة، كان يدخن الأرجيلة، ينفث دخانها المتصاعد عاليًا بشرود في الهواء وعيناه على المنزل الكبير والذي يشغل مساحة واسعة من حارتهم. لمحها بشرفة غرفتها وكأنها خرجت تبحث عن شئ، ولكنها عادت حانقة تزفر بضيق حينما رأته أمامها بابتسامة جانبية خبيثة. وحدها هي من تعرف مغزاها. غمغم بصوت خفيض:
"والله وبقى ليكي بلكونة عالية يا ست نيرمين تبصي فيها على الخلق اللي تحت من فوق وتقرفي كمان منهم. هه الله يرحم." "بتقول حاجة يا أستاذ سعد؟ "ها؟ إنت بتقول إيه؟ أجفل منتبهًا على سؤال صبي القهوة وهو يضع أمامه كوب الشاي ومعه كوب آخر زجاجي للماء. فعاد الصبي قائلًا: "أصل افتكرتك بتكلمني بس شكلك كدة كنت بتكلم نفسك؟ قال بصيحة أجفلت الرجال الجالسين بقربه: "وإنت مالك إنت؟
أكلم نفسي ولا أكلم خيالي حتى. إنت آخرك تحط قدامي الشاي وإنت ساكت، فاهم ولا لأ؟ مط الفتى شفتيه بنظرة أثارت حنق الآخر: "فاهم طبعًا يا أستاذ سعد. بس إنت ما تزعلش نفسك."
قالها وتحرك ذاهبًا. أمامه فجز سعد على أسنانه ينوي إيقافه بوابل من الشتائم، ولكن نظرة واحدة نحو السيارة الأنيقة التي دلفت داخل الحارة ألجمته، فتابع بعينيه حتى توقفت السيارة أمام المنزل الكبير وترجل منها الشاب الأنيق بحلته الرائعة وحذائه اللامع. شعره الكستنائي المصفف بعناية على بشرته الخمري ونظارته السوداء والحاجبة لون عينيه الخضراء. لفتت كالعادة نظرات الفتيات نحوه من أهل الحارة بإعجاب واضح. لوح بيده ناحية الجالسين بالقهوة فهلل الرجال مرحبين بأصواتهم العالية بمرح، وعلى
رأسهم كان صوت صبي القهوة: "يا ألف مرحب يا حسين باشا، مساء الفل على عيونك." تنفس بعمق ليجلي عن صدره قليلًا هذه النيران المشتعلة بداخله، وهو يرى تجاهل هذا المتعجرف بتحية خاصة له ليساويه بالبقية. تمتم داخله وهو يتناول الهاتف: "ماشي ياسي حسين، خليك كدة فرحان بنفسك." بحث قليلًا داخل صفحته الخاصة بإحدى وسائل التواصل الاجتماعي، فتبسم بانتشاء حينما وصل لمقصده، وهي كانت صفحته! ***
يغتلس نحوها النظرات وهو يقود سيارته، لا يصدق أنها بجواره الآن باختيارها. جالسة في المقعد الأمامي ساندة رأسها المائلة على خلف المقعد باسترخاء، مكتفة ذراعيها وهي تنظر من نافذة السيارة في الخارج بشرود. يؤلمه حزنها هذا وهو يشعر بالعجز في التصديق أو التكذيب لما قد قاله عصام، منذ لحظات. يفتقد الراحة التي كان ينشدها بعد اكتشاف الحقيقة، حتى لو كانت ناقصة أو مزيفة، ولكن وضح أمامها جليًا الآن صدق حديثه معها. ولكن أين ستأتي الراحة لو صدق فعلًا ما قاله عصام ولم يكن كاذبًا؟
أجلى حلقه قبل أن يخاطبها قائلًا: "تفتكري الكلام اللي قالوا عصام النهاردة دا كان صح؟ ردت بصوت هادئ على نفس وضعها برأسها المائلة نحو نافذة السيارة: "وإيه اللي هايخليه يكذب؟ هز أكتافه باضطراب: "يعني... يمكن عايز يفتح مجال للحديث معاكي ويظهر لك براءته." "أفندم! اعتدلت رأسها لتنظر إليه بإجفال: "يعني إيه كلامك دا بقى؟ مط شفتيه فقال: "أنا بفترض يعني عشان بصراحة الكلام دا لو صح، هايبقى الوضع خطير قوي."
ضيقت عيناها تهز رأسها باستفسار، فتابع مستطردًا: "أصل معنى كلامه إن الخيانة جات من حد قريب مننا أوي وكان على علم بعلاقتي أنا وفاتن وعلاقة عصام بيا." أومأت صامتة، فأكمل: "بس المهم بقى هو إنك عرفتي واتأكدتي بنفسك من براءتي من كل التهم اللي اتهمتيني بيها." أطرقت رأسها مسبلة عينيها فقالت بصوت خفيض: "هاتصدقني لو قولتلك إني كنت أفضل إني معرفش؟ سألها باندهاش: "ليه بقى؟ أجابت بحزن:
"على الأقل أنا الأول كنت فاكرة إنها حبت واحد خاين وغدر بيها واتخلى عنها. صدقني رغم قسوة الفكرة، بس دي أرحم بكتير من إني أكتشف إنها اتعرضت لحالة اغتصاب من مجهول ودفعت تمن ذنب مارتكبتهوش. دا إحساس صعب أوي، إن ماكانوش بشع."
أشاحت بوجهها عنه حينما شعرت بالخط السائل لدمعاتها التي تدفقت مرة أخرى على وجهها. تنهد هو بثقل وهو يضرب بكفه على مقود السيارة، لاعنًا عجزه عن كشف الحقيقة بوقتها. ساد الصمت بينهم في محيط السيارة لعدة لحظات قبل أن يقطعه هو قائلًا: "طب أنا مش عايز أفكر عليكي المواجع، بس أنا عندي فضول أسألك، هي ماتت إزاي؟ التفتت إليه قائلة بغموض: "تصدق معرفش؟ "نعم!!
"حقيقي معرفش. هي سافرت مع عمتي ووالدها وانقطعت أخبارهم. وبعدها وصلنا خبر موتها. عمتي ادعت إنها ماتت بحمى شديدة وأهلي طبعًا صدقوا. لكن أنا بما إني كنت عارفة بخبر حملها، فا أنا كنت متأكدة إنها ماتت بسبب تاني خالص، إن ماكنوش دفنوها بإيديهم." انزاحت عيناه عن الطريق فالتفت إلى عينيها الجميلتين وهي تنظر إليه بصفاء رغم حزنها، فقاوم هذه المشاعر التي انتابته في هذا الوقت الصعب قائلًا:
"على فكرة مدام ماشوفتش بنفسك، يبقى مش لازم تكون فكرتك صح عن قتلها." أجفلته سائلة: "تفتكر تكون فاتن عرفت المجرم اللي اغتصبها وهي متخدرة؟ أجابها وهو يلتفت للطريق: "العلم عند الله وحده." *** بداخل غرفتها كانت شروق مستلقية على فراشها، تتحدث في الهاتف مع صديقتها إيمان وتتلاعب بخصلات شعرها بدلال: "يابت يامتخلفة إنتي افهميني بقى، مابيعرفش يقول كلام حلو، دي طبيعته أعمل إيه أنا بقى؟ وصلها الصوت الساخر: "والنبي إيه؟
بقى الحليوة ده اللي عامل زي نجوم السينما مش عارف يقول كلام حلو. بطلي كذب بقى وافتري بقى، ماحدش ياختي هايقرا عليكي اطمني." قالت بابتسامة مرحة: "يعني بعد دا كله وتقولي مافيش قر؟ والنبي أنا خايفة لتحصلي حاجة من عيونكم الفقر دي يا فقر." "بقى أنا فقر يا شروق؟ وهان عليكي تقوليهالي في وشي كدة؟ دا بدل ما تظبطيني وتجوزيني أخوه، حتى عشان نبقى سلايف." على صوت ضحكاتها وهي تضرب بكف يدها على جبهتها بيأس:
"هههههههههه أنا عارفة، والنعمة كنت متأكدة إنك بتلفي وتدوري في الكلام، عشان توصلي في الآخر للكلمتين دول." "طب اعمل بس يابت ياشوشو؟ أصل الجدع أخوه ده من ساعة ما شفته في خطوبتك وأنا عامل لي جنان في عقلي. أصله حليوة أوي." ردت عليها بدلال: "اممم بس برضوا مش أحلى من حسين." قالت خلفها معترضة:
"لا بقى في دي أنا أخالفك بالقوي. أينعم خطيبك حليوة لكن أستاذ علاء، يا أختي عليه رجولة كدة وعضلات، حاجة كدة من الآخر مزيج بين الحلاوة والخشونة." صاحت فيها بمرح: "آه يافاشلة يامستهترة، بتوصفي في الراجل من غير خشية ولا حيا. طب التفتي لمذاكرتك الأول وإحنا في آخر السنة وقربنا من الامتحانات." شهقت صديقتها متذكرة: "فكرتني صحيح، ليدر الدفعة نزل في جروب الكلية جدول المحاضرات الجديد. إنتي شوفتيه؟
اعتدلت بجزعها على الفراش تتناول شروق من على الكمود الحاسب الآلي المحمول (اللابتوب) تفتحه وهي ترد على صديقتها: "لا لسة ما شفتهوش. خليكي معايا بقى عشان أشوف النظام إيه؟ إيه ده؟ "إيه في إيه؟ "استني يا إيمان أشوف الرسايل دي اللي وصلتني من حساب غريب." هتفت إيمان عليها محذرة: "حساب غريب؟ طب أوعي أحسن يكون هاكر ولا حاجة." "يابت إنتي كمان أنا ما فتحتش لينك ولا فيديو... دي مجرد صور بتحمل و.... "يانهار أسود! "إيه في إيه؟
هتفت شروق بغضب: "دي صور لحسين يا إيمان." "حسين خطيبك يا شروق؟ "أيوه هو زفت. متصور وهو حاضن واحدة أجنبية بكل جرأة وهي قلعة أكتر ما لابسة. السافل الخاين. قال وعامل فيا فيها شيخ. وديني لألطين عيشته."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!